وأما ما تقدم من كون الحديث يقتضي أن تكون الصحابة أفضل من التابعين، والتابعون أفضل من أتباع التابعين فهو حق، ولكن هل هذه الأفضلية بالنسبة إلى المجموع أو الأفراد؟ محل بحث.
قال في "الفتح": وإلى الثاني نحا الجمهور، والأول قول ابن عبد البر، والذي يظهر أن من قاتل مع النبي - ﷺ - أو في زمانه بأمره أو أنفق شيئًا من ماله بسببه لا يعدله في الفضل أحد بعده كائنًا مَنْ كان، وأما من لم يقع له ذلك فهو محل البحث، والأفضل في ذلك قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠].
وقال ابن عبد البر: إنه قد يكون فيمن يأتي بعد الصحابة أفضل ممن كان في جملة الصحابة، وإن قوله ﵊: "خَيرُ الناس قَرني" ليس على عمومه، بدليل ما يجمع القرن من الفاضل والمفضول،
[ ١ / ٣٣ ]
وقد جمع قرنه، ﵊، جماعة من المنافقين المظهرين للإيمان، وأهل الكبائر الذين أقام عليهم، أو على بعضهم الحدود.
واحتج بما رواه أبو أمامة أنه، ﵊، قال: "طُوبَى لِمَنْ رآني وآمَن بي، وطُوبى سَبْعَ مَرّاتٍ لِمَنْ لم يَرَني وآمن بي". وبحديث: "مَثَلُ أُمّتي مثلُ المَطر لا يُدْرى أولهُ خيرٌ أم آخرُه". قال في "الفتح": وهو حديث حسن، له طرق قد يرتقي بها إلى الصحة، وأغرب النَّوَوِيُّ فعزاه في "فتاويه" إلى "مسند" أبي يعلى بسند ضعيف، عن أنس، مع أنه عند الترمذي بإسناد أقوى منه من حديث أنس، وصححه ابن حبان من حديث عمار.
وقد روى ابن أبي شَيْبَةَ من حديث عبد الرحمن بن جُبَير بن نُفَير -أحد التابعين- بإسناد حسن، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لَيُدْرِكَنَّ المَسِيحُ أقوامًا إنهم لَمِثْلُكُم أو خيرٌ ثلاثًا".
واحتج أيضًا بحديث عمر في "مسند" أبي داود الطَّيالِسيِّ، قال: كنت جالسًا عند النبي - ﷺ - فقال: "أتدرون أيُّ الخلق أفضل إيمانًا؟ " قلنا: الملائكة، قال: "وحُقَّ لهم بل غيرهم" قلنا: الأنبياء، قال: "وحُقَّ لهم بل غَيرهم" ثم قال - ﷺ -: "أفضل الخلق إيمانًا قومٌ في أصلاب الرجال، يؤمنون بي ولم يَرَوْني، فهم أفضل الخلق إيمانًا". وإسناده ضعيف فلا يحتج به، لكن روى أحمد، والدارمي، والطَّبرَاني، عن أبي عُبيدة بن الجَرّاح: يا رسول الله أأحدٌ منا؟ أسلَمنا معك وجاهدنا معك؟ قال: "قومٌ يكونُونَ مِنْ بعدكم، يؤمنون بي ولم يَرَوْني". وإسناده حسن، وقد صححه الحاكم.
واحتج أيضًا بأن السبب في كون القرن الأول خير القرون أنهم كانوا غُرباء في إيمانهم، لكثرة الكفار حينئذ، وصبرهم على أذاهم، وتمسكهم بدينهم، قال: فكذلك أواخرهم إذا أقاموا الدين، وتمسكوا به، وصبروا على الطاعة حين ظهور المعاصي والفتن. كانوا أيضًا عند
[ ١ / ٣٤ ]
ذلك غُرباء، وزَكَتْ أعمالهم في ذلك الزمان كما زَكَتْ أعمالُ أولئك.
ويشهد له ما رواه مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: "بَدَأَ الإِسلامُ غريبًا وسيعودُ غريبًا كما بَدَأَ فطوبى للغرباءِ".
واحتج بما روي أيضًا من أن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة كتب إلى سالم بن عبد الله أن اكتب لي بسيرة عمر بن الخطاب لأعمل بها، فكتب إليه سالم: "إن عَمِلْتَ بسيرةِ عُمر فأنتَ أَفْضَلُ من عمر، لأن زمانَكَ ليس كزمانِ عُمر، ولا رِجالَكَ كرجال عُمر". وكتب إلى فقهاء زمانه، فكلهم كتب بمثل قول سالم.
قلت: وجه الاحتجاج لكلام سالم ومن معه هو أنهم قالوا له: "لَوْ عَمِلْتَ بعَمَلِ عُمر كنتَ خيرًا منه". فدل على أن العامل بخير من عمل الصحابي أو بمثله يكون خيرًا منه.
واحتج بما رواه أبو داود، والترمذي من حديث أبي ثَعْلَبَةَ رفعه: "تَأْتي أيامٌ للعامل فيها أجرُ خمسين". قيل: منهم أو منا يا رسول الله؟ قال: "بل منكم" وهو شاهد لحديث: "مَثَلُ أُمّتي مَثَلُ المطر". هذا ما أورده من الاحتجاج، ثم قال: فهذه الأحاديث تقتضي مع تواتر طرقها وحسنها التسوية بين أول هذه الأمة وآخرها في فضل العمل لا أهل بدر والحُدَيْبِيَة.
قال في "الفتح": صرَّحَ ابن عَبد البَرِّ في كلامه باستثناء أهل بدر والحُدَيْبيَة، فليس كلامه على الإطلاق في حقِّ جميع الصحابة، والذي ذهب إلَيه الجمهور أن فضيلة الصحبة لا يَعْدِلُها عمل لمشاهدة رسول الله - ﷺ - فأما من اتفق له الذب والسبق إليه بالهجرة أو النصرة وضبط الشرع المُتَلَقَّى عنه، وتبليغه لمن بعده، فإنه لا يعدِلُه أحدٌ ممن يأتي بعده، لأنه ما من خَصْلَةٍ من الخِصال المذكورة إلا وللذي سبق مثل أجر من عمل بها من بعده فظهر فضلهم.
ومحصل النزاع يَتَمَحَّضُ فيمن لم يحصل له إلا مجرد المشاهدة كما تقدم، فإن جمع بين مختلف الأحاديث المذكورة كان متجهًا على أن
[ ١ / ٣٥ ]
حديث "للعامِل منهُم أجرُ خمسينَ منكم" لا يَدُلُّ على أفضلية غير الصحابة على الصحابة، لأن مجرد زيادة الأجر لا يستلزم ثبوت الأفضلية المطلقة.
وأيضًا فالأجر إنما يقع تفاضله بالنسبة إلى ما يماثِلهُ في ذلك العمل، فأما ما قارَبَهُ ممن شاهد النبي - ﷺ - من زيادة فضيلة المشاهدة، فلا يَعْدِلُهُ فيها أحدٌ، فبهذه الطريق يمكن تأويل الأحاديث المتقدمة، وأما حديث أبي عُبَيْدة، فلم تَتَّفِق الرواة على لفظه، فقد رواه بعضهم بلفظ الخيرية كما مر، ورواه بعضهم بلفظ: "يا رَسُولَ اللهِ؛ هل من قومٍ أعظمُ مِنّا أجرًا؟ ".
الحديث أخرجه الطَّبَرانيُّ، وإسناد هذه الرواية أقوى من إسناد الرواية المتقدمة، وهي توافق حديث أبي ثَعْلَبَة، وقد مر الجواب عنه، انتهى.