٥٨٦٨ - [١] عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَالَ: نَظَرْتُ إِلَى أَقْدَامِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رُؤُوْسِنَا وَنَحْنُ فِي الْغَارِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمِهِ أَبْصَرَنَا، فَقَالَ: "يَا أَبَا بَكْرٍ (١)! مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦٥٣، م: ٢٣٨١].
ــ
وخرج بقيد مدعي النبوة الكرامات والمعونات، والسحر ليس بخارق العادة حتى يخرج، وأيضًا يخرج ما يظهر على يد مدعي الربوبية كالدجال، فإنه قد يظهر على يد مدعي الربوبية من الخارق ما يوافق دعواه لعدم الالتباس بخلاف مدعي النبوة، ولكنها لا تسمى معجزة، فتدبر.
ثم اعلم أن معجزاته -ﷺ- كثيرة بحيث لا تعد ولا تحصى، ولا تنحصر في عدد، ولكن قد ضبط العلماء قدر ما بلغ علمهم بذلك، ونحن اقتصرنا على شرح ما ذكر في الكتاب، وباللَّه التوفيق.
الفصل الأول
٥٨٦٨ - [١] (أنس بن مالك) قوله: (نظر إلى قدمه) بأن يجعل بصره في موضع قدمه ثم ينظر، فافهم.
وقوله: (اللَّه ثالثهما) يعني بالنصر والمعونة، فيكون في قوة قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾ [طه: ٤٦] لكنه جعل ذاته تعالى أحد الثلاثة مبالغة في المعية كأن كل واحد منهم مشترك فيما له وعليه، ثم استشكل بأن في قوله: (اللَّه ثالثهما) إطلاق الثالث على اللَّه سبحانه، وقد كفر القائلون بذلك في قوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ
_________________
(١) في نسخة: "يَا بَا بَكْرٍ".
[ ٩ / ٤١٣ ]
٥٨٦٩ - [٢] وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: يَا أَبَا بَكْرٍ (١)! حَدِّثْنِي كَيْفَ صَنَعْتُمَا حِينَ سَرَيْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ: أَسْرَينَا لَيْلَتَنَا وَمِنَ الْغَدِ، حَتَّى قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ وَخَلَا الطَّرِيقُ لَا يَمُرُّ فِيهِ أَحَدٌ،
ــ
قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]. والجواب ما ذكر أن جعله تعالى ثالثهما بمعنى نصره وإعانته إياهما، والنصارى إنما جعلوه تعالى ثالثهما بمعنى الاشتراك في الألوهية فكفروا، وأما ما أجيب بأن في الحديث إضافة الثالث إلى عدد أنقص منه، وفي الآية إضافته إلى عدد مثله، وذلك بمعنى واحد منهم واللَّه تعالى منزه عن ذلك، فلا يخفى أن مدار الجواب على ما ذكرنا من جعله ثالثًا هنا بمعنى المعونة وهنالك بمعنى الألوهية، ولا يجدي في ذلك الإضافة إلى الناقص أو المساوي، وكونه على الثاني بمعنى واحد منهم إن كان بمعنى النصر والإعانة فلا محذور، فتأمل.
ثم المعجزة في هذه القضية صرف همم الكفار عن التفحص والتفتيش مع علمهم جزمًا أنه -ﷺ- في هذا الغار، ونقل الطيبي (٢): أن رسول اللَّه -ﷺ- دعا عليهم وقال: (اللهم أعم أبصارهم) فجعلوا يترددون حول الغار ولا يفطنون وقد أخذ اللَّه بأبصارهم.
٥٨٦٩ - [٢] (البراء بن عازب) قوله: (أسرينا ليلتنا) أي: كلها.
وقوله: (ومن الغد) أي: بعضه، والمراد بالإسراء أي: السير مطلقًا على التجريد، أو يجعل من قبيل: علفتها تبنًا وماءً باردًا.
وقوله: (حتى قام قائم الظهيرة) قام بمعنى وقف، والظهيرة: انتصاف النهار،
_________________
(١) في نسخة: "يَا بَا بَكْرٍ".
(٢) "شرح الطيبي" (١١/ ٩٩).
[ ٩ / ٤١٤ ]
فَرُفِعَتْ لَنَا صَخْرَةٌ طَوِيلَةٌ، لَهَا ظِلٌّ لَمْ يَأْتِ عَلَيْهَا الشَّمْسُ، فَنَزَلْنَا عِنْدَهَا، وَسَوَّيْتُ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- مَكَانًا بِيَدَيَّ يَنَامُ عَلَيْهِ، وَبَسَطْتُ عَلَيْهِ فَرْوَةً، وَقُلْتُ: نَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَأَنَا أَنْفُضُ مَا حَوْلَكَ، فَنَامَ وَخَرَجْتُ أَنْفُضُ مَا حَوْلَهُ، فَإِذَا أَنَا بِرَاعٍ مُقْبِلٍ، قُلْتُ: أَفِي غَنَمِكَ لَبَنٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلتُ: أَفَتَحْلُبُ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَأَخَذَ شَاةً فَحَلَبَ فِي قَعْبٍ كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ،
_________________
(١) وقائم الظهيرة: الشمس، والمراد بلوغها إلى وسط النهار، فإنها ترى حينئذٍ واقفة بطيئة الحركة. وقوله: (فرفعت) بلفظ المجهول، أي: ظهرت كما مر من قوله: (رفعت لي سدرة المنتهى)، و(رفع لي البيت المعمور). وقوله: (بيدي) بلفظ التثنية. وقوله: (وأنا أنفض) بالفاء والضاد المعجمة، نفض المكان: نظر جميع ما فيه حتى يعرفه، من نصر ينصر، والنفضة محركة: جماعة يبعثون في الأرض لينظروا هل فيها عدو أم لا؟ أي: أحفظ ما حولك، وأحرسك، وأتجسس الأخبار من كل جهة. وقوله: (أفتحلب؟) من باب نصر، قيل: كان الغنم لصديق لأبي بكر، ويجوز لدلالة الرضا، وقيل: كان من عادتهم أن يأذنوا لرعاتهم أن يحلبوا لمن مر بالطريق ويحتاج إلى اللبن، ويمكن أن يكون استحلبه على شيء، واللَّه أعلم. وقوله: (والقعب) بفتح قاف وعين مهملة ساكنة فموحدة: القدح الضخم الجافي، أو إلى الصِّغَر، أو يُرْوي الرجلَ، و(الكثبة) بكاف مضمومة فمثلثة ساكنة أي: قدر حلبته، وقيل: ملء القدح، وقد يجيء بمعنى القليل من الماء واللبن.
[ ٩ / ٤١٥ ]
وَمَعِي إِدَاوَةٌ حَمَلْتُهَا لِلنَّبِيِّ -ﷺ- يَرْتَوِي فِيهَا، يَشْرَبُ وَيَتَوَضَّأُ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُ، فَوَافَقْتُهُ حَتَّى اسْتَيْقَظَ، فَصَبَبْتُ مِنَ الْمَاءِ عَلَى اللَّبَنِ حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ، فَقُلْتُ: اشْرَبْ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ ثُمَّ قَالَ: "أَلَمْ يَأن لِلرَّحِيلِ؟ " قُلتُ: بَلَى، قَالَ: فَارْتَحَلْنَا بَعْدَ مَا مَالَتِ الشَّمْسُ،
ــ
وقوله: (يرتوي)، أي: يستقي فيها، رَوِي من الماء كرضي، وتَروّى وارتوى بمعنى، و(فيها) ظرف لـ (يرتوي)، أي: يرتوي من الماء في تلك الإداوة، ويجوز أن يتعلق بـ (يشرب).
وقوله: (فوافقته) بتقديم الفاء على القاف، أي: وافقته فيما هو عليه من النوم، أي: لم أوقظه (حتى استيقظ) هو بنفسه، ويروى بتقديم القاف من الوقوف، أي: صبرت وتوقفت في المجيء إليه للإيقاظ.
وقوله: (حتى برد أسفله) أي: أسفل الماء، أو أسفل اللبن، أو أسفل القعب، كناية عن كثرة الماء.
وقوله: (ألم يأن للرحيل؟) أي: ألم يأت وقته؟ يقال: أنى الأمر يأني أنيًا وأنًا: إذا جاء إناه، كذا قال البيضاوي (١) في تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: ١٦]، انتهى. فعلى هذا اللام في (للرحيل) زائدة، كذا قيل، وأيد بقول ابن هشام في (مغني اللبيب) (٢) في: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٦]، انتهى. ويمكن أن يكون تقديره: ألم يأن للرحيل أن يأتي أو أن يفعل، فيكون كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ﴾.
_________________
(١) "تفسير البيضاوي" (٢/ ٤٦٩).
(٢) "مغني اللبيب عن كتب الأعاريب" (١/ ٢٩٣).
[ ٩ / ٤١٦ ]
وَاتَّبَعَنَا سُراقَةُ بْنُ مَالِكٍ، فَقُلْتُ: أُتِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ: "لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا". فَدَعَا عَلَيْهِ النَّبِيُّ -ﷺ-، فَارْتَطَمَتْ بِهِ فَرَسُهُ إِلَى بَطْنِهَا فِي جَلَدٍ مِنَ الأَرْضِ فَقَالَ: إِنِّي أَرَاكُمَا دَعَوْتُمَا عَلَيَّ، فَادْعُوَا لِي، فَاللَّهُ لَكُمَا. . . . .
_________________
(١) وقوله: (واتبعنا) بفتح العين، و(أتينا) بلفظ المجهول، أي: جاءنا من يطلبنا. وقوله: (إن اللَّه معنا) قال بعض العارفين في الفرق بين هذا القول من نبينا -ﷺ- وبين قول موسى ﵇ حين قال له قومه: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١]: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢] نظره -ﷺ- وقع أولًا على اللَّه وكرمه ولطفه، ثم إلى نفسه، ونظر موسى ﵇ وقع أولًا على نفسه، ثم على اللَّه تعالى، والأول يوافق ما قيل: ما رأيت شيئًا إلا رأيت اللَّه قبله، والثاني ما يقال: ما رأيت شيئًا إلا رأيت اللَّه معه أو بعده، والأول حال أهل الجذب والعيان، والثاني حال أهل الاستدلال والبرهان، انتهى. ثم انظر في قوله -ﷺ-: (إن اللَّه معنا) بلفظ المتكلم مع الغير، وقول موسى: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ [الشعراء: ٦٢]، كقول موسى: ﴿أرني﴾ وقول نبينا: (أرنا حقائق الأشياء)، فافهم. وقوله: (فارتطمت به) أي: بسراقة، أي: ساخت قوائمها كما تسوخ في الوحل، رطمه: أدخله في أمر لا يخرج منه، فارتطم عليه الأمر: لم يقدر على الخروج منه، و(الجلد) بالجيم محركة: الأرض الصلبة. وقوله: (فادعوا لي) بضمير التثنية. وقوله: (أن أرد عنكما الطلب) متعلق بقوله: (فادعوا) بحذف الجار، أي: ادعوا لي كيلا ترتطم فرسي؛ لأن أرد أو على أن أرد عنكما طلب قريش. وقوله: (فاللَّه لكما) معترضة ومعناه فاللَّه حافظ وناصر لكما في معنى التأكيد
[ ٩ / ٤١٧ ]
أن أَرُدَّ عَنْكُمَا الطَّلَبَ، فَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ -ﷺ- فَنَجَا، فَجَعَلَ لَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا قَالَ: كُفِيتُم مَا هَهُنَا، فَلَا يَلْقَى أحدًا إِلَّا رَدَّهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦١٥، م: ٢٠٠٩].
٥٨٧٠ - [٣] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: سَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ بِمَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ فِي أَرْضٍ يَخْتَرِفُ، فَأَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- فقَالَ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ ثَلَاثٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا نَبِيٌّ: فَمَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ؟ وَمَا أَوَّلُ طَعَامِ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ وَمَا يَنْزِعُ الوَلَدَ إِلَى أَبِيهِ أَو إِلَى أُمِّهِ؟ قَالَ (١): "أَخْبَرَنِي بِهِنَّ جِبْرَئِيلُ آنِفًا، أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ. . . . .
ــ
للرد، أو متعلق بقوله: (فاللَّه لكما)، ومعناه: فاللَّه شاهد لأجلكما بأن أرد عنكما الطلب، وعلى التقديرين (فاللَّه لكما) مبتدأ وخبر، وقد ينصب بتقدير أشهد اللَّه أو على القسم بحذف حرفه، ويؤيده ما نقل الطيبي (٢) من رواية (شرح السنة): (واللَّه) على القسم.
وقوله: (كفيتم) بلفظ المجهول، و(ما) في (ما ههنا) إما موصولة، أي: كفيتم الذي هنا، أي: كفيتم طلبه في هذا الجانب؛ لأنه ليس فيه من يطلبونه، أو نافية، أي: ليس ههنا من يطلبونه أو أحد.
٥٨٧٠ - [٣] (أنس) قوله: (يخترف) أي: يجتني الثمر من الشجر، خرف الثمار واخترفها: جناه، أي: كان في حائطه وبستانه يقطع التمر من نخيله.
وقوله: (إلى أبيه أو إلى أمه) أي: ما سبب شبهه لأحدهما؟ يقال: نزعه إليه: أشبهه به.
_________________
(١) في نسخة: "فقال".
(٢) "شرح الطيبي" (١١/ ١٠٢).
[ ٩ / ٤١٨ ]
فَنَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ، وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَزِيَادَةُ كَبِدِ حُوتٍ، وَإِذَا سَبق مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ نَزَعَ الْوَلَدَ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ نَزَعَتْ". قَالَ: أَشْهدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ الْيَهُودَ قَوْمٌ بُهْتٌ، وَإِنَّهُمْ إِنْ يَعلَمُوا بِإِسْلَامِي مِنْ قَبْلِ أَنْ تَسْأَلهُمْ يَبْهَتُونَنِي، فَجَاءَتِ الْيَهُودُ فَقَالَ: "أَيُّ رَجُلٍ عَبْدُ اللَّهِ فِيكُمْ؟ " قَالُوا: خَيْرُنَا وَابْنُ خَيْرِنَا، وَسَيِّدُنَا وَابْنُ سَيِّدِنَا، فَقَالَ: "أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ؟ " قَالُوا: أَعَاذَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ. فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالُوا: شَرُّنَا وَابْنُ شَرِّنَا فَانْتَقَصُوهُ، قَالَ: هَذَا الَّذِي كُنْتُ أَخَافُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! . رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٤٨٠].
_________________
(١) وقوله: (فنار تحشر الناس) مر شرحه في (باب أشراط الساعة) والمراد بـ (زيادة كبد حوت): القطعة المعلقة بالكبد، وهو في غاية اللذة في الطعم. وقوله: (إذا سبق) أي: غلب وعلا، والسبق: التقدم، والمراد هنا الغلبة، كذا قيل، وقد سبق في (باب الغسل) من (كتاب الطهارة) أن أيهما علا أو سبق يكون منه الشبه، والمراد بالعلو الغلبة، ويمكن جعل السبق متضمنا للمعنيين، فافهم. وقوله: (نزع) أي: ذلك السبق أو الرجل بسبب سبق مائه، وهذا أنسب بقوله: (نزعت)، والبهت بضمتين: جمع بهوت بالفتح بمعنى المباهت، ويجوز التسكين تخفيفًا، بهته: قال عليه ما لم يفعل. وقوله: (يبهتونني) أي: بعد السؤال. وقوله: (ابن خيرنا) لأنه كان من أولاد يوسف بن يعقوب ﵇.
[ ٩ / ٤١٩ ]
٥٨٧١ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- شَاوَرَ حِينَ بَلَغَنَا إِقْبَالُ أَبِي سُفْيَانَ، وَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نُخِيضَهَا الْبَحْرَ لأَخَضْنَاهَا، وَلَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نَضْرِبَ أَكْبَادَهَا إِلَى بَرْكِ الْغِمَادِ، لَفَعَلْنَا. . . . .
ــ
٥٨٧١ - [٤] (وعنه) قوله: (حين بلغنا إقبال أبي سفيان) أي: إقباله بالعير من الشام إلى مكة، وكان بالعير تجارة عظيمة، فأعجب المسلمين تلقي العير لكثرة الخير، فلما خرجوا بلغ أهل مكة خبرهم، فخرج أبو جهل بأهل مكة أجمعهم، فقيل له: إن العير أخذت طريق الساحل ونجت، فارجع بالناس إلى مكة، فقال: لا، واللَّه لا أرجع، وزعم أن المسلمين قليل ومعه ناس كثير، فمضى بهم إلى بدر فوقع من وقعة بدر ما وقع، على ما ذكر في كتب السير، والمقصود هنا ذكر معجزته -ﷺ-، وهو تعيين مصارع المشركين من قبل أن يقع القتال.
وقوله: (لو أمرتنا أن نخيضها) الضمير للمراكب بقرينة الحال، خاض الماء يخوضه خوضًا: دخله، وأخاض الفرس وخاوضه: أدخله، و(برك الغماد) بكسر الموحدة وتفتح، والغماد مثلثة المعجمة: بلدة باليمن، أو وراء مكة بخمس ليال، أو أقصى معمور الأرض، كذا في (القاموس) (١).
قال في (المشارق) (٢): أكثر الرواية فيه في الصحيحين بفتح الباء، وعند بعض رواة البخاري بكسر الباء، وسكون الراء، والغماد بغين معجمة، يقال بكسرها وضمها، وميم مخففة، وآخره دال مهملة: موضع في أقاصي هَجَرَ، ووقع في كتاب
_________________
(١) "القاموس المحيط" (ص: ٢٨٩).
(٢) "مشارق الأنوار" (١/ ١١٥).
[ ٩ / ٤٢٠ ]
قَالَ: فَنَدَبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- النَّاسَ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى نَزَلُوا بَدْرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ" وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى الأَرْضِ هَهُنَا وَهَهُنَا، قَالَ: فَمَا مَاطَ أَحَدُهُمْ عَنْ مَوْضِعِ يَدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٧٧٩].
٥٨٧٢ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ يَوْمَ بَدْرٍ: "اللهُمَّ أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ، اللهُمَّ إِنْ تَشَأْ لَا تُعْبَدْ بَعْدَ الْيَوْمِ" فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ بَيَدِهِ فَقَالَ: حَسْبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلْحَحْتَ عَلَى رَبِّكَ،
_________________
(١) الأصيلي بكسر الباء وكذا عند المستملي والحموي، ولغيرهم من رواة مسلم بفتحها. وقوله: (فندب رسول اللَّه -ﷺ- الناس) ندبه إلى الأمر: دعاه وحثه، ووجهه، و(البدر) موضع معروف بين مكة والمدينة، وقد سبق وجه تسميته بدرًا في (كتاب الجهاد). وقوله: (فما ماط) أي: بَعُد وتجاوز.
(٢) [٥] (ابن عباس) قوله: (أنشدك) بفتح الهمزة وضم الشين، أي: سألتك إيفاء عهدك، وإنجاز وعدك الذي وعدتنيه بالنصر على أعداء الدين، ويقال: أنشدك اللَّه وأنشدك باللَّه، أي: سألتك به، وأستحلفك، وأصله من نشد الضالة وأنشدها بمعنى طلبها وعرّفها، كأنك ذكرته إياه فنشد، أي: تذكر. وقوله: (ألححت على ربك) أي: بالغت في الدعاء كل المبالغة، وإلحاحه -ﷺ- كان تشجيعًا للمسلمين وتثبيتًا لهم؛ لأنهم كانوا عالمين أن دعاءه مستجاب لاسيما إذا بالغ فيه.
[ ٩ / ٤٢١ ]
فَخَرَجَ وَهُوَ يَثِبُ فِي الدِّرْعِ وَهُوَ يقولُ: " ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٨٧٥].
ــ
وقوله: (وهو) أي: رسول اللَّه -ﷺ- (يثب) من الوثوب، أي: يسرع فرحًا ونشاطًا، كان رسول اللَّه -ﷺ- بين خوف من غنى الحق ورجاء بوعده، فرجح بما وجد من اليقين والطمانينة من أبي بكر -﵁- جانب الرجاء، فقام وهو يخبر بانهزام الكفار ونصرة المؤمنين إعجازًا بإطلاع اللَّه إياه على الغيب.
قال الخطابي (١): لا يظن أحد أن أبا بكر -﵁- كان أوثق بربه من النبي -ﷺ- في تلك الحال حاشا، بل الحامل له -ﷺ- على ذلك شفقة على أصحابه وتقوية لقلوبهم؛ لأنه كان أول مشهد شهده فبالغ في التوجه والابتهال لتسكين نفوسهم؛ لأنهم كانوا يعلمون أن مسألته مستجابة، فلما قال له أبو بكر ما قال علم أنه استجيب لما وجد عند أبي بكر من القوة والطمأنينة فكف عن ذلك.
قال بعض العارفين: كما أن وعده تعالى صدق، كذلك لا يجب عليه حق، فوجب اعتبار الأصلين عند التعارض بتقدير الوعد بشرط ستره تعالى عنك، إذ لا يجب عليه بيان ما يريد إشراطه، بل يصلح في الحكمة ستره إبقاءً لسطوة الربوبية في نظر العبد، واستبقاءً لأحكام العبودية عليه، وبذلك تأدب خليل الرحمن صلى اللَّه على نبينا وعليه وسلم حيث قال لقومه: ﴿خَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ جزمًا بحكم الوعد، ثم قال: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ رجوعًا لاتساع العلم، ثم قال: ﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الأنعام: ٨٠] دفعًا لما يتوهم في استثنائه، وتحقيقًا لما عنده من النظر لاتساع العلم، وكأنه يقول: إنما استثنيت رجوعًا لاتساع العلم وقيامًا بحق الأدب لا شَكًّا في الوعد.
_________________
(١) انظر: "فتح الباري" (٧/ ٢٨٩).
[ ٩ / ٤٢٢ ]
٥٨٧٣ - [٦] وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ يَوْمَ بَدْرٍ: "هَذَا جِبْرَئِيلُ آخِذٌ بِرَأْسِ فَرَسِهِ، عَلَيْهِ أَداةُ الْحَرْبِ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٩٩٥].
ــ
وكذلك نبي اللَّه شعيب ﵊ حيث قال: ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ﴾، فجعل برهان صدقه عدم عوده في ملتهم، قال: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا﴾ جزمًا بمقتضى الوعد، ثم استثنى في حاله رجوعًا لاتساع العلم فقال: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾، ثم رفع الإبهام بقوله: ﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ الآية [الأعراف: ٨٩].
ولما نظر نبينا -ﷺ- يوم بدر لاتساع العلم قال: (إن أهلكت هذه العصابة لن تعبد بعد اليوم)، ونظر أبو بكر -﵁- إذ ذاك لظاهر الوعد فقال: دع مناشدتك ربك فإنه قد وعدك بالنصر، قال الإمام أبو حامد (١): والأول أتم وهذا صحيح واضح، واللَّه أعلم، انتهى. يعني حال النبي -ﷺ- أتم وأكمل لشهوده من صفات القهر والجلال ما لم يشاهده أبو بكر حيث اقتصر علمه على ظاهر الوعد، ولم يتعد إلى مشاهد غنى الحق، وسطوته وجلاله، وإلى اتساع علمه، وأنه لا يجب عليه شيء، وأنه كما وجب أن لا يهتمّ في وعده الكريم لزم أن لا يهتمّ في فعله الحكيم، إذ الكل من عنده، هذا بحكم البر، وهذا بحكم القهر، وفي الجميع قهره وبره.
ومن هنا يقال: إنه يحصل الأمن للمقربين بحكم الإيمان بصدق الوعد، ويبقى الخوف بمعرفة صفة (لا أبالي)، ولهذا صدر من المبشرين من الصحابة ما هو يشعر بغاية الخوف، يفعل اللَّه ما يشاء، ويحكم ما يريد، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، واللَّه أعلم.
٥٨٧٣ - [٦] (وعنه) قوله: (آخذ) بلفظ اسم الفاعل (برأس فرسه) أي: آخذ
_________________
(١) "إحياء علوم الدين" (٤/ ١٧١).
[ ٩ / ٤٢٣ ]
٥٨٧٤ - [٨] وَعَنْهُ قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ يَشْتَدُّ فِي إِثْرِ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَمَامَهُ، إِذْ سَمِعَ ضَرْبَةً بِالسَّوْطِ فَوْقَهُ، وَصَوْتَ الْفَارِسِ يَقُولُ: أَقْدِمْ حَيْزُومُ. إِذْ نَظَرَ إِلَى الْمُشْرِكِ أَمَامَهُ خَرَّ مُسْتَلْقِيًا فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ قَدْ خُطِمَ أَنْفُهُ وَشُقَّ وَجْهُهُ، كَضَرْبَةِ السَّوْطِ، فَاخْضَرَّ ذَلِكَ أَجْمَعُ،
ــ
بعنانه، وهو كناية عن التهيأ للحرب، والمعجزة حضور جبرئيل للحرب معه، ورؤيته -ﷺ- إياه يومئذ، أي: يوم وقعة بدر.
٥٨٧٤ - [٧] (وعنه) قوله: (يشتد) من الشدة وهي الحملة في الحرب، والشد: العدو، (أمامه) صفة (رجل من المشركين)، و(أقدم) أمر من الإقدام، أو من قَدَم، من نصر، من التقدم، و(حيزوم) بالحاء المهملة والتحتية والزاي، على وزن منصور: اسم فرس جبرئيل، كذا في (القاموس) (١) من حزمه يحزمه: شده، أو من حزم الفرس: شد حِزامه. وقيل: اسم فرس مَلَك من الملائكة، (إذ نظر) بدل من (إذ سمع).
وقوله: (فإذا هو قد خطم) بالخاء المعجمة والطاء المهملة بلفظ المجهول، خطمه يخطمه: ضربه على أنفه، والخطام بالكسر: سمة على أنف البعير أو على وجهه من الخد، كذا في (القاموس) (٢)، والمراد هنا أنه ظهر على أنفه أثر ضربته، وقد أصاب أنف الوليد بن المغيرة جراحة يوم بدر فبقي أثره، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ [القلم: ١٦].
وقوله: (فاخضر) من الاخضرار، وكذلك يبقى أثر الضرب.
_________________
(١) "القاموس المحيط" (ص: ١٠٠٩).
(٢) "القاموس المحيط" (ص: ١٠١٨).
[ ٩ / ٤٢٤ ]
فَجَاءَ الأَنْصَارِيُّ، فَحَدَّثَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: "صَدَقْتَ، ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ" فَقَتَلُوا يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ، وَأَسَرُوا سَبْعِينَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٧٦٣].
٥٨٧٥ - [٨] وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: رَأَيْتُ عَنْ يَمِينِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَعَنْ شِمَالِهِ يَوْمَ أُحُدٍ رَجُلَيْنِ، عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ، يُقَاتِلَانِ كَأَشَدِّ الْقِتَالِ، مَا رأيتُهُمَا قَبْلُ وَلَا بَعْدُ، يَعْنِي جِبْرئِيلَ وَمِيكَائِيلَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٠٥٤، م: ٢٣٠٦].
٥٨٧٦ - [٩] وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ -ﷺ- رَهْطًا إِلَى أَبِي رَافِعٍ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتِيكٍ بَيْتَهُ لَيْلًا وَهُوَ نَائِمٌ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتِيكٍ: فَوَضَعْتُ السَّيْفَ فِي بَطْنِهِ حَتَّى أَخَذَ فِي ظَهْرِهِ، فَعَرَفْتُ أَنِّي قَتَلْتُهُ، فَجَعَلْتُ. . . . .
_________________
(١) وقوله: (فجاء الأنصاري) وهو الرجل من المسلمين ولذا عرفه واسمه. وقوله: (ذلك) أي: سماع ضربة بالسوط. . . إلخ.
(٢) [٨] (سعد بن أبي وقاص) قوله: (كأشد القتال) أي: قتالًا مثل أشد ما يكون من القتال، وقيل: الكاف زائدة. وقوله: (يعني جبرئيل وميكائيل) تفسير من الراوي، وكان ذلك لسماع من النبي وإخباره -ﷺ-.
(٣) [٩] (البراء) قوله: (إلى أبي رافع) كنية [ابن] أبي الحقيق بالحاء المهملة وقافين بينهما تحتانية على لفظ التصغير، أعدى عدو رسول اللَّه -ﷺ-، نبذ عهده وهجاه، (عتيك) بالمهملة والفوقانية على وزن عتيق.
[ ٩ / ٤٢٥ ]
أَفْتَحُ الأَبْوَابَ، حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى دَرَجَةٍ، فَوَضَعْتُ رِجْلِي فَوَقَعْتُ فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ، فَانْكَسَرَتْ سَاقِي، فَعَصَبْتُهَا بِعِمَامَةٍ، فَانْطَلَقْتُ إِلَى أَصْحَابِي فَانْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَحَدَّثْتُهُ فَقَالَ: "ابْسُطْ رِجْلَكَ". فَبَسَطْتُ رِجْلِي فَمَسَحَهَا، فَكَأَنَّمَا لَمْ أَشْتَكِهَا قَطُّ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٠٤٠].
٥٨٧٧ - [١٠] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: إِنَّا يَوْمَ الْخَنْدَقِ نَحْفِرُ، فَعَرَضَتْ كُدْيَةٌ شَدِيدَةٌ، فَجَاؤُوا النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالُوا: هَذِهِ كُدْيَةٌ عَرَضَتْ فِي الْخَنْدَقِ فَقَالَ: "أَنَا نَازِلٌ"، ثُمَّ قَامَ وَبَطْنُهُ مَعْصُوبٌ بِحَجَرٍ، وَلَبِثْنَا ثَلَاثَةَ أَيَّام لَا نَذُوقُ ذَوَاقًا، فَأَخَذَ النَّبِيُّ -ﷺ- الْمِعْوَلَ، فَضَرَبَ فَعَادَ كَثِيبًا أَهْيَلَ،
_________________
(١) وقوله: (أفتح الأبواب) أي: أبواب حصن له تحصن به ليدخل الرهط الذي بعثهم رسول اللَّه -ﷺ- معه لقتله، وكان دخل الحصن هو ليلا بالحيلة، وتركهم خارجه، وقصته مذكورة في كتب السير وفي أوائل (كتاب المغازي) من (صحيح البخاري) بعد غزوة بدر. وقوله: (فوقعت) أي: من تلك الدرجة (ليلة مقمرة) أي: مضيئة من نور القمر، يقال: أقمرت الليلة: صارت ذا قمر، وسبب الوقوع اشتباه الدرج بالأرض لضوء القمر.
(٢) [١٠] (جابر) قوله: (كدية) بضم الكاف وسكون الدال المهملة بعده ياء تحتانية: الأرض الغليظة، والشيء الصلب بين الحجارة والطين، والذواق بالفتح: ما يذاق من المأكول والمشروب، وفي الحديث: لا يتفرقون إلا عن ذواق، أي: عن علم وأدب؛ لأنه يقوم للأرواح مقام الطعام والشراب للأجسام، و(المعول) كمنبر: الحديدة ينقر بها الجبال، و(الكثيب) بالمثلثة: التل من الرمل، و(أهيل) بالتحتانية على
[ ٩ / ٤٢٦ ]
فَانْكَفَأْتُ إِلَى امْرأَتِي فَقُلْتُ: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ فَإِنِّي رَأَيْتُ بِالنَّبِيِّ -ﷺ- خَمصًا شَدِيدًا، فَأَخْرَجَتْ جِرَابًا فِيهِ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ، وَلَنَا بَهْمَةٌ دَاجِن فَذَبَحْتُهَا، وَطَحَنتُ الشَّعِيرَ حَتَّى جَعَلْنَا اللَّحْمَ فِي الْبُرْمَةِ، ثُمَّ جِئْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- فَسَارَرْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ذَبَحْنَا بُهَيْمَةً لَنَا، وَطَحَنْتُ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، فَتَعَالَ أَنْتَ وَنَفَرٌ مَعَكَ، فَصَاحَ النَّبِيُّ -ﷺ-: "يَا أَهْلَ الْخَنْدَقِ! . . . . .
ــ
وزن أفعل، فسره الطيبي (١) برمل سائل، وفي (القاموس) (٢): هال عليه التراب هيلًا وأهاله فانهال: صبه فانصب. ورمل هال وأهيل: منهال.
وقوله: (فانكفأت إلى امرأتي) أي: انصرفت وملت، من كفأه: صرفه وكبه، وأكفأ: مال وأمال وقلب، كذا في (القاموس) (٣)، واسم امرأته سهيلة بنت معوذ الأنصارية، والخمص بفتح المعجمة وسكون الميم، وقيل: بفتحها أيضًا: الجوع كالخمصة والمخمصة، ورجل خميص: ضامر البطن من الجوع، و(البهم) بفتح الباء وسكون الهاء، والجمع بهم ويحرك: أولاد الضان، وفي بعض النسخ: (بهيمة) بلفظ التصغير، والداجن من الحمام والشاة وغيرهما ألفت بالبيوت، من دجن بالمكان دجونًا: أقام، (وطحنت) بلفظ الواحدة الغائبة، وفي بعض النسخ بلفظ المتكلم.
و(البرمة) بالضم والسكون: القدر من الحجارة، والجمع: بُرْم وكصرد.
وقوله: (فساررته) أي: قلت له خفية وسرًّا.
وقوله: (ذبحنا بهيمة) بلفظ التصغير، و(النفر) ما دون العشرة من الرجال، كذا
_________________
(١) "شرح الطيبي" (١١/ ١٠٩).
(٢) "القاموس المحيط" (ص: ٩٩١).
(٣) "القاموس المحيط" (ص: ٦٠).
[ ٩ / ٤٢٧ ]
إِنَّ جَابِرًا صَنَعَ سُورًا فَحَيَّهَلًا بِكُمْ" فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا تُنْزِلُنَّ بُرْمَتَكُمْ وَلَا تَخْبِزُنَّ عَجِينَكُمْ حَتَّى أَجِيءَ". وَجَاءَ فَأَخْرَجْتُ لَهُ عَجِينًا فَبَصَقَ فِيهِ وَبَارَكَ، ثُمَّ عَمَدَ إِلَى بُرْمَتِنا فَبَصَقَ وَبَارَكَ، ثُمَّ قَالَ: "ادْعِي خَابِزَةً فَلْتَخْبِزْ مَعَكَ، وَاقْدَحِي مِنْ بُرْمَتِكُمْ وَلَا تُنْزِلُوهَا" وَهُمْ أَلْفٌ، فَأُقْسِمَ بِاللَّهِ لأَكَلُوا حَتَّى تَرَكُوهُ وَانْحَرَفُوا، وَإِنَّ بُرْمَتَنَا لَتَغِطُّ كَمَا هِيَ، وَإِنَّ عَجِينَنَا لَيُخْبَزُ كَمَا هُوَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤١٠٢، م: ٢٠٣٩].
ــ
في (القاموس) (١)، وفي (مختصر النهاية) (٢): هو رهط الإنسان وعشيرته، وهو اسم جمع يقع على جماعة من الرجال خاصة من ثلاث إلى عشرة، ولا واحد له من لفظه، والسور غير مهموز بضم السين: طعام يدعى إليه الناس، وهي كلمة فارسية، وفي (القاموس) (٣): السور: الضيافة، فارسية شرفها النبي -ﷺ-.
و(حيهلًا) مركب من حيّ وهَلْ، ويستعمل بالتنوين وبدونه، ومعناه الحث والاستعجال، وقد مرّ تحقيقه في موضعه، و(لا تنزلن) بضم التاء واللام، (ولا تخبزن) بفتح التاء وضم الزاي، و(فأخرجت) بسكون التاء.
وقوله: (واقدحي) أمر من قدح يقدح كفتح يفتح، قدح القدر: غرف ما فيها، وقدحة من المرق: غَرفة منه.
وقوله: (لتغط) أي: تفور وتغلي، من ضرب، في (القاموس) (٤): غطت القدر:
_________________
(١) "القاموس المحيط" (ص: ٤٥٢).
(٢) "الدر النثير" (٢/ ١٠٠).
(٣) "القاموس المحيط" (ص: ٣٨٤).
(٤) "القاموس المحيط" (ص: ٦٢٦).
[ ٩ / ٤٢٨ ]
٥٨٧٨ - [١١] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ لِعَمَّارٍ حِينَ يَحْفِرُ الْخَنْدَقَ فَجَعَلَ يَمْسَحُ رَأْسَهُ وَيَقُولُ: "بُؤسَ ابْنِ سُمَيَّةَ! تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩١٤].
٥٨٧٩ - [١٢] وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- حِينَ أَجْلَى الأَحْزَابَ عَنْهُ: . . . . .
ــ
صوتت أو اشتد غليانها.
٥٨٧٨ - [١١] (أبو قتادة) قوله: (بؤس) بضم الموحدة وسكون الهمزة: العذاب والشدة في الحرب، وفي رواية: (ويح عمار)، و(سمية) بضم السين المهملة وفتح الميم المخففة وبالياء المشددة: اسم أم عمار، و(بؤس) منادى مضاف، وحرف النداء محذوف، والخطاب في (تقتلك) بطريق الالتفات، وقال الطيبي (١): نادى بؤسه وأراد نداءه فلذلك خاطبه، وقد يروى: بؤس بالرفع، أي: عليك بؤس، أو يصيبك بؤس، وعلى هذا (ابن سمية) منادى بحذف حرف النداء، والمراد بـ (الفئة الباغية) معاوية ومن معه فإنه قتل يوم صفين، وكان مع علي -﵁- وهو من دلائل حقانية علي في تلك القضية، وهذا الحديث له طرق كثيرة يكاد يبلغ حد التواتر، وقد أوردناها في رسالة (تحقيق الإشارة في تعميم البشارة)، والمعجزة في هذا: الإخبار بالغيب.
٥٨٧٩ - [١٢] (سليمان بن صرد) قوله: (حين أجلي) بلفظ المجهول (٢) من الإجلاء، أي: انكشفوا وتفرقوا، من جلا القوم عن الموضع جلوًا وجلاء، وأجلوا: تفرقوا، و(الأحزاب) جمع حزب بمعنى جماعة الناس، وقد اجتمع قريش في عشرة آلاف، ووافقهم يهود قريظة وغيرهم، فأرسل اللَّه عليهم ريحًا وجنودًا من الملائكة،
_________________
(١) "شرح الطيبي" (١١/ ١١٢).
(٢) وفي نسخة: "بلفظ المعلوم"، كما في "المرقاة" (٩/ ٣٧٨٦).
[ ٩ / ٤٢٩ ]
"الآنَ نَغْزُوهُمْ وَلَا يَغْزُونَّا، نَحْنُ نَسِيرُ إِلَيْهِم". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤١١٠].
٥٨٨٠ - [١٣] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ الْخَنْدَقِ وَوَضَعَ السِّلاحَ وَاغْتَسَلَ أَتَاهُ جِبْرَئِيلُ وَهُوَ يَنْفُضُ رَأْسَهُ مِنَ الْغُبَارِ، فَقَالَ: قَدْ وَضَعْتَ السِّلَاحَ؟ وَاللَّهِ مَا وَضَعْتُهُ، اخْرُجْ إِلَيْهِم، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: "فَأَيْنَ؟ " فَأَشَارَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ -ﷺ-. مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤١١٧، م: ١٧٦٩].
٥٨٨١ - [١٤] وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ قَالَ أَنَسٌ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى الْغُبَارِ سَاطِعًا فِي زُقَاقِ بَنِيَ غَنْمٍ مَوْكِبَ جِبْرَئِيلَ ﵇ حِينَ سَارَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ. [خ: ٤١١٨].
_________________
(١) وذلك في غزوة الخندق، وتسمى غزوة الأحزاب فهزمهم اللَّه، وأخبر رسول اللَّه -ﷺ- بأنهم لا يسيرون إلينا ولا يأتوننا بعد، وتمامه ذُكِر في كتب السير. وقوله: (ولا يغزونا) بتشديد النون، ويجوز في مثله التخفيف لكن الموجود في النسخ التثقيل.
(٢) [١٣] (عائشة) قوله: (واغتسل) وجاء في الروايات: غسل أحد شقيه، يعني: لم يتم غسله، فيجوز أن يكون المعنى شرع في الغسل. وقوله: (وهو ينفض رأسه) الضمير لجبرئيل.
(٣) [١٤] (أنس) قوله: (بني غنم) بفتح الغين المعجمة وسكون النون وقد يحرك: قبيلة من الأنصار. وقوله: (موكب) منصوب على نزع الخافض، أي: من موكبه، وفي بعض الروايات بإثبات (من)، والموكب: الجماعة ركبانًا أو مشاة، من وكب يكب وكوبًا
[ ٩ / ٤٣٠ ]
٥٨٨٢ - [١٥] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: عَطِشَ النَّاسُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ فَتَوَضَّأَ مِنْهَا، ثُمَّ أَقْبَلَ النَّاسُ نَحْوَهُ قَالُوا: لَيْسَ عِنْدَنَا مَاءٌ نَتَوَضَّأُ بِهِ وَنَشْرَبُ إِلَّا مَا فِي رَكْوَتِكَ، فَوضَعَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَدَه فِي الرِّكْوَةِ، فَجَعَلَ الْمَاءُ يَفُورُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ كَأَمْثَالِ الْعُيُونِ، قَالَ: فَشَرِبْنَا وَتَوَضَّأْنَا، قِيلَ لِجَابِرٍ: كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالَ: لَوْ كُنَّا مِئَةَ أَلْفٍ لَكَفَانَا، كُنَّا خَمْسَ عَشْرَةَ مِئَةً. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤١٥٢، م: ١٨٥٦].
ــ
ووكبانًا: مشى في درجان، ومنه الموكب، كذا في (القاموس) (١)، وفي (النهاية) (٢): الموكب جماعة ركاب يسيرون برفق، وقيل: الموكب: ضرب من السير، والمعجزة هنا مجيء جبرئيل لابس السلاح مع موكبه للحرب ورؤية الغبار في موكبه.
٥٨٨٢ - [١٥] (جابر) قوله: (ركوة) بفتح الراء وسكون الكاف.
وقوله: (فجعل الماء يفور من بين أصابعه) وهذا أعني نبوع الماء من يده -ﷺ- وقع مرارًا كثيرة في عدة مواطن بطرق متعددة، ويفيد مجموعها العلم القطعي، وقد فصل الكلام فيه في (المواهب اللدنية) (٣)، قلت: وكذلك حال تكثير الطعام القليل، وحنين الجذع، وغير ذلك مما ذكر العلماء.
وقوله: (كنا خمس عشرة مئة) كأن الظاهر أن يقال: ألف وخمس مئة، قيل: عدل عن الظاهر لاحتمال التجوز في الكثرة، كما في قوله: لو كنا مئة ألف كما يأتي في الحديث الآتي، وقيل: إنما قال: خمس عشرة مئة أو أربع عشرة مئة لأنهم كانوا أفواجًا
_________________
(١) "القاموس المحيط" (ص: ١٤٤).
(٢) "النهاية" (٥/ ٢١٨).
(٣) "المواهب اللدنية" (٢/ ٥٥٧، ٥٦٨).
[ ٩ / ٤٣١ ]
٥٨٨٣ - [١٦] وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِئَةً يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَالْحُدَيْبِيَةُ بِئْرٌ فَنَزَحْنَاهَا، فَلَمْ نَتْرُكْ فِيهَا قَطْرَةً، فَبَلَغَ النَّبِيَّ -ﷺ- فأَتَاهَا فَجَلَسَ عَلَى شَفِيرِهَا، ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ مَضْمَضَ، وَدَعَا ثُمَّ صَبَّهُ فِيهَا ثُمَّ قَالَ: "دَعُوهَا سَاعَةً" فَأَرْوَوْا أَنْفُسَهُمْ وَرِكَابَهُمْ حَتَّى ارْتَحَلُوا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤١٥١].
٥٨٨٤ - [١٧] وَعَنْ عَوْفٍ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ عَن عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَاشْتَكَى إِلَيْهِ النَّاسُ مِنَ الْعَطَشِ، فَنَزَلَ، فَدَعَا فُلَانًا كَانَ يُسَمِّيهِ أَبُو رَجَاءٍ وَنَسِيَهُ عَوْفٌ، وَدَعَا عَلِيًّا، فَقَالَ: "اذْهَبَا فَابْتَغِيَا الْمَاءَ". فَانْطَلَقَا فَتَلَقَّيَا امْرَأَةً بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ أَوْ سَطِيحَتَيْنِ مِنْ مَاءٍ،
ــ
من مئة مئة نفس، والتحقيق في أهل الحديبية أنهم كانوا ألفًا وأربع مئة، وقيل: أكثر من ألف وأربع مئة، فمن قال: ألفًا وخمس مئة فقد جبر الكسر أو قال على غلبة ظنه.
٥٨٨٣ - [١٦] (البراء بن عازب) قوله: (والحديبية بئر) قال في (القاموس) (١): الحديبية بالتخفيف وقد يشدد: بئر قرب مكة، أو لشجرة حدباء كانت هناك.
وقوله: (فأرووا) بلفظ الماضي للغائبين من الإرواء.
وقوله: (ارتحلوا) أي: كانوا هم وركابهم يروون منها مدة إقامتهم هنالك، والركاب: الإبل، واحللها راحلة، كذا في (القاموس) (٢)، وكان مدة إقامتهم فيها زهاء عشرين يومًا.
٥٨٨٤ - [١٧] (عوف) قوله: (بين مزادتين أو سطيحتين) المزادة بفتح الميم: في
_________________
(١) "القاموس المحيط" (ص: ٨١).
(٢) "القاموس المحيط" (ص: ٩٨).
[ ٩ / ٤٣٢ ]
فَجَاءَا بِهَا إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَاسْتَنْزَلُوهَا عَنْ بَعِيرِهَا، وَدَعَا النَّبِيُّ -ﷺ- بِإِنَاءٍ، فَفَرَّغَ فِيهِ مِنْ أَفْوَاهِ الْمَزَادَتَيْنِ، وَنُودِيَ فِي النَّاسِ: اسْقُوا، فَاسْتَقَوْا، قَالَ: فَشَرِبنَا عِطَاشًا أَرْبَعِينَ رَجُلًا، حَتَّى رَوِينَا، فَمَلأَنَا كُلَّ قِربَةٍ مَعَنَا وَإِداوَةٍ، وَايْمُ اللَّهِ لَقَدْ أُقْلِعَ عَنْهَا. . . . .
ــ
الأصل وعاء يوضع فيه الزاد، ويطلق على الراوية وهي المزادة التي فيها الماء، أو لا تكون إلا من جلدين تفأم بثالث بينهما لتتسع، كذا في (القاموس) (١)، وفي (فتح الباري) (٢): المزادة: قربة كبيرة يزاد فيها جلد من غيرها، والسطيحة أيضًا بمعنى المزادة، وقيل: هي نوع من المزادة من جلدين سطح أحدهما على الآخر.
وقوله: (فجاءا) ضمير التثنية لعلي وفلان.
وقوله: (فاستنزلوها) أي: المرأة أو المزادة، فاستنزل على الأول على معناه من طلب النزول، وعلى الثاني بمعنى الإنزال، والظاهر هو المعنى الأول.
وقوله: (ففرغ فيه) من التفريغ، أي: صب الماء في الإناء، والأفواه بمعنى التثنية من قبيل ﴿قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤].
وقوله: (اسقوا) بكسر الهمزة وفتحها: أمر من سقى أو أسقى، والأول أفصح.
وقوله: (عطاشًا) حال من ضمير (شربنا)، وكذا قوله: (أربعين) مترادفة أو متداخلة.
وقوله: (حتى روينا) روي كرضي.
وقوله: (لقد أقلع) بلفظ المجهول من الإقلاع، أي: كف عن تلك المزادة
_________________
(١) "القاموس المحيط" (ص: ٢٧٣).
(٢) "فتح الباري" (١/ ٤٥٢).
[ ٩ / ٤٣٣ ]
وَإِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَينَا أَنَّهَا أَشَدُّ مِلْئَةً مِنْهَا حِين إبْتَدَأَ (١). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٥٧١، م: ٦٨٢].
٥٨٨٥ - [١٨] وَعَن جَابِرٍ قَالَ: سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى نَزَلْنَا وَادِيًا أَفْيَحَ، فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقْضِي حَاجَتَهُ، فَلَمْ يَرَ شَيْئًا يَسْتَتِرُ بِهِ، وَإِذَا شَجَرَتَيْنِ بِشَاطِئِ الْوَادِي، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى إِحْدَاهُمَا، فَأَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا، فَقَالَ: "انْقَادِي عَلَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ". . . . .
ــ
وتركت، والإقلاع عن الأمر: الكف عنه، والمعنى أنهم شربوا منها ورووا وتركوها وهم يتخيلون أن ما بقي فيها أكثر مما كان أولًا، والمراد المبالغة في بقائها على حالها.
و(ملئة) بكسر الميم وسكون اللام مهموزًا للحالة، وبقية الحديث: فقال النبي -ﷺ-: (اجمعوا لها)، فجمعوا لها من بين عجوة ودقيقة وسويقة حتى جمعوا لها طعامًا فجعلوه في ثوب، وحملوها على بعيرها، ووضعوا الثوب بين يديها، قال لها: (تعلمين ما رزأنا من مائك شيئًا ولكن اللَّه هو الذي سقانا)، فأتت أهلها، فقالت: العجب، لقيني رجلان فذهبا بي إلى هذا الرجل الذي يقال له: الصابئ، ففعل كذا وكذا، فواللَّه إنه لأسحر الناس كلهم، أو إنه لرسول اللَّه حقًّا، فقالت لقومها: فهل لكم في الإسلام؟ . . . الحديث، كذا في (المواهب اللدنية) (٢)، وجاء في بعض الروايات وفي آخره: فأطاعوها فدخلوا في الإسلام.
٥٨٨٥ - [١٨] (جابر) قوله: (واديًا أفيح) أي: واسعًا.
وقوله: (إذا شجرتين) أي: رأى شجرتين أو وجدهما، وفي بعض الروايات:
_________________
(١) وفي نسخة: "ابْتُدِئ" بصيغة المفعول، أي: الاستقاء والشرب منها. "مرقاة المفاتيح" (٩/ ٣٧٨٨).
(٢) "المواهب اللدنية" (٢/ ٥٦٥).
[ ٩ / ٤٣٤ ]
فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَالْبَعِيرِ الْمَخْشُوشِ الَّذِي يُصَانِعُ قَائِدَهُ، حَتَّى أَتَى الشَّجَرَةَ الأُخْرَى فَأَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا، فَقَالَ: "انْقَادِي عَلَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ" فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَذَلِكَ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْمَنْصَفِ مِمَّا بَيْنَهُمَا قَالَ: "الْتَئِمَا عَلَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ" فَالْتَأَمَتَا، فَجَلَسْتُ أُحَدِّثُ نَفْسِي، فَحَانَتْ مِنِّي لَفْتَةٌ، فَإِذَا أَنَا بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مُقْبِلًا وإذَا الشَّجَرَتَيْنِ قَدِ افْتَرَقتا، فَقَامَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى سَاقٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٠١٢].
_________________
(١) شجرتان بالرفع. و(المخشوش) البعير الذي يجعل في أنفه الخشاش، بكسر الخاء المعجمة: خشبة تجعل في أنف البعير ليكون أسرع إلى الانقياد. وقوله: (يصانع) أي: يطاوع وينقاد، والمصانعة في الأصل: الرشوة والمداراة والمداهنة. وقوله: (حتى إذا كان بالمنصف) بفتح الميم والصاد، أي: الموضع الذي هو وسط بين الموضعين. قوله: (أحدث نفسي) يعني في وقوع هذا الأمر العجيب الذي رأيته ما هو؟ وكيف هو؟ أو في شيء آخر كما هو عادة الإنسان، (فكانت) أي: ظهرت، من كان: إذا أتى وقت الشيء، (مني لفتة) بفتح اللام وسكون الفاء، أي: التفاتة، أي: كنت مستقلًا بنفسي لا ألتفت إلى شيء فإذا التفت رأيت رسول اللَّه -ﷺ- (مقبلًا) أي: [من] هذا الجانب، (وإذا الشجرتين) أي: رأيتهما. وقوله: (فقامت كل واحدة منهما على ساق) يظهر منه أنهما كانتا التأمتا كأنها شجرة واحدة على ساق واحدة، أو المراد أنهما عادتا إلى الحال الأصلي كما كانتا، فافهم.
[ ٩ / ٤٣٥ ]
٥٨٨٦ - [١٩] وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ: رَأَيْتُ أَثَرَ ضَرْبَةٍ فِي سَاقِ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، فَقُلْتُ: يَا بَا مُسْلِمٍ! مَا هَذِه الضَّربةُ؟ قَالَ: ضَرْبَةٌ أَصَابَتْنِي يَوْمَ خَيْبَرَ، فَقَالَ النَّاسُ: أُصِيبَ سَلمَةُ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- فَنَفَثَ فِيهِ ثَلَاثَ نَفَثَاتٍ، فَمَا اشْتَكَيْتُهَا حَتَّى السَّاعَةَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٣٠٦].
ــ
٥٨٨٦ - [١٩] (يزيد بن أبي عبيد) قوله: (فما اشتكيتها حتى الساعة) قيل في أكثر نسخ البخاري بجر (الساعة)، قال الكرماني (١): يلزم منه الاشتكاء زمن الحكاية، ولعل وجهه أن (حتى) حينئذٍ تكون للغاية بمعنى (إلى)، وحكم الغاية يجب أن يكون على خلاف حكم المغيا؛ لأنه ينتهي عدم الاشتكاء إلى هذا الزمان فيلزم أن يكون فيه اشتكاء.
فقال: إن لفظ (الساعة) منصوب، و(حتى) للعطف، والمعطوف داخل في حكم المعطوف عليه، نحو: أكلت السمكة حتى رأسها، وقيل: يمكن أن يكون المعنى على تقدير كونها مجرورًا، وكون (حتى) للغاية: ما وجدت أثر وجع إلى الآن، وأما بعده فما أدري أجده أم لا، فيصدق أن حكم ما بعد (حتى) خلاف ما قبلها، أو المراد نفي الشكاية بآكد وجه بأن يكون المراد ما وجدت وجعًا إلى الآن، فلو أمكن أن يوجد وجع يكون بعد ذلك، ومن المحال عادة أن يوجد وجع بعد مدة مضت من ضربه، انتهى.
ولا يخفى ما في الوجهين من التكلف، والجواب الصحيح أن يقال: إن كون حكم الغاية على خلاف حكم المغيا غير مطرد، فقد تكون الغاية داخلة في المغيا ولو بقرينة المقام، فتدبر.
_________________
(١) "شرح الكرماني" (١٦/ ٩٦).
[ ٩ / ٤٣٦ ]
٥٨٨٧ - [٢٠] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: نَعَى النَّبِيُّ -ﷺ- زَيْدًا وَجَعْفَرًا وَابْنَ رَوَاحَةَ لِلنَّاسِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَهُمْ خَبَرُهُمْ، فَقَالَ أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ ابْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ، وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ، حَتَّى أَخَذَ الرَّايَةَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ، -يَعْنِي خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ- حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٢٦٢].
٥٨٨٨ - [٢١] وَعَنْ عَبَّاسٍ قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَلَمَّا الْتَقَى الْمُسْلِمُونَ وَالْكُفَّارُ وَلَّى الْمُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ، فَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-. . . . .
ــ
٥٨٨٧ - [٢٠] (أنس) قوله: (نعى النبي -ﷺ-) أي: أخبر الناس بموتهم، وكانت في غزوة موتة بلدة بالشام كانت في السنة الثامنة، وكان المسلمون ثلاثة آلاف، والروم مئة ألف، وتمام قصته في كتب السير.
وقوله: (وعيناه تذرفان) حال من ضمير (قال)، والضمير للنبي -ﷺ-، و(تذرفان) أي: تدمعان الدمع.
وقوله (يعني خالد بن الوليد) بيان لـ (سيف من سيوف اللَّه)، وهذا لقب خالد -﵁-.
وقوله: (حتى فتح اللَّه عليهم) أي: على المسلمين، قال الشيخ (١): اختلفوا هل كان فيه قتال فيه هزيمة للمشركين، أو المراد بالفتح حيازة المسلمين حتى رجعوا سالمين؟
٥٨٨٨ - [٢١] (عباس) قوله: (ولى المسلمون) المراد به إقبالهم إلى رسول اللَّه -ﷺ- كما يأتي في الحديث الآتي.
_________________
(١) انظر: "فتح الباري" (٧/ ٥١٣).
[ ٩ / ٤٣٧ ]
يَرْكُضُ بَغْلَتَهُ قِبَلَ الْكُفَّارِ، وَأَنَا آخِذٌ بِلِجَامِ بَغْلَةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَكُفُّهَا إِرَادَةَ أَن لَا تُسْرِعَ، وَأَبُو سُفْيَانَ بنُ الْحَارِثِ آخِذٌ بِرِكَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَيْ عَبَّاسُ! نَادِ أَصْحَابَ السَّمُرَةِ" فَقَالَ عَبَّاسٌ: -وَكَانَ رَجُلًا صَيِّتًا-، فَقُلْتُ بِأَعْلَى صَوتِي: أَيْنَ أَصْحَابُ السَّمُرَةِ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَكَأَنَّ عَطْفَتَهُمْ حِينَ سَمِعُوا صَوْتِي عَطْفَةُ الْبَقَرِ عَلَى أَوْلَادِهَا، فَقَالُوا: يَا لَبَّيْكَ يَا لَبَّيْكَ، قَالَ: فَاقْتَتَلُوا وَالْكُفَّارَ، وَالدَّعْوَةُ فِي الأَنْصَارِ يَقُولُونَ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ! يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ! قَالَ: ثُمَّ قُصِرَتِ الدَّعْوَةُ عَلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ،
_________________
(١) وقوله: (يركض بغلته) الركض: تحريض الدابة بالرجل، و(البغلة) هي التي يقال لها: دُلدل. وقوله: (قبل الكفار) بكسر القاف وفتح الباء، أي: جانبهم ونحوهم، (وأبو سفيان بن الحارث) هو ابن عم رسول اللَّه -ﷺ-. و(السمرة) بفتح السين وضم الميم: هي الشجرة التي بايعوا تحتها يوم الحديبية، و(الصيت) بفتح الصاد وكسر الياء المشددة: مبالغة صائت اسم فاعل من الصوت. وقوله: (واللَّه لكأن عطفتهم) أي: رجعتهم ومجيئهم بالرفع أو النصب وكذا قوله: (عطفة البقر). وقوله: (فاقتتلوا والكفار) بالنصب على أنه مفعول معه. وقوله: (والدعوة) أي: الاستعانة والمناداة (في الأنصار) مبتدأ وخبره (يقولون). وقوله: (ثم قصرت) بلفظ المجهول من القصر، وبنو الخزرج من الأنصار، فإن الأنصار بنو الأوس وبنو الخزرج وإخوانهم أولادهما.
[ ٩ / ٤٣٨ ]
فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ كَالْمُتَطَاوِلِ عَلَيْهَا إِلَى قِتَالِهِمْ، فَقَالَ: هَذا حِينَ حَمِيَ الْوَطِيسُ، ثُمَّ أَخَذَ حَصَيَاتٍ، فَرَمَى بِهِنَّ وُجُوهَ الْكُفَّارِ، ثُمَّ قَالَ: "انْهَزَمُوا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ" فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَمَاهُمْ بِحَصَيَاتِهِ، فَمَا زِلْتُ أَرَى حَدَّهُمْ كَلِيلًا وَأَمْرَهُمْ مُدْبِرًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٧٧٥].
٥٨٨٩ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي إِسحَاقَ قَالَ: قَالَ رَجُل لِلْبَرَاءِ: يَا بَا عُمَارَةَ! فَرَرْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ، مَا وَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَلَكِنْ خَرَجَ شُبَّانُ أَصْحَابِهِ لَيْسَ عَلَيْهِمْ كَثِيرُ سِلَاحٍ، فَلَقَوْا قَوْمًا رُمَاةً لَا يَكَادُ يَسْقُطُ لَهُمْ سَهْمٌ، فَرَشَقُوهُمْ رَشْقًا مَا يَكَادُونَ يُخْطِئُونَ،
ــ
وقوله: (كالمتطاول) أي: الغالب المستشرف إليهم، (عليها) والضمير في (عليها) للبغلة، أي: كائنا عليها، و(إلى قتالهم) متعلق بـ (نظر).
وقوله: (هذا حين حمي الوطيس) (حين) مفتوح على أنه مضاف إلى (حمي الوطيس) أي: اشتد الحرب، و(الوطيس) بفتح واو وكسر طاء مهملة وبسين مهملة: التنور، أراد الحرب، كذا في (القاموس) (١)، قالوا: لم يسمع هذا الكلام من أحد قبل رسول اللَّه -ﷺ-.
وقوله: (ما هو إلا أن رماهم) أي: ليس انهزامهم إلا بالرمي، أو ليس الأمر، أو ليس الواقع إلا رمية.
وقوله: (حدهم) بمعنى الحدة مفعول (أرى)، و(كليلا) مفعول ثاني أو حال.
٥٨٨٩ - [٢٢] (أبو إسحاق) قوله: (فرشقوهم) أي: رموهم.
_________________
(١) "القاموس المحيط" (ص: ٥٣٦).
[ ٩ / ٤٣٩ ]
فَأَقْبَلُوا هُنَاكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- علَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ يَقُودُهُ، فَنَزَلَ وَاسْتَنْصَرَ، وَقَالَ (١) أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ، ثُمَّ صَفَّهُمْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَلِلْبُخَارِيِّ مَعْنَاهُ. [م: ١٧٧٦، خ: ٤٣١٥].
٥٨٩٠ - [٢٣] وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: قَالَ الْبَرَاءُ: كُنَّا وَاللَّهِ إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ نَتَّقِي بِهِ، وَإِنَّ الشُّجَاعَ مِنَّا لَلَّذِي يُحَاذِي بِهِ يَعْنِي النَّبِيَّ -ﷺ-. [م: ١٧٧٦].
٥٨٩١ - [٢٤] وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حُنَيْنًا، فَوَلَّى صَحَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَمَّا غَشُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- نَزَلَ عَنِ الْبَغْلَةِ، ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ مِنَ الأَرْضِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ بِهِ وُجُوهَهُمْ،
ــ
وقوله: (فأقبلوا) أي: المسلمون وهم الشبان المذكورون.
وقوله: (فنزل) أي: نزل رسول اللَّه -ﷺ- عن بغلته وطلب النصرة من اللَّه سبحانه.
٥٨٩٠ - [٢٣] (البراء) قوله: (حتى احمر البأس) أي: اشتد القتال، وإيراد هذا الحديث لتتميم قصة يوم حنين، أو يقال: اتقاء الشجعان برسول اللَّه -ﷺ- في أمثال هذه المواطن معجزة له -ﷺ-، واللَّه أعلم.
٥٨٩١ - [٢٤] (سلمة بن الأكوع) قوله: (فلما غشوا) أي: قاربوا، يعني الكفار، يعني قاربوا الغشيان.
وقوله: (ثم قبض قبضة من تراب) القبضة وضمه أكثر: ما قبضت عليه من شيء، وكهمزة: من يمسك بالشيء ثم لا يلبث أن يدعه، كذا في (القاموس) (٢)، وفي
_________________
(١) في نسخة: "فقال".
(٢) "القاموس المحيط" (ص: ٦٠٠).
[ ٩ / ٤٤٠ ]
فَقَالَ: "شَاهَتِ الْوُجُوهُ" فَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْهُمْ إِنْسَانًا إِلَّا مَلأَ عَيْنَيْهِ تُرَابًا بِتِلْكَ الْقَبْضَةِ، فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ فَهَزَمَهُمْ اللَّهُ، وَقَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- غَنائِمَهُمْ بَينَ الْمُسْلِمِينَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٧٧٧].
٥٨٩٢ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حُنَيْنًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِرَجُلٍ مِمَّنْ مَعَهُ يَدَّعِي الإِسْلَامَ: "هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ"، فَلَمَّا حَضَرَ الْقِتَالُ، قَاتَلَ الرَّجُلُ مِنْ أَشَدِّ الْقِتَالِ، وَكَثُرَتْ بِهِ الْجِرَاحُ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرأيتَ الَّذِي تُحَدِّثُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، قَدْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ أَشَدِّ الْقِتَالِ، فَكَثُرَتْ بِهِ الْجِرَاحُ؟ فَقَالَ: "أَمَّا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ"، فَكَادَ بَعْضُ النَّاسِ يَرْتَابُ، فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ إِذْ وَجَدَ الرَّجُلُ أَلَمَ الْجِرَاحِ، فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى كِنَانتِهِ، فَانْتَزَعَ سَهْمًا. . . . .
ــ
(الصراح) (١): قبضة بالضم: يك مشت از هر جيز، وربما جاء على الفتح.
وقوله: (شاهت الوجوه) أي: قبحت.
٥٨٩٢ - [٢٥] (أبو هريرة) قوله: (لرجل) اسم الرجل قزمان بالقاف كان من المنافقين، كذا قالوا.
وقوله: (فأهوى بيده إلى كنانته) بالكسر أي: إلى جعبته، و(أهوى) أي: أمال، يقال: أهوى يده وبيده إلى الشيء: أمالها إليه ليأخذه.
وقوله: (فانتزع سهمًا) هكذا في رواية أبي ذر بالإفراد، ولغيره: أسهمًا بالجمع.
_________________
(١) "الصراح" (ص: ٢٨٤).
[ ٩ / ٤٤١ ]
فَانْتَحَرَ بِهَا، فَاشْتَدَّ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! صَدَّقَ اللَّهُ حَدِيثَكَ، قَدِ انْتَحَرَ فُلَانٌ وَقَتَلَ نَفْسَهَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، يَا بِلَالُ! قُمْ فَأَذِّنْ، لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٢٠٣].
٥٨٩٣ - [٢٦] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سُحِرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-. . . . .
ــ
وقوله: (فانتحر بها) وفي (صحيح البخاري): فنحر بها، وتأنيث الضمير على رواية لفظ الجمع ظاهر، وعلى لفظ الإفراد بإرادة الجنس، ثم إنه قد جاء في حديث آخر للبخاري (١) عن سهل بن سعد الساعدي: أن الرجل وضع سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل على سيفه فقتل نفسه.
وقال القسطلاني (٢) في تطبيق الروايتين: إنه لا منافاة بينهما لاحتمال أن يكون نحر نفسه بأسهمه فلم تزهق روحه وقد أشرف على القتل، فاتكأ حينئذ على سيفه استعجالًا للموت، هذا ثم إنه قد ذكر في (المواهب) (٣) هذه القصة في غزوة خيبر، وكذلك في (صحيح البخاري)، ولفظ الكتاب على أنه كان في غزوة حنين، ولعله صحف بعضهم (خيبر) بـ (حنين)، واللَّه أعلم.
وقوله: (وإن اللَّه ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر) يريد قتاله أشد القتال.
٥٨٩٣ - [٢٦] (عائشة) قوله: (سُحر رسول اللَّه -ﷺ-) قد استبعد قوم من الملاحدة
_________________
(١) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٢٨٩٨).
(٢) "إرشاد الساري" (٦/ ٣٦٣).
(٣) "المواهب اللدينة" (١/ ٥٢٣).
[ ٩ / ٤٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) عروض السحر وأمثاله عليه -ﷺ-، وتوهموا أنه مما يمنع الثقة بالشرع بأقواله وبأفعاله، ويوجب لبسًا وشكًا في أمره، وهذا التوهم باطل بعد وجود الدلائل القطعية على صدقه وثبوت نبوته، وإنما السحر مرض من الأمراض وعارض من العلل، يجوز طريانه عليه كأنواع المرض مما لا ينكر ولا يقدح في نبوته، ولو فرض شيء من الاختلال في الأفعال بعلة المرض فإنه لا يوجب ظن الاختلال في سائر الأفعال التي لا مدخل فيها للمرض بعد حصول الصحة وزوال المرض. والأنبياء صلوات اللَّه وسلامه عليهم يجوز أن يطرأ عليهم العوارض البشرية من الآفات والتغيرات والآلام والأسقام ما يجوز على غيرهم، فإن أجسامهم وظواهرهم خالص للبشرية، وأما أرواحهم وبواطنهم فمعصومة منه متعلقة بالملأ الأعلى لأخذها العلم عنهم، وتلقيها الوحي منهم، وقد يقيهم اللَّه سبحانه عن الآفات البشرية أيضًا ويعصمهم منها معجزة لهم وإظهارًا لشرفهم وامتيازهم من سائر البشر إذا اقتضت الحكمة ذلك، فليس وقايته من سم اليهودية أقل من سحر ابن الأعصم، وأمثال ذلك كثيرة. والحكمة في تأثير السحر في جسمه -ﷺ- إظهار أن السحر حق ثابت جرت به السنة الإلهية، وإظهار صحة نبوته فإن السحر لا يؤثر في الساحر، وأما ما ورد: أنه كان يخيل إليه -ﷺ- أنه فعل الشيء وما فعله ولا يفعله، فليس في هذا ما يدخل عليه داخلة في شيء من تبليغه أو شريعته، أو يقدح في صدقه لقيام الدليل على عصمته، وإنما هذا فيما يجوز طرؤه عليه في أمر دنياه التي لم يبعث بسببها ولا فضل من أجلها، فغير بعيد أن يخيل إليه من أمورها ما لا حقيقة له، ثم تجلى عنه كما كان. وقد فسره ما جاء في الحديث الآخر من قوله: حتى يخيل إليه أنه يأتي أهله
[ ٩ / ٤٤٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولا يأتيهن، وقيل: معناه أنه يظهر له من نشاطه وبتقدم عادته القدرة على النساء، فإذا دنا منهن أصابته أخذة السحر فلم يقدر على إتيانهن، ولم يأت في خبر منها أنه صدر عنه في ذلك قول بخلاف ما كان أخبر أنه فعله ولم يفعله، وإنما كانت خواطر وتخيلات، وقد قيل: إن المراد بالحديث أنه كان يتخيل الشيء أنه فعله وما فعله، ولكنه تخيل لا يعتقد صدقه، فيكون اعتقاداته كلها على السداد، وأقواله على الصحة، هذا ما ذكره الأئمة في هذا المقام.
وقال القاضي عياض في (الشفا) (١): أنه قد وقع في روايات متعددة: سحر يهود بني زريق رسول اللَّه -ﷺ-، فجعلوه في بئر حتى كاد أن ينكر بصره، حتى دله اللَّه على ما صنعوا، فاستخرجه من البئر، وجاء في حديث آخر: حبس رسول اللَّه -ﷺ- عن عائشة سنة، فبينا هو نائم أتاه ملكان. . . الحديث. وروي: حبس رسول اللَّه -ﷺ- عن عائشة خاصة سنة، حتى أنكر بصره، قال (٢): فقد استبان لك من مضمون هذه الروايات أن السحر إنما تسلط على ظاهره وجوارحه لا على قلبه واعتقاده وعقله، ويكون قول عائشة: إنه يخيل إليه أنه فعل الشيء وما فعله من باب ما اختل من بصره كما ذكر في الحديث، فيظن أنه رأى شخصًا من بعض أزواجه أو شاهد فعلًا من غيره ولم يكن على ما يخيل إليه لما أصابه في بصره وضعف نظره، لا لشيء طرأ عليه في مَيْزةِ، وإذا كان هذا لم يكن فيما ذكر من إصابة السحر له وتأثيره فيه ما يدخل لبسًا ولا يجد به الملحد المعترض أنسًا، انتهى كلام القاضي -رحمة اللَّه عليه-، وكان سحره بعد رجوعه -ﷺ- من الحديبية في ذي الحجة من السنة السادسة، ومدة بقائه قيل: أربعون
_________________
(١) "الشفا بتعريف حقوق المصطفى" (٢/ ٤١٤ - ٤١٥).
(٢) أي: القاضي عياض.
[ ٩ / ٤٤٤ ]
حَتَّى إِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ فَعَلَ الشَّيْءَ وَمَا فَعَلَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ عِنْدِي دَعَا اللَّهَ وَدَعَاهُ، ثُمَّ قَالَ: "أَشَعَرْتِ يَا عَائِشَةُ! أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ، جَاءَنِي رَجُلَانِ، جَلَسَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي، وَالآخَرُ عِنْدَ رِجِلِي، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ، قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَم الْيَهُودِيُّ، قَالَ: فِي مَاذَا؟ قَالَ فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ. . . . .
ــ
يومًا، وفي رواية: ستة أشهر، وفي رواية: سنة، ويجمع بأن قوته وغلبته كانت أربعين يومًا، ووجود آثاره إلى ستة أشهر، وبقيت بعض بقاياه إلى سنة، واللَّه أعلم.
وقوله: (دعا اللَّه ودعاه) أي: دعا مكررًا دعاء بعد دعاء واستمر عليه، وبالغ فيه، وجاء في رواية: (دعا ثم دعا).
وقوله: (أن اللَّه قد أفتاني) في (القاموس) (١): أفتاه في الأمر: أبانه له.
وقوله: (عند رجلي) بلفظ التثنية.
وقوله: (مطبوب) أي: مسحور، طبه: سحره، ومن معاني الطب: السحر.
وقوله: (لبيد بن الأعصم اليهودي) وقيل: فعلته بناته بأمره وشركته، ومن ثم نزل قوله تعالى: ﴿النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤].
وقوله: (في مشط ومشاطة) بالضم رواية، وفي (القاموس) (٢): المشط مثلثة وككتف، وعنق، وعتل، ومنبر: آلة يمتشط بها، والمشاطة: ما سقط منه، والماشطة: التي تحسن المشط، وحرفتها: المشاطة بالكسر، انتهى. وبناء فعالة بالضم يجيء لما يسقط عن الشيء كقلامة وكناسة، وكان عُقِد في شَعْر لحيته -ﷺ-.
_________________
(١) "القاموس المحيط" (ص: ١٢١٢).
(٢) "القاموس المحيط" (ص: ٦٣٣).
[ ٩ / ٤٤٥ ]
وَجُفِّ طَلْعَةِ ذَكَرٍ، قَالَ: فَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ"، فَذَهَبَ النَّبِيُّ -ﷺ- فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى الْبِئْرِ،
ــ
وقوله: (وجف طلعة ذكر) أي: في غشاها، الجف بضم الجيم وتشديد الفاء: وعاء طلع النخل، وهو الغشاء الذي عليه، وفي (القاموس) (١): الطلع من النخل: شيء يخرج كأنه نعلان مطبقان، والحمل بينهما منضود، أو ما يبدو من ثمرته في أول ظهورها، وأضاف (طلعة) إلى (ذكر)، لأنه يكون للنخل ذكر وأنثى، ولعل السحر من الذكر يكون أقوى، أَو يكون للرجل بالذكر، وللنساء بالأنثى، وفي (المشارق) (٢): الجف بالفاء للمروزي والسمرقندي، والباء للجرجاني والعذري، كلاهما بضم الجيم، وهو قشر الطلع وغشاؤه الذي يكون فيه.
وقوله: (في بئر ذروان) بالذال المعجمة المفتوحة: اسم بئر، وفي بعض الروايات: (أروان) بالألف، قالوا: وكلاهما صحيح مشهور، وقال التُّوربِشْتِي (٣): أراها أصوب الروايتين؛ لأن أروان بالمدينة أشهر من ذروان، وذروان على مسيرة من المدينة، انتهى. والموجود في نسخ (المشكاة) ذروان بالذال.
وقوله: (فذهب النبي -ﷺ- في أناس) بضم الهمزة (من أصحابه) وجاء في رواية عن ابن عباس: أنه أرسل عليًّا وعمارًا -﵄- لاستخراج السحر من بئر ذروان، فوجدا جف طلعة نخل فيه تمثاله -ﷺ- من شمعة وغرزت فيه عدة إبر وخيطة، وفي رواية: وتر فيه أحد عشر عقدًا، فنزل جبرئيل بالمعوذتين، فكان تنحل بكل آية يتلونها عقدة،
_________________
(١) "القاموس المحيط" (ص: ٧٣٥).
(٢) "مشارق الأنوار" (١/ ١٣٨).
(٣) "كتاب الميسر" (٤/ ١٢٨٦).
[ ٩ / ٤٤٦ ]
فَقَالَ: "هَذِهِ الْبِئْرُ الَّتِي أُرِيتُهَا وَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ، وَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُؤُوسُ الشَّيَاطِينَ" فَاسْتَخْرَجَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٣٩١، م: ٢١٨٩].
٥٨٩٤ - [٢٧] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ يَقْسِمُ قَسْمًا. . . . .
ــ
وكلما يخرجان منها مخيطًا يسكن ألمه -ﷺ-، ولعله -ﷺ- ذهب إلى البئر وأمرهما بدخولهما فيها، واللَّه أعلم.
وقوله: (والنقاعة) بضم النون وخفة القاف وتشديدها وبمهملة: ماء ينقع فيه الحناء ونحوه، وفي (القاموس) (١): نقاعة كل شيء بالضم: الماء الذي ينقع فيه.
وقوله: (وكأن نخلها رؤوس الشياطين) قد يذهب الفهم إلى أن المراد بالنخل هو أشجارها التي حول البئر تشبيهًا لرؤوسها برؤوس الشياطين في قبح النظر، يعني أن البئر في مكان موحش قبيح، لكن الشيخ التُّوربِشْتِي (٢) قال: إن المراد بالنخل طلع النخل، وأضاف إلى البئر لكونه مدفونًا فيها، والتشبيه برؤوس الشياطين لما صادفوا عليه من الوحشة وقبح المنظر، وكانت العرب تعد صور الشياطين من أقبح المناظر، وقيل: المراد بالشياطين الحيات الخبيثات، والحية يقال لها: الشياطين.
٥٨٩٤ - [٢٧] (أبو سعيد الخدري) قوله: (وهو يقسم قسمًا) بالفتح مصدر بمعنى المقسوم، والقسم بالكسر: النصيب، والجزء من الشيء المقسوم، ويجوز أن يترك على معنى المصدر للتأكيد، والمفعول محذوف، أي: مالًا أو غنيمة، وكان في غنائم حنين قسمها بالجعرانة.
_________________
(١) "القاموس المحيط" (ص: ٧٠٩).
(٢) "كتاب الميسر" (٤/ ١٢٨٦).
[ ٩ / ٤٤٧ ]
أَتَاهُ ذُو الْخُوَيْصِرَة، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! اعْدِلْ، فَقَالَ: "وَيْلَكَ فَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ؟ قَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ" فَقَالَ عُمَرُ: ائْذَنْ لِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ، فَقَالَ: "دَعْهُ، فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، يَقْرَؤونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يُنْظَرُ إِلَى نَصْلِهِ إِلَى رُصَافِهِ إِلَى نَضِيِّهِ. . . . .
_________________
(١) وقوله: (ذو الخويصرة) بضم المعجمة وفتح الواو وسكون التحتانية وكسر الصاد المهملة. وقوله: (قد خبت وخسرت) بضم المخاطب. وقوله: (يحقر) من ضرب، أي: يقلل، تعليل لقوله: (دعه) لأنه نهى عن قتل المصلين، فإن قلت: قد قال في آخر الحديث: (لئن أدركتهم لأقتللهم)؟ قلنا: إن الإباحة عند كثرتهم وإظهار الامتناع على الإمام وخروجهم عن طاعته، وهو غير موجود الآن، وكان أول ظهورهم في زمن أمير المؤمنين علي -﵁-. وقوله: (لا يجاوز تراقيهم) كناية عن عدم صعوده إلى محل القبول والإثابة، (يمرقون) أي: يخرجون من الدين، ويمرون عليه من غير انتفاع به ويخرجون من طاعة الإمام بسرعة (كما يمرق السهم من الرمية) بفتح الراء وكسر الميم وتشديد الياء، فعيل بمعنى الرمي يعني الصيد، أي: يخرج ويمر من جانب إلى جانب آخر ولا يقر فيها، و(ينظر) بلفظ المجهول، و(النصل): حديدة السهم والرمح، و(رصافه): عصب يلوى على مدخل النصل وفوقه. وقوله: (نضيه) بفتح النون وكسر الضاد وتشديد الياء.
[ ٩ / ٤٤٨ ]
وَهُوَ قِدْحُهُ إِلَى قُذَذِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، قَدْ سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ،
ــ
وقوله: (وهو قدحه) تفسير للنضي في البين من كلام الراوي، و(القدح) بالكسر: السهم قبل أن يراش وينصل، والمراد ما بين الريش والنصل.
وقوله: (إلى قذذه) من كلام الرسول -ﷺ- مذكور مع أخواته بطريق التعداد، وهو بضم القاف وفتح الذال الأولى جمع قذّة بالضم: ريش السهم.
وقوله: (فلا يوجد فيه شيء) أي: من أثر الصيد من دم ونحوه.
وقوله: (قد سبق الفرث والدم) جملة حالية، والفرث بفتح الفاء وسكون الراء ومثلثة في آخره: السرجين في الكرش، أي: كما نفذ السهم في الرمية بحيث لم يتعلق به شيء من الروث والدم، كذلك دخول هؤلاء في الإسلام ثم خروجهم منه بحيث لم يؤثر فيهم، ولم يظهر علامته منهم.
واستدل بهذا الحديث من كفر الخوارج، وقال الخطابي: المراد بالإسلام والدين هنا طاعة الإمام، وجاء في رواية البخاري ومسلم وابن ماجه: (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر الرامي في النصل فلا يرى شيئًا، وينظر في القدح فلا يرى شيئًا، وينظر في الريش فلا يرى شيئًا، ويتمارى في الفوق هل علق به من الدم شيء)، كذا أورد السيوطي في (جامع الصغير) (١)، والفوق بضم الفاء في آخره قاف: مدخل الوتر من السهم، قال بعض العلماء: هذا إشارة منه -ﷺ- إلى التوقف في تكفير الخوارج لشبهة الإيمان، وسئل مالك عن أهل الأهواء إكفارهم؟ قال: من الكفر هربوا، وقد يروى مثل هذا عن أمير المؤمنين علي -﵁- في شأن الخوارج، واللَّه أعلم.
_________________
(١) "الجامع الصغير" (١٤٠١٣).
[ ٩ / ٤٤٩ ]
آيَتُهُمْ رَجُلٌ أَسْوَدُ، إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْي الْمَرْأَةِ، أَوْ مِثْلُ الْبَضْعَةِ تَدَرْدَرُ، وَيَخْرُجُونَ عَلَى خَيْرِ فِرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ"، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَاتَلَهُمْ وَأَنَا مَعَهُ، فَأَمَرَ بِذَلِكَ الرَّجُلِ فالْتُمِسَ، فَأُتِيَ بِهِ،
_________________
(١) وقال بعضهم في تطبيق المشبه على المشبه به: المراد بالنصل: القلب الذي هو المؤثر والمتأثر، فإذا نظرت إلى قلبه فلا تجد فيه أثرًا من العبادات من الخشوع والحضور، وبالرصاف: الصدر الذي هو محل الانشراح للأوامر والنواهي فلم ينشرح لذلك، وبالنضي: البدن، والمعنى أن البدن وإن تحمل تكاليف الشرع لكن لم يحصل له من ذلك فائدة، وبالقذة: أطراف البدن التي بمثابة الآلات لأهل الصناعات، أي: لم يحصل له بها ما يحصل لأهل السعادات. وقوله: (آيتهم) أي: علامتهم (رجل) منهم يخرج بالصفة المذكورة بعدهم، يظهر منه أثر الضلالة ما به يستحقون القتل، ويقال لهذا الرجل: ذو الثدية بضم المثلثة وفتح الدال وتشديد الياء تصغير ثدي، وهو رئيس الخوارج الذي حارب عليًّا -﵁-. وقوله: (تدردر) أصله: تتدردر على وزن تتدحرج، أي: تجيء وتذهب وتضطرب. وقوله: (ويخرجون) أي: يخرج هذا الرجل ومن معه بالبغي (على خير فرقة من الناس) يريد عليًّا وأصحابه ﵁ وعنهم، وفي رواية: (على حين فرقة من الناس)، و(فرقة) بضم الفاء، أي: في حين شتات أمر الناس، واضطراب أحوالهم وظهور المحاربة بينهم. وقوله: (فأمر) أي: علي -﵁- (بذلك الرجل فالتمس) بلفظ المجهول، أي: أمر بالتماسه وطلبه بين المقتولين.
[ ٩ / ٤٥٠ ]
حَتَّى نَظَرْتُ إلَيْهِ عَلَى نَعْتِ النَّبِيِّ -ﷺ- الَّذِي نَعَتَهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ: أَقْبَلَ رَجُلٌ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ، نَاتِئُ الْجَبْهَةِ، كَثُّ اللِّحْيَةِ، مُشْرِفُ الْوَجْنتَيْنِ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! اتَّقِ اللَّهَ، فَقَالَ: "فَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ إِذَا عَصَيْتُهُ، فَيَأْمَنُنِي اللَّهُ عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ وَلَا تَأْمَنُونِّي"، فَسَأَلَ رَجُلٌ قَتْلَهُ فَمَنَعَهُ، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ: "إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمًا يَقْرَؤونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلَامِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَيَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلَامِ،
ــ
وقوله: (وفي رواية) أي: بدل (أتاه ذو الخويصرة) في أول هذا الحديث، فهذا نعت ذو الخويصرة، و(غائر) اسم فاعل، والغور بمعنى ذهاب الماء في الأرض، ويقال: غارت عينه، أي: دخلت في رأسه، و(ناتئ الجبهة) أي: مرتفعها من نَتَا عضوُهُ ينتو نتوًّا فهو ناتٍ: ورِمَ.
وقوله: (مشرف الوجنتين) أي: خال الخدين، والوجنة مثلة: الخد.
وقوله: (فيأمنني) أي: يجعلني أمينًا.
وقوله: (من ضئضئ) بكسر الضاد المعجمتين، وقيل: بالمهملتين أيضًا، وبالهمزتين: الأصل، والمراد من الأصل الذي هذا الرجل منه في النسب والمذهب، وليس المراد أنهم يتولدون منه إذ لم يكن في الخوارج قوم من نسل ذي الخويصرة.
وقال التُّوربِشْتِي (١): من ذهب إلى أنهم يتولدون منه فقد أبعد، إذ لم يذكر في الخوارج قوم من نسل ذي الخويصرة، والزمان الذي قال فيه رسول اللَّه -ﷺ- هذا القول إلى أن نابذ المارقة عليًّا -﵁- وحاربوه لا يحتمل ذلك، بل معناه من الأصل الذي هو
_________________
(١) "كتاب الميسر" (٤/ ١٢٨٨).
[ ٩ / ٤٥١ ]
وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ، لَئِنْ أَدْرَكتُهُمْ لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦١٦٣، م: ١٠٦٤].
٥٨٩٥ - [٢٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الإِسْلَامِ وَهِيَ مُشْرِكَةٌ، فَدَعَوْتُهَا يَوْمًا، فَأَسْمَعَتْنِي فِي رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مَا أَكْرَهُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَأَنَا أَبْكِي، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: "اللهُمَّ اهْدِ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ". فَخَرَجْتُ مُسْتَبْشِرًا بِدَعْوَةِ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَلَمَّا صِرْتُ إِلَى الْبَابِ فَإِذَا هُوَ مُجَافٌ، فَسَمِعَتْ أُمِّي خَشْفَ قَدَمَيَّ فَقَالَتْ: مَكَانَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَة! وَسَمِعْتُ خَضْخَضَةَ الْمَاءِ،
_________________
(١) منه في النسب، أو من الأصل الذي هو عليه في المذهب، كذا قيل، انتهى. وهذا الرجل حارب عليًّا -﵁- هو غير ذو الخويصرة الذي كان في زمن رسول اللَّه -ﷺ-، وقد يتوهم كونهما واحدًا وهو خطأ. وقوله: (ويدعون) بفتح الدال، أي: يتركون. وقوله: (لأقتللهم قتل عاد) أي: لأقتللهم وأهلكتهم بالكلية كما هلك عاد، وإطلاق القتل على عاد للمشاكلة.
(٢) [٢٨] (أبو هريرة) قوله: (فأسمعتني) بلفظ الغائبة من الإسماع، أي: قالت سيئًا. وقوله: (فإذا هو) أي: الباب (مجاف) بضم الميم: أي: مغلق مردود. وقوله: (خشف) بفتح الخاء المعجمة وسكون الشين وبالفاء بمعنى الصوت والحس والحركة. وقوله: (مكانك) بالنصب، أي: الزم مكانك وقِفْ، و(خضخضة الماء)
[ ٩ / ٤٥٢ ]
فَاغْتَسَلَتْ فَلَبِسَتْ دِرْعَهَا، وَعَجِلَتْ عَنْ خِمَارِهَا، فَفَتَحَتِ الْبَابَ، ثُمَّ قَالَتْ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَأَنَا أَبْكِي مِنَ الْفَرْحِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَقَالَ خَيْرًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٤٩١].
٥٨٩٦ - [٢٩] وَعنهُ قَالَ: إِنَّكُمْ تَقُولُونَ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَاللَّهُ الْمَوْعِدُ، وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ عَمَلُ أَمْوَالِهِمْ،
ــ
تحريكه، في (القاموس) (١): الخضخضة: تحريك الماء والسويق ونحوه.
وقوله: (وعجلت) من سمع يسمع، أي: عجلت إلى فتح الباب متجاوزة عن خمارها، أي: فتحت الباب قبل أن يلبس خمارها، والمعجزة هنا ظهور أثر دعائه -ﷺ- في شأن أم أبي هريرة في الحال مع كونها آتية قائلة فيه -ﷺ- ما لا يجوز، فهو من تصرفه -ﷺ- فيها وتقليب قلبها على الإيمان بإذن اللَّه، فافهم.
٥٨٩٦ - [٢٩] (وعنه) قوله: (إنكم تقولون: أكثر أبو هريرة) كأنه كان هذا القول منهم استغرابًا واستبعادًا وتوهمًا لعدم رعاية الاحتياط منه، لا تكذيبًا وعدم قبول روايته، فافهم.
وقوله: (واللَّه الموعد) أي: لقاء اللَّه هو الموعد يعني به يوم القيامة، فهو يحاسبني ويجازيني على عملي من الزيادة والنقصان في حديثه -ﷺ-، و(الصفق بالأسواق) كناية عن البيع والشراء، صفق يده على يده، وذلك عند وجوب البيع، فإن المهاجرين كانوا أصحاب تجارات، كما أن الأنصار كانوا أصحاب زراعات، وأموال أهل المدينة
_________________
(١) "القاموس المحيط" (ص: ٥٩١).
[ ٩ / ٤٥٣ ]
وَكُنْتُ امْرَأً مِسْكِينًا أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى مِلْءِ بَطْنِي، وَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَوْمًا: "لَنْ يَبْسُطَ أَحَدٌ مِنْكُمْ ثَوْبَهُ حَتَّى أَقْضِيَ مَقَالَتِي هَذِهِ ثُمَّ يَجْمَعَهُ إِلَى صَدْرِهِ فَيَنْسَى مِنْ مَقَالَتِي شَيْئًا أَبَدًا"، فَبَسَطْتُ نَمِرَةً لَيْسَ عَلَيَّ ثَوْبٌ غَيْرَهَا حَتَّى قَضَى النَّبِيُّ -ﷺ- مَقَالتُهُ، ثُمَّ جَمَعْتُهَا إِلَى صَدْرِي، فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ مَا نَسِيتُ مِنْ مقَالَتِهِ ذَلِكَ إِلَى يَومِي هَذَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٣٥٤، م: ٢٤٩٢].
٥٨٩٧ - [٣٠] وَعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَلَا تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ؟ " فَقُلْتُ: بَلَى وَكُنْتُ لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ،
ــ
نخيلُهم، وإذا نسبت الأموال إلى أهل مكة كان المراد الإبل.
وقوله: (على ملء بطني) أي: قانعًا واقفًا على ملء بطني، ومقتصرًا عليه غير متجاوز عنه إلى طلب الزيادة.
وقوله: (حتى أقضي مقالتي) هذه إشارة إلى دعاء دعاه لأصحابه بالحفظ والوعي لأحاديث سمعوها منه -ﷺ-.
وقوله: (فينسى من مقالتي) جواب النفي على تقدير (أن)، والمراد بهذه المقالة كلامه وأحاديثه -ﷺ- التي سمع منه -ﷺ-، و(النمرة) كساء فيه سواد وبياض، والمراد بمقالتي المذكورة ثالثًا الأول، وبالمذكورة رابعًا هو الثاني، هذا ولكن قد يختلج وجه الإشارة في الرابعة بقوله: (ذلك) فإن الظاهر الموافق لما قبله أن يقول: فما نسيت من مقالته شيئًا، ووجهه الطيبي (١) بأن ذلك إظهار إلى الجنس باعتبار المذكور، فافهم.
٥٨٩٧ - [٣٠] (جرير بن عبد اللَّه) قوله: (من ذي الخلصة) في (القاموس) (٢):
_________________
(١) انظر: "شرح الطيبي" (١١/ ١٢٩).
(٢) "القاموس المحيط" (ص: ٥٧٠).
[ ٩ / ٤٥٤ ]
فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- فَضَرَبَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِي، حَتَّى رَأَيْتُ أثَرَ يَدِهِ فِي صَدْرِي وَقَالَ: "اللهُمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا". قَالَ: فَمَا وَقَعْتُ عَنْ فَرَسِي بَعْدُ، فَانْطَلَقَ فِي مِئَةٍ وَخَمْسِينَ فَارِسًا مِنْ أَحْمَسَ فَحَرَّقَهَا بِالنَّارِ وَكَسَرَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٠٢٠، م: ٢٤٧٦].
٥٨٩٨ - [٣١] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا كَانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- فَارْتَدَّ عَنِ الإِسْلَامِ، وَلَحِقَ بِالْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: "إِنَّ الأَرْضَ لَا تَقْبَلُهُ". . . . .
ــ
ذو الخلصة بفتحتين وبضمتين: بيت كان يدعى كعبة اليمانية لخثعم، كان فيه صنم، اسمه الخلصة، أو لأنه كان منبت الخلصة، والخلص محركة: شجر كالكَرْمِ يتعلق بالشجر فيعلو، طَيِّبُ الريح، انتهى.
وقوله: (فانطلق) أي: جرير، الظاهر أنه من كلام الراوي، والأحمس على وزن الأحمر لقب قريش وكنانة وجديلة ومن تابعهم في الجاهلية، لتحمسهم في دينهم أو لالتجائهم بالحمساء وهي الكعبة؛ لأن حجرها أبيض إلى السواد، والحماسة: الشجاعة، والأحمس: الشجاع، والعام الشديد، وسنة حمساء، وسنون أحامس وحمسٌ، كذا في (القاموس) (١). والحمس: الأمكنة الصلبة جمع أحمس، وحمس كفرح: اشتد وصلب في الدين والقتال، فهو حمس وأحمس، وهي حمسى.
وقوله: (بالنار) للتأكيد على مثال كتبه بيده.
٥٨٩٨ - [٣١] (أنس) قوله: (إن رجلًا) قيل: هو عبد اللَّه بن أبي السرح، وهذا غلط؛ فإنه وإن كان ارتد ولكنه مات مسلمًا، بل هو رجل كان نصرانيًّا فأسلم
_________________
(١) "القاموس المحيط" (ص: ٤٩٩)، قوله: "كذا في القاموس" ثبت في (ع) وسقط في (ك)، و(ر) و(ب).
[ ٩ / ٤٥٥ ]
فَأَخْبَرَنِي أَبُو طَلْحَةَ أَنَّهُ أَتَى الأَرْضَ الَّتِي مَاتَ فِيهَا فَوَجَدَهُ مَنْبُوذًا فَقَالَ: مَا شَأْنُ هَذَا؟ فَقَالُوا: دَفَنَّاهُ مِرَارًا فَلَمْ تَقْبَلْهُ الأَرْضُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦١٧، م: ١٢٧٨].
٥٨٩٩ - [٣٢] وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ -ﷺ- وَقَدْ وَجَبَتِ الشَّمْسُ، فَسَمِعَ صَوْتًا فَقَالَ: "يَهُودُ تُعَذَّبُ فِي قُبُورِهَا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣٧٥، م: ٢٨٦٩].
٥٩٠٠ - [٣٣] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ -ﷺ- مِنْ سَفَرٍ، فَلَمَّا كَانَ قُرْبَ الْمَدِينَةِ هَاجَتْ رِيحٌ. . . . .
ــ
فعاد نصرانيًّا.
وقوله: (فوجده منبوذًا) أي: مطروحًا، قال في (القاموس) (١): النبذ: طرحك الشيء أمامك أو وراءك، أو عام.
٥٨٩٩ - [٣٢] (أبو أيوب) قوله: (وقد وجبت الشمس) أي: غربت، من وجبت بمعنى سقطت.
وقوله: (فسمع صوتًا) الظاهر صوت يهود المعذبين، وقيل: يحتمل صوت الملائكة، أو صوت وقع العذاب، قيل: وعند الطبراني ما يؤيد الأول.
وقوله: (يهود تعذب) هو خبر مبتدأ، أي: هذه يهود، أو هو مبتدأ و(يعذب) خبره، والأول أظهر.
٥٩٠٠ - [٣٣] (جابر) قوله: (فلما كان قرب المدينة هاجت ريح) الهيجان لازم متعد، والهوجاء: ريح شديدة تقلع البيت من أصله.
_________________
(١) "القاموس المحيط" (ص: ٣١٩).
[ ٩ / ٤٥٦ ]
تَكَادُ أَنْ تَدْفِنَ الرَّاكِبَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "بُعِثَتْ هَذِهِ الرِّيحُ لِمَوْتِ مُنَافِقٍ". فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَإِذَا عَظِيمٌ مِنَ الْمُنَافِقِيْنَ قَدْ مَاتَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ [م: ٢٨٧٢].
٥٩٠١ - [٣٤] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- حَتَّى قَدِمْنَا عُسْفَانَ، فَأَقَامَ بِهَا لَيَالِيَ، فَقَالَ النَّاسُ: مَا نَحْنُ هَهُنَا فِي شَيْءٍ، وَإنَّ عِيَالنا لَخُلُوفٌ مَا نَأَمَنُ عَلَيْهِمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ. . . . .
ــ
وقوله: (تكاد أن تدفن) استعمل (كاد) استعمال (عسى) بـ (أن) والأكثر تركها في خبره، كذا قال النحاة، و(تدفن) بكسر الفاء من باب ضرب، والمراد بدفنها الراكب جعلها إياه بحيث يغيب عن أعين الناظر، أو إذهابها وإهلاكها إياه لشدتها، واللام في (لموت) للوقت، قيل: هو رفاعة بن زيد، والسفر غزوة تبوك، وقيل: رافع، والسفر غزوة بني المصطلق، كذا في الحواشي.
٥٩٠١ - [٣٤] (أبو سعيد الخدري) قوله: (عسفان) بضم العين: موضع على مرحلتين من مكة.
وقوله: (في شيء) أي: من الحرب، أو أعم، أي: في شيء مهم.
وقوله: (وإن عيالنا لخلوف) بضم الخاء جمع خلف أو خالف، في (القاموس) (١): هم الذين ذهبوا من الحي، ومن حَضَر منهم، وفي (النهاية) (٢): يقال: حيّ خلوف: إذا غاب الرجال وأقامت النساء، ويطلق على المقيمين والظاعنين، انتهى. وفي حديث
_________________
(١) "القاموس المحيط" (ص: ٧٤٤).
(٢) "النهاية" (٢/ ٦٨).
[ ٩ / ٤٥٧ ]
مَا فِي الْمَدِينَةِ شِعْبٌ وَلَا نَقْبٌ إِلَّا عَلَيْهِ مَلَكَانِ يَحْرُسَانِهَا حَتَّى تَقْدَمُوا إِلَيْهَا"، ثُمَّ قَالَ: "ارْتَحِلُوا"، فَارْتَحَلْنَا وَأَقْبَلْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَوَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ مَا وَضَعْنَا رِحَالَنَا حِينَ دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ حَتَّى أَغَارَ عَلَيْنَا بَنُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَطَفَانَ، وَمَا يُهَيِّجُهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ شَيْء. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣٧٤].
٥٩٠٢ - [٣٥] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَصَابَتِ النَّاسَ سنَةٌ. . . . .
ــ
المزادتين: (وَنَفَرُنا خلوف) (١) أي: رجالنا غيب، والخالف: المستسقي، أو الغائب، أي: خرج رجالنا للاستسقاء، أو غابوا وخلفونا.
وقوله: (شعب) بالكسر: الطريق في الجبل، و(النقب) بفتح النون وسكون القاف أيضًا: الطريق في الجبل، ولكن المراد هنا الطريق بين الدارين، وفيه حديث: (وعلى أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال) (٢)، والأنقاب جمع قلة للنقب، ويجيء النقبة أيضًا بهذا المعنى، كأنه نقب من هذه وهذه، والنقب في الأصل بمعنى الثقب بالمثلثة.
وقوله: (إلا عليه) أي: على كل واحد، و(يحرسانها) بضم الراء من نصر.
وقوله: (حتى تقدموا) بفتح الدال من القدوم من سمع.
وقوله: (فالذي يحلف به) أي: يقسم به وهو اللَّه تعالى، و(غطفان) بالمعجمة والمهملة المفتوحتين.
٥٩٠٢ - [٣٥] (أنس) قوله: (سنة) أي: قحط، والسنة اسم للعام، ويطلق على القحط، كأنها غلب على سنة فيها القحط لاختصاصه بشيء وقع فيها من بين سائر
_________________
(١) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٣٤٤).
(٢) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٧١٣٣).
[ ٩ / ٤٥٨ ]
عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَبَيْنَا النَّبِيُّ -ﷺ- يَخْطُبُ فِي يَوْم الْجُمُعَةِ قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلَكَ الْمَالُ، وَجَاعَ الْعِيَالُ، فَادْعُ اللَّهَ لَنَا، فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا وَضَعَهَا حَتَّى ثَارَ السَّحَابُ أَمْثَالَ الْجِبَالِ، ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيْتُ الْمَطَرَ يَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيتِهِ، فَمُطِرنَا يَوْمنَا ذَلِك، وَمِنَ الْغَدِ وَمِنْ بَعدِ الْغَدِ حَتَّى الْجُمُعَةِ الأُخْرَى، وَقَامَ ذَلِكَ الأَعْرَابِيُّ أَوْ غَيْرُهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! تَهَدَّمَ الْبِنَاءُ، وَغَرِقَ الْمَالُ، فَادْعُ اللَّهَ لَنَا، فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: . . . . .
ــ
السنين، فهي من الأسماء الغالبة كالدابة ونحوها.
وقوله: (قزعة) بالقاف والزاي المفتوحتين: قطعة من سحاب، في (القاموس) (١): القزع محركة: قِطَعٌ من السحاب، والواحد بهاء.
وقوله: (ما وضعها) هكذا وجدنا في النسخ بضمير الواحدة، والظاهر أنه يرجع إلى اليدين، فهي إما باعتبار إرادة جنس اليد، ويجوز أن يرجع إلى اليد الواحدة للمبالغة في سرعة القبول، كأنه قال: بأن ما وضع يدًا واحدة فثار السحاب قبل أن يضع الأخرى، وفي (جامع الأصول) (٢): ما وضعهما بضمير التثنية، وما وجدنا هذه الكلمة في الصحيحين.
وقوله: (يتحادر) أي: ينزل، وذلك لو كف المسجد، فإنه كان المسجد إذا نزل مطر وكف.
وقوله: (أو غيره) هكذا في (المصابيح) بطريق الشك، وجاء في رواية: ثم دخل
_________________
(١) "القاموس المحيط" (ص: ٦٩٣).
(٢) "جامع الأصول" (٦/ ١٩٥).
[ ٩ / ٤٥٩ ]
"اللهُمَّ حَوَالَيْنَا، وَلَا عَلَيْنَا"، فَمَا يُشِيرُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ السَّحَابِ إِلَّا انْفَرَجَتْ وَصَارَتِ الْمَدِينَةُ مِثْلَ الْجَوْبَةِ،
ــ
رجل في الجمعة المقبلة، وهذا ظاهر في أنه غير الأول، وفي رواية: حتى جاء ذلك الأعرابي في الجمعة الأخرى، وهذا يقتضي الجزم بكونه واحدًا، وكلاهما من أنس، فلعل ذكره بعد أن نسيه أو نسيه بعد أن ذكره، فلهذا ذكره صاحب (المصابيح) بالشك، وتبع المؤلف.
وقوله: (اللهم حوالينا ولا علينا) يعني أنزل الغيث في المزارع لا على الأبنية، يقال: قعدوا حوله وحواله وحوليه وحواليه بفتح اللام دون كسرها كلها بمعنى، فالأصل: حول وحوال، وقد يثنى قصدًا إلى التعدد والتكرار، وليس حوالي جمعًا حتى يكسر لامه، لكنه إنما ذكر (حوالينا) دون حولنا وحوالنا لمراعاة الازدواج مع (علينا)، والواو في (ولا علينا) للعطف بتقدير لا تمطر عطفًا على أمطر المقدر قبل، وقال الشيخ (١): ليست الواو خالصة للعطف بل للتعليل كقولهم: تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها؛ فإن الجوع ليس مقصودًا بعينه بل لكونه مانعًا من الرضاع بأجرة إذ كانوا يكرهونه، فافهم.
وقوله: (إلى ناحية من السحاب) وفي رواية: (إلى ناحية من السماء)، و(الجوبة) بفتح الجيم وسكون الواو وبالموحدة: الفرجة في السحاب، وهنا حذف أي: صار جو المدينة مثل الفرجة في السحاب، أي: خاليًا عن السحاب، كذا قال الشيخ (٢)، وفي (النهاية) (٣): الجوبة: هي الحفرة المستديرة الواسعة وكل مُنفَتِق بلا بناء: جوبة،
_________________
(١) "فتح الباري" (٢/ ٥٠٥).
(٢) "فتح الباري" (٢/ ٥٠٦).
(٣) "النهاية" (١/ ٣١٠).
[ ٩ / ٤٦٠ ]
وَسَالَ الْوَادِيُّ قَنَاةً شَهْرًا، وَلَمْ يَجِئْ أَحَدٌ مِنْ ناحِيَةٍ إِلَّا حَدَّثَ بِالْجَوْدِ. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: "اللهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا،
ــ
أي: حتى صار السحاب محيطًا بآفاق المدينة دونها، وفي (القاموس) (١): الجوب: الترس، والجوبة: الحفرة، والمكان الوطيء، وجاء في رواية: وصارت المدينة كالإكليل.
وقوله: (وسال الوادي قناة) بفتح القاف وتخفيف النون، والمشهور في الرواية بالنصب على الحال، أي: مثل قناة، أو على المصدر، أي: سيلان قناة، والشبه في الدوام والاستمرار والقوة، وعلى هذا لا يتم ما قيل: إن تفسير قناة بالرمح أولى منه بما حفر في الأرض واستنبط منه الماء، ويقال بالفارسية: كاريز، لأنه قلما تبلغ القُنِيُّ في كثرة مائها مبلغ السيول، وظهر أن جعلها تمييزًا على المعنى الأول بمعنى قدر قناة ضعيف لما ذكر، ولأن القُنِيُّ يختلف مقاديرها بحسب اختلاف متابعها وموادها، فيتفاوت تفاوتًا، ويصح على تقدير إرادة الرمح مبالغة، فافهم.
وفي بعض الحواشي: أن قناة علم أرض ذات مزارع بناحية أحد، وأوديتها أحد أودية المدينة المشهورة، وذكروا أن أول من سماه وادي قناة تبع اليماني لما قدم يثرب قبل الإسلام، ولعله من تسمية الشيء باسم ما حاذاه، وقناة في هذه الرواية بالضم على البدل أو البيان. وفي رواية البخاري: حتى سال الوادي وادي قناة (٢)، وعلى هذه الرواية قناة مفتوح بغير تنوين.
وقوله: (إلا حدث بالجود) أي: أخبر به، والجود بفتح الجيم وسكون الواو:
_________________
(١) "القاموس المحيط" (ص: ٧٨).
(٢) أخرجه البخاري في "صحيحه" (١٠٣٣).
[ ٩ / ٤٦١ ]
اللهُمَّ عَلَى الآكَامِ وَالظِّرَابِ وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ". قَالَ: فَأُقْلِعَتْ، وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٠٣٣، م: ٨٩٧].
٥٩٠٣ - [٣٦] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إذَا خَطَبَ اسْتَنَدَ إِلَى جِذْعِ نَخْلَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا صُنِعَ لَهُ الْمِنْبَرُ فَاسْتَوَى عَلَيْهِ، صَاحَتِ النَّخْلَةُ الَّتِي كَانَ يَخْطُبُ عِنْدَهَا حَتَّى كادَتْ أَنْ تَنْشَقَّ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ -ﷺ- حَتَّى أَخَذَهَا فَضَمَّهَا إِلَيْهِ،
ــ
المطر الغزير، أو ما لا مطر فوقه، جمع جائد، كذا في (القاموس) (١).
وقوله: (والآكام) بفتح الهمزة ممدودة وكسرها مقصورة جمع أكمة محركة، وهو ما ارتفع من الأرض، وفي (القاموس) (٢): الأكمة محركة: الموضع الذي أشد ارتفاعًا مما حوله، وهو غليظ لا يبلغ أن يكون حجرًا، والجمع أكُمٌ، محركةٍ، وبضمتين، وكأَجْبُل وجبال وأَجْبَال، و(الظراب) بالظاء المعجمة جمع ظرب ككتف: ما نَتَأ من الحجارة وحُدّ طرفه، أو الجبل المنبسط، أو الصغير.
وقوله: (فأقلعت) بلفظ المجهول من الأقلاع، يقال: أقلع المطر: انقطع، وأقلعت عنه الحمى: فارقته، كذا في (النهاية) (٣)، والضمير في (أقلعت) للسحاب، فإنه اسم جنس أو جمع سحابة.
٥٩٠٣ - [٣٦] (جابر) قوله: (إلى جذع نخلة) بكسر الجيم وسكون الذال أي: ساقها، و(سواري المسجد) أسطواناته جمع سارية.
_________________
(١) "القاموس المحيط" (ص: ٢٦٣).
(٢) "القاموس المحيط" (ص: ٩٩٤).
(٣) "النهاية" (٤/ ١٠٢).
[ ٩ / ٤٦٢ ]
فَجَعَلَتْ تَئِنُّ أَنِينَ الصَّبِيِّ الَّذِي يُسَكَّتُ حَتَّى اسْتَقَرَّتْ، قَالَ: "بَكَتْ عَلَى مَا كَانَتْ تَسْمَعُ مِنَ الذِّكْرِ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٥٨٤].
ــ
وقوله: (فجعلت تئن أنين الصبي) في (القاموس) (١): أنّ يئن أنًّا وأنينًا وأنانًا: تأوّه، وفي (الصراح) (٢): أنين: ناله وناليدن من ضرب يضرب، وجاء في بعض الروايات: حنّ حنين الناقة، والحنين: الشوق والانعطاف، والمراد هنا الصوت الدال على شوقه إلى رسول اللَّه -ﷺ-.
وقوله: (يسكت) بلفظ المجهول من التسكيت.
اعلم أن حديث حنين الجذع روي عن: ضاعة من الصحابة من طرق كثيرة يفيد القطع بوقوع ذلك، ونقل في (المواهب اللدنية) (٣) عن العلامة تاج الدين السبكي من أكابر مشاهير علماء الشافعية أنه قال: والصحيح عندي أن حديث حنين الجذع متواتر، وقال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) (٤): حنين الجذع وانشقاق القمر نقل كل منهما نقلًا مستفيضًا يفيد القطع عند من يطلع على طرق الحديث دون غيرهم مما لا ممارسة له في ذلك، وقال البيهقي: قصة حنين الجذع من الأمور الظاهرة التي حملها الخلف عن السلف، انتهى.
وقال القاضي عياض في (الشفا) (٥): حديث حنين الجذع مشهور منتشر، والخبر
_________________
(١) "القاموس المحيط" (ص: ١٠٨٤).
(٢) "الصراح" (ص: ٥٠٠).
(٣) "المواهب اللدنية" (٢/ ٥٤٢).
(٤) "فتح الباري" (٦/ ٥٩٢).
(٥) "الشفا بتعريف حقوق المصطفى" (١/ ٣٠٣).
[ ٩ / ٤٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
به متواتر أخرجه أهل الصحيح، ورواه من الصحابة بضعة عشر نفسًا، فمنه حديث جابر بن عبد اللَّه قال: (كان المسجد مسقوفًا على جذوع نخل، فكان النبي -ﷺ- إذا خطب يقوم إلى جذع، فلما صنع له المنبر سمعنا لذلك الجذع صوتًا كصوت العِشَار) (١)، وفي رواية: حتى ارتج المسجد بخواره (٢)، وفي رواية سهل: وكثر بكاء الناس لما رأوا ما به. وفي رواية أبي: حتى تصدّع وانشق حتى جاء النبي -ﷺ- فوضع يده عليه فسكنت (٣)، وزاد غيره فقال النبي -ﷺ-: (إن هذا بكى لما فقد من الذكر) (٤)، وزاد غيره: (والذي نفسي بيده لو لم نلتزمه لم يزل هكذا إلى يوم القيامة تحزنًا على رسول اللَّه -ﷺ-)، فأمر به رسول اللَّه فدفن تحت المنبر (٥)، وفي حديث أبي: فكان إذا صلى النبي -ﷺ- صلى إليه، فلما هدم المسجد أخذه أبي فكان عنده إلى أن أكلته الأرضة وعاد رُفاتًا (٦)، وذكر الإسفرائني أن النبي -ﷺ- دعاه إلى نفسه، فجاء يخرق الأرض فالتزمه، ثم أمره فعاد إلى مكانه.
وفي حديث بريدة: فقال -يعني النبي -ﷺ-: إن شئت أردك إلى الحائط، أي: البستان الذي كنت فيه تنبت لك عروقك، ويكمل خلقك، ويجدد لك خوص وتمرة، وإن شئت أغرسك في الجنة فيأكل أولياء اللَّه من ثمرك، ثم أصغى له النبي -ﷺ- يستمع
_________________
(١) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٣٥٨٥).
(٢) أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" (٣/ ١٤٠).
(٣) أخرجه ابن ماجه في "سننه" (١٤١٤).
(٤) أخرجه أحمد في "مسنده" (٣/ ٣٠٠).
(٥) أخرجه ابن حبان في "صحيحه" (٣/ ١٤٠).
(٦) أخرجه ابن ماجه في "سننه" (١٤١٤).
[ ٩ / ٤٦٤ ]
٥٩٠٤ - [٣٧] وَعَنْ سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعَ: أَنَّ رَجُلًا أَكَلَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِشِمَالِهِ، فَقَالَ: "كُلْ بِيَمِيِنكَ" قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ. قَالَ: "لَا اسْتَطَعْتَ"، مَا مَنَعَهُ إِلَّا الْكِبْرُ، قَالَ: فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٢١].
٥٩٠٥ - [٣٨] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَزِعُوا مَرَّةً، فَرَكِبَ النَّبِيُّ -ﷺ- فَرَسًا لِأَبِي طَلْحَةَ بَطِيئًا وَكَانَ يقْطِفُ، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: "وَجَدْنَا فَرَسَكُمْ هَذَا بَحْرًا". فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُجَارَى. . . . .
ــ
القول، فقال: بل تغرسني في الجنة فيأكل مني أولياء اللَّه وأكون في مكان لا أبلى فيه، فسمعه من يليه، فقال النبي -ﷺ-: (قد فعلت ذلك)، ثم قال: (اختار دار البقاء على دار الفناء)، فكان الحسن إذا حدث بهذا بكى وقال: يا عباد اللَّه! الخشبة تحن إلى رسول اللَّه -ﷺ- شوقًا إليه لمكانه، فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه -ﷺ-.
٥٩٠٤ - [٣٧] (سلمة بن الأكوع) قوله: (ما منعه إلا الكبر) يعني: لا العجز، وهذا قول الراوي ذكره بيانًا لموجب دعائه -ﷺ-.
وقوله: (ما رفعها إلى فيه) أي: ما رفع الرجل يمينه إلى فيه بعد ذلك.
٥٩٠٥ - [٣٨] (أنس) قوله: (يقطف) أي: يتقارب خطاه، من قطف الدابة: ضاق مشيها، من ضرب ونصر، والقطاف بالكسر: مقاربة الخطو.
وقوله: (وجدنا فرسكم هذا بحرا) قال الطيبي (١): شبه الفرس بالبحر في سعة خطوه وسرعة جريه، وقيل: سماه بحرًا باعتبار أن جريه لا ينفذ كما لا ينفذ البحر.
وقوله: (لا يجارى) بلفظ المجهول، من جاراه مجاراة: إذا جرى معه، والمراد
_________________
(١) "شرح الطيبي" (١١/ ١٣٥).
[ ٩ / ٤٦٥ ]
وَفِي رِوَايَةٍ: فَمَا سُبِقَ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْم. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٨٦٧].
٥٩٠٦ - [٣٩] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: تُوُفِّيَ أَبِي وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَعَرَضْتُ عَلَى غُرَمَائِهِ أَنْ يَأْخُذُوا التَّمَرَ بِمَا عَلَيْهِ، فَأَبَوْا فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- فَقُلْتُ: قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ وَالِدِي اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَتَرَكَ دَينًا كثِيرًا، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَرَاكَ الْغُرَمَاءُ، فَقَالَ لِيَ: "اذْهَبْ فَبَيْدِرْ كُلَّ تَمْرٍ عَلَى نَاحِيةٍ" فَفَعَلْتُ، ثُمَّ دَعَوْتُهُ، فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَيْهِ كَأَنَّهُمْ أغرُوا بِي تِلْكَ السَّاعَةَ، فَلَمَّا رَأَى مَا يَصْنَعُونَ طَافَ حَوْلَ أَعْظَمِهَا بَيْدَرًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ جَلَسَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "ادْعُ لِي أَصْحَابَكَ". فَمَا زَالَ يَكِيلُ لَهُمْ حَتَّى أَدَّى اللَّهُ عَنْ وَالِدِي أَمَانَتَهُ، وَأَنَا أَرْضَى أَنْ يُؤدِّيَ اللَّهُ أَمَانَةَ وَالِدِي، وَلَا أَرْجِعُ إِلَى أَخَوَاتِي بِتَمْرَةٍ،
_________________
(١) المعارضة، وفي رواية: لا يحاذى بالحاء المهملة والذال المعجمة.
(٢) [٣٩] (جابر) قوله: (فبيدر) بكسر الدال: أمر بجمع كل قسم من التمر في بيدرة، وهو الكدس. وقوله: (أغروا بي) بلفظ الماضي المجهول من الإغراء، أي: أغراهم الناس على المطالبة بطريق اللجاج والإلحاح، وأصله كقوله تعالى: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة: ١٤] بمعنى ألقيناهما، وأصله من الغراء بالكسر والمد، وإذا فتحت الغين قصرته: شيء يلزق به، يقال له بالفارسية: سريشم، وغروت الجلد: ألصقته بالغراء، وقوس مغروة ومغرية، والضمير في (أعظمها) للبيادر أو الصُّبَر المفهومة من السياق، والمراد بـ (الإمانة) هنا الدين. وقوله: (ولا أرجع) بالنصب عطف على (يؤدي)، وفي بعض النسخ بالرفع فيكون حالًا بتقدير: وأنا لا أرجع، وكان لجابر أخوات تركهن أبوه، وجاء في حديث
[ ٩ / ٤٦٦ ]
فَسَلَّمَ اللَّهُ الْبَيَادِرَ كُلَّهَا، وَحَتَّى إِنِّي أَنْظُرُ إِلَى الْبَيْدَرِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ -ﷺ- كَأَنَّهَا لَمْ تَنْقُصْ تَمْرَةٌ وَاحِدَةٌ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٠٥٣].
٥٩٠٧ - [٤٠] وَعَنْهُ قَالَ: إِنَّ أُمَّ مَالِكٍ كَانَتْ تُهْدِي لِلنَّبِيِّ -ﷺ- فِي عُكَّةٍ لَهَا سَمْنًا، فَيَأْتِيهَا بَنُوهَا فَيَسْأَلُونَ الأُدُمَ، وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ شَيْءٌ فَتَعْمِدُ إِلَى الَّذِي كَانَتْ تُهْدِي فِيهِ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- فَتَجِدُ فِيهِ سَمْنًا، فَمَا زَالَ يُقِيمُ لَهَا أُدُمَ بَيْتِهَا، حَتَّى عَصَرَتْهُ، فَأَتَتِ النَّبِيَّ -ﷺ-. . . . .
ــ
آخر حين قال له رسول اللَّه -ﷺ-: (هلا تزوجت بكرًا)، أنه قال: إنما تزوجت ثيبًا لتخدم أخواتي وهن صغائر (١)، أو كما قال.
وقوله: (البيدر الذي كان عليه النبي -ﷺ-) مع أنه قد أدى الدين من ذلك البيدر، فالبيادر التي غيره سلمت بطريق الأولى، و(تمرة واحدة) بالرفع والنصب، ونقص لازم ومتعد، والضمير في (كأنها) للقصة.
٥٩٠٧ - [٤٠] (وعنه) قوله: (في عكة) بضم المهملة وتشديد الكاف: آنية السمن أصغر من القربة.
وقوله: (فيأتيها) أي: أم مالك (بنوها).
وقوله: (وليس عندهم شيء) أي: من الأدم لإهدائها السمن إليه -ﷺ-، ويظهر من هذا أن السمن أدم.
وقوله: (فتعمد) أي: أم مالك (إلى الذي) أي: الظرف الذي، والضمير في (يقيم) لهذا الظرف أو للسمن الذي فيه، و(أدم بيتها) مفعوله، وكذا في (حتى عصرته)،
_________________
(١) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٢٩٦٧).
[ ٩ / ٤٦٧ ]
فَقَالَ: "عَصَرْتِيهَا؟ " قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: "لَوْ تَرَكْتِيهَا مَا زَالَ قَائِمًا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٨٠].
٥٩٠٨ - [٤١] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ أَبُو طَلْحَةَ لأُمِّ سُلَيْمٍ: لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- ضَعِيفًا أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ، فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصًا مِنْ شَعِيرٍ، ثُمَّ أَخْرَجَتْ خِمَارًا لَهَا، فَلَفَّتِ الْخُبْزَ بِبَعْضِهِ، ثُمَّ دَسَّتْهُ تَحْتَ يَدِي وَلَاثَتْنِي بِبَعْضِهِ، ثُمَّ أَرْسَلَتْنِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَذَهَبْتُ بِهِ، فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- في الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ النَّاسُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: . . . . .
ــ
والياء في (عصرتيها) و(تركتيها) أي: العكة لإشباع الكسرة، وهذا في الأحاديث كثير.
٥٩٠٨ - [٤١] (أنس) قوله: (فأخرجت خمارًا) بالكسر: ما سترت المرأة به رأسها، وفي (القاموس) (١): كل ما ستر شيئًا فهو خماره.
وقوله: (ثم دسته) أي: أخفته وأدخلته (تحت يدي) يعني إبطي، والدس: الإخفاء ودفن الشيء.
وقوله: (ولاثتني) من اللوث وهو عصب العمامة، أي: عممتني، أي: غطت ببعض الخمار رأسي، أي: لففت بعضه على رأسي وبعضه على إبطي.
وقوله: (في المسجد) قال الشيخ (٢): المراد بالمسجد الموضع الذي أعده
_________________
(١) "القاموس المحيط" (ص: ٣٦١).
(٢) "فتح الباري" (٦/ ٥٨٨).
[ ٩ / ٤٦٨ ]
"أَرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: "بِطَعَامٍ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِمَنْ مَعَهُ: "قُومُوا"، فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ حَتَّى جِئْتُ أَبَا طَلْحَةَ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: يَا أُمَّ سُلَيْمِ! قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالنَّاسِ وَلَيْسَ عِنْدَنَا مَا نُطْعِمُهُمْ،
ــ
النبي -ﷺ- للصلاة فيه حين محاصرة الأحزاب للمدينة في غزوة الخندق.
وقوله: (أرسلك) بحذف حرف الاستفهام، أو قال: بهمزة ممدودة للاستفهام.
وقوله: (قوموا) ظاهره أنه -ﷺ- فهم أن أبا طلحة استدعاه إلى منزله وإلا فقد علم أن أبا طلحة وأم سليم أرسلا الخبز مع أنس -﵁- إليه -ﷺ- فلأي شيء قام وانطلق؟ ويمكن أن يقال: إن رسول اللَّه -ﷺ- علم بإرسال الخبز ولكنه قام وانطلق إلى بيت أبي طلحة من غير أن دعاه أبو طلحة إظهارًا للمعجزة والبركة لأصحابه.
وقال الشيخ (١): يجمع بأنهما أرادا بإرسال الخبز مع أنس أن يأخذه النبي -ﷺ- فيأكله، فلما وصل أنس ورأى كثرة الناس استحيا، وظهر له أن يدعوه -ﷺ- ليقوم معه وحده إلى المنزل فيحصل مقصودهم من إطعامه، أقول: هذا لا يخلو عن بعد، لأن أنسًا -﵁- صغيرًا تابعًا لهما فيبعد أن يدعوه من غير إذن منهما، ثم قال: ويحتمل أن يكون ذلك على رأي أبي طلحة أرسله وعهد إليه إذا رأى كثرة الناس دعا النبي -ﷺ- خشية أن لا يكفيهم ذلك النبي ومن معه، وقد عرفوا إيثاره -ﷺ- وأنه لا يأكل وحده، قال: وقد وجدت أكثر الروايات تقتضي أن أبا طلحة استدعى النبي -ﷺ- في هذه الواقعة، واللَّه أعلم.
_________________
(١) "فتح الباري" (٦/ ٥٨٩).
[ ٩ / ٤٦٩ ]
فَقَالَتْ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَانْطَلَقَ أَبُو طَلْحَةَ حَتَّى لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَأَبُو طَلْحَةَ مَعَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "هَلُمِّي يَا أُمَّ سُلَيْمٍ مَا عِنْدَكِ" فَأَتَتْ بِذَلِكَ الْخُبْزِ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ففُتَّ، وَعَصَرتْ أُمُ سُلَيْمِ عُكَّةً فَأَدَمَتْهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِيهِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، ثُمَّ قَالَ: "ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ"، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: "ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ"، ثُمَّ لِعَشَرَةٍ، فَأَكَلَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا، وَالْقَوْمُ سَبْعُونَ أَوْ ثَمَانُونَ رَجُلًا. مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٥٧٨، م: ٢٠٤٠].
ــ
وقوله: (فقالت: اللَّه ورسوله أعلم) قال الشيخ (١): كأنها عرفت أنه فعل ذلك ليظهر الكرامة والبركة في تكثير ذلك الطعام، انتهى. وهذا مما يستأنس به على ما ذكرنا أنه -ﷺ- إنما قام وانطلق لقصد إظهار المعجزة، فافهم.
وقوله: (ففت) بلفظ المجهول من الفت بمعنى الكسر.
وقوله: (فأدمته) أي جعلت ما خرج من العكة من السمن إدامًا للفتيت.
وقوله: (ثم قال: ائذن لعشرة) قيل: إنما لم يأذن للكل مرة واحدة؛ لأن الجمع الكثير إذا نظروا إلى طعام قليل يزداد حرصهم إلى الأكل، ويظنون أن ذلك الطعام لا يشبعهم، والحرص عليه ممحقة للبركة، وقيل: لضيق المنزل، وقال الطيبي (٢): ليكون أرفق بهم، فإن القصعة التي فيها الطعام لا يتحلق عليها أكثر من عشرة إلا بضرر يلحقه لبعدها عنهم.
وقوله: (سبعون أو ثمانون) كذا وقع هنا بالشك، وفي غير هذا بالجزم بالثمانين،
_________________
(١) "فتح الباري" (٦/ ٥٩٠).
(٢) "شرح الطيبي" (١١/ ١٣٨).
[ ٩ / ٤٧٠ ]
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَنَّهُ قَالَ: "ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ" فَدَخَلُوا فَقَالَ: "كُلُوا وَسَمُّوا اللَّه". فَأَكَلُوا، حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ بِثَمَانِينَ رَجُلًا، ثُمَّ أَكَلَ النَّبِيُّ -ﷺ- وَأَهْلُ الْبَيْتِ وَتَرَكَ سُؤْرًا.
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ قَالَ: "أَدْخِلْ عَلَيَّ عَشَرَةً". حَتَّى عَدَّ أَرْبَعِينَ، ثُمَّ أَكَلَ النَّبِيُّ -ﷺ-، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ هَلْ نَقَصَ مِنْهَا شَيْءٌ؟
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمِ: ثُمَّ أَخَذَ مَا بَقِىَ فَجَمَعَهُ، ثُمَّ دَعَا فِيهِ بِالْبَرَكَةِ فَعَادَ كَمَا كَانَ فَقَالَ: "دُونَكُمْ هَذَا".
٥٩٠٩ - [٤٢] وَعَنْهُ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ -ﷺ- بِإِنَاءٍ وَهُوَ بِالزَّوْرَاءِ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ،
ــ
وفي رواية: بضعة وثمانين، ولا منافاة لاحتمال إبقاء الكسر، لكن في رواية عند أحمد: (حتى أكل منه أربعون وبقيت كما هي)، وهو يفيد التغاير وأن تكون القضية متعددة، كذا قال الشيخ (١)، ويمكن أن يقال: لا ينافي هذا رواية ثمانين، وغاية ما تدل عليه أنه -ﷺ- أكل بعد تمام أربعين في البين، ولعله أكل أربعون آخرون بعده -ﷺ-، واللَّه أعلم.
وقوله: (وترك سؤرا) بالهمزة، أي بقية من الطعام، وهذا بعد أن أكلوا، وبقي منه شيء قبل أن دعا فيه بالبركة.
وقوله في الرواية الثانية: (فجعلت أنظر هل نقص منها شيء) بعد أن دعا، والرواية الثالثة بيان للروايتين السابقتين فلا منافاة بين الروايات الثلاث، فافهم.
٥٩٠٩ - [٤٢] (وعنه) قوله: (وهو بالزوراء) بفتح الزاي مكان معروف بالمدينة
_________________
(١) "فتح الباري" (٦/ ٥٩١).
[ ٩ / ٤٧١ ]
فَجَعَلَ الْمَاءُ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، فَتَوَضَّأَ الْقَوْمُ، قَالَ قتادةُ: قُلْتُ لأَنَسٍ: كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالَ: ثَلَاثَ مِئَةٍ أَوْ زُهَاءُ ثَلَاثِ مِئَةٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٥٧٢، م: ٢٢٧٩].
٥٩١٠ - [٤٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا نَعُدُّ الآيَاتِ بَرَكَةً، وَأَنْتُمْ تَعُدُّونَهَا تَخْوِيفًا، كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي سَفَرٍ، فَقَلَّ الْمَاءُ فَقَالَ: "اطْلُبُوا فَضْلَةً مِنْ مَاءٍ". فَجَاؤوا بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ قَلِيلٌ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ، ثُمَّ قَالَ: "حَيَّ عَلَى الطَّهُورِ الْمُبَارَكِ،
_________________
(١) عند السوق، وقد سبق ذكره في (باب الاستسقاء)، و(ينبع) مثلثة الباء، و(زهاء) بضم الزاي ممدودًا، أي: قدر ثلاث مئة تخمينًا، زها: قدّر وحَزَرَ.
(٢) [٤٣] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (كنا) أي: أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- (نعد) أي: نحسب ونعتقد في زمنه -ﷺ- (الآيات) القرآنية التي كانت تنزل من السماء، أو المعجزات التي تظهر على يده، وهذا أوفق بسياق الحديث (بركة) ونورًا يحصل في قلوبنا من ذلك، (وأنتم) خطاب لمن بعدهم، أي: أنتم أيها الناس تحسبون أن فائدتها كانت تخويفًا وإنذارًا للكافرين والمنكرين لها، نعم أنها كانت إنذارًا لهم، ولكنها كانت مورثة للبشارة والبركة في قلوب المؤمنين المحبين المعتقدين، فافهم. ويجوز أن يكون المراد أنه ما كان الغرض من نقل المعجزات في زمن الصحابة إلا التبرك والتيمن بذكر النبي ومعجزاته -ﷺ- لعدم المخالفين الذين من شأنهم التخويف والإنذار، بخلاف هذا الزمان الذي جاء بعد فإنه قد يقع الغرض من نقلها ذلك، وهذا حكم باعتبار البعض أو مبالغة، واللَّه أعلم. وقوله: (اطلبوا فضلة) بفتح الفاء وسكون الضاد: البقية كالفضل والفضالة
[ ٩ / ٤٧٢ ]
وَالْبَرَكَةُ مِنَ اللَّهِ" وَلَقَدْ رَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَقَدْ كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وَهُوَ يُؤْكَلُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٣٥٧٩].
٥٩١١ - [٤٤] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: "إِنَّكُمْ تَسِيرُونَ عَشِيَّتَكُمْ وَلَيْلَتَكُمْ، وَتَأْتُونَ الْمَاءَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ غَدًا"، فَانْطَلَقَ النَّاسُ لَا يَلْوِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: فَبَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَسِيرُ حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ فَمَالَ عَنِ الطَّرِيقِ،
ــ
بالضم، وقد فضل كنصر وحسب، كذا في (القاموس) (١)، قالوا: إنما طلب فضلة من الماء كيلا يظن أنه -ﷺ- موجد للماء، فإن الإيجاد إلى اللَّه سبحانه، وإليه أشار بقوله: (والبركة من اللَّه)، أقول: وهكذا وقع في تكثير الماء والطعام ونحوهما من وجود بقية يكون كالمادة لها، ولا يدرى سببه في الحقيقة، وكذا أمره -ﷺ- بتغطية الظرف وعدم النظر فيه والتفحص عنه، حتى إذا كشف ونظر ارتفع أثر المعجزة، نعم يذكرون لذلك الوجوه، واللَّه أعلم بحقيقة الأمر.
وقوله: (ينبع من بين أصابعه) صريح في خروج الماء من نفس أصابعه ﵇، ونبوعه منها، ولهذا فضل ذلك على خروج الماء عن الحجر كما لموسى ﵇، فلا يلتفت بعد ذلك إلى خلاف قوم وقولهم: إن اللَّه تعالى أكثر الماء في ذاته فصار يفور من بين أصابعه، وأيّ باعث على هذا التأويل!
٥٩١١ - [٤٤] (أبو قتادة) قوله: (لا يلوي) من اللي وهو الميل والانعطاف، أي: لا يميل ولا يلتفت إليه، بل يهتم في طلب الماء ويمشي فيه من غير مراعاة صحبة، و(ابهار الليل) بتشديد الراء على وزن احمار، أي: انتصف، أو تراكبت ظلمته،
_________________
(١) "القاموس المحيط" (ص: ٩٦١).
[ ٩ / ٤٧٣ ]
فَوَضَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ قَالَ: "احْفَظُوا عَلَيْنَا صَلَاتَنَا" فَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَالشَّمْسُ فِي ظَهْرِهِ، ثُمَّ قَالَ: "ارْكبُوا"، فَرَكبْنَا، فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ نَزَلَ، ثُمَّ دَعَا بِمِيضَأَةٍ كَانَتْ مَعِي فِيهَا شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ، فَتَوَضَّأَ مِنْهَا وُضُوءًا دُونَ وُضُوءٍ، قَالَ: وَبَقِيَ فِيهَا شَيْءٌ مِن مَاءٍ،
ــ
أو ذهبت عامته، أو بقي نحو ثلثه، ويقال: أبهر السيف: انكسر نصفين، كذا في (القاموس) (١)، وفي (مجمع البحار) (٢): ابهار الليل، أي: انتصف، وبهرة كل شيء: وسطه، وقيل: ابهار: إذا طلعت نجومه واستنارت، والأول أكثر.
وقوله: (فوضع رأسه) أي للنوم.
وقوله: (ثم نزل) أي: في مكان آخر قريب منه لقضاء الصلاة، و(ميضأة) بكسر الميم: مطهرة كبيرة يتوضأ منها، وفي (مجمع البحار) (٣): هي بكسر ميم وبهمزة بعد ضاد: إناء التوضئ شبه المطهرة تسع ماء قدر ما يتوضأ منه، وهي بالقصر مفعلة وبالمد مفعالة، واستدل به بعضهم على استحباب التوضع من الأواني دون البرك والمشارع لأنه لم ينقل منه -ﷺ-، ولا دليل إذ لم يكن بحضرته -ﷺ- المياه الجارية والأنهار، ولم ينقل أنه وجدها فعدل عنها.
وقوله: (وضوءًا دون وضوء) أي: دون وضوء يتوضأ في سائر الأوقات، أي: توضأ وضوء وسطًا لقلة الماء، أي: لم يصل إلى ثلاث مرات، وقيل: أراد أنه استنجى في هذا الوضوء بالحجر لا بالماء، والأول أظهر بل هو الصواب.
_________________
(١) "القاموس المحيط" (ص: ٣٣٣، ٣٣٤).
(٢) "مجمع بحار الأنوار" (١/ ٢٣٥).
(٣) "مجمع بحار الأنوار" (٥/ ٧٥).
[ ٩ / ٤٧٤ ]
ثُمَّ قَالَ: "احْفَظْ عَلَيْنَا مِيضَأَتَكَ فَسَيَكُون لَهَا نَبَأٌ"، ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى الْغَدَاةَ، وَرَكِبَ وَرَكِبْنَا مَعَهُ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى النَّاسِ حِينَ امْتَدَّ النَّهَارُ وَحَمِيَ كُلُّ شَيْءٍ، وَهُمْ يَقُولُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلَكْنَا وَعَطِشْنَا، فَقَالَ: "لَا هُلْكَ عَلَيْكُمْ" وَدَعَا بِالْمِيضَأَةِ فَجَعَلَ يَصُبُّ، وَأَبُو قَتَادَةَ يَسْقِيهِمْ، فَلَمْ يَعْدُ أَنْ رَأَى النَّاسُ مَاءً فِي الْمِيضَأَةِ تَكَابُّوا عَلَيْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: . . . . . .
ــ
وقوله: (فسيكون لها نبأ) أي: خبر، والمراد أنه سيكون لها شأن يتحدث به الناس وهو ظهور المعجزة.
وقوله: (ثم صلى الغداة) قيل: في تأخيره -ﷺ- قضاء الصلاة دليل على أن من نام عن صلاة أو نسيها لا يجب عليه الصلاة بالفور، وعلى ندب مفارقة الموضع الذي فات فيه المأمور إذ ارتكب فيه النهي، (وعطشنا) بكسر الطاء من باب سمع.
وقوله: (لا هُلك) بضم الهاء بمعنى الهلاك.
وقوله: (فلم يعد أن رأى الناس ماء في الميضأة تكابوا عليها) هكذا لفظ الحديث في نسخ (المشكاة) و(المصابيح): (فلم يعد) بفتح الياء وسكون العين وضم الدال، وفسره عياض في (المشارق) (١) بقوله: أي فلم يتجاوز.
وقوله: (أن رأى) بفتح الهمزة، و(تكابوا) بدون الفاء، وفي بعض النسخ: (فتكابوا) بالفاء، وقال الطيبي (٢): وليس في (صحيح مسلم) ولا في شرحه، ونقله في
_________________
(١) "مشارق الأنوار" (٢/ ١٢٣).
(٢) "شرح الطيبي" (١١/ ١٤٢).
[ ٩ / ٤٧٥ ]
"أَحْسِنُوا الْمَلأَ، كُلُّكُمْ سَيُرْوَى"، قَالَ: فَفَعَلُوا، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَصُبُّ وَأَسْقِيهِمْ، حَتَّى مَا بَقِيَ غَيْرِي وَغَيْرُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ صَبَّ فَقَالَ لِيَ: "اشْرَبْ: فَقُلْتُ" لَا أَشْرَبُ حَتَّى تَشْرَبَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ: "إِنَّ سَاقِيَ الْقَوْمِ آخِرُهُمْ"، قَالَ: فَشَرِبْتُ وَشَرِبَ،
ــ
(المشارق) بالفاء، وأعربه الطيبي بأن قوله: (أن رأى الناس) يحتمل أن يكون فاعلًا، أي: لم يتجاوز رؤية الناس الماء إكبابهم فتكابوا، وأن يكون مفعولًا، أي: لم يتجاوز السقي رؤية الناس في تلك الحالة، وهي كبهم عليه فتكابوا، أي: ازدحموا على الميضأة مكبًّا بعضهم على بعض، انتهى.
والكبة بالفتح ويضم: الزحام، وقال في (مجمع البحار) (١): وهي تفاعلوا من الكبة بالضم، وهي الجماعة من الناس وغيرهم، وفي (الصحاح) (٢): الكبة بالضم: جماعة الخيل كالكبكبة، ويعلم من (المجمع) أن لفظ الحديث في بعض الروايات: فلما رأى الناس الميضأة تكابوا عليها، وهذا أظهر.
وقوله: (أحسنوا الملأ) أي: الخلق، قال في (القاموس) (٣): الملأ، كجبل: الأشراف والجماعة والخلق، ومنه: (أحسنوا أملاءكم) أي: أخلاقكم.
وقوله: (يروى) هو بفتح الواو، روي من الماء واللبن كرضي ريًّا كروي وارتوى، والاسم الري بالكسر.
وقوله: (إن ساقي القوم) يريد نفسه الكريمة لأنه الساقي في الحقيقة وإن توسط
_________________
(١) "مجمع بحار الأنوار" (٤/ ٣٦٢).
(٢) "الصحاح" (١/ ٢٠٨).
(٣) "القاموس المحيط" (ص: ٦٢).
[ ٩ / ٤٧٦ ]
قَالَ: فَأَتَى النَّاسُ الْمَاءَ جَامِّينَ رِوَاءً. رَوَاهُ مُسْلِمٌ، هَكَذَا فِي "صَحِيحِهِ" وَكَذَا فِي "كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ" وَ"جَامعِ الأُصُولِ"، وَزَادَ فِي "الْمَصَابِيحِ" بَعْدَ قَوْلِهِ: "آخِرُهُمْ" لَفْظَةَ: "شُرْبًا" [م: ٦٨١].
٥٩١٢ - [٤٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ غزوةِ تَبُوكَ، أَصَابَ النَّاسُ مَجَاعَةٌ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ادْعُهُمْ بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ، ثُمَّ ادْعُ اللَّهَ لَهُمْ عَلَيْهَا بِالْبَرَكَةِ،
ــ
أبو قتادة -﵁- حيث قال: (يصب وأسقيهم).
وقوله: (جامين) بتشديد الميم، أي: مسترحين من الجمام بمعنى الراحة وذهاب الأعياء، ومنه مجمة للفؤاد بفتح جيم وميم، ويقال: بضم جيم وكسر ميم، و(رواء) بكسر الراء جاء جمع راو بمعنى ريان، حال.
٥٩١٢ - [٤٥] (أبو هريرة) قوله: (غزوة تبوك) اسم أرض بين الشام والمدينة، وغزوة تبوك كانت سنة تسع في رجب وهي آخر غزواته -ﷺ-، والمشهور في تبوك عدم الصرف للتأنيث والعلمية، ومن صرفها أراد الموضع، وكلا الاعتبارين جائز في أسماء المواضع والأماكن للتأويل بالبقعة والناحية أو الموضع والمكان، وقيل: وسميت تبوك لأنه -ﷺ- رأى قومًا من أصحابه تبوكون عنه، أي: يدخلون فيها القدح، أي: السهم ويحركون ليخرج الماء، فقال: (ما زلتم تبوكونها بوكًا)، كذا قال السيوطي، وفي (النهاية) (١): البوك: تثوير الماء بنحو عود ليخرج من الأرض، وبه سميت غزوة تبوك، وفي الحديث: أنهم باتوا يبوكون حسي تبوك، والحسي: العين، و(المجاعة)
_________________
(١) "النهاية" (١/ ١٦٢).
[ ٩ / ٤٧٧ ]
فَقَالَ: "نَعَمْ"، فَدَعَا بِنِطَعٍ فَبُسِطَ، ثُمَّ دَعَا بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِكَفِّ ذُرَةٍ، وَيَجِيءُ الآخَرُ بِكَفِّ تَمْرٍ، وَيَجِيءُ الآخَرُ بِكِسْرَةٍ، حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَى النِّطَعِ شَيْءٌ يَسِيرٌ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالْبَرَكَةِ ثُمَّ قَالَ: "خُذُوا فِي أَوْعِيَتِكُمْ"، فَأَخَذُوا فِي أَوْعِيتِهِمْ حَتَّى مَا تَرَكُوا فِي الْعَسْكَر وعَاءً إِلَّا مَلَؤُوهُ قَالَ: فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، وَفَضَلَتْ فَضْلَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ لَا يَلْقَى اللَّهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرُ شاكٍّ فَيُحْجَبُ عَنِ الْجنَّةِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧].
ــ
بفتح الميم مصدر جاع يجوع جوعًا ومجاعة، والجوع بالضم: ضد الشبع، و(النطع) فيه لغات فتح النون وكسرها مع فتح الطاء وإسكانها، أفصحهن كسر النون وفتح الطاء، وهو بساط من الأديم، و(الذرة) بضم الذال وفتح الراء مخففة آخره هاء: حب معروف، وهاء عوض عن واو في آخره أصله ذرو هكذا قالوا، وفي (الصراح) (١): ذرة بالضم والتخفيف: أرزن، و(الكسرة) بالكسر، أي: قطعة من الخبز.
وقوله: (وفضلت) بفتح الضاد بلفظ الماضي (فضلة) بفتح الفاء بلفظ المرة فعلة.
وقوله: (لا يلقى اللَّه بهما) أي: بهاتين الشهادتين، و(غير) بالرفع صفة عبد.
وقوله: (فيحجب) بالرفع عطف على (يلقى)، والنفي منصب عليهما معًا، كذا قال الطيبي (٢)، وقيل: منصوب جواب النفي، والأول أظهر، فافهم.
_________________
(١) "الصراح" (ص: ٥٥٩).
(٢) "شرح الطيبي" (١١/ ١٤٣).
[ ٩ / ٤٧٨ ]
٥٩١٣ - [٤٦] وَعَنْ أَنَسٍ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- عَرُوسًا بِزَيْنَبَ، فَعَمَدَتْ أُمِّي أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى تَمْرٍ وَسَمْنٍ وَأَقِطٍ، فَصَنَعَتْ حَيْسًا فَجَعَلَتْهُ فِي تَوْرٍ فَقَالَتْ: يَا أَنَسُ اذْهَبْ بِهَذَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقُلْ: بَعَثَتْ بِهَذَا إِلَيْكَ أُمِّي، وَهِيَ تُقْرِئُكَ السَّلَامَ، وَتَقُولُ: إِنَّ هَذَا لَكَ مِنَّا قَلِيلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَذَهَبْتُ فَقُلْتُ، فَقَالَ: "ضَعْهُ"، ثُمَّ قَالَ: "اذْهَبْ فَادْعُ لِي فلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا" رِجَالًا سَمَّاهُمْ، "وَادْعُ لِي مَنْ لَقِيتَ"، فَدَعَوْتُ مَنْ سَمَّى وَمَنْ لَقِيتُ، فَرَجَعْتُ فَإِذَا الْبَيْتُ غَاصٌّ بِأَهْلِهِ،
ــ
٥٩١٣ - [٤٦] (أنس) قوله: (عروسًا) بالفتح يطلق على الرجل والمرأة ما داما في أعراسهما، و(الحيس) بفتح الحاء المهملة: الخلط، ويطلق على تمر يخلط بسمن وأقط فيعجن شديدًا، ثم يندر [منه] نواه، وربما يجعل فيه سويق، و(التور) بمثناة فوقية مفتوحة فواو ساكنة فراء: إناء كالقدح، وفي (القاموس) (١): يشرب فيه.
وقوله: (وهي تقرئك السلام) بضم التاء.
وقوله: (غاص) بالغين المعجمة والصاد المهملة المشددة، منزل غاص بالقوم: ممتلئ. وأغصّ علينا الأرض: ضيقها، كذا في (القاموس) (٢)، وقال في (المشارق) (٣): ومنه: الغصة، وهي شيء يملأ مجرى النفس ويضيقه.
ثم قيل: ظاهر الحديث أن وليمة زينب -ﷺ- كانت من الحيس الذي أهدته أم سليم. والمشهور من الروايات أنه أولم عليها بخبز ولحم، ولم يقع في القصة تكثير
_________________
(١) "القاموس المحيط" (ص: ٣٣٥).
(٢) "القاموس المحيط" (ص: ٥٧٦).
(٣) "مشارق الأنوار" (٢/ ٢٢٩).
[ ٩ / ٤٧٩ ]
قِيلَ: لِأَنَسِ: عَدَدُكُمْ كَمْ كَانُوا؟ قَالَ: زُهَاءُ ثَلَاثُ مِئَةٍ. فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- وَضَعَ يَدَهُ عَلَى تِلْكَ الْحَيْسَةِ، وَتَكَلَّمَ بِمَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ جَعَلَ يَدْعُو عَشَرَةً عَشَرَةً يَأْكُلُونَ مِنْهُ، وَيَقُولُ لَهُم: "اذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ وَلْيَأْكُلْ كُلُّ رَجُلٍ مِمَّا يَلِيهِ"، قَالَ: فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، فَخَرَجَتْ طَائِفَةٌ وَدَخَلَتْ طَائِفَة حَتَّى أَكَلُوا كُلُّهُمْ، قَالَ لِي: "يَا أَنَسُ! ارْفَعْ". فَرَفَعْتُ، فَمَا أَدْرِي حِينَ وَضَعْتُ كَانَ أَكْثَرَ أَمْ حِينَ رَفَعْتُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥١٦٣، م: ١٤٢٨].
٥٩١٤ - [٤٧] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: "غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَأَنَا عَلَى نَاضِحٍ قَدْ أَعْيَا، فَلَا يَكَادُ يَسِيرُ، فَتَلَاحَقَ بِيَ النَّبِيُّ -ﷺ- فَقَالَ: "مَا لِبَعِيرِكَ؟ " قُلْتُ: قَدْ عَيِيَ، فَتَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَزَجَرَهُ فَدَعَا لَهُ،
_________________
(١) ذلك الطعام؟ وأجيب بأنه يجوز أن يكون حضور الحيس صادف حضور الخبز واللحم، وإنكار وقوع تكثير الطعام في قصة الخبز واللحم عجيب، فإن أنسًا روى أنه أولم عليها بشاة وأنه أشبع المسلمين خبزًا ولحمًا، وهم يومئذٍ نحو الألف، كذا قيل، وأقول: لا منافاة فإن أنسًا لم يقل في هذا الحديث: إن الحيس كان وليمة زينب، بل إنما ذكر إرسال أمه الحيس ووجود البركة فيه، وحديث وليمة زينب بالخبز واللحم، والبركة فيها حديث آخر ومعجزة أخرى، واللَّه أعلم. وقوله: (عددكم كم كانوا؟) جمع نظرًا إلى ما في العدد من معنى التعدد أو لزيادته على الواحد على قول أهل الحساب.
(٢) [٤٧] (جابر) قوله: (وأنا على ناضح) الناضح جمل يستقى عليه، و(عيي) على وزن رضي، و(أعيا) لازم ومتعدد.
[ ٩ / ٤٨٠ ]
فَمَا زَالَ بَيْنَ يَدَي الإِبِلِ قُدَّامَهَا يَسِيرُ، فَقَالَ لِي: "كَيْفَ تَرَى بِعِيرَكَ؟ " قُلْتُ: بِخَيْرٍ، قَدْ أَصَابَتْهُ بَرَكَتُكَ، قَالَ: "أَفَتَبِيعُنِيهِ بِوُقِيَّةٍ؟ ". فَبِعْتُهُ عَلَى أَنَّ لِي فَقَارَ ظَهْرِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْمَدِينَةَ غَدَوْتُ عَلَيْهِ بِالْبَعِيرِ، فَأَعْطَانِي ثَمَنَهُ وَرَدَّهُ عَلَيَّ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٠٩٧، م: ٧١٥].
٥٩١٥ - [٤٨] وَعَنْ أَبِي حُمَيدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- غَزْوَةَ تَبُوكَ،
ــ
وقوله: (فما زال بين يدي الإبل قدامها) اسم (ما زال) ضمير فيها للناضح، فيحتمل أن يكون (بين يدي الإبل) خبره و(قدامها) خبرًا بعد خبر يفيد تأكيدًا وبيانًا، و(يسير) حالًا، وأن يكون خبره (يسير)، و(بين يدي الإبل) و(قدامها) ظرفين لـ (يسير) أحدهما تأكيد للآخر، و(الوقية) بفتح الواو وكسر القاف وتشديد الياء، ويقال: الأوقية بضم الهمزة أيضًا: أربعون درهمًا.
وقوله: (على أن لي فقار ظهره) أي: ركوبه، والفقار بفتح الفاء: عظم الظهر، وفي (القاموس) (١): الفقرة بالكسر، والفقرة والفقارة بفتحهما: ما انتضد من عظام الصلب من لدن الكاهل إلى العَجْب، والجمع: كعنب وسحاب، والحديث يدل على جواز شرط فيه منفعة للبائع، والفقهاء حكموا بعدم جوازه، ولعله منسوخ، أو لم يكن في صلب العقد، بل التمسه بعد البيع وإن كان ظاهر العبارة ينافيه، واللَّه أعلم.
٥٩١٥ - [٤٨] (أبو حميد الساعدي) قوله: (وعن أبي حميد) بلفظ التصغير.
_________________
(١) "القاموس المحيط" (ص: ٤٢٦).
[ ٩ / ٤٨١ ]
فَأَتَيْنَا وَادِيَ الْقُرَى عَلَى حَدِيقَةٍ لِامْرَأَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "اخْرُصُوهَا" فَخَرَصْنَاهَا، وَخَرَصَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَشَرَةَ أَوْسُقٍ وَقَالَ: "أَحْصِيهَا حَتَّى نَرْجِعَ إِلَيْكِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ"، وَانْطَلَقْنَا حَتَّى قَدِمْنَا تَبُوكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "سَتَهُبُّ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَلَا يَقُمْ فِيهَا أَحَدٌ، فَمَنْ كَانَ لَهُ بَعِيرٌ فَلْيَشُدَّ عِقَالَهُ"، فَهَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَقَامَ رَجُل فَحَمَلَتْهُ الرِّيحُ حَتَّى أَلْقَتْهُ بِجَبَلَيْ طَيِّئٍ، ثُمَّ أَقْبَلْنَا حَتَّى قَدِمْنَا وَادِيَ الْقُرَى،
ــ
قوله: (فأتينا وادي القرى) هو موضع مشهور بينه وبين المدينة ثلاثة أيام من جهة الشام، وهو يرى في الظاهر تركيبًا إضافيًا جعل علمًا كعبد اللَّه، فينبغي أن يعرب بإعرابين وينصب الياء من وادي، لكن قال التُّوربِشْتِي (١): لا يعرب الياء من وادي، فإن الكلمتين جعلتا اسمًا واحدًا، فكأنه ثبت عندهم من حيث الرواية عدم الإعراب.
وقوله: (اخرصوها) أي: قدروها بضم الهمزة والراء من خرص يخرص من نصر، والخرص: حرز الثمر على الشجرة، والأوسق: جمع وسق بفتح الواو وسكون المهملة: ستون صاعًا أو حمل بعير، (وقال) أي: رسول اللَّه -ﷺ- خطابًا للمرأة: (أحصيها) أمر من الإحصاء، أي: احفظي قدرها وعدد أوسقها إذا وزنتها.
وقوله: (فحملته الريح) ثم أهلله بنو طيئ حين قدم رسول اللَّه -ﷺ- المدينة، كذا في (المواهب) (٢).
وقوله: (بجبلي طيئ) بإضافة الجبلين إلى طيئ أحدهما أجأ بالجيم والهمزة،
_________________
(١) "كتاب الميسر" (٤/ ١٢٩٥).
(٢) "المواهب اللدنية" (١/ ٦٣٠، ٦٣١).
[ ٩ / ٤٨٢ ]
فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْمَرْأَةَ عَنْ حَدِيقَتِهَا "كَمْ بَلَغَ ثَمَرُهَا؟ " فَقَالَتْ: عَشْرَةُ أَوْسُقٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٤٨١، م: ١٣٩٢].
٥٩١٦ - [٤٩] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ مِصْرَ، وَهِيَ أَرْضٌ يُسَمَّى فِيهَا الْقِيرَاطُ، فَإِذَا فَتَحْتُمُوهَا فَأَحْسِنُوا إِلَى أَهْلِهَا فَإِنَّ لَهَا ذِمَّةً وَرَحِمًا، أَوْ قَالَ: ذِمَّةً وَصِهْرًا،
ــ
والآخر سلمى، قال الطيبي (١): هما بأرض نجد، وطيئ أبو القبيلة والنسبة طائي، والقياس طَيْئيٌّ حذفوا الياء الثانية، فبقي طَيْئيٌ فقلبوا الياء الساكنة ألفًا، انتهى. والظاهر أنه قبيلة حاتم المشهور بالجود.
٥٩١٦ - [٤٩] (أبو ذر) قوله: (يسمى فيها القيراط) القيراط والقراط بكسرهما: يختلف وزنه بحسب البلاد، فبمكة ربع سدس دينار، وبالعراق نصف عشره، كذا في (القاموس) (٢)، وأصله القراط بتشديد الراء أبدلت إحداهما ياء بدليل جمعه على قراريط، والمراد بتسميتهم القيراط إكثار أهلها، ذكره في معاملاتهم لتشددهم فيها، وقلة مروءتهم وعدم مسامحتهم، فلا ينافيه مشاركة غيرهم من أهل البدو والبلاد في ذكره، كذا ذكروا.
وقال التُّوربِشْتِي (٣): كنت أرى الحديث مشكلًا؛ لأنه يدل على أن تسمية القيراط مختصة بأهل مصر وليس كذلك، بل شاركهم فيها البدو والحضر من بلاد العرب، وقد تكلم بها النبي -ﷺ- في عدة أحاديث، منها حديث: (كنت أرعاها لأهل مكة -أي
_________________
(١) "شرح الطيبي" (١١/ ١٤٥).
(٢) "القاموس المحيط" (ص: ٦٢٨).
(٣) "كتاب الميسر" (٤/ ١٢٩٥).
[ ٩ / ٤٨٣ ]
فَإِذَا رَأَيْتُمْ رَجُلَيْنِ يَخْتَصِمَانِ فِي مَوْضِعِ لَبِنَةٍ فَاخْرُجْ مِنْهَا" قَالَ: فَرَأَيْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ شُرَحْبِيلِ بْنِ حَسَنَةَ وَأَخَاهُ رَبِيعَةَ يَخْتَصِمَانِ فِي مَوْضِعِ لَبِنَةٍ فَخَرَجْتُ مِنْهَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٤٣].
ــ
الغنم- على القراريط) (١)، وحديث: (من تبع الجنازة فله قيراط) (٢)، وحديث: (من اقتنى كلبًا نقص كل يوم قيراط من عمله) (٣) حتى وجدت أبا جعفر الطحاوي -شكر اللَّه سعيه- قد ذكر في كتابه الموسوم بـ (مشكل الآثار): أن الإشارة بذلك وقعت إلى كلمة عوراء يستعملها المصريون في المسابة وإسماع المكروه، ويقولون: أعطيت فلانًا القراريط، أي: أسمعته المكروه، ويقولون: لأعطينك قراريط أي: أسابك، والطحاوي أعلم بلهجة أهل بلدته، هذا حاصل كلام التُّوربِشْتِي، وسياق الحديث من قوله: (يختصمان في موضع لبنة) يدل على أن الغرض بيان شدتهم وعدم مسامحتهم، وبه يتأيد المعنى الأول، وأقول: ومع ذلك وصى برعاية حقوقهم التي ترجع إلى ملاحظة نسبته -ﷺ- ورعاية الإنصاف حيث قال: (فإذا فتحتموها واستوليتم على أهلها أحسنوا إليهم بالصفح والعفو عن مساويهم). (فإن لها ذمة) أي: حرمة وأمانًا من جهة إبراهيم بن رسول اللَّه فإن أمه مارية القبطية كانت منهم، و(رحمًا) أي: قرابة من قبل هاجر أم إسماعيل ﵇ فإنها أيضًا كانت منهم، وفي بعض الروايات: (قرابة وصهرًا)، ثم ذكر شيئًا من خصائصهم أنهم يختصمون على موضع لبنة من الأرض، فإذا رأيت ذلك منهم فاخرج منها خطاب لأبي ذر -﵁-، وإنما خص الخروج
_________________
(١) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٢٢٦٢).
(٢) أخرجه البخاري في "صحيحه" (١٣٢٣)، ومسلم في "صحيحه" (٩٤٥).
(٣) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٣٣٢٥)، ومسلم في "صحيحه" (١٥٧٦).
[ ٩ / ٤٨٤ ]
٥٩١٧ - [٥٠] وَعَنْ حُذَيْفَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: "فِي أَصْحَابِي -وَفِي رِوَايَة قَالَ: فِي أُمَّتِي- اثْنَا عَشَرَ مُنَافِقًا لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، وَلَا يَجِدُونَ رِيحَهَا حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ، ثَمَانِيَةٌ مِنْهُم تَكْفِيهِمُ الدُّبَيْلَةُ: سِرَاجٌ مِنْ نَارٍ يَظْهَرُ فِي أَكْتَافِهِمْ. . . . .
ــ
به لمزيد الشفقة، ويحتمل أن يكون الخطاب عامًا، وقد وقع من جهتهم فتن أخر كقتل عثمان وقتل محمد بن أبي بكر بعد ذلك في ولاية علي -﵁-.
٥٩١٧ - [٥٠] (حذيفة) قوله: (في أمتي اثنا عشر منافقًا) لا يخفى أن إطلاق الصحابة على المنافقين إنما هو لتشبههم بالصحابة وإدخال أنفسهم فيهم بالتستر بالكلمة، ولذا قال: (في أصحابي)، ولم يقل من أصحابي، قال التُّوربِشْتِي (١): وقد أسر رسول اللَّه -ﷺ- بهذا القول إلى خاصته وذوي المنزلة من أصحابه أَمْرَ هذه الفئة المشؤومة المتلبسة لئلا يقبلوا منهم الإيمان، ولا يأمنوا من قبلهم المكر والخداع، وكان أعلمهم بأسمائهم، وكان ذلك ليلة العقبة مرجعه من غزوة تبوك، وله قصة ذكرها التُّوربِشْتِي، ونقلها منه الطيبي (٢) فلينظر هناك.
وقوله: (الدبيلة) بالدال المهملة والياء الموحدة تصغير دبلة: وهي خراج ودبل تظهر في الجوف فتقتل صاحبها غالبًا، وفي (القاموس) (٣): الدبل: الطاعون، وكصبور: الداهية، فكل شيء اجتمع فقد دبل، دبله يدبُلُه: جمعه، وفسر في الحديث بـ (سراج) يحدث في أكتافهم، لعله أراد به ورمًا حارًا.
_________________
(١) "كتاب الميسر" (٤/ ١٢٩٦).
(٢) انظر: "شرح الطيبي" (١١/ ١٤٦ - ١٤٧).
(٣) "القاموس المحيط" (ص: ٩١٧).
[ ٩ / ٤٨٥ ]
حَتَّى تَنْجُمَ فِي صُدُورِهِمْ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٧٩].
وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: "لأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ غَدًا" فِي "بَابِ مَنَاقِبِ عَلِيٍّ".
وَحَدِيثَ جَابِرٍ: "مَنْ يَصْعَدُ الثَّنِيَّةَ" فِي "بَابِ جَامِعِ الْمَنَاقِبِ" إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.