الفرع الثامن: في ترتيب الصحابة في الفضل؛ وفي السابقين من هم؟
الأول: قد مر الكلام فيه، في أن أفضلهم الخلفاء الأربعة على ترتيب الخلافة، وقد مر عن مالك أنه توقف في التفضيل بين عثمان وعلي، رضي الله تعالى عنهما، لكن حكى عنه القاضي عِياض أنه رجع عن الوقف إلى تفضيل عثمان، وقال القرطبي: هو الأصح، والمشهور عنه، كما أنه هو المشهور عند الشافعي، وأحمد، والثَّوري وكافة أئمة الحديث، والفقه، وكثير من المتكلمين، وإليه ذهب أبو الحسن الأشْعَرِيّ، والقاضي أبو بكر الباقِلّانِيّ، لكنهما اختلفا في التفضيل بين الصحابة، هل هو قطعي الدَّليل؟ أم ظَنِّيُّهُ؟ فالذي مال إليه الأشعري الأول، والباقِلّانِيُّ الثاني. وتقدم الكلام عن كون المسألة اجتهادية أم لا؟
[ ١ / ٤٤ ]
واختلافهما راجع إلى ذلك. فالستة الباقون من العشرة المشهود لهم بالجنة، وقد مروا، فيليهم في الفضل أهل بدر، ثم أهل أحد، ثم أهل الحديبية وهم أهل بيعة الرضوان، الذين نزل فيهم: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]. إلخ الآية. وكانوا ألفًا وأربع مئة رجل.
وأما السابقون المشهود لهم بالفضل في القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠] وبقوله تعالى ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ إلخ، وبقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد:١٠] الآية فقد قال الشعبي وغيره: هم الذين شهدوا بيعة الرضوان. وقال محمَّد بن كَعْب القُرَظيُّ وغيره: هم أهل بدر. وقال أبو موسى الأشْعَريّ وغيره: هم أهل القِبلَتَيْن الذين صلَّوْا إليهما مع رسول الله - ﷺ - وإلى هذا أشار العراقي بعد قوله السابق: " أو تزيد" فقال:
والأفضَلُ الصِّديقُ ثُم عُمَرُ وبَعدَهُ عثْمانُ وهْوَ الأَكثَرُ
أو فَعَلِيٌّ قَبْلهُ خُلْفٌ حُكِي قُلتُ وقَوْلُ الوَقْفِ جَا عَنْ مالِكِ
فالسِّتةُ الباقونَ فالبَدْريَّةُ فأُحُدٌ فالبَيْعةُ المَرضِيَّةُ
قالَ وفَضْلُ السّابقينَ قد ورَدْ فَقِيل هُمْ وقِيْلَ بَدْريٌّ وقَدْ
قيلَ بَلْ أهلُ القِبْلَتَيْنِ ..