إن اللَّه ﷾ أراد أن يكون الشيخ المحدث ناشرًا للحديث الشريف تدريسًا وتأليفًا، وهذا العمل الجليل يحتاج إلى هدوء وعزلة، ولهذا أوصاه العالم الرباني الشاه أبو المعالي القادري اللاهوري (ت: ١٠٢٤ هـ) بأن يجتنب الاختلاط، وأكد عليه اختيار العزلة، سأل الشيخُ المحدثُ عن سر ذلك فلم يجب الشيخ أبو المعالي عن هذا، والشيخ المحدث يذكر وصيته هكذا:
ثم سلط اللَّه عليّ يا سيدي رجلًا من أهل سلسلتنا من عشاق الحضرة الجيلانية، ومجذوبًا سكرانًا بشراب المحبة العرفانية، فجبرني وقهرني وألزمني الخلوة والعزلة والانفراد، ومنعني من الدخول على الناس والتردد إلى بيوتهم وصحبتهم، ولو كان مع الفقراء والصالحين من العباد، وجدّ في ذلك وبالغ ولم يتسامح قطعًا، وقال: يا هذا لا يطلب منك عمل غير هذا، وقال: ولا أقول: إنه ذلك من عند نفسي، وإنما هو أمر
_________________
(١) "فوائد جامعة" للشيخ محمد عبد الحليم الجشتي (ص: ١٩)، و"أخبار الأخيار" (ص: ٣٧٠).
(٢) "فوائد نافعة" (ص: ٢٢).
[ ١ / ٤٤ ]
مؤكَّد من مكان آخر فعليك به، فألححته بالسؤال عن الاطلاع على حقيقة هذا الأمر وانكشاف حلية الحال، فقال: تدعو اللَّه أن لا يطلعكم على حقيقة الأمر، ولا يكشفه عليكم حتى يبلغ الكتاب أجله، ويظهر عند ذلك ما هو المرجع والمآل، وبشرني بأن فيه الخير كل الخير إن شاء اللَّه تعالى (١).
ولهذا ترك الشيخ المحدث مع العبادة والرياضة مئة مؤلف أو أكثر.
* * *