حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. وَحَدَّثَنِي مَحْمُودٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ -ﷺ- إِذَا رَأَى رُؤْيَا قَصَّهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَتَمَنَّيْتُ أَنْ أَرَى رُؤْيَا فَأَقُصَّهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَكُنْتُ غُلاَمًا شَابًّا، وَكُنْتُ أَنَامُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَرَأَيْتُ فِي النَّوْمِ كَأَنَّ مَلَكَيْنِ أَخَذَانِي فَذَهَبَا بِي إِلَى النَّارِ فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ
[ ١١ / ١١ ]
كَطَيِّ الْبِئْرِ، وَإِذَا لَهَا قَرْنَانِ، وَإِذَا فِيهَا أُنَاسٌ قَدْ عَرَفْتُهُمْ فَجَعَلْتُ أَقُولُ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ. قَالَ: فَلَقِيَنَا مَلَكٌ آخَرُ فَقَالَ لِي: لَمْ تُرَعْ. فَقَصَصْتُهَا عَلَى حَفْصَةَ فَقَصَّتْهَا حَفْصَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ، لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ فَكَانَ بَعْدُ لاَ يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إِلاَّ قَلِيلًا.
قوله: "كان الرجل" اللام للجنس، ولا مفهوم له، وإنما ذكر للغالب، وقوله: "فتمنيت أن أرى" في رواية الكشميهني: "أني أرى" وزاد في التعبير من وجه آخر: "فقلت في نفسي لو كان فيك خير لرأيت مثل ما يرى هؤلاء" وقوله: "رؤُيا" بالضم والقصر من غير تنوين. ويؤخذ منه أن الرؤيا الصالحة تدل على خير رائيها. وقوله: "كان مَلَكين" لم يقف صاحب "الفتح" على تسميتهما. وقوله: "فذهبا بي إلى النار فإذا هي مطوية" في رواية أيوب عن نافع الآتية قريبًا "كان اثنين أتياني" أرادا أن يذهبا بي إلى النار، فتلقاهما مَلَكٌ فقال: لن تراع خليا عنه. وظاهر هذا أنهما لم يذهبا به. ويجمع بينهما يحمل الثاني على إدخاله فيها، فالتقدير أن يذهبا إلى النار فيُدخلاني فيها، فلما نظرتها فإذا هي مطوية، ورأيت مَنْ فيها واستعذت، فلقينا مَلَكٌ آخر.
وقوله: "فإذا هي مطوية" أي مبنية، والبئر قبل أن يبنى يسمى قَليبًا. وقوله: "وإذا لها قرنان" هكذا بالرفع للجمهور، وحكى الكَرَماني: "أن في نسخة قرنين" فأعربها بالجر أو بالنصب على أن فيه شيئًا مضافًا حُذِف، وترك المضاف إليه على ما كان عليه، وتقديره فإذا لها "مثل قرنين" وهو كقراءة مَنْ قرأ: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ بالجر أي: يريد عَرَض الآخرة، أو ضمَّن إذا الفجائية معنى الوجدان، أي: فهذا بي وجدت لها قرنين. والمراد بالقرنين هنا خشبتان أو بناءان تمد عليهما الخشبة العارضة التي تعلق فيها الحديدة التي فيها البكرة، فإن كانا من بناء فهما القرنان، وإن كانا من خشبٍ فهما الزرنوقان، بزاي منقوطة قبل المهملة ثم نون ثم قاف، وقد يطلق على الخشبة أيضًا القرنان.
وقوله: "وإذا فيها أُناس قد عرفتهم" قال في الفتح": لم أقف على تسمية أحد منهم، وقوله: لم تُرَعْ بضم أوله وفتح الراء بعدها مهملة ساكنة، أي: لم تخف، والمعنى: لا خوف عليك بعد هذا. وفي رواية الكشميهنيّ في "التعبير" لن تراع وهي رواية الجمهور بإثبات الألف، وفي رواية القابسيّ لن تُرَع بحذف الألف، وهي لغة قليلة، أي الجزم بلن، حتى قال القزّاز: لا أعلم له شاهدًا. وتعقب بقول الشاعر:
لن يخبْ الآن من رجائك مَنْ حَرَّك من دون بابك الحَلْقة
وأجيب أيضًا بأن العين سكنت للوقف، ثم شبه بسكون المجزوم فحذف الألف قبله، ثم أجرى الوقف. قال ابن مالك: وتعقبه في المصابيح فقال: لا نُسلِّم أنَّ فيه إجراء الوصل مجرى
[ ١١ / ١٢ ]
الوقف، إذ لم يصله الملك بشي بعده وأجاب عنه فقال: لا نسلم إذ يحتمل أن المَلَك نطق بكل جملة منها منفردة عن الأخرى، ووقف على آخرها، فحكاه كما وقع.
وقوله: "فقال: نِعْم الرجل عبد الله" وفي التعبير من رواية نافع عن ابن عمر أن عبد الله رجل صالح، لو كان يصلي من الليل. لو: للتمني لا للشرط، ولذلك لم يذكر له جواب. وهذا هو شاهد الترجمة، فمقتضاه أن مَنْ كان يصلي من الليل، يوسف بكونه نِعْم الرجل. ورواية نافع المذكورة أبين في المقصود. وقوله: "فكان بعد لا ينام من الليل إلاَّ قليلًا" ظاهره أن هذا من كلام سالم، لكن في "التعبير" بهذا السند. قال الزُّهريّ: فكان عبد الله بعد ذلك يكثر الصلاة من الليل، ومقتضاه أن في السياق الأول أدراجًا. لكنْ ورد في "المناقب" عن عبد الرزاق قال سالم: وكان عبد الله لا ينام من الليل إلا قليلًا، فظهر أنْ لا إدراج فيه، وأيضًا كلام سالم في ذلك مغاير لكلام الزُّهريّ، فانتفى الإدراج عنه أصلًا ورأسًا.
قال القرطبي: إنما فسر الشارع من رؤيا عبد الله ما هو ممدوح، لأنه عُرض على النار ثم عوفي منها، وقيل له: لا روع عليك، وذلك لصلاحه. غير أنه لم يكن يقوم من الليل، فحصل لعبد الله من ذلك تنبيه على أنَّ قيام الليل مما تُتَّقى به النار والدنوّ منها، فلذلك لم يترك قيام الليل بعد ذلك. وأشار المُهَلَّب إلى أنَّ السر في ذلك كون عبد الله كان ينام في المسجد، ومن حق المسجد أن يتعبد فيه، فنبه على ذلك بالتخويف بالنار، وقال: إنما فسر ﵊ هذه الرؤيا بقيام الليل، لأنه لم ير شيئًا يغفل عنه من الفرائض يذكر بالنار، وعلم مبيته بالمسجد، فعبّر عن ذلك بأنه منبه على قيام الليل فيه.
وفي الحديث وقوع الوعيد على ترك السنن، وجواز وقوع العذاب على ذلك، ولكن يشترط المواظبة على الترك رغبةً عنها، فالوعيد والتعذيب إنما يقع على المحرم، وهو الترك بقيد الإعراض. وفيه أن أصل التعبير من قبل الأنبياء، ولذلك تمنى ابن عمر أنه يرى رؤيا، فيعبرها له الشارع، ليكون ذلك عنده أصلًا. وقد صرّح الأشعريّ بأن أصل التعبير بالتوقيف من قبل الأنبياء وعلى ألسنتهم. قال ابن بَطّال: وهو كما قال، لكن الوارد عن الأنبياء في ذلك، وإن كان أصلًا، فلا يعم جميع المرائي، فلابد للحاذق في هذا الفن أن يستدل بحسن نظره، فيرد ما لم ينص عليه إلى حكم التمثيل. ويحكم له بحكم النسبة الصحيحة، فيجعل أصلًا يلحق به غيره، كما يفعل الفقيه في فروع الفقه.
وفيه مشروعية النيابة في قصّ الرؤيا، وتأدّب ابن عمر مع النبي -ﷺ-، ومهابته له، حيث لم يقص رؤياه بنفسه، وكأنه لما هالته لم يؤثر أن يقصها بنفسه، فقصها على أخته لا دلالة عليها. وفضل قيام الليل، وأنه ينجي من النار، وفيه تمني الرؤيا الصالحة ليعرف صاحبها ما له عند الله تعالى، وتمنى الخبر والعلم والحرص عليه. وفيه رؤية الملائكة في المنام، وتحذيرهم للرائي،
[ ١١ / ١٣ ]
لقوله: فرأيت مَلَكين أخذاني. وفيه الانطلاق بالصالح إليها في المنام تخويفًا. وفيه السَّتر على مسلم وترك غيبته، وذلك قوله: "وإذا فيها أُناس قد عرفتهم" إنما أخبر بهم على الإجمال ليزدجروا، وسكت عن بيانهم لئلا يغتابهم إن كانوا مسلمين، وليس ذلك مما يختم عليهم. وإما أن يكون ذلك تحذيرًا كما حُذِّر ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما.
وفيه قبول خبر المرأة، وفيه فضل عبادة الشباب، وفيه مدح لابن عمر، وفيه تنبيه على صلاحه، وفيه جواز النوم في المسجد. ولا كراهة فيه عند الشافعي، وقال التِّرْمِذِيّ: قد رخص قوم من أهل العلم فيه، وقال ابن عباس: لا تتخذه مبيتًا ومقيلًا. وذهب إليه قوم من أهل العلم. وقال ابن العَرَبيّ: وذلك لمن كان له مأوى، فأما الغريب فهو داره، والمعتكف فهو بيته، وهو الصحيح عند المالكية. وكره المبيت فيه للحاضر القويّ، وجوزه ابن القاسم للحاضر المريض، ويجوز للإمام أن يجعل المريض في المسجد إذا أراد افتقاده، كما ضرب الشارع فيه قبة لسعد رضي الله تعالى عنه، حين سال الدم من جرحه. وفيه كراهة كثرة النوم، وروى سُنَيد عن يوسف بن محمد بن المُنْكَدِر عن أبيه عن جابر مرفوعًا، قالت أُم سليمان لسليمان: يا بُنيَ لا تكثر النوم بالليل، فإن كثرة النوم بالليل تدع الرجل فقيرًا يوم القيامة.
وكان بعض الكبراء يقف على المائدة كل ليلة، ويقول: يا معشر المريدين، لا تأكلوا كثيرًا فتشربوا فتناموا كثيرًا، فتتحسروا عند الموت كثيرًا. وهذا هو الأصل الكبير، وهو تخفيف المعدة من ثقل الطعام.