ومن فضائل كتابه "الجامع الصحيح" ما رواه الفِرَبْري، قال: سمعت البُخاري يقول: ما وضعت في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين، وفي رواية البُجَيْري: صنفت كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلت فيه حديثًا حتى استخرت الله تعالى، وصليت ركعتين، وتيقنت صحته، ومعنى كونه صنفه في المسجد الحرام: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبه وأبوابه في المسجد الحرام، ثم كان بعد ذلك يخرج الأحاديث في بلده وغيره، ويدل عليه قوله: صنفت "الجامع" من ست مئة حديث في ست عشرة سنة، وجعلته حجة فيما بيني وبين الله تعالى؛ فإنه لم يجاور بمكة هذه المدة، وروى ابن عَدِيّ عن جماعة من المشايخ أن البخاري حول تراجم "جامعه" بين قبر النبي - ﷺ - ومنبره، وكان يصلي لكل ترجمة ركعتين، ولا ينافي هذا ما تقدم، لأنه يحمل على أنه في الأول كتبه
[ ١ / ١٠٢ ]
في المسودة، وهنا حوله من المسودة إلى المبيضة كما يدل عليه لفظ التحويل المذكور.
وقال محمَّد بن أبي حاتم ورّاقه: رأيت البخاري في المنام خلف النبي - ﷺ -، والنبي - ﷺ - يَمْشي، فكلما رفع - ﷺ - قدمه وضع البخاري قدمه في ذلك الموضع، وروى الخطيب عن نَجْم بن فُضَيْل، وكان من أهل الفَهْم، قال: رأيت النبي - ﷺ - في المنام خَرَجَ من قبرهِ، والبخاري يمشي خلفه، فكان النبي - ﷺ - إذا خطا خَطْوة يخطو البخاري، ويضع قدمه على خطوة النبي - ﷺ -.
وروى الخطيب أيضًا أن الفِرَبْرِي قال: رأيت النبي - ﷺ - في النوم، فقال لي: أين تريد؟ قلت: أريد محمَّد بن إسماعيل، فقال: أقرئه مني السلام.
وقال أبو زيد المَرْوَزِيّ: كنت نائمًا بين الركن والمقام، فرأيت النبي - ﷺ - فقال لي: يا أبا زيد إلى متى تدرس كتاب الشافعي، ولا تدرس كتابي، فقلت: يا رسول الله! وما كتابك؟ فقال: جامع محمَّد بن إسماعيل.
وقال أبو جعفر العُقَيْلِيّ لما صنف البخاري كتاب "الصحيح" عرضه على علي بن المديني، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين وغيرهم، فاستحسنوه، وشهدوا له بالصحة إلا أربعة أحاديث، قال العُقَيْلي: والقول فيها قول البخاري، فهي صحيحة.
وقال الحاكم: رحم الله محمَّد بن إسماعيل، فإنه هو الذي ألف الأصول وبين للناس، فكل من عمل بعده إنما أخذه من كتابه كمسلم فرق أكثر كتابه في كتابه، وتَجَلَّدَ فيه حق الجَلادة، حيث لم ينسبه إليه.
وقال أبو الحسن الدَّارَقُطْنِيُّ الحافظ: لولا البخاري لما راح مسلم ولا جاء، وقال أيضًا: إنما أخذ مسلم كتاب البخاري، فعمل به مستخرجًا وزاد فيه أحاديث.
[ ١ / ١٠٣ ]