حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا حُسَيْنٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ أَنَّهُ سَأَلَ نَبِىَّ اللَّهِ -ﷺ-. أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ وَكَانَ مَبْسُورًا قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ صَلاَةِ الرَّجُلِ قَاعِدًا فَقَالَ: "إِنْ صَلَّى قَائِمًا فَهْوَ أَفْضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَاعِدِ".
قوله في السند الأول: "عن عمران بن حصين" في رواية عفان عن عبد الوارث حدّثنا عمران أخرجه الإسماعيلي، وفيه غنية عن تكلف ابن حِبّان إقامة الدليل على أن ابن بريدة عاصر عمران.
وقوله في السند: "سمعت أبي" عبد الوارث التنوري. وهذه أنزل من التي قبلها، ومن التي بعدها بدرجة، لكن استفيد منها تصريح ابن بريدة بقوله: حدّثني.
وقوله: "وكان مبسورًا" بسكون الموحدة بعدها مهملة أي: كانت به بواسير كما صرّح به بعد باب. والبواسير جمع باسور يقال بالموحدة وبالنون، والذي بالموحدة ورم في باطن المعدة، والذي بالنون قرحة فاسدة، لا تقبل البرء ما دام فيها هذا الفساد.
وقوله: "عن صلاة الرجل قاعدًا" قال الخطابي: كنت تأولت هذا الحديث على أن المراد به صلاة التطوع للقادر، لكن قوله فيه: ومَنْ صلّى نائمًا أي مضطجعًا يفسده؛ لأن المضطجع لا يصلي التطوع كما يفعل القاعد؛ لأني لا أحفظ عن أحدٍ من أهل العلم أنه رخص في ذلك، فإن صحت هذه اللفظة، ولم يكن بعض الرواة أدرجها قياسًا منه للمضطجع على القاعد كما يتطوع المسافر على راحلته، فالتطوع للقادر على القعود مضطجعًا جائز بهذا الحديث.
قال: وفي القياس المتقدم نظر؛ لأن القعود شكل من أشكال الصلاة، بخلاف الاضطجاع، قال: وقد رأيت الآن أن المراد بحديث عمران المريض المفترض الذي يمكنه أن يتحامل فيقوم على مشقة، فجعل أجر القاعد على النصف من أجر القائم؛ ترغيبًا له في القيام مع جواز قعوده، وهو حمل متجه، ويؤيده صنيع البخاري حيث أدخل في الباب حديثي عائشة وأنس، وهما في
[ ١٠ / ٥٢٧ ]
صلاة المفترض قطعًا، وكأنه أراد أن تكون الترجمة شاملة لأحكام المصلي قاعدًا أو يتلقى ذلك من الأحاديث التي أوردها في الباب، فمَنْ صلّى فرضًا قاعدًا، وكان يشق عليه القيام أجزاه، وكأنَّ هو ومَنْ صلّى قائمًا سواء. كما دل عليه حديث أنس وعائشة، فلو تحامل هذا المعذور وتكلف القيام، ولو شق عليه كان أفضل؛ لمزيد أجر تكلف القيام، فلا يمتنع أن يكون أجره على أصل الصلاة فيصح أن أجر القاعد على النصف من أجر القائم، بغير إشكال، وأما قول الباجي: إن الحديث في المفترض والمتنفل معًا، فإن أراد بالمفترض ما قررناه فذاك، وإلا فقد أبى ذلك أكثر العلماء. وحكى ابن التين وغيره عن أبي عبيد وابن الماجشون وإسماعيل القاضي وابن شعبان والإسماعيلي والداودي وغيرهم أنهم حملوا حديث عمران على المتنفل القادر، وكذا نقله الترمذي عن الثوري قال: وأما المعذور إذا صلّى جالسًا فله أجر القائم.
قال: وفي هذا الحديث ما يشهد له، يشير إلى ما أخرجه البخاري في "الجهاد" من حديث أبي موسى رفعه: "إذا مرضَ العبدُ أو سافرَ كُتِبَ له صالح ما كان يعمل وهو صحيح مقيم". ويشهد لهذا الحديث ما أخرجه عبد الرزاق وأحمد، وصححه الحاكم عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا: "إنَّ العبد إذا كان على طريقةٍ حَسَنة من العبادة ثم مرض قيل للملك الموكل به: اكتب له مثل عمله إذا كان طليقًا حتى أطلقه أو أكفته إلى". ولأحمد عن أنس رفعه: "إذا ابتلى الله العبدَ المسلمَ ببلاءٍ في جسده قال الله: اكتب له صالحَ عَمله الذي كانَ يَعمَله فإنْ شفاهُ غَسلهُ وطهره وإنْ قَبَضَهُ غفَر له وَرَحِمَه". وللطبراني عن أبي موسى: "أنَّ الله يكتبُ للمريض أفضلَ ما كان يعمل في صحتهِ ما دام في وثاقِهِ". وعند النسائي من حديث عائشة: "ما من امريءٍ تَكونُ لهُ صلاة من الليلِ يغلبه عليها نومٌ أو وجع إلاَّ كُتبَ له أجْرُ صَلاتِه، وكان نَومُه عَليه صَدَقةٌ".
ويؤيد ذلك قاعدة تغليب فضل الله تعالى وقبول عذر من له عذر، ولا يلزم من اقتصار العلماء المذكورين في حمل الحديث المذكور على صلاة النافلة أن لا ترد الصورة التي ذكرها الخطابي. وقد ورد في الحديث ما يشهد لها فعند أحمد عن ابن جريج عن ابن شهاب عن أنس قال: قدم النبي -ﷺ- المدينة وهي محمة فحمى الناس فدخل النبي -ﷺ- المسجد والناس يصلون من قعود فقال: "صلاةُ القاعدِ نِصفُ صَلاةِ القائمِ".
رجاله ثقات، وعند النسائي متابع له من وجه آخر، وهو وارد في المعذور، فيحمل على مَنْ تكلف القيام مع مشقته عليه، كما بحثه الخطابي. وأمّا نفي الخطابي جواز التنفل مضطجعًا، فقد تبعه ابن بطال على ذلك وزاد، لكن الخلاف ثابت. فقد نقله الترمذي بإسناده إلى الحسن البصري قال: إنْ شاء الرجل صلّى صلاة التطوع قائمًا وجالسًا ومضطجعًا. وقال به جماعة من أهل العلم. وهو أحد الوجهين للشافعية، وصححه المتأخرون. وحكى القاضي عياض في الإِكمال عن المالكية فيه ثلاثة أوجه: الجواز مطلقًا في الاختيار والاضطرار للصحيح والمريض، لظاهر الحديث، وهو الذي صَدّر به القاضي كلامه. والثاني: منعه مطلقًا لهما إذْ ليس في هيئة الصلاة.
[ ١٠ / ٥٢٨ ]
والثالث: جوازه لعدم قوة المريض فقط.
قلت: هذا الأخير هو مشهور مذهب مالك. وسؤال عمران عن الرجل خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له، بل الرجل والمرأة في ذلك سواء.
وقوله: "ومَنْ صلى قاعدًا فَلهُ نِصفُ أجر القائم". يستثنى من عمومه النبي -ﷺ- فإن صلاته قاعدًا لا ينقص أجرها عن صلاته قائمًا، لحديث عبد الله بن عمرو قال: بلغني أن النبي -ﷺ- قال: "صلاةُ الرجل قاعدًا على نصف الصلاة". فأتيته فوجدته يصلي جالسًا فوضعت يدي على رأسي، فقال: ما لك يا عبد الله فأخبرته فقال: "أجل ولكني لست كأحدٍ منكم". أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي، وهذا ينبني على أن المتكلم داخل في خطابه، وهو الصحيح، وقد عدّ الشافعية هذه المسألة في خصائصه -ﷺ-.
وقال عياض في الكلام على تنفل -ﷺ- قاعدًا. قد علله في حديث عبد الله بن عمرو بقوله: "لست كأحدٍ منكم"، فيكون هذا مما خُصَّ به. قال: ولعله أشار بذلك إلى مَنْ لا عذر له، فكأنه قال: إني ذو عذرٍ، ولم يبين في الحديث كيفية القعود، فيؤخذ من إطلاقه جوازه على أي صفة شاء المصلي، وهو قضية كلام الشافعي في البويطي. وقد اختلف في الأفضل فعن الأئمة الثلاثة متربعًا، وقيل يجلس مفترشًا، وهو موافق لقول الشافعي في مختصر المزني، وصححه الرافعي ومَنْ تبعه، وقيل متوركًا وبه قال اللخمي من المالكية، واستدلت الحنفية بالحديث على جواز صلاة النفل قاعدًا مع القدرة على القيام، وحملوا الحديث على صلاة التطوع، كما مرّ عن غيرهم.
قال صاحب الهداية، وتصلى النافلة قاعدًا مع القدرة على القيام لقوله -ﷺ-: "صلاةُ القاعدِ على النصفِ من صلاةِ القَائم". وقوله: "ومن صَلّى نائمًا فلة نِصفُ أجرِ القاعد" بالنون يعني مضطجعًا على هيئة النائم، كما يدل عليه قوله -ﷺ- في الحديث الآتي في الباب التالي، فإن لم يستطع، فعلى جنب.
وترجم النسائي باب صلاة النائم، ويدل عليه أيضًا ما رواه أحمد في منده عن عبد الله بن بريدة عن عمران بن حصين. قال: كنت رجلًا ذا أسقام كثيرة، فسألت رسول الله -ﷺ- عن صلاتي قاعدًا فقال: "صلاتُك قاعدًا على النّصف من صلاتِك قائمًا وصلاة الرجل مُضطجعًا على النصف من صَلاتِه قاعدًا". وهذا يفسر أن معنى قوله: "نائمًا" بالنون يعني: مضطجعًا، وأنه في حق مَنْ به سقم بدلالة قوله: كنت رجلًا ذا أسقام كثيرة، وإنّ ثواب مَنْ يصلي قاعدًا نصف ثواب مَنْ يصلي قائمًا، وثواب مَنْ يصلي مضطجعًا نصف ثواب مَنْ يصلي قاعدًا، وادّعى ابن بطال أن الرواية مَنْ صلّى بإيماء على إنه جار ومجرور مصدر أو ما قال. وقد غلط النسائي في حديث عمران بن حصين، فصحفه وترجم له باب صلاة النائم، فظن أن قوله -﵊- مَنْ صلّى بإيماء أنه مَنْ صلّى نائمًا. والغلط فيه ظاهر؛ لأنه قد ثبت عنه أنه -ﷺ- أمر المصلي إذا غلبه النوم أن
[ ١٠ / ٥٢٩ ]
يقطع الصلاة، وبين معنى ذلك فقال: "لعله يستغفر فيسب نفسه" فكيف يأمره بقطع الصلاة وهي مباحة له؟ ثم يبين أن له عليها نصف أجر القاعد قال: والصلاة لها ثلاثة أحوال: أولها القيام، فإن عجز عنه، فالقعود، ثم إنْ عجز عنه فالإيماء، وليس النوم من أحوال الصلاة.
قال زين الدين العراقي بعد أن حكى كلام ابن بطال: لعل التصحيف من ابن بطال وإنما ألجأه إلى ذلك حمل قوله: نائمًا على النوم الحقيقي الذي أمر النبي -﵊- المصلي أن يقطع الصلاة، وليس المراد هاهنا إلا الاضطجاع لمشابهته لهيئة النائم، وحكى القاضي عياض في "الإكمال" أن في بعض الروايات مضطجعًا مكان نائمًا. وبه فسره أحمد بن خالد الوهبي فقال: نائمًا يعني مضطجعًا، وبه فسره البخاري في رواية كريمة وغيرها عقب حديث الباب، قال أبو عبد الله: يعني البخاري قوله: نائمًا عندي أي: مضطجعًا، فكأن البخاري كوشف بذلك، وهذا التفسير وقع مثله في رواية عفان عن عبد الوارث في هذا الحديث، قال عبد الوارث: النائم المضطجع. أخرجه الإسماعيلي وقال الإسماعيلي، معنى قوله: "نائمًا" أي: على جنب، وقد بوب عليه النسائي فضل صلاة القاعد على النائم.