٥٨٠١ - [١] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: خَدَمْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ لِي: أُفٍّ، وَلَا: لِمَ صَنَعْتَ؟ وَلَا: أَلَّا صَنَعْتَ؟ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٠٣٨، م: ٢٣٠٩].
ــ
الفصل الأول
٥٨٠١ - [١] (أنس) قوله: (خدمت) من باب نصر وضرب.
وقوله: (فما قال) أي: فيما يتعلق بالخدمة (أف) هو صوت يدل على التضجر مما يكره ويستقذر، وقيل: اسم للفعل الذي هو الضجر، وصحح في النسخ بالجر مشددًا منونًا وغير منون، وقال البيضاوي (١): هو مبني على الكسر لالتقاء الساكنين، يعني بين الفائين، وتنوينه في قراءة نافع وحفص للتنكير، وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب بالفتح على التخفيف، وقرئ به منونًا ويالضم للإتباع كمنذ منونًا وغير منون، وقال في (القاموس) (٢): لغاتها أربعون، وعدها، وقد جاء الأف بمعنى: قُلامة الظفر، أو وسخه، أو وسخ الأذن، وما رفعته من الأرض من عود أو قصبة، أو الأف: وسخ الأذن، والتُّفُّ: وسخ الظفر، أو الأفُّ معناه: القلة، والتُّفُّ: إتباع، كذا في (القاموس).
وقوله: (لم صنعت؟) زجرًا عما صنع.
وقوله: (ولا ألا صنعت؟) تحضيضًا على صنعه، يعني مع أنه كان يقع مني التقصير في الخدمة في بعض الأحيان، وأرتكب أمرًا يوجب توجه الاعتراض ما زجرني ووبخني كما يفهم من حديثه في أول (الفصل الثاني)، وفي هذا كمال خلقه وسماحته -ﷺ-
_________________
(١) "تفسير البيضاوي" (١/ ٥٦٨).
(٢) "القاموس المحيط" (ص: ٧٣١).
[ ٩ / ٢٩٤ ]
٥٨٠٢ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا، فَأَرْسَلَنِي يَوْمًا لِحَاجَةٍ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَذْهَبُ، وَفِي نَفْسِي أَنْ أَذْهَبَ لِمَا أَمَرَنِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَخَرَجْتُ حَتَّى أَمُرَّ عَلَى صِبْيَانٍ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي السُّوقِ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ قَبَضَ بِقَفَايَ مِنْ وَرَائِي، قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقَالَ: "يَا أُنَيْسُ! ذَهَبْتَ حَيْثُ أَمَرْتُكَ؟ ". قُلْتُ: نَعَمْ، أَنَا أَذْهَبُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣١٠].
ــ
مع الخدم، قال الطيبي (١) في مدح أنس -﵁-: بأنه لم يرتكب أمرًا يتوجه إليه من النبي -ﷺ- اعتراض، ولا يخفى أنه ليس هذا مما يلائم للمقام، نعم يتضمن مدحه لشفقته وكرمه -ﷺ- عليه، فافهم.
٥٨٠٢ - [٢] (وعنه) قوله: (فقلت: واللَّه لا أذهب) فإن قلت: كيف قال: لا أذهب، وقد أمره به رسول اللَّه -ﷺ-؟ قلت: هذا القول صدر عن أنس في صغره وهو غير مكلف، مع أنه كان صادرًا عنه في الظاهر وفي نفسه أن يذهب الأمر، فلذا لم يؤدبه عليه بل داعبه ورفق به.
وقوله: (حتى أمر) صحح بالنصب والرفع، والنصب أكثر. و(أنيس) تصغير أنس للترحم والشفقة، وإنما قال: نعم، ولم يذهب بعد بناء على العزم، كذا قال الطيبي (٢)، ويمكن أن يقال: أنه فهم أنس من قوله -ﷺ-: (ذهبت حيث أمرتك؟) أن المقصود الأمر بالذهاب أو الاستفهام عن عزمه على الذهاب.
وقوله: (نعم) إجابة لذلك، ولذا قال: (أنا أذهب) بتقريره الحكم وتقويته،
_________________
(١) "شرح الطيبي" (١١/ ٢٨).
(٢) "شرح الطيبي" (١١/ ٢٨).
[ ٩ / ٢٩٥ ]
٥٨٠٣ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ، فَأَدْركَهُ أَعْرَابِيٌّ، فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً، وَرَجَعَ نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺ- فِي نَحْرِ الأَعْرَابِيِّ. . . . . .
ــ
فانظر إلى فصاحة أنس، وبلاغته في صغره.
٥٨٠٣ - [٣] (وعنه) قوله: (برد نجراني) البرد بالضم: ثوب مخطط، والجمع أبراد وأبرد وبرود، أكسية يلتحف بها، الواحدة بهاء، ونجران بفتح النون وسكون الجيم: موضع بين الحجاز والشام واليمن، وأثواب نجرانية منسوبة إليه، كذا في (النهاية) (١)، وفي (القاموس) (٢): موضع باليمن، فتح سنة عشر، وموضع قرب دمشق، وموضع بين الكوفة وواسط، وفي (الصحاح) (٣): اسم بلد من اليمن، وفي (المشارق) (٤): رداء نجراني: منسوب إلى نجران، مدينة معلومة أولها وأخرها نون. و(الحاشية) طرف الثوب وغيره.
وقوله: (فجبذه بردائه)، في (القاموس) (٥): الجبذ: الجذب، وليس مقلوبه بل لغة صحيحة، ووهمه الجوهري وغيره.
وقوله: (في نحر الأعرابي) مأخوذ من جعلته في نحر العدو، أي: قبالته وحذائه، والنحر: موضع القلادة من الصدر، أي: استقبله استقبالًا تامًّا على ما كان من عادته
_________________
(١) "النهاية" (٥/ ٢١).
(٢) "القاموس المحيط" (ص: ٤٤٦).
(٣) "الصحاح" (٢/ ٨٢٣).
(٤) "مشارق الأنوار" (٢/ ٧).
(٥) "القاموس المحيط" (ص: ٣١٣).
[ ٩ / ٢٩٦ ]
حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الْبُرْدِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ ضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣١٤٩، م: ١٠٥٧].
٥٨٠٤ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَحْسَنَ النَّاسِ، وَأَجْوَدَ النَّاسِ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَانْطَلَقَ النَّاسُ قِبَلَ الصَّوْتِ، فَاسْتَقْبَلَهُمُ النَّبِيُّ -ﷺ- قَدْ سَبَقَ النَّاسُ إِلَى الصَّوْت هُوَ يَقُولُ: "لَمْ تُرَاعُوا، لَمْ تُرَاعُوا". . . . .
ــ
الشريفة إذا التفت التفت جميعًا، و(العاتق) موضع الرداء من المنكب، يعني لم يتغير ولم يتأثر من سوء أدبه، وإن أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته، وهذا من عادة جفاة العرب وخشونتهم، وعدم تهذيب أخلاقهم، وقيل: لعله كان من المؤلفة، ولهذا ناداه باسمه -ﷺ-، وفيه أن من ولي على قوم لزمه الاحتمال من أذاهم.
٥٨٠٤ - [٤] (وعنه) قوله: (ولقد فزع أهل المدينة) كأنه كان فزعهم من سارق أو عدو، والضمير في (فاستقبلهم) لما يفهم من الكلام السابق، أي: العدو الذين كان الفزع من أجلهم، والضمير في (سبق) للنبي -ﷺ-، و(الناس) مفعوله، وفي رواية: (ثم خرج يركض وحده فركب الناس يركضون خلفه).
وقوله: (لم تراعوا لم تراعوا) مرتين بضم التاء والعين: من الروع بمعنى الفزع، و(لم) هنا بمعنى: لا، ويروى: (لن)، قالوا: العرب قد تضع (لم) و(لن) موضع (لا)، نقله الطيبي (١)، فهو خبر أي: لا روع ولا فزع بمعنى الأمر، أي:
_________________
(١) "شرح الطيبي" (١١/ ٢٩).
[ ٩ / ٢٩٧ ]
وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ مَا عَلَيْهِ سَرْجٌ، وَفِي عُنُقِهِ سَيْفٌ. فَقَالَ: "لَقَدْ وَجَدْتُهُ بَحْرًا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٦٢٧، م: ٢٣٠٧].
٥٨٠٥ - [٥] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: مَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ (١) -ﷺ- شَيْئًا قَطُّ فَقَالَ: لَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٣٤، م: ٢٣١١].
ــ
لا تفزعوا ولا تخافوا.
وقوله: (وهو على فرس لأبي طلحة) يقال له: المندوب، قال القاضي عياض (٢): وكان في أفراسه -ﷺ- مندوب فلعله صار إليه بعد أبي طلحة، وقال النووي (٣): يحتمل أنهما فرسان اتفقا في الاسم، و(عري) بضم العين وسكون الراء مجرور صفة لفرس.
وقوله: (ما عليه سرج) صفة أخرى وقع بيانًا للصفة الأولى، والضمير في (عنقه) للنبي -ﷺ-.
وقوله: (لقد وجدته) أي: الفرس (بحرًا) أي: واسع الجري، وزاد في رواية: (وكان الفرس بطيئًا حرونًا)، وفي أخرى: (كان يقطف أو فيه قطاف)، يقال: قطف الفرس في مشيته: إذا تضايق خطوة، وزاد في رواية: فما سبق بعد ذلك اليوم.
٥٨٠٥ - [٥] (جابر) قوله: (فقال: لا) قال الحافظ أبو الفضل ابن حجر (٤): المراد أنه كان لا ينطق بالرد بل إن كان عنده أعطاه إن كان الإعطاء سائغًا وإلا سكت،
_________________
(١) في نسخة: "النبي".
(٢) "مشارق الأنوار" (٢/ ١٢).
(٣) "شرح النووي" (١٥/ ٦٨).
(٤) "فتح الباري" (١٠/ ٤٥٧).
[ ٩ / ٢٩٨ ]
٥٨٠٦ - [٦] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ -ﷺ- غَنَمًا بَينَ جَبَلَيْنِ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، فَأَتَى قَوْمَهُ فَقَالَ: أَيْ قَوْمِ! أَسْلِمُوا، فَوَاللَّهِ إِنَّ مُحَمَّدًا لَيُعْطِي عَطَاءً مَا يَخَافُ الْفَقْرَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣١٢].
ــ
وقد ورد بيان ذلك في حديث مرسل لابن الحنفية عند ابن سعد ولفظه: (إذا سئل فأراد أن يفعل قال: نعم، وإذا لم يرد أن يفعل سكت) (١)، وهو قريب من حديث أبي هريرة: (ما عاب طعامًا قط إن اشتهاه أكله وإلا تركه) (٢)، قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: معناه لم يقل: لا، منعًا للعطاء، ولا يلزم من ذلك أن لا يقولها اعتذارًا، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: ٩٢]، ولا يخفى الفرق بين قوله: (لا أجد ما أحملكم) وبين لا أحملكم، انتهى. كذا نقل في (المواهب) (٣).
٥٨٠٦ - [٦] (أنس) قوله: (غنمًا بين الجبلين) غنم اسم جنس، أي: غنمًا كثيرًا يملأ ما بين الجبلين.
وقوله: (إن محمدًا ليعطي عطاء ما يخاف الفقر) الرجل لما رأى منه -ﷺ- شيئًا من جلاله وجماله وما كان يبهر العقول من كماله، ثم رأى مثل هذا السخاء البالغ الجزيل، جاء يأمر القوم بالإسلام والدخول في ربقة طاعته، وأشار إلى أن طاعته تورث سعادة الدنيا والآخرة، وقال الطيبي (٤): وجه دلالة هذا الوجه على وجوب الإسلام أن مقام ادعاء النبوة مع العطاء الجزيل يدل على وثوقه على من أرسله، فافهم.
_________________
(١) "الطبقات الكبرى" (١/ ٢٧٧).
(٢) أخرجه البزار في "مسنده" (١٧/ ١٣٨).
(٣) "المواهب اللدنية" (٢/ ٣٧٠).
(٤) "شرح الطيبي" (١١/ ٣١).
[ ٩ / ٢٩٩ ]
٥٨٠٧ - [٧] وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ بَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مَقْفَلَهُ مِنْ حُنَيْنٍ، فَعَلِقَتِ الأَعْرَابُ يَسْأَلُونَهُ حَتَّى اضْطَرُّوهُ إِلَى سَمُرَةٍ، فَخَطَفَتْ رِدَاءَهُ، فَوَقَفَ النَّبِيُّ -ﷺ- فَقَالَ: "أَعْطُونِي رِدَائِي، لَوْ كَانَ لِي عَدَدَ هَذِهِ الْعِضَاهِ نَعَمٌ لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ، ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلًا وَلَا كَذُوْبًا وَلَا جَبَانًا". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٨٢١].
ــ
٥٨٠٧ - [٧] (جبير بن مطعم) قوله: (مقفله) من القفول بمعنى الرجوع من السفر، وهو مصدر ميمي أو اسم زمان، وعلى الأول الوقت مقدر قبله، كما في قولهم: أتيتك خفوق النجم، وفي (مجمع البحار) (١): هو بضم ميم وفتحها وسكون قاف، فبالفتح مصدر قفل إذا عاد من سفره، وبالضم من أقفل الجيش، يقال: قفلنا وأقفلنا غيرنا وأُقفلنا مجهولًا، انتهى. هذا والأظهر هو الأول وهو الرواية.
وقوله: (فعلقت) أي: تشبثت.
وقوله: (يسألونه) أي: من الأموال. و(السمرة) بفتح السين وضم الميم: نوع من الشجرة معروف، والضمير في (خطفت) للسمرة، و(رداءه) مفعول، خطف الشيء: سلبه، من سمع وضرب، والأول هو الجيد الفصيح.
و(العضاه) بكسرة العين المهملة والضاد جمع عضة كعنب، والعضهة كعنبة: كل شجر ذات شوك أو ما عظم منها أو طال، ولعل المراد عدد أوراق هذه العضاه.
وقوله: (ثم لا تجدوني. . . إلخ)، زيادة في بيان أوصافه الكريمة، وقيل: هو تتميم لما سبق.
_________________
(١) "مجمع بحار الأنوار" (٤/ ٣١١).
[ ٩ / ٣٠٠ ]
٥٨٠٨ - [٨] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ جَاءَ خَدَمُ الْمَدِينَةِ بِآنِيَتِهِمْ فِيهَا الْمَاءُ، فَمَا يَأْتُونَ بِإِنَاءٍ إِلَّا غَمَسَ يَدَهُ فِيهَا، فَرُبَّمَا جَاؤُوهُ بِالْغَدَاةِ الْبَارِدَةِ فَيَغْمِسُ يَدَهُ فِيهَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣٢٤].
٥٨٠٩ - [٩] وَعَنْهُ قَالَ: كَانَتْ أَمَةٌ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ تَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٠٧٢].
٥٨١٠ - [١٠] وَعَنْهُ: أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ فِي عَقْلِهَا شَيْءٌ فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللَّه! إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَّةً، فَقَالَ: "يَا أُمَّ فُلَانٍ! انْظُرِي أَيَّ السِّكَكِ شِئْتِ حَتَّى أَقْضِيَ لَكِ حَاجَتَكِ". فَخَلَا مَعَهَا فِي بَعْضِ الطُّرُقِ حَتَّى فَرَغَتْ مِنْ حَاجَتِهَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣٢٦].
_________________
(١) [٨] (أنس) قوله: (صلاة الغداة) أراد صلاة الفجر. و(الخدم) بفتحتين جمع خادم. وقوله: (إلا غمس يده فيها) لشفائهم أو تبركهم، وتقييد الغداة بالباردة لبيان مشقتهم في طلب البركة منه -ﷺ-، أو لبيان تطييبه -ﷺ- قلوبهم، وغمسه يده في الماء البارد لأجلهم، وهذا هو الظاهر.
(٢) [٩] (وعنه) قوله: (كانت أمة) الظاهر أن (كان) هنا ليس للاستمرار، وهو المختار عند المحققين من شراح الأحاديث، وكأنّ المراد ربما كانت أمة، واللَّه أعلم.
(٣) [١٠] (وعنه) قوله: (كانت في عقلها شيء) أي: من الفتور والنقصان، بيان للواقع، أو إشارة إلى سبب شفقته -ﷺ- عليها ورعاية جانبها، أو إلى علة جرأتها على ذلك القول، وتكليفها رسول اللَّه -ﷺ- بذلك، وفيه غاية تواضعه -ﷺ-، وفي بعض
[ ٩ / ٣٠١ ]
٥٨١١ - [١١] وَعَنْهُ قَالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَاحِشًا وَلَا لَعَّانًا وَلَا سَبَّابًا،
ــ
(شروح الشمائل): إن فيه جواز جلوس الرجل مع الأجنبية، والخلوة معها لضرورة الحاجة، انتهى. إن أراد جوازه لغير رسول اللَّه -ﷺ- فهو محل نظر لجواز اختصاصه به -ﷺ-، وقد مرّ الكلام فيه في حديث أم سليم في الفصل الأول من (باب أسمائه وصفاته)، اللهم إلا عند الأمن من فتنة.
٥٨١١ - [١١] (وعنه) قوله: (فاحشًا ولا لعانًا ولا سبابًا) الفحش: العدوان في الجواب، والتجاوز عن الحد في الكلام، ومنه قوله -ﷺ- لعائشة: (لا تقولي ذلك، فإن اللَّه لا يحب الفحش)، وفي رواية: (لا تكوني فاحشة)، ويجري أكثر ذلك في ألفاظ الوقاع وما يتعلق به، فإن لأهل الفساد في ذلك عبارات صريحة فاحشة، وأهل الصلاح يعرضون له ويكنون عنه، بل ينبغي الكناية من البول والتغوط لقضاء الحاجة، ونحوه، وقد يكون الفحش بمعنى الزيادة والكثرة، ومنه حديث: (دم البراغيث إن لم يكن فاحشًا فلا بأس به) (١)، والفاحشة يجيء بمعنى الزنا والمعصية.
و(اللعن) الطرد والتبعيد من رحمة اللَّه، في (القاموس) (٢): لعنه كمنعه: طرده، وأبعده، فهو لعين وملعون، وفي (المشارق) (٣): كانت العرب إذا تمرد منهم مارد، وحذروا من جرائره عليهم، طردوه عنهم وتبرؤوا منه، وسموه اللعين، وكذلك في حق اللَّه تعالى، واللعن من اللَّه تعالى الإبعاد والطرد، ومن الخلق السب والدعاء، واللعن
_________________
(١) انظر: "مصنف عبد الرزاق" (١/ ٣٧٤).
(٢) "القاموس المحيط" (ص: ١١٣٥).
(٣) "مشارق الأنوار" (١/ ٥٨٥).
[ ٩ / ٣٠٢ ]
كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْمَعْتَبَةِ: "مَا لَهُ تَرِبَ جَبِينُهُ؟ ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٠٣١].
ــ
لمن لا يستحقه من المعاصي الشديدة، وبالكثرة يصير كبيرة، واتفقوا على تحريمه لمعين مسلمًا كان أو كافرًا، ولا يحرم لموصوف كلعن آكل الربا والظالمين والكافرين، ومن انتمى إلى غير أبيه أو آوى محدثًا.
وقد وقع في الحديث: (إنما أنا بشر فأي المسلمين سببته ولعنته فاجعل ذلك رحمة) (١)، أو كما قال، وهذا مقيد بأنه ليس من أهل اللعنة، كما صرح به في بعض الروايات، وإنما لعنه لظاهر حالة الموجب للّعن، ولم يكن كذلك عند اللَّه تعالى، أو يكون مما جرت به العادة بدون قصد الدعاء، نحو: تربت يداك، وقد لعن رسول اللَّه -ﷺ- بعض من استحقه خصوصًا وعمومًا، لكن ينبغي أن يعلم أن اللعن على نوعين: أحدهما: الطرد والإبعاد من رحمة اللَّه تعالى ودخول الجنة، وهو الموجب للعذاب، وهو مخصوص بالكفار، وثانيهما: الطرد عن نيل درجة السابقين ودخول الجنة معهم، ولا يختص هذا بالكفار، وبهذا التحقيق تنحل كثير من الإشكالات كما لا يخفى على المتتبعين، فإن قلت: بناء فعّال للتكثير أو للمبالغة، فنفيه لا يستلزم نفي أصل الفحش واللعن والسب؟ قلت: لما كانت هذه الفعال ممن هو متصف بها تقع بطريق الكثرة والمبالغة نفى على ذلك الطريق، فافهم. و(المعتبة) بفتح الميم وسكون المهملة وكسر المثناة، ويجوز فتحها بعدها باء، مصدر عتب كالمظلمة من ظلم.
وقوله: (ما له ترب جبينه؟) على نحو: تربت يداه ورغم أنفه، وذلك دعاء عليه بالذل والمسكنة مع احتمال الدعاء له أيضًا بمعنى سجد للَّه وجهه.
_________________
(١) أخرجه مسلم في "صحيحه" (٢٦٠١).
[ ٩ / ٣٠٣ ]
٥٨١٢ - [١٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ. قَالَ: "إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [٢٥٩٩].
٥٨١٣ - [١٣] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا، فَإِذَا رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٥٦٢، م: ٢٣٢٠].
٥٨١٤ - [١٤] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- مُسْتَجْمِعًا قَطُّ ضَاحِكًا. . . . .
ــ
٥٨١٢ - [١٢] (أبو هريرة) قوله: (وإنما بعثت رحمة) إما للمؤمنين فظاهر، وإما للكافرين فلرفع العذاب عنهم في الدنيا بوجوده، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣].
٥٨١٣ - [١٣] (أبو سعيد الخدري) قوله: (من العذراء) وهي البكر وجمعه العذاري، و(الخدر) بكسر الخاء المعجمة وسكون الدال المهملة: ستر يمد للجارية في ناحية البيت، وكل ما واراك من بيت ونحوه، والجمع الخدور والأخدار، وفي (النهاية) (١): ناحية في البيت يترك عليها ستر فتكون فيه البكر.
وقوله: (عرفناه في وجهه) أي: لم يتكلم بكراهته لحيائه، بل يتغير وجهه فيفهم كراهته.
٥٨١٤ - [١٤] (عائشة) قوله: (مستجمعًا قط ضاحكًا) أي: ضحكًا، وهو تمييز،
_________________
(١) "النهاية" (٢/ ١٣).
[ ٩ / ٣٠٤ ]
حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٠٩٢].
٥٨١٥ - [١٥] وَعَنْهَا قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَم يَكُنْ يَسْرُدُ الْحَدِيثَ كَسَرْدِكُمْ، كَانَ يُحَدِّثُ حَدِيثًا لَوْ عَدَّهُ الْعَادُّ لأَحْصَاهُ. مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٥٦٨، م: ٢٤٩٣].
٥٨١٦ - [١٦] وَعَنِ الأَسْوَدِ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ: مَا كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ يَكُونُ. . . . .
ــ
ويحتمل الحال، أي: ضاحكًا كل الضحك، استجمع السيل: اجتمع من كل موضع، و(اللهواة) جمع لهاة بالفتح: وهي اللحمة التي بأعلى الحنجرة من أقصى الفم.
٥٨١٥ - [١٥] (وعنها) قوله: (لم يكن يسرد الحديث) السرد: الخرز في الأديم، ونسج الدرع، وجَوْدَة سياق الحديث، ومتابعة الصوم، كذا في (القاموس) (١)، وفي (المشارق) (٢) في حديث: (أسرد الصيام) أي: أواليه وأتابعه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ: ١١] أي: في متابعة الخلق شيئًا بعد شيء حتى تتناسخ، ومنه: فلان يسرد الحديث، ومنه قول عائشة: لم يكن رسول اللَّه -ﷺ- يسرد الحديث كسردكم، أي: لم يكن حديثه متتابعًا بحيث يأتي بعضه إثر بعض، فيلتبس على المستمع، بل يوضحه ويفصله بحيث لو أراد السامع عده أمكنه.
٥٨١٦ - [١٦] (الأسود) قوله: (كان يكون) في (كان) ضمير شأن، أو
_________________
(١) "القاموس المحيط" (ص: ٢٧٤).
(٢) "مشارق الأنوار" (٢/ ٣٥٨).
[ ٩ / ٣٠٥ ]
فِي مَهْنَةِ أَهْلِهِ -تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ- فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٧٦].
٥٨١٧ - [١٧] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَيْنَ أَمْرَيْنِ قَطُّ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ،
ــ
الثاني زائدة.
وقوله: (في مهنة أهله) أي: خدمتهم، والمهنة بفتح الميم وكسرها، ونقل عن الأصمعي: أنه أنكر الكسر، كذا نقل في (النهاية) (١)، وفي (القاموس) (٢): المهنة بالكسر وبالفتح والتحريك، وككلمة: الحِذْقُ بالخدمة والعمل، مهثه كمنعه مهنًا، ومهنة ويكسر: خدمه، انتهى.
وفي الحديث: (ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم جمعته سوى ثوبي مهنته) (٣) أي: بذلته وخدمته، والمراد هنا أنه كان في خدمة أهله كحلب شاة، وتفلية ثوب، وخصف نعل، وفيه: أن خدمة الدار وأهلها سنة عباد اللَّه الصالحين.
وقوله: (تعني خدمة أهله) هذا التفسير من قول الراوي عن شعبة، ورووه جماعة بدونه، وفي رواية: تعني بالمهنة خدمة أهله.
٥٨١٧ - [١٧] (عائشة) قوله: (ما خير) بلفظ المجهول في التخيير، قال
_________________
(١) "النهاية" (٤/ ٣٧٦).
(٢) "القاموس المحيط" (ص: ١١٣٩).
(٣) أخرجه ابن ماجه في "سننه" (١٠٩٥).
[ ٩ / ٣٠٦ ]
وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ قَطُّ. . . . .
ــ
الشيخ (١): أبهم فاعل (خير) ليكون أعم من أن يكون من قبل المخلوقين أو من قبل اللَّه تعالى، لكن التخيير بين ما فيه إثم وما ليس فيه إثم من قبل اللَّه تعالى مشكل، إلا إذا حملناه على ما لا يفضي إلى الإثم، فذلك يمكن بأن يخير بين أن يفتح عليه من كنوز الأرض ما يخشى من الاشتغال به أن لا يتفرغ للعبادة، وبين أن [لا] يؤتيه من الدنيا إلا الكفاف، فالإثم على هذا أمر نسبي لا يراد منه [معنى] الخطيئة لثبوت العصمة، هذا كلام الشيخ.
وفي (مجمع البحار) (٢): إن كان التخيير من الكفار والمنافقين فكون أحدهما إثمًا ظاهر، وإن كان من المسلمين فمعناه ما لم يؤد إلى إثم كالتخيير في الاجتهاد والاقتصاد، فإن المجاهدة بحيث يفضي إلى الهلاك لا يجوز، وقيل: هو إما تخيير من اللَّه فيما فيه عقوبتان، أو فيما بينه وبين الكفار من القتال وأخذ الجزية، أو في حق اللَّه من المجاهدة في العبادة والاقتصاد.
وقوله: (وما انتقم رسول اللَّه -ﷺ-) قال الشيخ (٣): أي ما انتقم لحاجة نفسه فلا يرد أمره بقتل عقبة بن أبي معيط وعبد اللَّه بن خطل وغيرهما ممن كان يؤذي رسول اللَّه -ﷺ- لأنهم كانوا مع ذلك ينتهكون حرمات اللَّه، وقيل: ذلك في غير السبب الذي يفضي إلى الكفر، وقيل: يختص ذلك بالمال، وأما العرض فقد اقتص ممن يأتي منه.
_________________
(١) "فتح الباري" (٦/ ٥٧٥).
(٢) "مجمع بحار الأنوار" (٢/ ١٣٩).
(٣) "فتح الباري" (٦/ ٥٧٥).
[ ٩ / ٣٠٧ ]
إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ بِهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٥٦٠، م: ٢٣٢٧].
٥٨١٨ - [١٨] وَعَنْهَا قَالَتْ: مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِنَفْسِهِ شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ، وَلَا امْرَأَةً وَلَا خَادِمًا، إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ، فَيَنْتَقِمُ مِنْ صَاحِبِهِ إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣٢٨].
ــ
وقوله: (إلا أن ينتهك) استثناء منقطع إلا أن يراد بقوله أعم من أن يكون في ضمنه انتهاك حرمة اللَّه، و(ينتهك) على لفظ المجهول افتعال من النهك، والنهك في الأصل: الغلبة، نهكه: غلبه، ومن الطعام: بالغ في أكله، وعرضه: بالغ في شتمه، كذا في (القاموس) (١)، وفي (مختصر النهاية) (٢): انتهك، أي: بالغ في خرق محارم الشرع، أي: فعل ما حرم اللَّه.
٥٨١٨ - [١٨] (وعنها) قوله: (ما ضرب. . . شيئًا) أي: مما يعد ضربه إيذاء وإيلامًا، وفي ذكر الشيء مبالغة.
وقوله: (ولا امرأة ولا خادمًا) تخصيص بعد تعميم، وقد قتل -ﷺ- أبي بن خلف.
وقوله: (وما نيل منه شيء قط) أي: ما أصابه شيء قط من أحد مما يضره، يقال: نلته أنيله وأناله نيلًا: أصبته، والضمير في (صاحبه) للشيء، وهو أحسن من أن يجعل له -ﷺ-.
وقوله: (فينتقم) بالنصب عطفًا على أن ينتهك.
_________________
(١) "القاموس المحيط" (ص: ٨٨٠).
(٢) "الدر النثير" (٢/ ١٠٢٣).
[ ٩ / ٣٠٨ ]