ولما بلغ - ﷺ - اثنتي عشرة سنة، أو ثلاث عشرة، خرج في تجارة مع عمه أبي طالب، حتى بلغ بصرى، فرآه بحيرى الراهب -بفتح الموحدة، وكسر الحاء، بعدها ياء، ثم راء وألف مقصورة- واسمه جرجيس، فعرفه بصفته، فقال: وهو آخذ بيده: هذا سيدُ العالمين، هذا يبعثه الله رحمةً للعالمين، فقيل له: فما علمك بذلك؟ قال: إنَّكم حين أشرفتم به من العقبة، لم يبق شجر ولا حجرٌ إلا وخر ساجدًا، ولا يسجدان إلا لنبي، وإني أَعرفُه بخاتم النبوة في أسفَل من غُضرُوف كتفه مثلَ التفاحة، وإنا نجده في كتبنا، وسأل أبا طالب أن يردَّه خوفًا عليه من اليهود. والحديث أخرجه ابن أبي شيبة وفيه: أنه، ﵊، أقبل وعليه غمامة تظله، وعند البيهقي، وأبي نعيم: أن بحيرى رآه وهو في صومعته في الركب حين أقبلوا، وغمامة بيضاء تظله من بين القوم، ثم أقبلوا حتى نزلوا بظل شجرة قريبًا منه، فنظر إلى الغمامة حين أظلت
[ ١ / ٧٤ ]
الشجرة، وتهصرت أغصان الشجرة على رسول الله - ﷺ - حتى استظل تحتها الحديث. وفيه أن بحيرى قام واحتضنه، وأنه جعل يسأله عن أشياء من حاله، من نومه، وهيئته، وأموره، ورسول الله - ﷺ - يخبره، فيوافق ذلك ما عنده من صفته، ورأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التي عنده. وخرج الترمذي وحسنه، والحاكم وصححه: أن في هذه السفرة أقبل سبعة من الروم يقصِدُون قتله - ﷺ - فاستقبلهم بحيرى؛ فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: إن هذا النبي خارج في هذا الشهر، ولم يبق طريق إلا بعث إليها بأناس، قال: أفرأيتم أمرًا أراد الله أن يقضيه، هل يستطيع أحد من الناس رده؟ قالوا: لا، قال: فبايعوا، وأقاموا معه، وردَّه أبو طالب، وبعث معه أبو بكر بلالا. وضعف الذهبي هذا الحديث، لقوله في آخره: "وبعث معه أبو بكر بلالا، فإن أبا بكر إذ ذاك لم يكن متأهلًا ولا اشترى بلالا. قال ابن حجر في "الإصابة": الحديث رجاله ثقات: وليس فيه ما ينكر سوى هذه اللفظة، فتحمل على أنها مدرجة مقتطعة من حديث آخر، وهمًا من أحد رواته.