حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ أَنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ بِنْتَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ لَيْلَةً فَقَالَ: أَلاَ تُصَلِّيَانِ؟. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ، فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا. فَانْصَرَفَ حِينَ قُلْنَا ذَلِكَ وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيَّ شَيْئًا. ثُمَّ سَمِعْتُهُ وَهْوَ مُوَلٍّ يَضْرِبُ فَخِذَهُ وَهْوَ يَقُولُ: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾.
قوله: علي بن حسين هو زين العابدين، وهذا من أصح الأسانيد، ومن أشرف التراجم الواردة فيمن روى عن أبيه عن جده، وحكى الدارقطني أنّ كاتب الليث رواه عن الليث عن عَقيل عن الزُّهريّ، فقال عن علي بن الحسين عن الحسن بن عليّ، وكذا في رواية حجاج بن أبي منيع عن جده عن الزُّهريّ في تفسير ابن مَرْدَوَيه، وهو وهم، والصواب عن الحسين، ويؤيده رواية حكيم بن حكيم عن الزُّهريّ عن علي بن الحسين عن أبيه، أخرجها النَّسائي والطبري. وقوله: "طرقه وفاطمة" بالنصب على الضمير، والطروق الإتيان بالليل، وعلى هذا فقوله: "ليلة" للتأكيد، وحكى ابن فارس أن معنى طرق أتى، فعلى هذا يكون قوله: "ليلة" لبيان وقت المجيء، قلت: ويؤيد هذا قوله في الحديث: "ولا يطرقهم ليلًا" فإن التقييد بالليل دال على أن الطروق هو الإتيان مطلقًا، ويحتمل أن يكون المراد بقوله: "ليلة" أي: مدة واحدة.
وقوله: "ألا تصليان؟ " قال ابن بَّطال: فيه فضيلة صلاة الليل، وإيقاظ النائمين من الأهل والقرابة لذلك. وفي رواية حكيم بن حكيم المذكورة "ودخل النبيّ -ﷺ-، على عليّ وفاطمة من الليل فأيقظنا للصلاة، ثم رجع إلى بيته، فصلّى هويًا من الليل، فلم يسمع لنا حسًا، فرجع إلينا فأيقظنا، الحديث. قال الطبريَّ: لولا ما علم النبي -ﷺ-، من عظم فضل الصلاة بالليل، ما كان يزعج ابنته وابن عمه في وقت جعله الله سكنا لخلقه، لكنه اختار لهما إحراز تلك الفضيلة على الدعة والسكون، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ الآية.
[ ١١ / ٢١ ]
وقوله: "أنفسنا بيد الله" اقتبس ذلك من قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ الآية. وفي رواية حكيم المذكورة قال علي: فجلست وأنا أعرك عيني، وأنا أقول: والله لا نصلي إلا ما كتب الله لنا، إنما أنفسنا بيد الله. وفيه إثبات المشيئة لله، وأن العبد لا يفعل شيئًا إلا بإرادة الله تعالى. وقوله: "بَعثَنَا" بالمثلثة، أيقظنا، وأصله إثارة الشيء عن موضعه، وقوله: "حين قلت" في رواية كريمة: "حين قلنا" وقوله: "ولم يرجع" بفتح أوله، أي: لم يجبني، وفيه أن السكوت يكون جوابًا، والإعراض عن القول الذي لا يطابق المراد، وإن كان حقاِّ في نفسه. وقوله: "يضرب فخذه" فيه جواز ضرب الفخذ عند التأسف، وقال ابن التين: كره احتجاجه بالآية المذكورة، أي الاقتباس منها، وأراد منه أن ينسب التقصير إلى نفسه، وفيه جواز الانتزاع من القرآن، وترجيح قول مَنْ قال: إن اللام في قوله: "وكان الإنسان" للعموم لا لخصوص الكافر، وفيه مَنْقَبة لعلي، حيث لم يكتم ما فيه عليه أدنى غضاضة، فقدم مصلحة نشر العلم وتبليغه على كتمه. وقال المهلب فيه: أنه ليس للإمام أن يشدد في النوافل، حيث قنع -ﷺ- بقول علي، رضي الله تعالى عنه: أنفسنا بيد الله؛ لأنه كلام صحيح في العذر عن التنفل، ولو كان فرضًا ما عذره. قال: وأما ضربه فخذه وقراءة الآية، فدالٌ على أنه ظن أنه أحرجهم، فندم على إنباههم كذا قال: وأقره ابن بطَّال، وليس بواضح، وما تقدم أَوْلى. وقال النوويُّ: المختار أنه ضرب فخذه تعجبًا من سرعة جوابه، وعدم موافقته له على الاعتذار بما اعتذر به.