وها أنا أذكر ما قيل فيمن يقال: إنه قرشي، وما ورد من الخلاف في معنى قريش.
ففي قريش أربعة أقوال.
أحدها: أنهم ولد النضر بن كنانة، وبذلك جزم أبو عبيدة أخرجه ابن سعد، وروي عن هشام بن الكلبي عن أبيه: كان سكان مكة يزعمون أنهم قريش دون سائر بني النضر حتى رحلوا إلى النبي - ﷺ - فسألوه عن قريش فقال: "من ولد النضر بن كنانة".
وقيل: إن قريشًا هم ولد فِهر بن مالك بن النضر، وهو قول الأكثر، وبه جزم مصعب، قال: ومن لم يلده فِهر، فليس بقرشي، وإنما هو كناني، يعني مما فوقه.
[ ١ / ٦٢ ]
وقيل: أول من نسب إلى قريش قُصي بن كلاب. فروى ابن سعد: أن عبد الله بن مروان سأل محمَّد بن جبير، متى سميت قريش قريشًا؟ قال: حين اجتمعت إلى الحرم بعد تفرقها، قال: ما سمعت بهذا، ولكن سمعت أن قُصيًا كان يقال له: القرشي، ولم يسمِّ أحد قريشًا قبله. وروى ابن سعد من طريق المقداد: لما فرغ قُصي من نفي خُزاعة من الحرم، تجمعت إليه قريش، فَسُمِّيَتْ يومئذ قريشًا لحال تجمعها. وحكى الزبير ابن بكار عن عمه مصعب: أن أول من تسمَّى قريشًا قريشُ بن بدر بن مخلد ابن النضر بن كِنانة، وكان دليلَ بني كنانة في حروبهم، فكان يُقال: قدمت عير قُريش، فسميت قريش به قريشًا، وأبوه صاحب بدر الموضع المعروف.
واختلف في اشتقاق قريش على عشرة أقوال، فقيل: من التقرش وهو التجمع، وذلك إما لتجمعهم على قصي كما مر، أو لأن الجد الأعلى جاء في ثوب واحد متجمعًا فيه فسمي قريشًا. وقيل: لتجمعهم للتجارة؛ فهذه ثلاثة أقوال على أنه من التجمع. وقيل: من التقرش، وهو أخذ الشيء أولًا فأولًا، وقال المُطرزي: سميت قريش بدابة في البحر هي سيدة دواب البحر، وكذلك قريش سادة الناس. قال صاحب "المحكم": قريش دابة في البحر، ما تدع دابة في البحر إلا أكلتها، فجميع الدواب تخافها، قال الشاعر:
وقُرَيْشٌ هِيَ الَّتي تَسْكُنُ البَحْـ ـرَ بِها سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشَا
تَأْكُلُ الغَثَّ والسَّمينَ وَلاَ تَتَّرِك فيه لِذي جَنَاحَيْن رِيشَا
هكذا في البِلادِ حَيُّ قُرَيشٍ يَأْكلُونَ البِلادَ أَكْلًا كَميشا
وَلَهُمْ آخِرَ الزَّمَان نبِيٌ يُكْثِرُ القتلَ فيهم والخُموشا
قال في "الفتح": الذي سمعته من أفواه أهل البحر، القِرش بكسر القاف، وسكون الراء، لكن البيت المذكور شاهد صحيح، فلعله من
[ ١ / ٦٣ ]
تغيير العامة، فإن البيت الأخير من الأبيات المذكورة يدل على أنه من شعر الجاهلية، ثم ظهر لي أنه من مصغر القِرش الذي بكسر القاف.
وقد أخرج البيهقي عن ابن عباس، قال: قريش -تصغير قرش- وهي دابة في البحر، لا تمر بشيء من غث أو سمين إلا أكلته.
وقيل: سمي قريشًا لأنه كان يقرش عن خَلة الناس وحاجتهم، ويسُدُّها، والتقريش: هو التفتيش.
وقيل: سموا بذلك لمعرفتهم بالطعان، والتقريش وقع الأسِنة، وقيل: التقرش: التنزه عن رذائل الأمور.
وقيل: هو من أقرشت الشجة، إذا صدعت العظمَ ولم تهشمه.
وقيل: أقرش بكذا: إذا سعى به. وقيل: غير ذلك. ولله در القائل:
وَنِسْبَةُ عِزٍّ هاشِمٌ مِنْ أُصُولِهَا وَمَحتدُهَا المرضيُّ أَكْرَمُ محْتِدِ
سَمَتْ رُتْبَةً عَلياءَ أَعْظِمْ بِقَدْرِهَا وَلَم تَسْمُ إلا بالنَّبىِّ مُحمَّدِ
وعِزُّ قريش إنما هو منه - ﷺ - كما قال الشاعر:
وكَمْ أَبٍ قَدْ عَلا بابنٍ ذُرَى حَسَبٍ كَمَا عَلَتْ برسولِ اللهِ عَدْنَانُ
وقد أخرج مسلم من حديث واثلة مرفوعًا: "إن الله اصطفى كِنانة من ولد إسماعيل، واصطفى من كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم".
وروى الترمذي -وقال: حديث حسن- عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إنَّ الله خلق الخلق فجعلني من خير فرقهم، وخير الفريقين، ثم تخير القبائل، فجعلني في خيرِ قبيلةٍ، ثم تخير البيوت فجعلني في خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفسًا، وخيرهم بيتًا" أي: أصلًا.
[ ١ / ٦٤ ]
وروى الطبراني عن ابن عمر قال: "إن الله اختار خلقه فاختار منهم بني آدم، ثم اختار منهم العرب، ثم اختارني من العرب، فلم أزل خيارًا من خيار ألا من أحب العرب فبحبي أَحَبَّهُم، ومن أبغض العرب فببغضي أبغَضَهُمْ".
واعلم أنه - ﷺ - لم يزل ينتقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات إلى أن وُلِدَ، فقد روى ابن سعد، وابن عساكر عن هشام بن محمَّد بن السائب الكلبي عن أبيه، قال: كانت للنبي - ﷺ - خمس مئة أم، فما وجدت فيهن سِفاحًا، ولا شيئًا مما كان في أمر الجاهلية. وروى الطبراني في "الأوسط"، وأبو نعيم، وابن عساكر عن علي بن أبي طالب، أن النبي - ﷺ - قال: "خرجتُ من نكاح ولم أخرج من سِفاح، من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي، لم يصبني من سفاح الجاهلية شيء".
وروى أبو نعيم، عن ابن عباس مرفوعًا: "لم يلتق أبواي قطُّ على سفاح؛ لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة، مصفى مهذبًا، حتى لا تتشعب شعبتان إلا كنت في خيرهما".
وروى البزار عنه في قوله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ قال: من نبي إلى نبي حتى أخْرَجْتُك نبيًا. وروى عنه أبو نعيم أيضًا في الآية أنه قال: "ما زال النبي - ﷺ - يتقلَّبُ في أصلاب الأنبياء حتى ولدته أمه".
وعن جعفر بن محمد عن أبيه في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] قال: لم يُصبه شيء من ولادة الجاهلية، قال: وقال النبي - ﷺ -؛ "خرجت من نِكاح غير سِفاح". وروى ابن مردويه عن أنس قال: قرأ رسول الله - ﷺ - ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفَسِكُمْ﴾ بفتح الفاء. وقال: أنا أنفسكم نسبًا وصهرًا وحسبًا، ليس من آبائي من لدن آدم سفاح كلنا نكاح، وفي "الدلائل" لأبي نعيم، وأخرجه الطبراني في
[ ١ / ٦٥ ]
"الأوسط"، عن عائشة، عنه - ﷺ - عن جبريل قال: قَلَّبتُ مشارقَ الأرض ومغاربها؛ فلم أر رجلًا أفضل من محمَّد، ولم أر بني أبٍ أفضلَ من بني هاشم. قال الحافظ شيخ الإِسلام ابن حجر: لوائح الصحة ظاهرة على صفحات هذا المتن. وفي البخاري عن أبي هريرة، قال - ﷺ -: "بُعِثتُ من خير قرون بني آدم قرنًا فقرنًا حتى كنت من القرن الذي كنت فيه".