ذكر العلامة عبد الحي الحسني (٣): أن اللَّه منّ على الهند بإفاضة هذا العلم، فورد به بعض العلماء في القرن العاشر، كالشيخ عبد المعطي بن الحسن بن عبد اللَّه باكثير المكي المتوفى بأحمد آباد سنة ٩٨٩ هـ، والشهاب أحمد بن بدر الدين المصري المتوفى بأحمد آباد سنة ٩٩٢ هـ، والشيخ محمد بن أحمد بن علي الفاكهاني الحنبلي المتوفى بأحمد آباد سنة ٩٩٢ هـ، والشيخ محمد بن محمد عبد الرحمن المالكي المصري المتوفى بأحمد آباد سنة ٩١٩ هـ، والشيخ رفيع الدين الجشتي الشيرازي المتوفى بأكبر آباد سنة ٩٥٤ هـ، والشيخ إبراهيم بن أحمد بن الحسن البغدادي، والشيخ ضياء الدين
_________________
(١) راجع لمعرفة أسماء من قصد الهند من المحدثين وأتباع التابعين "الثقافة الإسلامية في الهند" للعلامة السيد عبد الحي الحسني (ص: ١٣٥).
(٢) انظر: مقدمة "أوجز المسالك" (١/ ٢٩).
(٣) "الثقافة الإسلامية في الهند" (ص: ١٣٦ - ١٣٧).
[ ١ / ٢٩ ]
المدني المدفون بكاكوري، والشيخ بهلول البدخشي، والخواجه ميركلان الهروي المتوفى بأكبر آباد سنة ٩٨١ هـ، وخلق آخرون.
ثم وفق اللَّه سبحانه بعض العلماء من أهل الهند أن رحلوا إلى الحرمين الشريفين، وأخذوا الحديث وجاؤوا به إلى الهند، وانتفع به خلق كثير، كالشيخ عبد اللَّه بن سعد اللَّه السندي، والشيخ رحمة اللَّه بن عبد اللَّه بن إبراهيم السندي، المهاجرين إلى الحجاز، فإنهما قدما الهند ودرّسا بكَجرات مدة طويلة ثم رجعا إلى الحجاز، والشيخ يعقوب ابن الحسن الكشميري المتوفى سنة ١٠٠٣ هـ، والشيخ جوهر الكشميري المتوفى سنة ١٠٢٦ هـ، والشيخ عبد النبي بن أحمد الكَنكَوهي، والشيخ عبد اللَّه بن شمس الدين السلطان بوري، والشيخ قطب الدين العباسي الكَجراتي، والشيخ أحمد بن إسماعيل المندوي، والشيخ راجح بن داود الكَجراتي، والشيخ عليم الدين المندوي، والشيخ المعمَّر إبراهيم بن داود المنكبوري المدفون بأكبر آباد، والشيخ محمد بن طاهر بن علي الفتني صاحب (مجمع البحار)، والسيد عبد الأول بن علي بن العلاء الحسيني وغيرهم.
لا سيما الشيخ محمد بن طاهر المذكور المتوفى سنة ٩٨٦ هـ، فإنه درّس وخرّج وصنف كتبًا عديدة في ذلك العلم الشريف، كـ (مجمع البحار) في غريب الحديث، و(المغني) في أسماء الرجال، و(التذكرة) في الموضوعات، وكانت له يد جارحة ويُمنَى عاملة في الحديث، ما نهض من الهند مثله في سعة المعلومات وبلوغ النظر غير شيخه حسام الدين علي المتقي الكَجراتي، ولكنه انقطع إلى الحجاز، وعمت فيوضه لأهل الحرمين الشريفين، والشيخ محمد بن طاهر أقام بالهند.
وأما الشيخ عبد الأول بن علي بن العلاء الحسيني المتوفى سنة ٩٦٨ هـ، فأخذ عن
[ ١ / ٣٠ ]
جده علاء الدين عن الحسين الفتحي عن الشيخ محمد بن محمد بن محمد الشافعي الجزري بإسناده إلى مصنفي الصحاح والجوامع وغيرها، وأخذ عنه جمع كثير، أجلّهم الشيخ طاهر بن يوسف السندي المتوفى سنة ١٠٠٤ هـ، فقد درّس وأفاد بمدينة برهانفور مدة طويلة، وتخرّج عليه خلق كثير من العلماء.
وفي هذا العصر كان الإمام أحمد السرهندي (١) مجدد الألف الثاني المتوفى سنة ١٠٣٤ هـ، وكان له عناية خاصة بعلم الحديث، قال العلامة السيد عبد الحي الحسني: وكذلك تصدى له الشيخ أحمد بن عبد الأحد السرهندي إمام الطريقة المجددية، وولده محمد سعيد شارح (المشكاة) وأبناؤه لا سيما فرخ شاه، يقال: إنه يحفط سبعين ألف حديث متنًا وإسنادًا وجرحًا وتعديلًا، ونال منزلة الاجتهاد في الأحكام الفقهية، ويذكر عنه مع ذلك أنه كتب رسالة في المنع عن الإشارة بالسبابة عند التشهد، وهذا يقضي
_________________
(١) ولد الإمام السرهندي ليلة الجمعة ١٤ شوال عام ٩٧١ هـ، الموافق ١٥٦٣ م، بمدينة سرهند، أخذ أكثر العلوم والطريقة الجشتية عن أبيه، واستفاد بعض العلوم العقلية عن الشيخ كمال الدين الكشميري، وأسند الحديث عن الشيخ يعقوب بن الحسن الصرفي الكشميري (٩٨٠ - ١٠٠٣ هـ) الذي أخذ عن الشيخ شهاب الدين ابن حجر الهيتمي المكي، وترك في مؤلفاته شرحًا مستفيضًا لصحيح البخاري. وقد كان الشيخ يعقوب يحمل الإجازة من كبار المحدثين والمؤلفين في الحديث والتفسير، وتناول الحديث المسلسل بالأولية عن القاضي بهلول البدخشي عن الشيخ عبد الرحمن فهد عن أبيه الشيخ عبد القادر وعمه الشيخ جار اللَّه عن أبيهما الحافظ عز الدين عبد العزيز عن جده الحافظ الرحلة تقي الدين محمد بن فهد العلوي الهاشمي والحافظ الحجة شهاب الدين أحمد بن حجر العسقلاني، وللشيخ أحمد إجازة برواية الكتب الحديثية وغيرها عن القاضي المذكور. توفي لليلتين بقيتا من صفر سنة أربع وثلاثين وألف بمدينة سرهند، فصلى عليه ابنه محمد سعيد ودفنه بها، وقبره هناك مشهور. انظر: "الإعلام بمن في تاريخ الهند من الأعلام" (٥/ ٤٧٩)، و"رجال الفكر والدعوة" (٣/ ١٤٥).
[ ١ / ٣١ ]
منه العجب.
ومن أولاده الشيخ سراج أحمد السرهندي ثم الرامبوري، له شرح على جامع الترمذي.
ومنهم الشيخ محمد أعظم بن سيف الدين المعصومي السرهندي، له شرح على صحيح البخاري.
ثم جاء اللَّه سبحانه بالشيخ عبد الحق بن سيف الدين البخاري الدهلوي المتوفى سنة ١٠٥٢ هـ، وهو أول من أفاضه على سكان الهند، وتصدّى للدرس والإفادة بدار الملك دهلي، وقصر همته على ذلك وصنّف وخرّج ونشر هذا العلم على ساق الجد، فنفع اللَّه به وبعلومه كثيرًا من عباده المؤمنين، حتى قيل: إنه أول من جاء بالحديث بالهند، وذلك غلط كما علمت.
يقول العلامة السيد سليمان الندوي: إن كان في هذا الكلام نظر، ولكن الحق أن الشيخ عبد الحق المحدث الدهلوي هو الذي نشر علم الحديث في دهلي وأطرافها بل في الهند كلها في عصره، وقد فاز بتأليفاته عند العلماء الربانيين بمكانة رفيعة كلهم يعترفون بفضله (١).
وقد أصاب البروفيسور خليق أحمد نظامي في قوله: وعلى كُلّ فإنّ العهد الذي بدأ فيه الشيخ عبد الحق المحدث الدهلوي دروسَه في الحديث الشريف، كان قد طُوي -إذ ذاك- بِساط هذا العلم الشريف في شمالي الهند، وإنه قد أشعَل في هذا الوسط المظلم الضيّق شمعةً جَذَبَتْ إليه الناسَ من أنحاء نائية بعيدة، فالتفُّوا حولها وتهافتوا عليها تهافتَ الفراش على النور، وبدأ نشاطٌ جديد لدروس الحديث الشريف في شمالي
_________________
(١) انظر: "علم الحديث بالهند" (ص: ٢٣).
[ ١ / ٣٢ ]
الهند، وانتقل بذلك مركزُ العلوم الدينية لا سيما الحديث الشريف من كَجرات إلى دلهي (١).
* * *