٥٩٤٤ - [١] عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ وَعَبَّادَ بْنَ بِشْرٍ تَحَدَّثَا عِنْدِ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي حَاجَةٍ لَهُمَا، حَتَّى ذَهَبَ مِنَ اللَّيْلِ سَاعَةٌ فِي لَيْلَةٍ شَدِيدَةِ الظُّلْمَةِ، ثُمَّ خَرَجَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَنْقَلِبَانِ، وَبِيَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عُصَيَّةٌ، فَأَضَاءَتْ عَصَا أَحَدِهِمَا لَهُمَا حَتَّى مَشَيَا فِي ضَوْئِهَا، حَتَّى إِذَا افْتَرَقَتْ بِهِمَا الطَّرِيقُ أَضَاءَتْ لِلآخَرِ عَصَاهُ، فَمَشَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي ضَوْءِ عَصَاهُ حَتَّى بَلَغَ أَهْلَهُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٨٠٥].
ــ
وقد ذهب جماعة من المعتزلة ومن نحا نحوهم إلى إنكار الكرامة، وذهب بعضهم إلى أنه لا تصدر الكرامة من الولي قصدًا واختيارًا، وإنما تظهر من غير قصد واختيار وهذا باطل، وقيل: إن الكرامة لا تكون من جنس المعجزة كتكثير الطعام القليل، ونبع الماء من الأصابع ونحوهما، والحق جواز وقوعها قصدًا واختيارًا ومن جنس المعجزات وغيرها، وتمام الكلام في إثبات الكرامة بالدلائل، ورفع شبهة المخالفين مذكور في كتب الكلام، ولا حاجة إلى البيان بعد العيان، وباللَّه التوفيق.
الفصل الأول
٥٩٤٤ - [١] (أنس) قوله: (أن أسيد بن حضير) كلاهما بلفظ التصغير، و(عباد) بفتح العين وتشديد الباء (ابن بشر) بكسر الباء.
وقوله: (ينقلبان) أي: ينصرفان إلى بيتهما، و(عصية) تصغير عصا.
وقوله: (فأضاءت عصا أحدهما) وفي رواية للبخاري في (كتاب الصلاة) (١): خرجا من عند النبي -ﷺ- في ليلة مظلمة ومعهما مثل المصباحين يضيئان، فلما افترقا
_________________
(١) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٣٨٠٥).
[ ٩ / ٥١٤ ]
٥٩٤٥ - [٢] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَمَّا حَضَرَ أحُدٌ دَعَانِي أَبِي مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ: مَا أُرَانِي إِلَّا مَقْتُولًا فِي أَوَّلِ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَإِنِّي لَا أَتْرُكُ بَعْدِي أَعَزَّ عَلَيَّ مِنْكَ غَيْرَ نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَإِنَّ عَلَيَّ دَينًا فَاقْضِ، وَاسْتَوْصِ بِأَخَوَاتِكَ خَيْرًا، فَأَصْبَحْنَا فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ، وَدَفَنْتُهُ مَعَ آخَرَ فِي قَبْرٍ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١٣٥١].
٥٩٤٦ - [٣] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: إِنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ كَانُوا أُنَاسًا فَقُرَاءَ، وَإِنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: "مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ أَرْبَعَةٍ فَلْيَذْهَبْ بِخَامِسٍ أَوْ سَادِسٍ". . . . .
ــ
صار مع كل واحد منهما واحد حتى أتى أهله.
٥٩٤٥ - [٢] (جابر) قوله: (لما حضر أحد) بضمتين موضع غزوة مشهورة.
وقوله: (ما أراني) بضم الهمزة.
وقوله: (واستوص بأخواتك) أي: اقبل وصيتي فيهن، قيل: كان لجابر تسع أخوات.
وقوله: (مع آخر) أي: مع رجل آخر وهو عمرو بن الجموح، وكان صديق والد جابر وزوج أخته، كذا قال الشيخ (١)، وقد كان حكم رسول اللَّه -ﷺ- في قتلى أحد أن يدفن بعض مع بعض في قبر واحد ويقدم مدق كان أكثر قرآنًا.
٥٩٤٦ - [٣] (عبد الرحمن بن أبي بكر) قوله: (إن أصحاب الصفة) الصفة: موضع مظلل من المسجد، وهم يبيتون فيها، كانوا أضياف الإسلام متوكلين على اللَّه، لا مسكن لهم، ولا مال، ولا ولد، وكانوا سبعين، ويقلون حينًا ويكثرون حينًا.
_________________
(١) "فتح الباري" (٣/ ٢١٦).
[ ٩ / ٥١٥ ]
وإنَّ أَبَا بَكْرٍ جَاءَ بِثَلَاثَة، وَانْطَلَقَ النَّبِيُّ -ﷺ- بِعَشَرَةٍ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ تعَشَّى عِنْد النَّبِيِّ -ﷺ-، ثُمَّ لَبِثَ حَتَّى صُلِّيَتِ الْعِشَاءُ، ثُمَّ رَجَعَ فَلَبِثَ حَتَّى تَعَشَّى النَّبِيُّ -ﷺ-، فَجَاءَ بَعْدَ مَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ. قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: مَا حَبَسَكَ عَنْ أَضْيَافِكَ؟ قَالَ: أَوَمَا عَشَّيْتِيهِمْ؟ قَالَتْ: أَبَوْا حَتَّى تَجِيءَ، فَغَضِبَ وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَطْعَمُهُ أَبَدًا، فَحَلَفَتِ الْمَرْأَة أَنْ لَا تَطْعَمَهُ، وَحَلَفَ الأَضْيَافُ أَنْ لَا يَطْعَمُوهُ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: كَانَ هَذَا مِنَ الشَّيْطَانِ، فَدَعَا بِالطَّعَامِ، فَأَكَلَ وَأَكَلوُا،
ــ
وقوله: (وإن أبا بكر جاء بثلاثة، وانطلق النبي -ﷺ- بعشرة) قال الشيخ (١) عبر عن أبي بكر بلفظ المجيء لبعد منزله من المسجد، وعبر عن النبي -ﷺ- بالانطلاف لقربه.
وقوله: (ثم رجع) أي: إلى بيته -ﷺ-، وهذا تكرار لما تقدم من قوله: (تعشى عند النبي -ﷺ-)، وفي رواية: ثم ركع بدل (رجع)، أي: صلى النافلة، كذا في الحواشي، وقال الكرماني (٢): إن قلت: هذا يشعر بأن التعشي عند النبي -ﷺ- كان بعد الرجوع إليه، وما تقدم أشعر بأنه كان قبله؟ قلت (٣): الأول بيان حال أبي بكر في عدم احتياجه عند أهله، والثاني هو سوق القصة على الترتيب الواقع، أو الأول كان تعشِّي أبي بكر -﵁-، والثاني تعشي رسول اللَّه -ﷺ-، فافهم.
وقوله: (فدعا بالطعام فأكل) وإنما أكل -﵁- مع حلفه أن لا يأكل لحديث:
_________________
(١) "فتح الباري" (١/ ٥٩٥).
(٢) "شرح الكرماني" (٤/ ٢٣٨).
(٣) أي: الكرماني.
[ ٩ / ٥١٦ ]
فَجَعَلُوا لَا يَرْفَعُونَ لُقْمَةً إِلَّا رَبَتْ مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرَ مِنْهَا. فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ! مَا هَذَا؟ قَالَتْ: وَقُرَّةِ عَيْنِي إِنَّهَا الآنَ لأَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِثَلَاثِ مِرَارٍ، فَأَكَلُوا، وَبَعَثَ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَذُكِرَ أَنَّهُ أَكَلَ مِنْهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦١٤١، م: ٢٠٥٧].
وَذُكِرَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ فِي "الْمُعْجِزَاتِ".
_________________
(١) (من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه)، أو كان مراده لا أطعمه معكم، أو في هذه الساعة، أو عن الغضب، وكذا الكلام في حلف الأضياف أيضًا. وقوله: (إلا ربت) أي: زادت وارتفعت من أسفل. وقوله: (يا أخت بني فراس) بكسر الفاء وتخفيف الراء، وهي كانت أم عائشة وعبد الرحمن، كنيتها أم رومان، من بني فراس بن سليم بن مالك بن نضر بن كنانة. وقوله: (وقرة عيني) بالجر والواو للقسم، وبالنصب منادى حذف حرف ندائه، وقرة العين يعبر بها عن المسرة ورؤية ما يحبه الإنسان، إما من القرار؛ لأن العين تقر وتسكن برؤية المحبوب، ولا تلتفت إلى شيء آخر، وإما من القر بالضم بمعنى البرد، والعين تبرد بالنظر إلى الحبيب، ولذلك يقال للولد: قرة العين، أرادت بقرة عينها الصديقَ لمحبتها إياه ولما ظهر من الكرامة منه، وقيل: أرادت بقرة عينها النبي -ﷺ-.
[ ٩ / ٥١٧ ]