والآن أُقَدِّمُ قبل الشروع في تقرير المتن كلامًا مختصرًا على مبادئ علم الحديث رواية ودِراية، لأنهما مجموعان في هذا الكتاب باعتبار المتن والشرح، فقد قال العلماء: إن كل من قصد فنًّا من الفنون يلزمه قبل الشروع فيه معرفة مبادئه العشرة، ليكون الطالب على بصيرة في طلبه، لاستحالة توجيه النفس نحو المجهول المطلق، لأنّ الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وقد يقال: الحكم على الشيء ردًّا وقبولا فرع عن كونه معقولا.
والمبادىء العشرة قسمان: قسم تجب معرفته وجوبًا صناعيًّا، وهو ثلاثة: الحد، والموضوع، والغاية، وقسم تندب معرفته كذلك، وهو ما عدا ذلك.
وقد مر لك أن علم الحديث رواية ودراية، والحديث يرادفه الخبر على الصحيح، وهو ما أضيف إلى النبي - ﷺ - قيل: أو إلى صحابي، أو إلى مَنْ دونه من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة، وهذا هو المعبر عنه بعلم الحديث رواية ويحد: بأنه علم يشتمل على نقل ذلك.
[ ١ / ١١٣ ]
وموضوعه كما قال الشيخ زكريا وغيره: ذات النبي - ﷺ - من حيث إنه نبي، وقال المُناوِي في: "شرح نخبة الفكر": إن هذا باطل؛ لأنّ ما قاله موضوع علم الطب لا الحديث.
قلت: أما قوله: إنه باطل فهو ظاهر عندي ولكن لا من الوجه الذي قاله. فقوله: إن هذا موضوع علم الطب غير صحيح؛ فإنه سها عن آخر الحد من قوله، من حيث إنه نبي، فموضوع علم الطب الذات الشريفة من حيث الجسمية لا من حيث النبوة، لكن الحد مردود من حيث القصور، فإن موضوع كل فن ما يُبحث في ذلك الفن عن عوارضه الذاتية، فالحديث يُبحث فيه عن ذاته ﵊ من حيث إنه نبي، وعن ذات الله تعالى وصفاته، وعن جميع الحلال والحرام، وكل الشريعة المحمدية؛ فتبين بهذا قصور الحد.
وغايته الفوز بسعادة الدارين.
وأما استمداده فهو من الوحي المنزل عليه - ﷺ -.
ومسائله الأفراد المستفادة من الأحاديث.
واسمه علم الحديث روايةً.
وواضعه في الحقيقة هو الله تعالى، وبالواسطة هو النبي ﵊.
ونسبته إلى علوم الشريعة غير التفسير كلي، وإلى التفسير نسبةُ تساوٍ، هذا ما ظهر لي، والله تعالى أعلم.
وحكم الوجوب كفائي، إذ فرض العين تمكن معرفته من الفقه، وهو مؤلف فيه.
وفضله لا يعلمه إلا الله تعالى، لأنّ فضل كل علم بنسبة ما عُلِم منه، وعلم الحديث معلومة منه الشريعة بأسرها.
[ ١ / ١١٤ ]
وأما علم الحديث دِراية، وهو المراد بعلم الحديث عند الإِطلاق؛ فهو علم يقصد به حال الراوي، والمروي، من حيث القَبُول والرد، وما يتعلق بذلك من معرفة اصطلاح أهله.
وموضوعه: الراوي والمروي من حيث ذلك.
وغايته: معرفة ما يُقْبَلُ وما يُرَدُّ من ذلك.
ومسائله: ما يذكر في كتبه من المقاصد.
وقيل: موضوعه: السند والمتن، وغايته: تمييز الصحيح.
وقيل: موضوعه: طرق الحديث، لأنّ المحدث يبحث عما يعرِض لذلك من الاتصال، وأحوال الرجال.
وواضعه الذي هو أول ما اخترعه وصنف فيه القاضي أبو محمَّد الحسن بن عبد الرحمن الرّامَهُرْمُزي -بفتح الراء والميم، وضم الهاء والميم الثانية، وسكون الراء آخره زاي- نسبة إلى رَامَهُرْمُز: كورة من كور الأهواز، من بلاد خُوزِستان، ثم صنف فيه بعده كثير من العلماء.
واسمه: علم الحديث دراية.
وفضله: بما استفيد منه من تصحيح السنة. وصونها عن التلاعب بها، وأعظم به من فضل.
وحكم الوجوب: الكفائي.
وأتيت في تقدير ألفاظ المتن بعبارات مختصرة ملتقطًا لها غالبًا من "فتح الباري"، وطورًا من "عمدة القاري"، و"إرشاد الساري" محتوية على زبدة ما في الكتب الثلاثه مع زيادات من غيرها، ملتزمًا عند الحديث الأول من البخاري جميع ما تفرق في "الفتح" في غير ذلك من المواضع، حتى تمكن الإحالة عليه في جميع المواضع في الغالب، وإنما يحصل غير الغالب حين يكون الحديث الأول معلقًا أو مختصرًا.
[ ١ / ١١٥ ]