٥٥٦٦ - [١] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "بَيْنَا أَنَا أَسِيرُ فِي الجنَّةِ إِذا أَنَا بِنَهْرٍ حَافَتَاهُ قِبَابُ الدُّرِّ الْمُجَوَّفِ،
ــ
وتعجيل الحساب لا يدنو إليها غيره كما يأتي من الأحاديث.
الثانية: لإدخال قوم الجنة بغير حساب، وهذه أيضًا وردت لنبينا -ﷺ-، ومال بعضهم إلى أنها أيضًا مختصة به، وقال ابن دقيق العيد: ولا أعلم الاختصاص فيها ولا عدم الاختصاص.
الثالثة: في أقوام قد تساوت حسناتهم وسيآتهم، فيشفع فيهم ليدخلوا الجنة.
الرابعة: في أقوام من أمته استوجبوا النار فيشفع فيهم، فيدخلون الجنة.
الخامسة: في رفع الدرجات وزيادتها.
السادسة: فيمن دخل النار من المذنبين، وهذه الشفاعة يشاركه فيها الأنبياء والأولياء والملائكة والعلماء.
السابعة: في استفتاح الجنة.
الثامنة: في تخفيف العذاب عمن يستحقه.
التاسعة: لأهل المدينة.
والعاشرة: لزائري قبره الشريف -ﷺ- على وجه الاختصاص والامتياز، واللَّه أعلم.
الفصل الأول
٥٥٦٦ - [١] (أنس) قوله: (حافتاه قباب الدر) في (القاموس) (١): حافتا الوادي
_________________
(١) "القاموس المحيط" (ص: ١٢٦ - ٧٣٨).
[ ٩ / ٥٠ ]
قُلْتُ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذا الْكَوْثَرُ الَّذِي أَعْطَاكَ رَبُّكَ، فَإِذَا طِينُهُ مِسْكٌ أَذْفَرُ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٥٨١].
٥٥٦٧ - [٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: . . . . .
ــ
وغيره: جانباه، والجمع: حافات، والقباب بالكسر: جمع قبة، وهو البناء المدور، يقال له: الجنبذ معرب كَنبد، وقد يفسر بالخيمة.
وقوله: (هذا الكوثر الذي أعطاك ربك) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١]، ويفسر بالخير الكثير المفرط من العلم والعمل وشرف الدارين، والنهر المذكور من جزئياته، وفي (القاموس) (١): الكوثر: الكثير من كل شيء، انتهى، ونهر في الجنة يتفجر منه جميع أنهارها، وقيل: هو أولاده وأتباعه وعلماء أمته، وهو أيضًا من أفراده، وقد جاء الكوثر بمعنى الرجل الخير العطاء والسيد، وله تفسيرات ذكرت في موضعها، والكل راجع إلى المعنى الأول الذي ذكرنا، حكي أن أعرابيًا فقد ابنًا له فجاء بعددهر بخير كثير فقيل له: كيف جاء ابنك؟ فقال: جاء بالكوثر.
وقوله: (مسك أذفر) أذفر بالذال المعجمة محركة: شدة ذكاء الريح كالذفرة، أو يخصان برائحة الإبط المنتن، وفي (الصراح) (٢): ذفر: بوئى تيز خوش وناخوش، مسك أذفر: مشك تيز بوئى. وفي (القاموس) (٣): ومسك أذفر وذفر: جيد إلى الغاية.
٥٥٦٧ - [٢] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: . . . . .
_________________
(١) "القاموس المحيط" (ص: ٤٣٦)
(٢) "الصراح" (ص: ١٧٩).
(٣) "القاموس المحيط" (ص: ٣٧٠).
[ ٩ / ٥١ ]
"حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ، وَزَوَايَاهُ سَوَاءٌ، مَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ، وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ، وَكِيزَانَهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ، مَنْ يَشْرَبُ مِنْهَا فَلَا يَظْمَأُ أَبَدًا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٧٩، م: ٢٢٩٢].
٥٥٦٨ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّ حَوْضِي أَبْعَدُ مِنْ أَيْلَةَ مِنْ عَدَنٍ لَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ الثَّلْجِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ بِاللَّبَنِ، وَلآنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ النُّجُومِ،
_________________
(١) (وزواياه سواء) فسره الطيبي بأنه مربع لا يزيد طوله على عرضه. وقوله: (أبيض من اللبن) ينتقض به حكم النحويين بأن اسم التفضيل لا يبنى من لون ولا عيب، وكذلك قيل في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾ [الإسراء: ٧٢]: إن (أعمى) الثاني اسم تفضيل إلا أن يقال: إن القاعدة أكثرية، ويقدر اسم تفضيل آخر مثل أكثر وأشد، وهو تكلف مستغنى عنه. وقوله: (كنجوم السماء) الظاهر أن التشبيه في الكثرة كما صرح به في الحديث الثاني، فيجوز أن يكون على الحقيقة، أو كناية عن غاية الكثرة، ولو اعتبر في البريق والإشراف فلا خفاء. وقوله: (من يشرب) وكذا قوله: (فلا يظمأ) بالرفع والجزم كلاهما رواية.
(٢) [٣] (أبو هريرة) قوله: (أبعد من أيلة من عدن) أي: بعد ما بين طرفيه أزيد من بعد أيلة من عدن، وأيلة بفتح الهمزة وسكون التحتانية من بلاد الشام، وعدن من بلاد اليمن، واعلم أنه قد وقع التحديد بمواضع أخر متفاوتة في الأبعاد كما يأتي من الأحاديث فعرف كل قوم بما يعرفونه، والغرض تمثيل وتخمين فلا إشكال. وقوله: (وأحلى من العسل باللبن) لا يخفى أن حلاوة العسل لا تزيد بخلطه
[ ٩ / ٥٢ ]
وَإِنِّي لأَصُدُّ النَّاسَ عَنْهُ كَمَا يَصُدُّ الرَّجُلُ إِبِلَ النَّاسِ عَنْ حَوْضِهِ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَتَعْرِفُنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: "نَعَمْ لَكُمْ سِيمَاءُ لَيْسَتْ لِأَحَدٍ مِنَ الأُمَم، تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٤٧].
٥٥٦٩ - [٤] وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: "تُرَى فِيهِ أَبَارِيقَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ". [م: ٢٣٠٣].
٥٥٧٠ - [٥] وَفِي أُخْرَى لَهُ عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: سُئِلَ عَنْ شَرَابِهِ. فَقَالَ: "أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ يَغُتُّ فِيهِ مِيزَابَانِ يَمُدَّانِهِ مِنَ الْجَنَّةِ؛ أَحَدُهُمَا مِنْ ذَهَبٍ، وَالآخَرُ مِنْ وَرِقٍ". [م: ٢٣٠١].
_________________
(١) باللبن، فالمراد (بأحلى): ألذ أو أحلى وألذ. وقوله: (لأصد الناس) أي: ممن عدا أمتي. وقوله: (سيماء) السيماء بالكسر: العلامة من سامه: إذا أعلمه، يجيء ممدودًا ومقصورًا، والقصر أكثر. وقوله: (غرًا محجلين) مرّ معناهما في (فضل الوضوء) من (كتاب الطهارة).
(٢) [٤] (أنس) قوله: (والأباريق) جمع إبريق معرب آبريز.
(٣) [٥] (ثوبان) قوله: (يغت فيه ميزابان) بضم معجمة وكسرها من نصر وضرب، فمثناة مشددة، أي: يدفقان دفقًا متتابعًا دائمًا، غت في الماء: غمسه، والغت يجيء بمعنى الغمس، يقال: غت في الماء غمسه، ومنه حديث: (يغتهم اللَّه في العذاب) أي: يغمسهم فيه غمسًا متتابعًا، وبمعنى الغلبة والقهر، ومنه حديث: (يا من لا يغته دعاء الداعين) أي: يغلبه ويقهره، وغت فلانًا، أي: غمّه وخَنَقَهُ، وغت الضحك:
[ ٩ / ٥٣ ]
٥٥٧١ - [٦] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، مَنْ مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا، لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونَنِي، ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَأَقُولُ: إِنَّهُمْ مِنِّي. فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ؟ فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِيْ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٨٣، م: ٢٢٩٠].
ــ
أخفاه، وغت الماء: شربه جَرعًا بعد جَرع من غير إبانة الإناء من فيه، وغت الشيء الشيء: أتبع بعضه بعضًا، والكل يتضمن معنى الضغط والغلبة والتتابع.
ويروى (يعب) بمهملة مضمومة وموحدة من عب الماء عبًا، أي: شربه جرعًا متتابعًا، ومنه العباب لمعظم السيل وارتفاعه وكثرته، وعند ابن ماهان (يثعب) بمثلثة ومهملة، أي: يتفجر. وفي (القاموس) (١): ثعب الماء والدم كمنع: فَجَرَهُ فَانْثَعَبَ، وماء ثَعْبٌ: سائل، والثعب: مسيل الوادي، والميزاب بكسر الميم، وقيل بالفتح أيضًا، وفي (القاموس) (٢): وزب الماء يزب: سال، ومنه: الميزاب، أو هو فارسي ومعناه: بُلِ الماءَ، فعرّبوه بالهمز، ولهذا جمعوه بالمآزيب.
٥٥٧١ - [٦] (سهل بن سعد) قوله: (إني فرطكم) فرط فروطًا بالضم: سبق، وتقدم في الأمر، وفرط القوم: سبق وتقدمهم ليرتاد لهم الماء ويهيء لهم الدلاء والأرشية، أي: أنا سابقكم إلى الحوض كالمهيء له لأجلكم.
وقوله: (ليردن عليّ أقوام) قيل: لعل هؤلاء هم الذين قال فيهم: (أصيحابي)، وقد سبق شرحه في الفصل الأول من (باب الحشر).
_________________
(١) "القاموس المحيط" (ص: ٧٢).
(٢) "القاموس المحيط" (ص: ١٤٣).
[ ٩ / ٥٤ ]
٥٥٧٢ - [٧] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: "يُحْبَسُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُهَمُّوا بِذَلِكَ فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا فَيُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ آدَمُ أَبُو النَّاسِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَأَسْكَنَكَ جَنَّتَهُ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ، اشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ،
ــ
٥٥٧٢ - [٧] (أنس) قوله: (حتى يهموا بذلك) هو من الهم بمعنى القصد والحزن، معلومًا وَمجهولًا، في (الصراح) (١): هم: أندوه، وكَداختن بيماري تن را، يقال: همني المرض، وقصد، يقال: هممته بالشيء، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ [يوسف: ٢٤]، وفي بعض الروايات من الوهم، وفي (مسلم): (حتى يهتموا) أي: يعتنوا بسؤال الشفاعة، كذا قال الكرماني (٢)، وقال الطيبي (٣): هو علي بناء المجهول من أهمه: إذا أحزنه، أي: يحزنون، من أهمني: إذا أقلقك وأحزنك.
وقوله: (لو استشفعنا) (لو) للتمني، (فيريحنا) من الإراحة منصوب بتقدير (أن)، من أراح اللَّه العبد: أدخله في الراحة، ومنه: (أرحنا يا بلال)، أو من أراح الشيء: دحرجه وأزاله من مكانه، وهذا المعنى أنسب بقوله: (من مكانن).
وقوله: (أنت آدم) هو من باب: أنا أبو النجم.
وقوله: (لست هناكم) أي: لست بالمكان الذي تظنوني فيه من الشفاعة، و(هنا) إذا لحق به كاف الخطاب يكون للبعيد من المكان المشار إليه، أي: أنا بعيد من مكان
_________________
(١) "الصراح" (ص: ٤٩٨).
(٢) "شرح الكرماني" (٢٥/ ١٥١).
(٣) "شرح الطيبي" (١٠/ ١٨٩).
[ ٩ / ٥٥ ]
وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ؛ أَكْلَهُ مِنَ الشَّجَرَةِ وَقَدْ نُهِيَ عَنْهَا، وَلَكِنِ ائْتُوا نُوحًا أَوَّلَ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ، فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ؛ . . . . .
ــ
الشفاعة ومقامها.
وقوله: (خطيئته التي أصاب) أي: أصابها، و(أكله) منصوب بدل من (خطيئته)، وكذا الحال في أخواته، وقال الطيبي (١): يجوز أن يكون بيانًا للضمير المبهم المحذوف نحو قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢]، انتهى، ولا يخفى بعده بعد الحذف بخلاف المذكور.
وقوله: (ائتوا نوحًا أول نبي بعثه اللَّه إلى أهل الأرض) استشكل هذه الأولية بآدم وشيث وإدريس عليهم الصلاة والسلام، وأجيب بأن المراد نبي مرسل، والثلاثة كانوا أنبياء ولم يكونوا رسلًا، وفيه خلاف للعلماء، فقد دل بعض الأحاديث على أن آدم وإدريس كانا رسولين، ودلت أيضًا على إنزال الصحف على شيث وهو دليل الإرسال، وقد يجاب أيضًا بأن المراد النبي المبعوث إلى الكفار، وآدم إنما أرسل إلى بنيه ولم يكونوا كفارًا بل أمر بتعليمهم الإيمان وطاعة اللَّه تعالى، وكذلك خلفه شيث وخلفه إدريس، ورسالة نوح كانت إلى كفار أهل الأرض.
وقد يقال: إن العموم لم يكن في أصل بعثة نوح، وإنما اتفق باعتبار الخلف في الموجودين بعد هلاك سائر الناس، هذا ما قالوا، ويمكن أن يقال: إن الأولية المذكورة إضافية بالنسبة إلى المذكورين بعده من إبراهيم وموسى الذين كانوا أكثر أمة وأشهر أمرًا وأعظم شأنًا، واللَّه أعلم.
_________________
(١) "شرح الطيبي" (١٠/ ١٩٠).
[ ٩ / ٥٦ ]
سُؤَالَهُ رَبَّهُ بِغَيْرِ عِلْمِ، وَلَكِنِ ائْتُوا إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ". قَالَ: "فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُ: إِنِّي لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ ثَلَاثَ كَذِبَاتٍ كَذَبَهُنَّ، وَلَكِنِ ائْتُوا مُوسَى عَبْدًا آتَاهُ اللَّهُ التَّوْرَاةَ وَكَلَّمَهُ وَقَرَّبَهُ نَجِيًّا". قَالَ: "فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُ: إِنِّي لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ؛ قَتْلَهُ النَّفْسَ، وَلَكِنِ ائْتُوا عِيسَى عَبْدَ اللَّهِ وَرَسُولَهُ وَرُوحَ اللَّهِ وَكَلِمَتَهُ"، قَالَ: "فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَلَكِنِ ائْتُوا مُحَمَّدًا. . . . .
ــ
وقوله: (سؤاله ربه) (ربه) منصوب على أنه مفعول (سؤاله) والمراد به: سؤاله أن ابني من أهلي لإنجائه من الغرق.
وقوله: (ثلاث كذبات) وهي قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، و﴿فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾، وسارة أختي، ولم تكن كذبات إلا باعتبار الظاهر، ولكن شان المقربين أعلى وأخطر (١)، يؤخذون على ما لا يؤخذ عليه غيرهم.
وقوله: (قتله النفس) وذلك قتله القبطي بالوكز المذكور في قوله تعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥].
وقوله: (فيقول: لست هناكم ولكن ائتوا محمدًا) لم يذكر خطيئته ﵇، قالوا: لعله لاستحيائه من افتراء النصارى في حقه وحق أمه، وقد ورد ذلك في بعض الروايات، ويحتمل أنه ﵇ مع قطع النظر من ذلك لم يره مستحقًا للقيام في هذا المقام، أعني: فتح باب الشفاعة ابتداء لعامة الخلائق والمبادرة إليها، فإنه صعب جدًا لا يتيسر ولا يتصور حصوله إلا لمن كان مخصوصًا بغاية القرب والعزة في حضرة اللَّه تعالى، محمودًا محبوبًا عنده قولًا وفعلًا، وما هو إلا سيد المرسلين وإمام النبيين -ﷺ-، ولهذا تأخر عن
_________________
(١) كذا في (ك) و(ب) و(ع)، وفي (ر): أخص.
[ ٩ / ٥٧ ]
عَبْدًا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ" قَالَ: "فَيَأْتُونِّي،
ــ
الإقدام عليه والدخول فيه النبيون المذكورون غاية أنهم ذكروا في الظاهر عذرًا لهم، ويدل عليه الحديث الآتي من قول كل واحد: (لست لها)، فافهم، واللَّه أعلم، وليس ذلك تواضعًا منهم وإكبارًا لما يسئلونه، كما قاله الطيبي (١).
وقوله: (غفر اللَّه له ما تقدم وما تأخر) للناس في هذا أقوال، وأحسن الأقوال ما نقل السيوطي عن السبكي أنه قال في تفسيره (٢): وقد تأملت هذا الكلام مع ما قبله وما بعده فوجدته تشريفًا للنبي -ﷺ- من اللَّه ﷾ من غير أن يكون هناك ذنب، ولكن أراد أن يستوعب في الآية جميع أنواع النعم الأخروية والدنيوية، والنعم الأخروية شيئان؛ سلبية، وهي عْفران الذنوب، وثبوتية وهي لا يتناهى، أشار إليها بقوله: ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَا﴾ [الفتح: ٢]، والنعم الدنيوية شيئان؛ دينية أشار إليها بقوله: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ٢]، ودنيوية وهي قوله: ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح: ٣]، فانتظم بذلك قدر النبي -ﷺ- بأنواع نعم اللَّه تعالى عليه المتفرفة في غيره، ولهذا جعل ذلك غاية للفتح المبين الذي عظمه ومجده بإسناده إليه هو في العظيمة، وجعله خاصًا بالنبي -ﷺ-.
وقال بعض المحققين: المغفرة هنا كناية عن العصمة، فالمعنى ليعصمك اللَّه فيما تقدم من عمرك وفيما تأخر منه، وقد يكنى عن التخفيفات بلفظ المغفرة والعفو والتوبة، كقوله تعالى عند نسخ قيام الليل: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل: ٢٠]، وعند نسخ تقديم الصدقة بين يدي النجوى: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المجادلة: ١٣]، وعند نسخ تحريم الجماع ليلة الصيام: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧].
_________________
(١) "شرح الطيبي" (١٠/ ١٩٠).
(٢) انظر: "سبل الهدى والرشاد" (٣/ ١٤٠).
[ ٩ / ٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال في (الشفا) (١): قيل: إن النبي -ﷺ- لما أمر أن يقول: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩] سر بذلك الكفار، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] أي: إنك مغفور لك غير مؤاخذ بذلك إن لو كان، أخرجه ابن المنذر في تفسيره عن ابن عباس، وأخرجه أحمد والترمذي والحاكم عن أنس.
وقال بعضهم: المغفرة هنا تبرئته من العيوب، وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: فضل اللَّه نبينا -ﷺ- على سائر الأنبياء بوجوه: منها أن اللَّه تعالى أخبره أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ولم ينقل أنه تعالى أخبر أحدًا من الأنبياء ﵈ بمثل ذلك، بل الظاهر أنه لم يخبرهم؛ لأن كل واحد إذا طلب منه الشفاعة في الموقف ذكر خطيئته، وإذا استشفعت الخلائق نبينا -ﷺ- في ذلك المقام قال: (أنا لها).
وفي هذه أقوال مقبولة في هذه الآية، وأما غيرها فمنها مردودة، ومنها ضعيفة، فالمردودة أن المراد بـ ﴿مَا تَقَدَّمَ﴾ ما كان قبل النبوة، وبـ ﴿وَمَا تَأَخَّرَ﴾: عصمته عنها وهو مردود بأنه لم يقع منه -ﷺ- ذنب كبير ولا صغير أبدًا، وهو الحق الذي لا محيد عنه، وكذا ما قيل: إن المراد ما وقع في صغره من خروجه مع الغلمان يلعب، وذلك لا يليق بمقامه، ولم يثبت أن لعبه مع الغلمان كان لعب لهو، بل هذه اللفظة إن يثبت في حديث وجب تأويلها على ما يليق به.
وقد روي أنه -ﷺ- كان يعدل وهو رضيع، وكان مرضعته حليمة تعطيه ثديها فيشرب منه، فإذا أعطته الثدي الآخر امتنع لعلمه بأن له شريكًا في الرضاعة، فهذه أجل من ترك اللعب وهو فوق ذلك السن.
_________________
(١) "الشفا بتعريف حقوق المصطفى" (٢/ ٣٥٧).
[ ٩ / ٥٩ ]
فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فِي دَارِهِ، فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي فَيَقُولُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ، وَقُلْ تُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ". قَالَ: "فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأُثنِي عَلَى رَبِّي بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحُدُّ لِي حَدًّا،
_________________
(١) وأما الأقوال الضعيفة فما قيل: ﴿مَا تَقَدَّمَ﴾: من ذنب أبويك آدم وحواء ﵉، ﴿وَمَا تَأَخَّرَ﴾: من ذنوب أمتك، وهو ضعيف؛ لأن آدم ﵇ نبي معصوم وما ينسب إليه ذنب فهو يحتاج إلى تأويل، وأيضًا ذنب الغير لا يضاف إلى غير من صدر عنه بكاف الخطاب، وذنوب الأمة لم تغفر بل منهم من لا يغفر له، وقيل: المراد أنك بحال لو كان لك ذنوب ماضية ومستقبلة يغفرها لك جميعها، وقيل: المراد ما كان عن سهو وغفلة وتأويل، حكاه الطبري، واختاره القشيري، وقال مكي: مخاطبة النبي -ﷺ- هنا هي مخاطبة لأمته، واللَّه أعلم. وقوله: (فأستأذن على ربي في داره) أي: في الدخول في دار ربي، والإضافة للتشريف، والمراد المقام الخاص الذي لا يدخله أحد غيره، ويرفع فيه الحجاب، وقيل: ذلك تحت عرشه تعالى كما يأتي في حديث أبي هريرة. وقوله: (وسل تعطه) يحتمل أن يكون هاء السكت وأن يرجع إلى المفعول المحذوف. وقوله: (فيحد لي حدًّا) أي: يحد اللَّه تعالى حدًّا، ولا يجوز أن يكون على صيغة المجهول فيكون مسندًا إلى المصدر، أي: يوقع الحد، و(حدًّا) منصوب مفعول مطلق، ومعنى التحديد أن تعين طائفة من العصاة بالاستشفاع فيهم، مثل تاركي الصلاة، أو مرتكبي الزنا، أو شاربي الخمر مثلًا.
[ ٩ / ٦٠ ]
فَأَخْرُجُ فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ الثَّانِيَةَ فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فِي دَارِهِ، فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي ثُمَّ يَقُولُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ، وَقُلْ تُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ". قَالَ: "فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأُثْنِي عَلَى رَبِّي بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأَخْرُجُ فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ،
_________________
(١) (فأخرج) على صيغة المتكلم من الخروج، أي: أخرج من دار ربي، (فأخرجهم من النار) استشكل بأن أول الحديث كان في الاستشفاع للإراحة من الموقف، وآخره على أنه لإخراجهم من النار، وتوجيهه أن يقال: لعل المؤمنين كانوا فريقين: فريق يشار به إلى النار من غير توقف، وفريق حُبِسوا في المحشر، فذكر أولًا شفاعتهم ثم بين شفاعة الآخرين، والشفاعة أقسام كما ذكرنا في أول الباب، فذكر منها القسمان وتركت الأقسام الأخر، ففي الكلام اختصار القول، هكذا ذكروا. ويمكن أن يقال: إن المراد إخراجهم من النار التي استحقوا دخولها، فإن آخر أمر العصاة أن يدخلوا النار، فأزال عنهم هذه البلية بالشفاعة لهم في أول الأمر، فلم يدخلوا، وهو المراد بإخراجهم من النار، لا الإخراج منها بعد دخولها بالفعل، وهذا كما يقال: أخرجه من هذه الورطة بأن فعل به ما لم يوجب دخوله فيها، وأما القول بأنّ المراد بالنار: شدة الحر من دنو الشمس، وبالإخراج الخلاص منها فبعيد، (قال) أي: النبي -ﷺ-، ففي قوله: (نبيكم) وضع المظهر موضع المضمر، أو قال الراوي فهو على ظاهره. وقوله: (بثناء وتحميد يعلمنيه) يحتمل أن يكون هذا التحميد هو التحميد السابق أو غيره، ويؤيده قوله في الحديث الآخر: و(يلهمني محامد فأحمد بتلك المحامد)، واللَّه أعلم.
[ ٩ / ٦١ ]
ثُمَّ أَعُودُ الثَّالِثَةَ فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فِي دَارِهِ، فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي ثُمَّ يَقُولُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ، وَقُلْ تُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ". قَالَ: "فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأُثْنِي عَلَى رَبِّي بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأَخْرُجُ فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، حَتَّى مَا يَبْقَى فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ قَدْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ" أَيْ: وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ، ثُمَّ تَلَا هَذِه الآيَةَ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] قَالَ: "وَهَذَا الْمقَامُ الْمَحْمُودُ الَّذِي وَعَدَهَ نبَيَّكُمْ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٦٥، م: ١٩٣].
٥٥٧٣ - [٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ مَاجَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ، فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: اشْفَع إِلَى رَبِّكَ فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِإِبْرَاهِيمَ فَإِنَّهُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ، فَيَأْتونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُوسَى فَإِنَّهُ كَلِيمُ اللَّه، فَيَأْتُونَ مُوسَى، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِعِيسَى فَإِنَّهُ رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ، فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُحَمَّدٍ، فَيَأْتُونِّي فَأَقُولُ: أَنَا لَهَا، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فَيُؤْذَنُ لِي، وَيُلْهِمُنِي مَحَامِدَ أَحْمَدُهُ بِهَا، لَا تَحْضُرُنِي الآنَ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ، وَأَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ! ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ تُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ،
ــ
٥٥٧٣ - [٨] (وعنه) قوله: (ولكن عليكم بإبراهيم) ليس فيه ذكر نوح (١).
_________________
(١) قال العيني (١٦/ ٦٨٩): فإنه سبق في الروايات الأخر، وذهل عنه الراوي هنا، انتهى. =
[ ٩ / ٦٢ ]
فَأَقُولُ: يَا رَبِّ! أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيُقَالُ: انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ شَعِيرَةٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ، ثمَّ أَعُودُ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجدًا، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ! ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ تُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأقولُ: يَارَبِّ! أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيُقَالُ: انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ أَوْ خَرْدَلَةٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَنْطَلِقُ، فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ! ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ تُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ!، أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيُقَالُ: انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَالِ حَبَّةِ خَرْدَلَةٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ فَأَنْطَلِقُ فَأفْعَلُ، ثم أَعُودُ الرَّابِعَةَ فأحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِد ثُمَّ أَخِرُّ لهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ! ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ تُسْمَعْ: وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، ائْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ لَكَ، وَلَكِنْ وَعِزَّتِي وَجَلَالِي وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي لأُخْرِجَنَّ مِنْهَا مَنْ قَالَ: لَا إِلَه إِلَّا اللَّه". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٥١٠، م: ١٩٣].
ــ
وقوله: (فأقول: يا رب! أمتي أمتي) المفهوم من ظاهر الحديث السابق أن القضية المذكورة كانت في الناس كلهم، وهذا يدل على تخصيص هذه الأمة، فإما أن يكون قضيتين، وإما أن يكون الابتداء بالأمة والانتهاء إليهم، واللَّه أعلم.
وقوله: (مثقال شعيرة من إيمان) أي: من ثمراته من القوة والازدياد، أو العمل والطاعة، وكذا في أخواته، وأما قوله: (فيمن قال: لا إله إلا اللَّه) فالمراد نفس الإيمان من غير اعتبار قوته وازدياده، ولذا قال: (من قال: لا إله إلا اللَّه)، أي: لم يزد على
_________________
(١) = وقال الحافظ (١١/ ٤٣٤): والعمدة على من حفظ.
[ ٩ / ٦٣ ]
٥٥٧٤ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: "أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٩٩].
٥٥٧٥ - [١٠] وَعَنْهُ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ -ﷺ- بِلَحْمٍ، فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ، وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ، فَنَهَسَ مِنْهَا نَهْسَةً ثُمَّ قَالَ: "أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَتَدْنُوْ الشَّمْسُ فَيَبْلُغُ النَّاسُ مِنَ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ، فَيَقُولُ النَّاسُ: أَلَا تَنْظُرُونَ مَنْ يَّشْفعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُم؟ فَيَأْتُونَ آدَمَ". وَذَكرَ حَدِيثَ الشَّفَاعَةِ وَقَالَ: "فَأَنْطَلِقُ فَآتِي تَحْتَ الْعَرْشِ فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي، ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِي ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَقُولُ: أُمَّتِي يَا رَبِّ! أُمَّتِي يَا رَبِّ! أُمَّتِي يَا رَبِّ! فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ! . . . . .
_________________
(١) ذلك شيئًا.
(٢) [٩] (أبو هريرة) قوله: (أسعد الناس بشفاعتي) أي: أفوزهم لكونهم أحوج الناس، وأما الذي له أعمال حسنة زائدة على الناس فهم أيضًا فائزون بشفاعتي ومستسعدون بها، أما هؤلاء فهم أحوج وأسعد. وقوله: (من قلبه أو نفسه) من شك الراوي.
(٣) [١٠] (وعنه) قوله: (فنهس منها نهسة) الرواية المشهورة بالسين المهملة، وقد يروى بالمعجمة، والأول الأخذ بأطراف الأسنان، والثاني بالأضراس. وقوله: (لم يفتحه على أحد قبلي) بل عليّ أيضًا قبل هذا المقام.
[ ٩ / ٦٤ ]
أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْبَابِ الأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الأَبْوَابِ" ثُمَّ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٧١٢، م: ١٩٤].
٥٥٧٦ - [١١] وَعَنْ حُذَيْفَةَ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "وَتُرْسَلُ الأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ فَتَقُومَانِ جَنَبَتَيِ الصِّرَاطِ يَمِينًا وَشِمَالًا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٥].
ــ
وقوله: (إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة) المصراعان: قطعتان من باب واحد تغلقان على منفذ واحد، يكون الداخل في وسطهما، كمصراعي البيت من الشعر شبها بهما، وأصله من الصرع بمعنى الدفع والإلقاء، وقال في (مشارق الأنوار) (١): أي من أبوابها، والمصراع: الباب، ولا يقال مصراع حتى يكونا اثنين، انتهى، فيكون المقصود بيان سعة الباب، وقال الطيبي (٢): المصراعان: البابان المغلقان على منفذ واحد.
(وهجر) اسم لموضعين، أحدهما من قرى المدينة وهو المراد في حديث: (إذا بلغ الماء قلتين من قلال هجر لم يحمل الخبث) (٣)، وقيل: من قرى البحرين، قيل: والصحيح أن المراد هنا الأخير.
٥٥٧٦ - [١١] (حذيفة) قوله: (فتقومان جنبتي الصراط) بفتح النون بمعنى
_________________
(١) "مشارق الأنوار" (٢/ ٤٢).
(٢) "شرح الطيبي" (١٠/ ١٩٨).
(٣) أخرجه أبو داود في "سننه" (٦٣).
[ ٩ / ٦٥ ]
٥٥٧٧ - [١٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- تَلَا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى فِي إِبْرَاهِيمَ: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [إبراهيم: ٣٦]، وَقالَ عِيسَى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ [المائدة: ١١٨] فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: "اللهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي" وَبَكَى، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا جِبْرِيلُ! اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ -وَرَبُّكَ أَعْلَمُ- فَسَلْهُ مَا يُبْكِيهِ؟ . فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِمَا قَالَ، فَقَالَ اللَّهُ لِجِبْرِيلَ: اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ: . . . . .
ــ
الجنب بسكونها، والْجَنْبُ والجانب والجَنَبَة: شِقُّ الإنسان وغيره، كذا في (القاموس) (١)، أي: ناحيتيه للمحاجة للأمين والواصل، وعلى الخائن والقاطع، وذلك بأن يُمثلا على صورتين، أو هو كناية عن عظم شأنهما وفخامة ما يلزم العباد من رعاية حقهما.
٥٥٧٧ - [١٢] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (وقال عيسى) (قال) هنا بمعنى القول مصدرًا عطفًا على قول اللَّه.
وقوله: (﴿إِنَّهُنَّ﴾) أي: الأصنام (﴿أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾) آخر الآية: ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وآخر قوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، ومعنى الشفاعة إنما يفهم من آخر الآيتين، والحاصل أنه -ﷺ- ذكر شفاعة هذين النبيين المكرمين لأمتهما، فذكر أمته ورقّ وشفع لهم، وشتان ما بين الشفاعتين، فإن شفاعتهما بصيغة الشرط والتردد، وشفاعته بالجزم والقطع، وذلك لغاية جاهه وعزته ومكانته عند ربه ﷿، ولا يخفى ما في جوابه تعالى له من التقرير والتأكيد، وما في
_________________
(١) "القاموس المحيط" (ص: ٧٧).
[ ٩ / ٦٦ ]
إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوؤُكَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٢].
٥٥٧٨ - [١٣] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ أُنَاسًا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ نَرَى رَبَنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "نَعَمْ، هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤيَةِ الشَّمْسِ بِالظَهِيرَةِ صَحْوًا لَيْسَ مَعَهَا سَحَابٌ؟ وَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ صَحْوًا لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ؟ " قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: "مَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا، إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ: لِيَتَّبِعْ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ، فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ كَانَ يَعْبَدُ غَيْرَ اللَّهِ مِنَ الأَصْنَامِ وَالأَنْصَابِ إِلَّا يَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ،
_________________
(١) الحديث من غاية لطفه تعالى بهذا الرسول الكريم، وعظم منزلته ولطفه، وما فيه من البشارة لهذه الأمة المرحومة الملطوفة، اللهم إنا نسألك بجاه محمد -ﷺ- أن تغفر لنا، وترحمنا في الدنيا والآخرة، آمين، وشفاعته بدعوته. وقوله: (ولا نسوؤك) أي: لا نحزنك.
(٢) [١٣] (أبو سعيد الخدري) قوله: (هل تضارون) قد سبق شرحه وبيان ما فيه من الروايات في (باب الحساب) في حديث أبي هريرة فلا نعيده، و(الصحو) ذهاب الغم، أصحت السماء: إذا خلت عن الغيم، (ليس معها) أي: مع الشمس. وقوله في ذكر القمر: (ليس فيها) أي: في ليلة البدر. وقوله: (ليتبع) بصيغة الأمر مع اللام. و(الأنصاب) جمع نصب وهو بضم النون والصاد وسكونها، وجاء بفتح النون والصاد: حجر كانوا ينصبونه في الجاهلية ويتخذونه صنمًا فيعبدونه، وجمعه أنصاب، وقيل: هو حجر كانوا ينصبونه ويذبحون عليه فيحمرّ
[ ٩ / ٦٧ ]
حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ بَرٍّ وَفَاجِرٍ أَتَاهُمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ: . . . . .
ــ
بالدم، وفي حديث إسلام أبي ذر: (كأني نصب أحمر) يريد: أنهم ضربوه حتى أدموه، فصار كالنصب المحمر بدم الذبائح، وقد عطف على الأصنام، فإن كان النصب أحجارًا فالعطف ظاهر، وإن كان معبودًا فتفسيري، وفي (شرح جامع الأصول) (١): الأنصاب: أحجار، وقيل: أصنام، وفي (القاموس) (٢): هو بضمتين: ما عُبِدَ من دون اللَّه، وقول الطيبي (٣): هي حجارة كانت تنصب وتعبد من دون اللَّه، ويذبحون عليها تقربًا إلى آلهتهم، جمع بين المعنيين، وإشارة إلى أن نصبهم الحجارة والذبح عليها ليس إلا لاعتقاد معبوديتها.
وقوله: (أتاهم رب العالمين) أي: أمره، أو تجلى وتقرب، أو أتاه ملك من ملائكته، وقالوا: إن الرؤية التي هي ثواب المؤمنين في الجنة غير هذه الرؤية المذكورة، وهذه امتحان من اللَّه تعالى، فيقع بها التمييز بين من عبد اللَّه وبين من عبد الطواغيت، ليتبع كل من الفريقين معبوده، والآخرة وإن كانت دار جزاء فقد يقع فيها الامتحان، كما أن الدنيا دار امتحان وقد يقع فيها الجزاء، قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] بدليل أن القبر هو أول منزل من منازل الآخرة يجري فيه الابتلاء، ولقد أشبع الطيبي (٤) الكلام في هذا المقام بما لا مزيد عليه نقلًا عن بعض شراح الحديث فلينظر ثمة.
_________________
(١) "جامع الأصول" (٢/ ٤١٣).
(٢) "القاموس المحيط" (ص: ١٤٠).
(٣) "شرح الطيبي" (١٠/ ٢٠١).
(٤) "شرح الطيبي" (١٠/ ٢٠٢).
[ ٩ / ٦٨ ]
فَمَاذَا تَنْظُرُونَ؟ تَتْبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ. قَالُوا: يَا رَبَّنَا فَارَقْنَا النَّاسَ فِي الدُّنْيَا أَفْقَرَ مَا كُنَّا إِلَيْهِم وَلَمْ نُصَاحِبْهُمْ".
٥٥٧٩ - [١٤] وَفِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ: "فَيَقُولُونَ: هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاه". وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ: "فَيَقُولُ: هَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ آيَةٌ تَعْرِفُونَهُ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ، فَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ للَّهِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ إِلَّا أَذِنَ اللَّهُ لَهُ بِالسُّجُودِ، وَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ اتِّقَاءً وَرِيَاءً إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ ظَهْرَهُ طَبَقَةً وَاحِدَةً،
_________________
(١) وقوله: (فماذا تنظرون؟) أي: أيّ شيء تنظرون لِمَ لا تتبعوهم (قالوا: يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا) أي: ما اتبعناهم. وقوله: (أفقر) حال من ضمير (فارقنا)، و(ما) مصدرية حينية، أي: عند أفقر أوقات كوننا محتاجين إليهم فكيف نتبعهم الآن وهم مع ما يعبدون حصب جهنم.
(٢) [١٤] (أبو هريرة) قوله: (فيكشف عن ساق) هذا مما يجب فيه التوقف عند السلف أو يأول بالكشف عن أمر فظيع، وقد مر تأويله في (باب لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس)، وقيل: المراد النور العظيم، وقيل: جماعة من الملائكة، وروي (يكشف عن ساقه) معروفًا ومجهولًا. وقوله: (من تلقاء نفسه) أي: من جانبها وجهتها، أي: بالإخلاص من غير ملاحظة الخلق وما سواه تعالى، وخوف واتقاء من الناس أو السيف لمقابلة قوله: (اتقاء ورياء). وقوله: (طبقة واحدة) أي: من غير فاصل بين فقراته، وهذا ما قال اللَّه سبحانه:
[ ٩ / ٦٩ ]
كُلَّمَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ خَرَّ عَلَى قَفَاهُ، ثُمَّ يُضْرَبُ الْجِسْرُ عَلَى جَهَنَّمَ، وَتَحِلُّ الشَّفَاعَةُ، وَيَقُولُونَ: اللهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، فَيَمُرُّ الْمُؤْمِنُونَ كَطَرَفِ الْعَيْنِ، وَكَالْبَرْقِ، وَكَالرِّيح، وَكَالطَّيْرِ، وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ، وَالرِّكَابِ؛ فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ، وَمَخْدُوشٌ مُرْسَلٌ، وَمَكْدُوشٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ،
ــ
﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢]، قد يستدل به على جواز تكليف ما لا يطاق، وأقول: الخلاف فيه إنما بالتكليف في دار الدنيا التي يطلب فيها الفعل، وأما هاهنا فالمقصود هو التميز والتفرقة بين المخلصين والمنافقين، فهو في حكم جزاء الأعمال. و(تحل) بكسر الحاء وضمها، أي: تقع الشفاعة ويؤذن فيها.
وقوله: (ويقولون) أي: الأنبياء، وقد صرح به في حديث أبي هريرة من قوله: (وكلام الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم)، والظاهر أنهم يطلبون ذلك لأممهم، أي: سلمهم من تعب الصراط، وضرره وسقوطهم في النار. و(أجاويد) جمع أجواد وهو الفرس السابق الجيد. و(الركاب) بكسر الراء: الإبل، واحدتها راحلة، ولا واحد لها من لفظها.
وقوله: (ومخدوش) خدشه: خمشه، وخدش الجلد: مزقه، قلّ أو كثر، أو قشره بعود ونحوه، والخدش اسم لذلك الأثر أيضًا.
وقوله: (مرسل) أي: متروك مطلق مخلص، والإرسال: الإطلاق والإهمال، و(مكدوش) في (القاموس) (١) كدشه: خدشه، وضربه بسيف أو رمح، ودفعه دفعًا عنيفًا، وقطعه وساقه وطرده.
_________________
(١) "القاموس المحيط" (٥٥٨).
[ ٩ / ٧٠ ]
حَتَّى إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ. . . . .
ــ
وقال القاضي عياض في (المشارق) (١): (مكدوش) بالشين المعجمة للعذري، ولغيره في "الصحيحين" بالمهملة، فـ (مكدوس) مثل: (مخدوش) في الحديث الآخر، ومثل (مخردل) في الآخر، قال ابن دريد: كدشه: إذا قطعه بأسنانه قطعًا، كما يقطع القثاء وما أشبهه، وقد يكون أيضًا مرميًا مطروحًا فيها، وقال صاحب (العين): الكدش: السوق، ويكون هذا معنى مكدوس بالمهملة في الرواية الأخرى، أي: مطروح على غيره، والتكديس: طرح الشيء بعضه على بعض، ويروى: ومنهم المكردس بالراء والدال المهملة وبالسين المهملة، أي: الموثق الملقى في النار، وقد يكون بمعنى المكدوس المتقدم، أي: يلقى على غيره بعضهم على بعض، من قولهم لكتائب الخيل: كراديس لاجتماعها، والتكردس: التجمع، انتهى. ويقال: كردس القائد خيله: إذا جعلها كتيبة، وفي (القاموس) (٢): الكردوسة بالضم: قطعة عظيمة من الخيل، والكردسة: الوثاق، ومشي في تقارب خَطْو كالمقيد والسَّوْق العنيف، وكُردِسَ بالضم: جمعت يداه ورجلاه، وتكردس: انقبض واجتمع.
وقوله: (حتى إذا خلص المؤمنون من النار) أس ي: خرج المؤمنون المكدوسون الذين سقطوا في النار، أي: بعضهم بعد رؤية العذاب بقدر ذنوبهم، وفيه دليل على أن المؤمنين لا يخلدون في العذاب.
وقوله: (فوالذي نفسي بيده. . . إلخ)، جواب (إذا) يعني أنهم إذا خرجوا من النار شفعوا وناشدوا لإخوانهم الذين ألقوا في النار ولم يخرجوا بعد لكثرة معاصيهم.
_________________
(١) "مشارق الأنوار" (١/ ٥٤٥ - ٥٤٦).
(٢) "القاموس المحيط" (ص: ٥٢٧).
[ ٩ / ٧١ ]
مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْكُمْ بِأَشَدَّ مُنَاشَدَةً فِي الْحَقِّ -قَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ- مِنَ الْمُؤْمِنِينَ للَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ فِي النَّارِ، يَقُولُونَ: رَبَّنَا كَانُوا يَصُومُونَ مَعَنَا، وَيُصَلُّونَ وَيَحُجُّونَ، فَيُقَالُ لَهُمْ: . . . . .
ــ
وقوله: (يقولون: ربنا) بيان للمناشدة.
وقوله: (ما من أحد منكم بأشد مناشدة في الحق -قد تبين لكم- من المؤمنين يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار) لا بد من بيان إعراب هذا التركيب، فقوله: (بأشد) خبر (ما)، و(مناشدة) أي: مطالبة ومساءلة تمييز، (وفي الحق) ظرف للمناشدة، و(قد تبين) صفة لـ (الحق) لكونه في المعنى كالنكرة، أي: حق تبين وظهر لكم ثبوته على خصمكم، أو حال وإنما قيد بهذا؛ لأنه تكون المناشدة والمطالبة فيه أكثر وأشد، و(من المؤمنين) متعلق (بأشد) تعلق (من) التفضيلية باسم التفضيل، وهو من قبيل وضع المظهر موضع المضمر والظاهر منكم، كذا قال الطيبي (١)، ولو أريد بالمخاطبين في (منكم): الحاضرون في الدنيا، وبـ (المؤمنين) في (من المؤمنين): المؤمنون المناشدون للَّه تعالى الشافعون في الآخرة لم يكن من وضع المظهر، بل هذا أوضح وأظهر في المعنى.
نعم الظاهر (منهم) برجوع الضمير إلى (المؤمنين) المذكورين قبل، فلو قيل: إنه من وضع المظهر موضع المضمر بهذا الاعتبار لكان له وجه، فافهم، والمعنى أن المؤمنين الذين خرجوا من النار أشد مناشدة للَّه تعالى وأكثر مطالبة وسؤالًا منه لإخراج المؤمنين الذين بقوا في النار بمعاصيهم من القوم الذين يناشدون في الحق الصريح الذي تبين ثبوته على خصمائهم، فإن هؤلاء يناشدون ويطالبون الحق غاية جهدهم،
_________________
(١) "شرح الطيبي" (١٠/ ٢٠٦).
[ ٩ / ٧٢ ]
أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ فَتُحَرَّمُ صُوَرُهُمْ عَلَى النَّارِ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا مَا بَقِيَ فِيهَا أَحَدٌ مِمَّنْ أَمَرْتَنَا بِهِ. فَيَقُولُ: ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُم فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُ: ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُ: ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا خَيِّرًا، فَيَقُولُ اللَّهُ: شُفِّعَتِ الْمَلَائِكَةُ، وَشُفِّعَ النَّبِيُّونَ، وَشُفِّعَ الْمُؤْمِنُونَ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَيقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ،
_________________
(١) والمؤمنون أشد مناشدة للَّه ومطالبة منهم. وقوله: (فتحرم) بالتشديد (صورهم) أي: وجوههم (على النار) ليعرفوا. وقيل: الضمير للداخلين. وقوله: (ممن أمرتنا به) أي: بإخراجه والمأمور به إخراج من عرفتم، ولعل المراد ممن عرفتم أنه من أهل الخير والصلاح، وهو الظاهر من سياق الحديث، فالمراد بالخير ما هو زائد على أصل الإيمان سواء كان من أعمال الجوارح أو القلب. وقوله: (لم نذر فيها خيرًا) أي: لم ندع في النار أحدًا ممن كان فيه خير زائد على أصل الإيمان. وقوله: (شفعت الملائكة وشفع النبيون) لم يقع في هذا الحديث ذكر لشفاعة الملائكة والنبيين وكأنه سبق منهم شفاعة ثم شفع بعدهم المؤمنون، ولكنه لم يذكر واقتصر على ذكر شفاعة المؤمنين لغرابتها ووقوعها على أشد الوجوه وأوكدها.
[ ٩ / ٧٣ ]
فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ، قَدْ عَادُوا حُمَمًا فَيُلْقِيهِمْ فِي نَهْرٍ فِي أَفْوَاهِ الْجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ: نَهْرُ الْحَيَاةِ. . . . .
ــ
وقوله: (قد عادوا) أي: صاروا، و(الحمم) جمع حمة بمعنى الفحمة، ولعل المراد: صاروا كالحمم وسودًّا، محرقين.
وقوله: (في أفواه الجنة) يتراءى في الظاهر أنه جمع فوه الذي بمعنى فم، ولكنهم جعلوه جمع فوّهة بضم الفاء وتشديد الواو المفتوحة هي من الطريق والوادي: فمه، كذا في (القاموس) (١)، وفي (الصراح) (٢): فوهة بالضم والتشديد: دهانه كوى، ودهانه جوى، أفواه جماعة، وفي (المشارق) (٣): يقال: فوهة النهر والطريق، مضموم الفاء مشدد الواو، أي: فمه وأوله، كأنه يريد مفتتحات مسالك قصور الجنة ومنازلها.
وفي (النهاية) (٤): يقال لأول الزقاق والنهر: فوهته، بضم الفاء وتشديد الواو، وقال النووي: أفواه السكك، أي: أبواب الطرق، وقال الطيبي (٥): الأفواه جمع فوهة، بضم الفاء وتشديد الواو، وهو جمع سمع من العرب على غير القياس، وأفواه الأزقة والأنهار: أوائلها، انتهى. ولا يذهب عليك أن ذلك باعتبار التشبيه بالضم، ولكنه قد جاء (فوهة) بهذا المعنى فجعلوا الأفواه جمعًا لها، فتدبر.
_________________
(١) "القاموس المحيط" (ص: ١٠٦٧).
(٢) "الصراح" (ص: ٥٣٧).
(٣) "مشارق الأنوار" (٢/ ٢٧٧).
(٤) "النهاية" (٣/ ٤٨١).
(٥) "شرح الطيبي" (١٠/ ٢٠٨).
[ ٩ / ٧٤ ]
فَيَخْرُجُونَ كَمَا تَخْرُجُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ،
ــ
وقوله: (فيخرجون) أي: من ذلك النهر (كما تخرج الحبة) قال في (المشارق) (١): هي بكسر الحاء وتشديد الباء، قال الفراء: بذر البقل، وقال الكسائي: هو حب الرياحين بالفتح، وقال أبو عمرو: هو نبت ينبت في الحشيش الصغار، وقال النضر بن شميل: الحبة بكسر الحاء: اسم جامع لحبوب البقل التي تنتشر إذا هاجت الريح، فإذا أمطرت السماء من قابل نبتت، والحبة من العنب حبة بالفتح، وحب الحبة الذي داخلها، وقال الحربي: ما كان من النبت له حب، فاسم ذلك الحب الحبة، وقال غيره: فأما الحنطة ونحوها فهو الحب لا غير، وقالوا: الحبة فيما هو حبوب مختلفة.
وقال ابن دريد: وهو جميع ما تحمله البقول من ثمرة، وجمعه حبب، وتشبيهه نباتهم بنبات الحبة لوجهين؛ أحدهما: بياضها كما ذكر في الحديث فيهم وفيها، والثاني: سرعة نباتها؛ لأنها تنبت في يوم أو ليلة، انتهى. والأولى كما قال الطيبي: إنه إنما شبهه سرعة نباته وحسنه وطراوته؛ لأن وجود البياض في المشبه به محل خفاء كما في المشبه، كيف وقد يأتي في الحديث الآتي: (أنها تخرج صفراء)، وأما ما ذكر القاضي من ذكره في الحديث، فكأنه أراد قوله -ﷺ-: (كاللؤلؤ)، جاء في حديث آخر، واللَّه أعلم.
وقوله: (في حميل السيل) في (المشارق) (٢): هو ما حمله السيل من طين وغثاء، والحميل بمعنى المحمول كقتيل بمعنى المقتول، وقال الحربي: فيه وجه آخر: أن الحميل ما لم يصبك مطره ومر عليك سيله، كالحميل من الناس من حمل إليك ممن
_________________
(١) "مشارق الأنوار" (١/ ٢٧٢).
(٢) "مشارق الأنوار" (١/ ٣١٥).
[ ٩ / ٧٥ ]
فَيَخْرُجُونَ كَاللُّؤْلُؤِ فِي رِقَابِهِمُ الْخَوَاتِمُ، فَيَقُولُ أَهْلُ الْجَنَّةِ: هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ الرَّحْمَن أَدْخَلَهُمْ الْجَنَّةَ بِغَيْر عَمَلٍ عَمِلُوهُ، وَلَا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ، فَيُقَالُ لَهُمْ: لَكُمْ مَا رَأَيْتُمْ وَمِثْلُهُ مَعَهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٠٦، م: ١٨٢].
٥٥٨٠ - [١٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرَجُونَ قَدِ امْتُحِشُوا وَعَادُوا حُمَمًا، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهْرِ الْحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، أَلَمْ تَرَوْا أَنَّهَا تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَوَيَةً". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٦٠، م: ١٨٤].
ــ
لم يولد بأرضك، وكذلك من نزل بقوم منهم يقال له: حميل.
وقوله: (في رقابهم الخواتم) المراد به العلامات ليمتازوا عن الخارجين من النار بالعمل الصالح.
وقوله: (لكم ما رأيتم ومثله معه) قال الطيبي (١): فيه حذف، أي: ينظرون في الجنة إلى أشياء، فيقال: لكم ما رأيتم ومثله معه، انتهى. ويمكن أن يكون (ما رأيتم) عبارة عما فضل اللَّه تعالى عليهم من إخراجهم من النار وإدخالهم الجنة، أي: لكم ما شاء من العناية والكرم ومثله معه من نعيم الجنة وأنواع العطايا فيها.
٥٥٨٠ - [١٥] (وعنه) قوله: (قد امتحشوا) في (القاموس) (٢): المحش: قشر الجلد من اللحم، وفي (النهاية) (٣): المحش: احتراق الجلد وظهور العظم. قال
_________________
(١) "شرح الطيبي" (١٠/ ٢٠٨).
(٢) "القاموس المحيط" (ص: ٥٥٩).
(٣) "النهاية" (٤/ ٣٠٢).
[ ٩ / ٧٦ ]
٥٥٨١ - [١٦] وَعَن أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَذَكرَ مَعْنَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، غَيْرَ كَشْفِ السَّاقِ وَقَالَ: "يُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَّجُوزُ مِنَ الرُّسُلِ بِأُمَّتِهِ، وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا الرُّسُلُ، وَكَلَامُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ. وَفِي جَهَنَّمَ كَلَالِيْبُ. . . . .
ــ
القاضي عياض (١): امتحشوا وامتحشت، ضبطه أكثرهم: بضم التاء وكسر الحاء على ما لم يسم فاعله، وضبطناه على أبي بحر بفتح التاء والحاء في الأول، وضبط الأصيلي في الآخر بفتحهما أيضًا، يقال: محشته النار: أحرقته، وقال ابن قتيبة: محش النار وامتحش، وحكى يعقوب أمحشه الحر: أحرقه، وقال غيره: ولا يقال: محشته في هذا بمعنى أحرقته، وحكى صاحب (الأفعال) الوجهين بمعنى أحرقته، قال: ومحشت لغة، وأمحشت المعروف، ويقال: امتحش فلان غضبا، أي: احترق، وقال الداودي: انقبضوا واسودوا.
٥٥٨١ - [١٦] (أبو هريرة) قوله: (فاكون أول من يجوز من الرسل بأمته) ظاهره أنه -ﷺ- يجوز ويمر على الصراط مع أمته تحلة للقسم في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]، وقد اختلف في ذلك، وخص -ﷺ- من هذا العموم، ويجوز أن تجعل الباء للتعدية بمعنى: يجيز أمته واقفًا عليه حاضرًا عنده، واللَّه أعلم.
وقوله: (في جهنم كلاليب) جمع كلوب بفتح كاف وتشديد لام مضمومة: حديدة لها شعب يعلق به اللحم، وفي (النهاية) (٢): هو بالتشديد: حديدة مُعْوَجَّة
_________________
(١) "مشارق الأنوار" (١/ ٦١٠).
(٢) "النهاية" (٤/ ١٩٥).
[ ٩ / ٧٧ ]
مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ لَا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا إِلَّا اللَّهُ، تَخْطِفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُوبَقُ وَمِنْهُمْ مَنْ يُخَرْدَلُ، ثُمَّ يَنْجُو حَتَّى إِذَا فَرَغَ اللَّهُ مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ عِبَادِهِ، وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ مِنَ النَّارِ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَهُ مِمَّنْ كَانَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ،
ــ
الرأس، وقد سبق في (باب الرؤيا).
(والسعدان) بفتح السين وسكون العين والمهملة: نبت من أفضل مراعي الإبل، ومنه (مرعى ولا كالسعدان) وله شوك يشبه حلمةَ الثدي، وفي (الصحاح) (١): ولهذا النبت شوك يقال له: حسك السعدان، وفي (مجمع البحار) (٢) عن النووي: هو بفتح سينه وسكون عينه: نبت له شوك عظيم مثل الحسك من كل الجوانب.
وقوله: (تخطف) في (القاموس) (٣): خطف الشيء كسمع وضرب، أو هذه قليلة أو رديئة: استلبه، انتهى. وقد قرئ في قوله تعالى: ﴿يَخْطَفُ﴾ [البقرة: ٢٠] بالكسر أيضًا.
وقوله: (من يوبق بعمله) في (القاموس) (٤): وبق كوعد، ووجِل، ووَرِث، وُبُوقًا ومَوبِقًا: هلك، وأوبقه: حبسه أو أهلكه، (ومنهم من يخردل) أي: يقطع، وهو كالمخدوش والمكدوش كما مر، يعني أن الكافر يهلك ولا ينجو، والمؤمن الفاسق يقطع ويخدش ثم ينجو.
_________________
(١) "الصحاح" (٢/ ٤٨٨).
(٢) "مجمع بحار الأنوار" (٣/ ٧٣).
(٣) "القاموس المحيط" (ص: ٧٤٣).
(٤) "القاموس المحيط" (ص: ٨٥٤).
[ ٩ / ٧٨ ]
أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ، فَيُخْرِجُونهمْ وَيَعْرِفُونَهُمْ بِآثَارِ السُّجُودِ، وَحَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ، فَكُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُهُ النَّارُ إِلَّا أَثَرَ السُّجُودِ، فَيُخْرَجُونَ مِنَ النَّارِ قَدِ امْتُحِشُوا، فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءُ الْحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، وَيَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الجنَّةِ والنارِ وَهُوَ آخرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولًا الْجَنَّةَ، مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ قِبَلَ النَّارِ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ! اصْرِفْ وَجْهِي عَن النَّار قَد قَشَبَنِي رِيحُهَا، وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا. . . . .
ــ
وقوله: (أمر الملائكة) إما بعد شفاعتهم، أو شفاعة الأنبياء والرسل، أو شفاعة المؤمنين.
وقوله: (إلا أثر السجود) أي: موضع أثر السجود، والمراد الجنس، فيشمل جميع أعضاء السجود، والتخصيص بالجبهة لا وجه له إلا باعتبار المواجهة أو شرفه.
وقوله: (فيصب عليهم ماء الحياة) لا منافاة بينه وبين ما ورد: (أنهم يدخلون في نهر الحياة)، فيجوز أن يكون الصب بإلقائهم في نهرها.
وقوله: (وقد قشبني) القشب: الخلط، وسقي السم، والإصابة بالمكروه المستقذر، وقشبني ريحه: آذاني، وقال في (المشارق) (١): معناه سَمَّنَي وآذاني، والقشب: السم، ويقال: قشبه الدخان: إذا ملأ خياشيمه.
وقوله: (وأحرقني ذكاؤها) في (المشارق) (٢): أي شدة حرها والتهابها، كذا هو بفتح الدال ممدودًا عند الرواة، والمعروف في شدة حر النار القصر، إلا أن أبا حنيفة
_________________
(١) "مشارق الأنوار" (٢/ ٣٢٦).
(٢) "مشارق الأنوار" (١/ ٤٢٨).
[ ٩ / ٧٩ ]
فَيَقُولُ: هَلْ عَسَيْتَ إِنْ أَفْعَلْ ذَلِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَ ذَلِكَ؟ فَيَقُول: لَا وَعِزَّتِكَ، فيُعطِي اللَّهَ مَا شاءَ اللَّهُ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ، فَيَصْرِفُ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ، فإِذا أَقْبَلَ بِهِ عَلَى الْجَنَّةِ وَرَأى بَهْجَتَهَا سَكَتَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ! قَدِّمْنِي عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ اللَّهُ ﵎: أَلَيْسَ أَعْطَيْتَ الْعُهُودَ وَالْمِيثَاقَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنْتَ سَأَلْتَ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ! لَا أَكُونُ أَشْقَى خَلْقِكَ. فَيَقُولُ: فَمَا عَسَيْتَ إِنْ أُعْطِيتَ ذَلِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَهُ. . . . .
ــ
ذكر فيه المد، وخطأه فيه علي بن حمزة في ردوده، يقال منه: ذكت النار تذكو ذكًا وذكوًا، ومنه: ذكا الطيب: انتشار ريحه، وأما الذكاء ممدودًا فتمام السن وذكاء القلب، انتهى. وفي (القاموس) (١): ذكت النار ذُكُوًّا [ذكًا]، وذكاء بالمد عن الزمخشري، واستذكت: اشتد لهبها.
وقوله: (هل عسيت) معنى الرجاء راجع إلى المخاطب كالترجي في: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٣].
وقوله: (فيعطي اللَّه) فاعله ضمير الرجل، (فإذا أقبل به على الجنة) لعل الباء للتعدية، أي: أقبله اللَّه تعالى.
وقوله: (لا أكون أشقى خلقك) بأن أكون خارج الجنة، والمؤمنون فيها، فلا أقل من أن أكون عند بابها، والشقا: الشدة والعُسْر، ويمد، كذا في (القاموس) (٢).
وقوله: (فما عسيت) (ما) استفهامية، و(أعطيت) بلفظ المجهول.
_________________
(١) "القاموس المحيط" (ص: ١١٨١).
(٢) "القاموس المحيط" (ص: ١١٩٥).
[ ٩ / ٨٠ ]
فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَيُعْطِي رَبَّهُ مَا شَاءَ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ، فَيُقَدِّمُهُ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَإِذَا بَلَغَ بَابَهَا، فَرَأَى زَهْرَتَهَا وَمَا فِيهَا مِنَ النَّضْرَةِ وَالسُّرُورِ، فَسَكَتَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ! أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ. فَيَقُولُ اللَّهُ ﵎: وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ! مَا أَغْدَرَكَ، أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ الْعُهُودَ وَالْمِيثَاقَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِي أُعْطِيتَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ! لَا تَجْعَلْنِي أَشْقَى خَلْقِكَ، فَلَا يَزَالُ يَدْعُو حَتَّى يَضْحَكَ اللَّهُ مِنْهُ، فَإِذَا ضَحِكَ أَذِنَ لَهُ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ. فَيَقُولُ: تَمَنَّ فَيَتَمَنَّى حَتَّى إِذَا انْقَطَعَتْ أُمْنِيَّتُهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (١): تَمَنَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا، أَقْبَلَ يُذَكِّرُهُ رَبُّهُ حَتَّى إِذَا انْتَهَتْ بِهِ الأَمَانِيُّ قَالَ اللَّهُ: لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ" وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ: "قَالَ اللَّهُ: لَكَ ذَلِكَ وَعَشْرَةُ أَمْثَالِهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٠٦، م: ١٨٢].
ــ
وقوله: (فيقول: لا وعزتك) فإن قلت: كيف لم يعاتبه اللَّه تعالى على نقض العهد والحنث في اليمين؟ قلت: حاله حال الولهان والمجانين فيعذروا، وأيضًا ليست تلك دار التكليف فلا مؤاخذة.
وقوله: (يا رب! لا تجعلني أشقى خلقك) ذكر في هذه المرة بصيغة الدعاء تضرعًا وإلحاحًا لكثرة النقض والعذر، ولذلك لا يزال يدعو حتى يضحك اللَّه تعالى أي: يرضى منه غاية الرضاء.
وقوله: (أقبل يذكره ربه) من باب تنازع الفعلين في الفاعل.
وقوله: (يذكره) من التذكير، و(ربه) تنازع فيه الفعلان، ويحتمل المذهبين.
_________________
(١) "تعالى" سقط في نسخة.
[ ٩ / ٨١ ]
٥٥٨٢ - [١٧] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ فَهُوَ يَمْشِي مَرَّةً، وَيَكْبُو مَرَّةً وَتَسْفَعُهُ النَّارُ مَرَّةً، فَإِذَا جَاوَزَهَا الْتَفَتَ إِلَيْهَا فَقَالَ: تَبَارَكَ الَّذِي نَجَّانِي مِنْكِ، لَقَدْ أَعْطَانِي اللَّهُ شَيْئًا مَا أَعْطَاهُ أَحَدًا مِنَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، فَتُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، فَلأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، فَيَقُولُ اللَّهُ: يَا ابْنَ آدَمَ! لَعَلِّي إِنْ أَعْطَيْتُكَهَا سَأَلْتَنِي غَيْرَهَا؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ! . . . . . .
ــ
٥٥٨٢ - [١٧] (ابن مسعود) قوله: (ويكبو مرة) في (القاموس) (١): كبا يكبو كَبْوًا وكُبُوًا: انكبّ على وجهه.
وقوله: (وتسفعه النار) في (القاموس) (٢): سفع الشيء كمنعه: أعلمه، ووَسَمَه، والمعنى تعلمه النار، وتسميه علامة ووسمة منها بأن تلفحه لفحًا يسيرًا فيتغير لون بشرته، ويظهر فيه أثر منها من احتراق بعض أعضائه واسوداد من لفحها، وأصل السفع: سواد في الوجه، قال الأصمعي: هو حمرة يعلوها سواد.
وقوله: (ما أعطاه أحدًا من الأولين والآخرين) كلام وقع من غاية الفرح والسرور، وليس المراد حقيقته، بل المراد: أعطاني شيئًا كثيرًا عظيمًا.
وقوله: (فترفع له شجرة) أي: تظهر رفيعًا.
وقوله: (فلأستظل) أحد الحرفين الفاء واللام زائدة زيدت للتأكيد واللام مكسورة مقدرة بعدها (أن) ناصبة.
وقوله: (وأشرب من مائها) ظن من غلبة الظمأ أنه يكون تحتها ماء أو لجريان
_________________
(١) "القاموس المحيط" (ص: ١٢١٨).
(٢) "القاموس المحيط" (ص: ٦٧٢).
[ ٩ / ٨٢ ]
وَيُعَاهِدُهُ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيرَهَا، وَربُهُ يُعْذِرُهُ؛ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا فَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا، وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الأُولَى، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ لِأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا وَأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا. فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ! أَلَمْ تُعَاهِدْنِي أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا؟ فَيَقُولُ: لَعَلِّي إِنْ أَدْنيتُكَ مِنْهَا تَسْأَلُنِي غَيْرَهَا؟ فَيُعَاهِدُهُ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يُعْذِرُهُ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا، فَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا، وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الأُولَيَيْنِ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ! أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ، فَلِأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا، وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا. فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ! أَلَمْ تُعَاهِدْنِي أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ! هَذِهِ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يُعْذِرُهُ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا، فَإِذَا أَدْنَاهُ مِنْهَا سَمِعَ أَصْوَاتَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَقُولُ: أَي رَبِّ! أَدْخِلْنِيهَا فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ! . . . . .
_________________
(١) العادة، أو على الاحتمال. وقوله: (وربه يعذره) أي: يجعله معذورًا، وأصل الإعذار: إزالة العذر، وقد يكون بمعنى العذر، يقال: عذرته فيما صنع عذرًا من باب ضرب: رفعت عنه اللوم، فهو معذور، أي: غير ملوم، وأعذرته بالألف لغة، واعتذر، أي: طلب قبول معذرته، واعتذر عن فعله، أي: أظهر عذره، كذا في بعض الشروح. وقوله: (يا رب! هذه) أي: هذه أسألك ولا أسأل غيرها.
[ ٩ / ٨٣ ]
مَا يَصْرِيْنِي مِنْكَ؟ أَيُرْضِيكَ أَن أُعْطِيَكَ الدُّنْيَا وَمِثْلَهَا مَعَهَا. قَالَ: أَيْ رَبِّ! أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ " فَضَحِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ: أَلا تَسْأَلُونيّ مِمَّ أَضْحَكُ؟ فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ؟ فَقَالَ: هَكَذَا ضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-. فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "مِنْ ضِحْكِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؟ حِيْنَ قَالَ: أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، فَيَقُولُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ مِنْكَ، وَلَكِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَدِيْرٌ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٧].
٥٥٨٣ - [١٨] وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ نَحْوَهُ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: "فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ! مَا يَصْرِينِي مِنْكَ؟ " إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ وَزَادَ فِيهِ: . . . . .
ــ
وقوله: (ما يصريني منك؟) في (المشارق) (١): بفتح الياء وسكون الصاد، وكذا الرواية، أي: من يقطعني، والصري: القطع، وقال الحربي: إنما هو (يصريك عني) أي: يقطعك عن مسألتي، انتهى، وقد تحمل الرواية الأولى على القلب؛ لأن الرواية صحيحة فلا بد من تأويلها، وفي (القاموس) (٢): صراه يصريه: قطعه، ودفعه، ومنعه، وحفظه، وكفاه، ووقاه، وكل هذه المعاني تؤيد الرواية الثانية، واللَّه أعلم.
وقوله: (أتستهزئ مني) كلام وقع من غاية الفرح والسرور، فنزل لشأنه من شدة الفرح، كما أخطأ في القول من ضلت راحلته بأرض فلاة عليها طعامه وشرابه، فأيس منها ثم بعد أن وجدها قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك.
وقوله: (ولكني على ما أشاء قدير) أي: نعم لستَ أهلًا لذلك، ولكني. . . إلخ.
٥٥٨٣ - [١٨] (أبو سعيد) قوله: . . . . .
_________________
(١) "مشارق الأنوار" (٢/ ٤٣).
(٢) "القاموس المحيط" (ص: ١١٩٧).
[ ٩ / ٨٤ ]
"وَيُذَكِّرُهُ اللَّهُ: سَلْ كَذَا وَكَذَا، حَتَّى إِذَا انْقَطَعَتْ بِهِ الأَمَانِيُّ قَالَ اللَّهُ: هُوَ لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ"، قَالَ: "ثُمَّ يَدْخُلُ بَيْتَهُ فَتَدْخُلُ عَلَيْهِ زَوْجَتَاهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ فَتَقُولَانِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَاكَ لَنَا وَأَحْيَانَا لَكَ". قَالَ: "فَيَقُولُ: مَا أُعْطِيَ أَحَدٌ مثلَ مَا أُعْطِيْتُ". [م: ١٨٨].
٥٥٨٤ - [١٩] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: "لَيُصِيبَنَّ أَقْوَامًا سَفْعٌ مِنَ النَّارِ بِذُنُوبٍ أَصَابُوهَا عُقُوبَةً، ثُمَّ يُدْخِلُهُمُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ فَيُقَالُ لَهُمُ: الْجَهَنَّمِيُّونَ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٥٥٩].
٥٥٨٥ - [٢٠] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ النَّارِ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ، فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُسَمَّوْنَ الْجَهَنَّمِيِّينَ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٦٥٦٦].
وَفِي رِوَايَةٍ: "يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي مِنَ النَّارِ بِشَفَاعَتِي يُسَمَّوْنَ الْجَهَنَّمِيِّينَ".
٥٥٨٦ - [٢١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنِّي لأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، وَآخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دخُولًا،
_________________
(١) (أحياك لنا وأحيانا لك) أي: خلقك لنا وخلقنا لك بالحياة الأبدية لا تموت بعدها.
(٢) [١٩] (أنس) قوله: (الجهنميون) لإصابة شيء من آثار جهنم وعلاماته إياهم.
(٣) [٢٠] (عمران بن حصين) وقوله: (قوم) وفي بعض النسخ: (أقوام).
(٤) [٢١] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: . . . . .
[ ٩ / ٨٥ ]
رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ حَبْوًا. فَيَقُولُ اللَّهُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَيَأْتِيهَا فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلأَى، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ! وَجَدْتُهَا مَلأَى، فَيَقُولُ اللَّهُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّة، فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا. فَيَقُولُ: أَتَسْخَرُ مِنِّي -أَوْ تَضْحَكُ مِنِّي- وَأَنْتَ الْمَلِكُ؟ "، وَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، وَكَانَ يُقَالُ: ذَلِكَ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٧١، م: ١٨٦].
٥٥٨٧ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنِّي لأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ، وَآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، رَجُلٌ يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ: اعْرِضُوا عَلَيْهِ صِغَارَ ذُنُوبِهِ، وَارْفَعُوا عَنْهُ كبَارَهَا، فُتُعْرَضُ عَلَيْهِ صِغَارُ ذنُوُبِهِ فَيُقَالَ: عَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، كَذَا وَكَذَا، وَعَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْكِرَ وَهُوَ مُشْفِقٌ مِنْ كبَارِ ذُنُوبِهِ أَنْ تُعْرَضَ عَلَيْهِ. فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً. . . . .
ــ
(حبوًا) حبا الرجل: مشى على يديه وبطنه، والصبي: مشى على استه، وأشرف بصدره، كذا في (القاموس) (١).
وقوله: (أدنى أهل الجنة منزلة) في (الصراح) (٢): جائى فرود آمدن وسرائى، ومنزلت مثله ومرتبت أيضًا.
٥٥٨٧ - [٢٢] (أبو ذر) قوله: . . . . .
_________________
(١) "القاموس المحيط" (ص: ١١٧٠).
(٢) "الصراح" (ص: ٤٥٢).
[ ٩ / ٨٦ ]
فَيَقُولُ: رَبِّ، قَدْ عَمِلْتُ أَشْيَاءَ لَا أَرَاهَا هَاهُنَا" وَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نوَاجِذُهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٠].
٥٥٨٨ - [٢٣] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ أَرْبَعَةٌ، فَيُعْرَضُونَ عَلَى اللَّهِ، ثُمَّ يُؤْمَرُ بِهِمْ إِلَى النَّارِ، فَيَلْتَفِتُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ؟ لَقَدْ كُنْتُ أَرْجُو إِذ أَخْرَجْتَنِي مِنْهَا أَنْ لَا تُعِيدَنِي فِيهَا"، قَالَ: "فَيُنْجيهِ اللَّهَ مِنْهَا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٢].
٥٥٨٩ - [٢٤] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "يَخْلُصُ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقْتَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ مَظَالِمُ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لأَحَدُهُمْ أَهْدَى بِمَنْزِلهِ فِي الْجَنَّةِ مِنْهُ بِمَنْزِلهِ كَانَ لَهُ فِي الدُّنْيَا". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٤٤٠].
_________________
(١) (حتى بدت نواجذه) قد مر شرحه فيما سبق.
(٢) [٢٣] (أنس) قوله: (ثم يؤمر بهم إلى النار) لعل ذلك لإظهار الامتنان والامتحان وذكر حال أحدهم، وترك أحوال الآخرين مقايسة، والظاهر أن ذكر الأربعة على سبيل التمثيل والتقدير، والمراد الجماعة.
(٣) [٢٤] (أبو سعيد) قوله: (يخلص المؤمنون من النار. . . إلخ)، يعلم منه أنهم يدخلون النار بذنوبهم من غير اقتصاص بالمظالم ثم يقتص. وقوله: (أهدى بمنزله) أي: أعرف وألصق.
[ ٩ / ٨٧ ]
٥٥٩٠ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ الْجَنَّةَ إِلَّا أُرِيَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ لَوْ أَسَاءَ لِيَزْدَادَ شُكْرًا، وَلَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ إِلَّا أُرِيَ مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ لَوْ أَحْسَنَ لِيَكُونُ عَلَيْهِ حَسْرَةً". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٥٦٩].
٥٥٩١ - [٢٦] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِذَا صَارَ أَهْلُ الْجَنَّةِ إِلَى الْجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّارِ إِلَى النَّارِ، جِيءَ بِالْمَوْتِ حَتَّى يُجْعَلَ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، ثُمَّ يُذْبَحَ، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ! لَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ! لَا مَوْتَ. فَيَزْدَادُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَرَحًا إِلَى فَرَحِهِمْ، وَيَزْدَادُ أَهْلُ النَّارِ حُزْنًا إِلَى حُزْنهِمْ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٤٨، م: ٢٨٥٠].