حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: احْتَبَسَ جِبْرِيلُ -ﷺ- عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ أَبْطَأَ عَلَيْهِ شَيْطَانُهُ. فَنَزَلَتْ: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾.
سفيان في السندين هو الثَّوْرِيّ، ووهم مَنْ زعم أنه ابن عُيَينة، ووقع التصريح بسماع الأسود من جندب في طريق زهير عنه في التفسير: أخرجه في رواية محمد بن كثير هذه بلفظ: "احتبس جبريل"، ووافق أبا نعيم على الرواية الأولى أبو أُسامة عند أبي عُوانة، ووافق محمدَ بن كثير على هذه وكيعٌ عند الإسماعيليّ، ورواية زهير الآتية في التفسير كرواية أبي نعيم، إلا أنه قال فيها: "فلم يقم ليلة أو ليلتين أو ثلاثًا" ورواية ابن عُيينة عن الأسود عند مسلم، كرواية محمد بن كثير، فالظاهر أن الأسود حدّث به على الوجهين، فحمل عنه كل واحد ما لم يحمله الآخر، وحمل عنه سفيان الثَّوري كلًا من الأمرين، فحدّث به مرة هكذا، ومرة هكذا.
وقد رواه شُعبة عن الأسود بلفظ آخر أخرجه المصنف في التفسير، قال: قالت امرأة: "يا رسول الله، ما أرى صاحبك إلاَّ أبطأَ عنك" والمرأة المذكورة في حديث الباب هي أُم جميل العَوْراء، بنت حَرْب بن أُمية أخت أبي سفيان بن حرب، وامرأة أبي لهب، كما روى الحاكم عن زيد بن أرقم قال: قالت امرأة أبي لهب لما مكث النبي -ﷺ- أيامًا لم ينزل عليه الوحي: يا محمد، ما أرى شيطانك إلا قد قَلَاك. فنزلت: ﴿وَالضُّحَى﴾.
رجاله ثقات، وفي تفسير الطبريّ عن المفضل بن صالح عن الأسود في حديث الباب فقالت امرأةٌ من أهله أو من قومه، ولا شك أن أُمَّ جميل من قومه؛ لأنها من بني عبد مناف. وعند ابن عساكر أنها إحدى عَمّاته، ومستنده في ذلك ما أخرجه قيس بن الربيع في مسنده عن الأسود بن قيس راويه، وأخرجه الغِرْيابيّ شيخ البخاريّ في تفسيره عنه، ولفظه: "فأتته إحدى عمّاته أو بنات عمه، وقالت: إني لأرجو أن يكون شيطانك قد وَدَّعك" وهذه المرأة القائلة: "شيطانك" غير المذكورة عند مسلم والنَّسائي السابقة؛ لأن هذه، أعني التي عند مسلم، عبّرت بقولها: "صاحبك" ونلك عبّرت بقولها: "شيطانك" وهذه عبّرت بقولها: "يا رسول الله" والتي في الباب عبّرت بقولها: "يا محمد" وسياق الأولى يشعر بأنها قالته تاسفًا وتوجعًا، وسياق التي في الباب يشعر بأنها قالته تهكمًا وشماتة.
وقد حكى ابن بطّال عن تفسير بَقِيّ بن مَخْلَد قال: قالت خديجة للنبي -ﷺ-، حين أبطأ عليه الوحي: إنَّ ربك قد قلاك، فنزلت: ﴿وَالضُّحَى﴾. وتعقبه ابن المنير ومن تبعه بالإنكار؛ لأن
[ ١١ / ١٧ ]
خديجة قوية الإيمان، لا تليق نسبة هذا القول إليها، لكن إسناد ذلك قويّ أخرجه إسماعيل القاضي في أحكامه، والطبرىّ في تفسيره، وأبو داود في أعلام النبوءة، له كلهم عن عبد الله بن شداد بن الهاد، وهو من صغار الصحابة، والسند إليه صحيح، وأخرجه أبو داود عن هشام بن عُروة عن أبيه عن عائشة، لكن ليس عند أحد منهم أنها عبّرت بشيطانك، وهذه هي اللفظة المستنكرة في الحديث.
وفي رواية إسماعيل وغيره "ما أرى صاحبك" بدل "ربك"، والظاهر أنها عنت بذلك جبريل. قاله في "الفتح". قلت: هذا كله لا يرد إنكار ابن المنير؛ لأن خديجة رضي الله تعالى عنها معلومّ ما عندها من اليقين والثبات، وما ثبتت به النبي -ﷺ- غير ما مرة، كما ثبت في الصحيح وغيره، فيستحيل أن يصدر منها أن ربك أو أن صاحبك قد قَلَاك، فهذا لا يصدر من موحِّد، فضلًا عن خديجة رضي الله تعالى عنها. فيجب أن تنزه عن هذا، ولو ورد بأصح الأسانيد. وأغرب سُنَيد بن داود فروى في تفسيره عن وَكيع عن هشام بن عُروة عن أبيه أن عائشة قالت للنبي -ﷺ-، وغلط في ذلك، فقد رواه الطبري عن وكيع، فقال فيه: قالت خديجة ..، وكذلك أخرجه ابن أبي حاتم عن أبي معاوية عن هشام. واستشكل أبو القاسم بن الورد مطابقة حديث جُنْدُب الأخير للترجمة، وتبعه ابن التين، فقال: احتباس جبريل ليس ذكره في هذا الباب في موضعه، والجواب أن المصنف أراد أن ينبه على أن الحديث واحد، لاتحاد مخرجه، وإن كان السبب مختلفًا، لكنه في قصة واحدة كما مرَّ. وقد وقع في رواية قيس بن الربيع الماضية "فلم يطق القيام وكان يحب التهجد".
وقوله: "أبطأ عليه" أي: تأخر عنه، وفي رواية شُعبة في التفسير "أبطاك" أي صَيَّرَكَ بطيئًا في القراءة؛ لأن بطأه في الإقراء يستلزم بطء الآخر في القراءة. وقوله ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ قرىء وَدَّعك بالتشديد والتخفيف، وهما بمعنى واحد: ما تركك ربك؛ لأن التوديع مبالغة في الوَدْع؛ لأن من ودعك مفرقًا فقد بالغ في تركك، وقراءة التشديد هي قراءة الجمهور، وقراءة التخفيف قراءة عُروة وابنه هشام وابن أبي عبلة، وقراءة التخفيف شاذة؛ لأن العرب أَماتوا ماضي يدع. وقوله: ﴿وَمَا قَلَى﴾ أي: وما قلاك، وما أبغضك، من القِلى، بكسر القاف وتخفيف اللام، وهو البغض، فإن فتحت القاف مددت، تقول قلاه بقلبه قِلى وقَلاء، ويَقلاه لغة طيء، وإنما حذف المفعول حيث لم يقل: "وما قلاك" رعاية للفواصل.
وقد ورد في سبب نزول هذه الآية غير ما تقدم، ففي الطبرانيّ بإسناد فيه مَنْ لا يُعرف، أن سبب نزولها وجود جرو كلبٍ تحت سريره ﵊، ولم يشعر به، فأبطأ عنه جبريل لذلك، وقصة إبطاء جبريل بسبب كون الكلب تحت سريره مشهورة، لكن كونها سبب نزول هذه الآية غريب، وهو شاذ مردود بما في الصحيح. وورد أيضًا في سبب النزول ما أخرجه الطبريّ عن ابن عبّاس قال: لما نزل على رسول الله -ﷺ- القرآنُ أبطأَ عنه جبريل أيامًا، فتغير بذلك، فقالوا: ودعه ربه وقلاه، فأنزل الله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ وعن إسماعيل مولى آل الزبير قال: فَتَر
[ ١١ / ١٨ ]
الوحي حتى شقَّ على النبي، -ﷺ-، ذلك وأحزنه، فقال: لقد خشيتُ أن يكون صاحبي قد قلاني، فجاء جبريل بسورة والضحى. وذكر سليمان التيمي في السيرة التي جمعها، قال: فَتَر الوحي، فقالوا: لو كان من عند الله لتتابع، ولكن الله قلاه، فأنزل الله: ﴿وَالضُّحَى﴾ و﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ بكمالهما. وكل هذه الروايات لا تثبت، والحق أن الفترة المذكورة في سبب نزول: ﴿وَالضُّحَى﴾ غير الفترة المذكورة في ابتداء الوحي، فإن تلك دامت أيامًا، وهذه لم تكن إلا ليلتين أو ثلاثًا فاختلطتا على بعض الرواة. وفي سيرة ابن إسحاق في سبب نزول: ﴿وَالضُّحَى﴾ شيء آخر، فإنه ذكر أن المشركين لما سألوا النبي -ﷺ- عن ذي القرنين والروح وغير ذلك، ووعدهم بالجواب، ولم يستثن فأبطأ عليه جبريل اثنتي عشرة ليلة أو أكثر، فضاق صدره، وتكلم المشركون، فنزل جبريل بسورة: ﴿وَالضُّحَى﴾، وبجواب ما سألوا، وبقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ وذكر سورة الضحى هنا بعيد جدًا، لكن يجوز أن يكون الزمان في القصتين متقاربًا، فضم بعض الرواة إحدى القصتين إلى الأخرى، وكل منهما لم يكن في ابتداء البَعْث، وإنما كان بعد ذلك بمدة.