٥٨٣١ - [٣١] عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، كَانَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُهُ مُسْتَرْضَعًا فِي عَوَالِي الْمَدِينَةِ، فَكَانَ يَنْطَلِقُ وَنَحْنُ مَعَهُ، فَيَدْخُلُ الْبَيْتَ وَإِنَّهُ لَيُدَّخَنُ، وَكَانَ ظِئْرُهُ قَيْنًا، فَيَأْخُذُهُ فَيُقَبِّلُهُ ثُمَّ يَرْجِعُ. قَالَ عَمْرٌو: فَلَمَّا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّ إِبْرَاهِيمَ ابْنِي، وَإِنَّهُ مَاتَ فِي الثَّدْي،
_________________
(١) [٣٠] (عبد اللَّه بن سلام) قوله: (يرفع طرفه إلى السماء) ترقبًا لنزول جبرئيل بالوحي. الفصل الثالث
(٢) [٣١] (عمرو بن سعيد) قوله: (في عوالي المدينة) جمع عالية، والمراد القرى التي في جانب العلو من المدينة من مسجد قباء، ومنازل بني قريظة وغيرهم. وقوله: (وإنه ليدخن) بضم الياء وتشديد الدال من الدخان. وقوله: (وكان ظئره قينًا) الظئر: المرضعة ولد غيرها، من ظأر وأظأر مهموزًا: عطف على غير ولده، ويقال للذكر أيضًا، وكان زوج ظئر إبراهيم اسمها أم سيف قينًا بفتح القاف وسكون الياء بمعنى الحداد، ويقال له: أبو سيف. وقوله: (وإنه مات في الثدي) أي: في مدة الرضاع، قيل: كان ابن ستة عشر شهرًا، وقيل: سبعة عشر، وقيل غير ذلك، وقد سبق ذكره في (باب صلاة الخسوف)،
[ ٩ / ٣١٤ ]
وَإِنَّ لَهُ لَظِئْرَيْنِ تُكْمِلَانِ رَضَاعَهُ فِي الْجَنَّةِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣١٦].
ــ
و(تكملان) أي: يتمان من الإكمال.
وقوله: (في الجنة) أي: أنه يدخل الجنة عقيب موته فيتم فيها رضاعه كرامة له.
فائدة: اعلم أنه قد روي: (لو عاش إبراهيم لكان نبيًا) قال شيخ بعض شيوخنا ابن ديبع في كتاب (تمييز الطيب من الخبيث فيما يدور على الألسنة من الأحاديث) (١): وقال النووي: هذا الحديث باطل وجسارة على الكلام في المغيبات، وهجوم على أمر عظيم، وقال ابن عبد البر في (تمهيده): لا أدري ما هذا، فقد وَلَدَ نوحٌ ﵇ غَيْرَ نبي، ولو لم يلد نبي إلا نبيًا كان كل واحد نبيًّا لأنه من ولد نبي، قلت: قد أخرجه ابن ماجه وغيره من حديث ابن عباس قال: (لما مات إبراهيم ابن النبي -ﷺ-، قال: إن له مرضعًا في الجنة، ولو عاش لكان صديقًا نبيًّا، ولو عاش لأعتقت أخواله من القبط، وما استرق قبطي) (٢)، وفي سنده أبو شيبة إبراهيم بن عثمان الواسطي وهو ضعيف، واللَّه أعلم، انتهى.
وفي (شرح الشمائل) للشيخ (٣): قد ورد من طرق ثلاثة عن ثلاثة من الصحابة: (لو عاش لكان نبيًّا)، وتأويله أن القضية الشرطية لا تستلزم وقوع المقدم، ولا يظن بالصحابة الهجوم على مثل ذلك بالظن، وأما إنكار النووي كابن عبد البر لذلك فلعدم ظهور هذا التأويل، وهو ظاهر، انتهى.
أقول: هذا ظاهر غير مخفي، ولكن الكلام في بيان الملازمة، ولا بد من بيانها.
_________________
(١) "تمييز الطيب من الخبيث" (ص: ١٣٤)، و"تهذيب الأسماء واللغات" (١/ ١٠٣).
(٢) "سنن ابن ماجه" (١٥١١).
(٣) انظر: "جمع الوسائل" (٢/ ١٢٤).
[ ٩ / ٣١٥ ]
٥٨٣٢ - [٣٢] وَعَنْ عَليٍّ: أَنَّ يَهُودِيًّا كَانَ يُقَالُ لَهُ: فُلَانٌ، حَبْرٌ، كَانَ لَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- دَنَانِيرُ، فَتَقَاضَى النَّبِيَّ -ﷺ-، فَقَالَ لَهُ: "يَا يَهُودِيُّ! مَا عِنْدِي مَا أُعْطِيكَ". قَالَ: فَإِنِّي لَا أُفَارِقُكَ يَا مُحَمَّدُ حَتَّى تُعْطِيَنِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِذًا أَجْلِسُ مَعَكَ" فَجَلَسَ مَعَهُ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ الآخِرَةَ وَالْغَدَاةَ، وَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَتَهَدَّدُونَهُ وَيَتَوَعَّدُونَهُ، فَفَطِنَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَا الَّذِي يَصْنَعُونَ بِهِ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! يَهُودِيٌّ يَحْبِسُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَنَعَنِي رَبِّي أَنْ أَظْلِمَ مُعَاهِدًا وَغَيْرَهُ"، فَلَمَّا تَرَجَّلَ النَّهَارُ قَالَ الْيَهُودِيُّ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وَشَطْرُ مَالِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَمَا وَاللَّهِ مَا فَعَلْتُ بِكَ الَّذِي فَعَلْتُ بِكَ إِلَّا لأَنْظُرَ إِلَى نَعْتِكَ فِي التَّوْرَاةِ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، مَوْلدُهُ بِمَكَّةَ، وَمُهَاجَرُهُ بِطَيْبَةَ، وَمُلْكُهُ بِالشَّامِ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ، وَلَا سَخَّابٍ فِي الأَسْوَاقِ،
ــ
ولعل المقصود مدح إبراهيم وبيان رتبته واستعداده، يعني أنه كان مستعدًا للنبوة لو عاش، ولكنه لم يعش لختم النبوة عليه -ﷺ-، واللَّه أعلم.
٥٨٣٢ - [٣٢] (علي) قوله: (فلما ترجل النهار) أي: ارتفع، في (القاموس) (١): رجل النهار: ارتفع، و(المهاجر) بفتح الجيم بمعنى الهجرة، و(طيبة) بفتح الطاء وسكون المثناة التحتية من أسماء المدينة المطهرة، ولها أسماء قريبة من المئة، قد ذكرنا نبذة منها في (تاريخ المدينة).
_________________
(١) "القاموس المحيط" (ص: ٩٢٣).
[ ٩ / ٣١٦ ]
وَلَا مُتَزَيٍّ بِالْفُحْشِ، وَلَا قَوْلِ الْخَنَا، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وَهَذَا مَالِي فَاحْكُمْ فِيهِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ، وَكَانَ الْيَهُودِيُّ كَثِيرَ الْمَالِ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "دَلَائِل النُّبُوَّةِ". [دلائل النبوة: ٦/ ٢٨٠].
٥٨٣٣ - [٣٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُكْثِرُ الذِّكْرَ، وَيُقِلُّ اللَّغْوَ، وَيُطِيلُ الصَّلَاةَ، وَيُقَصِّرُ الْخُطْبَةَ، وَلَا يَأْنَفُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَ الأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ. . . . .
ــ
وقوله: (ولا متزي) من الزي بمعنى اللباس والهيئة. و(الخنا) بفتح الخاء المعجمة: الفحش في القول، ناقص لا مهموز، وفي (الصراح) (١): خنى: سخن بيهوده كَفتن.
٥٨٣٣ - [٣٣] (عبد اللَّه بن أبي أوفى) قوله: (ويقل اللغو) في (القاموس) (٢): اللغو واللغا: ما لا يعتد به من كلام وغيره، وكلمة لاغية: أي: فاحشة، وفي (الصراح) (٣): لغو: بيهوده كَفتن. ولعل المراد بالقلة العدم، أو المراد باللغو ما سوى الذكر.
وقوله: (ويقصر الخطبة) من التقصير، مرّ شرحه في (باب الخطبة).
وقوله: (ولا يأنف) من أنف منه كسمع أنفًا وأنفة محركتين: أي: استنكف.
وقوله: (مع الأرملة) بفتح الميم، الأرملة: المرأة التي مات زوجها، والأرمل: الرجل الذي ماتت زوجته، غنيين أو فقيرين، والجمع الأرامل، وهو بالنساء أخص
_________________
(١) "الصراح" (ص: ٥٥٦).
(٢) "القاموس المحيط" (ص: ١٢٢٢).
(٣) "الصراح" (ص: ٥٨٧).
[ ٩ / ٣١٧ ]
فَيَقْضِيَ لَهُ الْحَاجَةَ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [ن: ١٤١٤، دي: ١/ ٢١٣١].
٥٨٣٤ - [٣٤] وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّ أَبَا جَهْلٍ قَالَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-: إنَّا لَا نُكذِّبكَ، وَلَكِنْ نُكَذِّبُ بِمَا جِئْتَ بِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٠٦٤].
ــ
وأكثر استعمالًا، وقد يفسر الأرامل بالمساكين من رجال أو نساء، كذا في (النهاية) (١)، وفي (القاموس) (٢): رجل أرمل وامرأة أرملة: محتاجة أو مسكينة، والجمع أرامل وأراملة، والأرمل: العزب، وهي بهاء، أو لا يقال للعزبة الموسرة: أرملة، ويقال: الأرملة: الرجال المحتاجون الضعفاء، انتهى. وعطف المسكين على الأرملة في الحديث يدل على أن المراد بها الغربة، واللَّه أعلم.
وقوله: (فيقضي له) أي: للمسكين أو لكل واحد.
٥٨٣٤ - [٣٤] (علي) قوله: (إنا لا نكذبك) أي: أنت مشهور بالصدق، وكان يلقب بالصادق الأمين.
وقوله: (نكذب بما جئت به) أي: الباعث لنا على تكذيبك ونسبتك إلى الكذب الدينُ الذي جئت به نكذبك بسببه حسدًا، فافهم.
(فأنزل اللَّه تعالى فيهم: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣])، وجاء في التفسير: أي: أنهم لا يكذبونك في الحقيقة، ولكنهم يجحدون بآيات اللَّه ويكذبونها، ونحوه قول السيد لغلامه إذا أهانه بعض الناس: إنهم لم يهينوك، وإنما أهانوني، وقيل: فإنهم لا يكذبونك لأنك عندهم الصادق الموسوم بالصدق،
_________________
(١) "النهاية" (٢/ ٢٦٦).
(٢) "القاموس المحيط" (ص: ٩٢٧).
[ ٩ / ٣١٨ ]
٥٨٣٥ - [٣٥] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "يَا عَائِشَةُ! لَوْ شِئْتُ لَسَارَتْ مَعِي جِبَالُ الذَّهَبِ، جَاءَنِي مَلَكٌ وَإِنَّ حُجْزَتَهُ لَتُسَاوِي الْكَعْبَةَ، فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ: إِنْ شِئْتَ نَبِيًّا عَبْدًا، وَإِنْ شِئْتَ نَبِيًّا مَلِكًا، فَنَظَرْتُ إِلَى جِبْرِيلَ ﵇ فَأَشَارَ إِلَيَّ أَنْ ضَعْ نَفْسَكَ".
٥٨٣٦ - [٣٦] وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فَالْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى جِبْرِيلَ كَالْمُسْتَشِيرِ لَهُ، فَأَشَارَ جِبْرِيلُ بِيَدِهِ أَنْ تَوَاضَعْ. فَقُلْتُ: "نَبِيًّا عَبْدًا" قَالَتْ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَأْكُلُ مُتَّكِأً يَقُولُ: . . . . .
ــ
ولكنهم يجحدون بآيات اللَّه، كذا في (الكشاف) (١)، وهذا القول الأخير يناسب ما في الحديث، فافهم.
٥٨٣٥، ٥٨٣٦ - [٣٥، ٣٦] (عائشة) قوله: (وإن حجزته لتساوي الكعبة) بيان لطول قامة ذلك الملك، والحجزة بضم الحاء وسكون الجيم والزاي: معقد الإزار، ومن السراويل: موضع التكة.
وقوله: (إن ربك يقرأ عليك السلام) بفتح الياء، وأما قولهم: يقرئك السلام فبضم الياء، وفي (القاموس) (٢): قرأ ﵇: أبلغه كأقرأه، أو لا يقال: أقرأه إلا إذا كان السلام مكتوبًا، وقد ذكرناه في غير هذا الموضع.
وقوله: (ضع نفسك) أمر من وضع يضع، وضع فلان نفسه وضعًا ووضوعًا
_________________
(١) "الكشاف" (٢/ ١٨).
(٢) "القاموس المحيط" (ص: ٥٩).
[ ٩ / ٣١٩ ]
"آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ، وَأَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ. رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". [شرح السنة: ٣٦٨٣، ٣٦٨٤].
* * *