حَدَّثَنَا عَبْدَانُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ الْمُكْتِبُ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ قَالَ: كَانَتْ بِى بَوَاسِيرُ فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- عَنِ الصَّلاَةِ فَقَالَ: "صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ".
قوله: "عن عبد الله" هو ابن المبارك وسقط ذكره من رواية أبي زيد المروزي، ولابد منه، فإن عبدان لم يسمع من إبراهيم بن طَهمان، والحسين المُكتِب باسم الفاعل من التكتيب هو ابن ذكوان المعلم الذي سبق في الباب قبله، قال الترمذي: لا نعلم أحدًا روى هذا عن حسين إلا إبراهيم، وروى أبو أسامة وعيسى بن يونس وغيرهما عن حسين على اللفظ السابق، ولا يؤخذ من ذلك تضعيف رواية إبراهيم كما فهمه ابن العربي، تبعًا لابن بطال ورد على الترمذي بأن رواية إبراهيم توافق الأُصول، ورواية غيره تخالفها، فتكون رواية إبراهيم أرجح؛ لأن ذلك راجع إلى الترجيح من حيث المعنى لا من حيث الإسناد، وإلا فاتفاق الأكثر على شيء يقتضي أن رواية مَنْ خالفهم تكون شاذة، والحق أن الروايتين صحيحتان كما صنع البخاري، وكل منهما مشتملة على حكم غير الحكم الذي اشتملت عليه الأخرى.
وقوله: "عن الصلاة" المراد عن صلاة المريض: بدليل قوله في أوله: كانت بي بواسير. وفي رواية وكيع عن إبراهيم بن طَهمان عن صلاة المريض أخرجه الترمذي وغيره. قال الخطابي: لعلَّ هذا الكلام كان جواب فتيا استفتاها عمران، وإلا فليست علة البواسير بمانعة من القيام في الصلاة
[ ١٠ / ٥٣٢ ]
على ما فيها من الأذى، ولا مانع من أن يسأل عن حكم ما لم يعلمه، لاحتمال أن يحتاج إليه فيما بعد.
وقوله: "فإن لم يستطع فقاعدًا" استدل به مَنْ قال: لا ينتقل المريض إلى القعود إلاَّ بعد عدم القدرة على القيام. وقد حكاه عياض عن الشافعي ومالك وأحمد. وإسحاق لا يشترط العدم، بل وجود المشقة.
والمعروف عند الشافعية أن المراد بنفي الاستطاعة وجود المشقة الشديدة بالقيام، أو خوف زيادة مرض أو الهلاك، ولا يكتفي بأدنى مشقة.
قلت: مذهب المالكية: أن مشقة الصحيح غير معتبرة إمّا اتفاقًا كما عند الباجي أو على الصحيح كما عند غيره، وأما مشقة المريض، فمشهور مذهبهم فيها هو ما مرّ أنه هو المعروف عند الشافعية وروي عن ابن القاسم عدم اعتبارها أيضًا.
قال في "الفتح": ومن المشقة الشديدة دوران الرأس في حق راكب السفينة، وخوف الغرق لو صلّى قائمًا فيها، وهل يُعد في عدم الاستطاعة مَنْ كان كامنًا في الجهاد؟ ولو صلّى قائمًا لرآه العدو، فتجوز له الصلاة قاعدًا أو لا؟ فيه وجهان للشافعية، الأصح الجواز، لكن يقضي لكونه عذرًا نادرًا.
قلت: أما مذهب المالكية فلا يتردد في جوازه. ولا يجري فيه خلاف، واستدل به على تساوي عدم الاستطاعة في القيام والقعود في الانتقال خلافًا لمن فرق بينهما، كإمام الحرمين. ويدل للجمهور أيضًا حديث ابن عباس عند الطبراني بلفظ: يصلي قائمًا، فإن نالته مشقة فجالسًا، فإن نالته مشقة صلّى نائمًا، الحديث. فاعتبر في الحالين وجود المشقة، ولم يفرّق.
وقوله: "على جنب" في حديث علي عند الدارقطني على جنبه الأيمن مستقبل القبلة بوجهه وفيه: إن حالة الاستلقاء على الظهر تكون عند العجز من حالة الاضطجاع، وعند المالكية الترتيب بين الأيمن ثم الأيسر ثم الظهر مندوب، وأمّا الاضطجاع على البطن فتأخيره واجب، فإن قدم على الظهر مع القدرة على الظهر بطلت، وإذا استلقى على ظهره تكون أخمصاه للقبلة، وتوضع وسادة تحت رأسه، حتى يكون شبه القاعد ليتمكن من الإيماء بالركوع والسجود إذْ حقيقة الاستلقاء تمنع الأصحاء من الإيماء، فكيف بالمرضى. وعند الحنفية المقدم عندهم الظهر، وعند ابن كاس منهم أنه يصلي على جنبه الأيمن كما هو قول الشافعي ومالك وأحمد مستدلين بحديث الدارقطني المار، وبأنه هو الحالة التي يوجه عليها الميت في اللحد، لقوله -﵊- في أثناء حديث البيت الحرام: "قبلتكم أحياءً وأمواتًا".
وعند الشافعية يكره على الأيسر بلا عذر، كما في المجموع. وقالوا: إن الترتيب إنما هو في غير الكعبة، أما فيها فالمتجه جواز الاستلقاء على ظهره، وعلى وجهه؛ لأنه كيفما توجه متوجه لجزء منها، ويركع ويسجد بقدر إمكانه، فإن قدر على زيادة على أكمل الركوع، تعينت تلك الزيادة
[ ١٠ / ٥٣٣ ]
للسجود؛ لأن الفرق بينهما واجب على المتمكن، ولو عجز عن السجود إلاّ أن يسجد بمقدم رأسه أو صدغه، وكان بذلك أقرب إلى أرض وجب؛ لأن الميسور لا يسقط بالمعسور، فإن عجز عن ذلك أيضًا أومأ برأسه والسجود أخفض من الركوع، واستدل بالحديث مَنْ قال: لا ينتقل المريض بعد عجزه عن الاستلقاء إلى حالة أخرى، كالإشارة بالرأس ثم الإيماء بالطرف ثم إجراء القرآن والذكر على اللسان ثم على القلب لكون جميع ذلك لم يذكر في الحديث، وهو قول الحنفية، وبعض الشافعية. وقال معظم المالكية والشافعية بهذا الترتيب المذكور، وجعلوا مناط الصلاة حصول العقل، فحيث كان حاضر العقل لا يسقط عنه التكليف بها، فيأتي بما يستطيعه.
واستدل الغزالي على هذا بقوله ﵊: "إذا أمرتُكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتُم". وتعقبه الرافعي بأن الخبر أمر بالإتيان بما يشتمل عليه المأمور، والقعود لا يشتمل على القيام، وكذا ما بعده إلى آخر ما ذكر، وأجاب عنه ابن الصلاح بأنّا لا نقول أن الآتي بالقعود، آتٍ بما استطاعه من القيام مثلًا، ولكنا نقول: يكون آتيًا بما استطاعه من الصلاة؛ لأن المذكورات أنواع لجنس الصلاة، بعضها أدنى من بعض فإذا عجز عن الأعلى وأتى بالأدنى، كان آتيًا بما استطاع من الصلاة، وتعقب بأنّ كون هذه المذكورات من الصلاة فرع لمشروعية الصلاة بها، وهو محل نزاع. قال في "الفتح": قال ابن المنير: اتفق لبعض شيوخنا فرع غريب في النقل، كثير في الوقوع، وهو أن يعجز المريض عن التذكر ويقدرِ على الفعل، فألهمه الله أن يتخذ من يلقنه، فكان يقول أحرم بالصلاة قل الله أكبر، اقرأ الفاتحة قل الله أكبر للركوع إلى آخر الصلاة، يلقنه ذلك تلقينًا، وهو يفعل جميع ما يقول له بالنطق أو بالإيماء.