٥٩٣٤ - [٦٧] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تَشَاوَرَتْ قُرَيْشٌ لَيْلَةً بِمَكَّةَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا أَصْبَحَ فَأَثْبِتُوهُ بِالْوَثَاقِ، يُرِيدُونَ النَّبِيَّ -ﷺ-، فَقَالَ (١) بَعْضُهُمْ: بَلِ اقْتُلُوهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ أَخْرِجُوهُ، فَأَطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ -ﷺ- عَلَى ذَلِكَ، فَبَاتَ عَلِيٌّ عَلَى فِرَاشِ النَّبِيِّ -ﷺ- تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَخَرَجَ النَّبِيُّ -ﷺ-. . . . .
ــ
وقوله: (فقد حملت من ذلك [التمر] كذا وكذا من وسق) أي: أخرجت منه مقدار كذا بدفعات بأن يكون في كل دفعة أقل منه، أو يكون في كل دفعة بهذا المقدار، فافهم، و(الوسق) بسكون السين: ستون صاعًا أو حمل بعير، و(الحقو) بفتح الحاء المهملة وسكون القاف: معقد الإزار، و(يوم قتل) بفتح (يوم) مضافًا إلى الجملة، و(عثمان) مرفوع، أو برفعه مضافًا إلى المصدر ونصب (عثمان).
الفصل الثالث
٥٩٣٤ - [٦٧] (ابن عباس) قوله: (فأثبتوه) من الإثبات، و(الوثاق) بفتح الواو ما يشد به، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ الآية [الأنفال: ٣٠].
وقوله: (خرج النبي -ﷺ-) روي أنه خرج -ﷺ- وقد أخذ اللَّه على أبصارهم، فلم
_________________
(١) في نسخة: "وقال".
[ ٩ / ٥٠٢ ]
حَتَّى لَحِقَ بِالْغَارِ، وَبَاتَ الْمُشْرِكونَ يَحْرُسُونَ عَلِيًّا يَحْسَبُونَهُ النَّبِيَّ -ﷺ- فَلَمَّا أَصْبَحُوا ثَارُوا عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَوْا عَلِيًّا رَدَّ اللَّهُ مَكْرَهُمْ، فَقَالُوا: أَيْنَ صَاحِبُكَ هَذَا؟ قَالَ: لَا أَدْرِي، فَاقْتَصُّوا أَثَرَهُ، فَلَمَّا بَلَغُوا الْجَبَلَ اخْتَلَطَ عَلَيْهِمْ، فَصَعِدُوا الْجَبَلَ، فَمَرُّوا بِالْغَارِ، فَرَأَوْا عَلَى بَابِهِ نَسْجَ الْعَنْكَبُوتِ،
ــ
يره أحد منهم، ونثر على رؤوسهم كلهم تربًا كان في يده، وهو يتلو قوله تعالى: ﴿يس﴾ إلى قوله: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ١ - ٩]، ثم انصرف -ﷺ- حيث أراد، فأتاهم آت ممن لم يكن معهم. فقال: ما تنظرون هنا؟ قالوا: ننظر محمدًا، قال: قد خيبكم اللَّه، واللَّه خرج محمد عليكم، ثم ما ترك منكم رجلًا إلا وضع على رأسه ترابًا، وانطلق لحاجته، أفما ترون ما بكم؟ فوضع كل رجل يده على رأسه فإذا عليه تراب، وفي رواية أبي حاتم مما صححه الحاكم من حديث ابن عباس: (فما أصاب رجلًا منهم حصاة إلا قتل يوم بدر كافرا) (١).
وروي: أنه كانت قريش على بابه -ﷺ-، فخرج متقنعًا بردائه، فقال أبو جهل: هذا محمد يقول: إن اتبعتموني يكون لكم في الدنيا ملك العرب والعجم، وتدخلون الجنة في الآخرة، وإن لم تتبعوني تقتلون في الدنيا على يدي، وتدخلون النار في الآخرة، قال رسول اللَّه -ﷺ-: (نعم أقول ذلك، وأنت من الذين أقتلهم في الدنيا ويدخلون النار في الآخرة)، ثم أخذ كفًّا من تراب. . . الحديث.
وقوله: (ثاروا عليه) أي: هاجوا ووثبوا.
وقوله: (فاقتصوا أثره) قص أثره قصًا وقصصًا: تَتَبَّعَهُ.
وقوله: (اختلط عليهم) أي: اشتبه الأثر عليهم.
_________________
(١) "المستدرك" للحاكم (١/ ٢٦٨).
[ ٩ / ٥٠٣ ]
فَقَالُوا: لَوْ دَخَلَ هَهُنَا لَمْ يَكُنْ نَسْجُ الْعَنْكَبُوتِ عَلَى بَابِهِ، فَمَكَثَ فِيهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ١/ ٣٤٨].
٥٩٣٥ - [٦٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ: لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "اجْمَعُوا لِي مَنْ كَانَ هَهُنَا مِنَ الْيَهُودِ"، فَجَمَعُوا لَهُ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنِّي سَائِلُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَهَلْ أَنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ عَنهُ؟ " قَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ (١)! فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- "مَنْ أَبُوكُمْ؟ " قَالُوا: فُلَانٌ، قَالَ: "كَذَبْتُمْ،
ــ
٥٩٣٥ - [٦٨] (أبو هريرة) قوله: (فيها سم) في (القاموس) (٢): السم: الثقب، وهذا القاتل المعروف، ويثلث فيهما.
وقوله: (فهل أنتم مصدقي؟) هكذا في نسخ (المشكاة) بلفظ اسم الفاعل من التصديق، وأصله مصدقوي كمسلمي، وكان معناه هل تصدقوني أن أرد عليكم وأكذبكم في جوابكم عن سؤالي؟ وفي بعض الأصول: (صادقوني)، وقالوا: يجوز لحوق نون الوقاية في بعض الأسماء المعربة المشابهة للفعل، وفي رواية: (صادقي) بتشديد الياء، وأصله صادقون، وهو الأظهر الأنسب بقولهم: (إن كذبناك)، أي: قلنا لك قولًا كاذبًا.
وقوله: (عنه) أي: مجيبين عنه.
وقوله: (من أبوكم؟) كأنه -ﷺ- سألهم عن أبيهم الكبير الذي كأبي القبيلة.
_________________
(١) في نسخة: "يا با القاسم" في المواضع الثلاثة.
(٢) "القاموس المحيط" (ص: ١٠٣٥).
[ ٩ / ٥٠٤ ]
بَلْ أَبُوكُمْ فُلَانٌ" قَالُوا: صَدَقْتَ وَبَرَرْتَ، قَالَ: "فَهَلْ أَنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ؟ " قَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، وَإِنْ كَذَبْنَاكَ عَرَفْتَ كَمَا عَرَفْتَهُ فِي أَبِينَا، فَقَالَ لَهُمْ: "مَنْ أَهْلُ النَّارِ؟ " قَالُوا: نَكُونُ فِيهَا يَسِيرًا ثُمَّ تَخْلُفُونَّا فِيهَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "اخْسَؤوا فِيهَا، وَاللَّهِ لَا نَخْلُفُكُمْ فِيهَا أَبَدًا"، ثُمَّ قَالَ: "هَلْ أَنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ؟ "، فَقَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ! قَالَ: "هَلْ جَعَلْتُمْ فِي هَذِهِ الشَّاةِ سُمًّا؟ " قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: "فَمَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟ "، قَالُوا: أَرَدْنَا إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا أَنْ نَسْتَرِيحَ مِنْكَ، وَإِنْ كُنْتَ صَادِقًا لَمْ يَضُرَّكَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٤٢٤٩].
٥٩٣٦ - [٦٩] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ أَخطَبَ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمًا وَصَعِدَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَخَطَبَنَا، حَتَّى حَضَرَتِ الظُّهْرُ، فَنَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا، حَتَّى الْعَصْرِ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى، ثم صَعِدَ الْمِنْبَرَ، حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَأَخْبَرَنَا بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ،
_________________
(١) وقوله: (بررت) بالكسر، أي: أحسنت. وقوله: (قالوا نكون فيها يسيرًا)، كما حكى اللَّه عنهم ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [آل عمران: ٢٤]. وقوله: (ثم تخلفونا) بتشديد وإدغام نون الإعراب في نون الضمير، وبالتخفيف بحذف إحدى النونين، خاطبوا المسلمين بأنا نخرج من النار وتدخلونها أنتم خلفاء عنا. وقوله -ﷺ-: (اخسؤوا فيها) إشارة إلى خلودهم فيها وتلميح إلى قوله تعالى: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، وهو زجر للكلب.
(٢) [٦٩] (عمرو بن أخطب) قوله: (فأخبرنا بما هو كائن إلى يوم القيامة)
[ ٩ / ٥٠٥ ]
قَالَ: فَأَعْلَمُنَا أَحَفْظُنَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٩٢].
٥٩٣٧ - [٧٠] وَعَنْ مَعْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: سَأَلْتُ مَسْرُوقًا: مَنْ آذَنَ النَّبِيَّ -ﷺ- بِالْجِنِّ لَيْلَةً اسْتَمَعُوا الْقُرْآنَ؟ فَقَالَ حَدَّثَنِي أَبُوكَ يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: آذَنَتْ بِهِمْ شَجَرَةٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦٤٦، م: ٤٥٠].
٥٩٣٨ - [٧١] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ عُمَرَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَتَرَاءَيْنَا الْهِلَالَ وَكُنْتُ رَجُلًا حَدِيدَ الْبَصَرِ، فَرَأَيْتُهُ وَلَيْسَ أَحَدٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَآهُ غَيْرِي، فَجَعَلْتُ أَقُولُ لِعُمَرَ: أَمَا تَرَاهُ؟ فَجَعَلَ لَا يَرَاهُ، قَالَ: يَقُولُ عُمَرُ: سَأَرَاهُ وَأَنَا مُسْتَلْقٍ عَلَى فِرَاشِي،
_________________
(١) ففيه إخبار عن الغيوب لا يعد ولا يحصى. وقوله: (فأعلمنا) أي: الآن (أحفظنا) بومئذ لتلك الأخبار لاشتمالها على علوم جمة.
(٢) [٧٠] (معن بن عبد الرحمن) قوله: (وعن معن) بفتح الميم (ابن عبد الرحمن) بن عبد اللَّه بن مسعود. وقوله: (من آذن) بمد الهمزة من الإيذان، أي: من أعلم.
(٣) [٧١] (أنس) قوله: (وليس أحد يزعم أنه رآه غيري) استثناء من (أحد) لا فاعل (رآه)، فافهم. وقوله: (وأنا مستلق) حال من ضمير (سأراه) أي: لا حاجة لي إلى رؤيته الآن بتعب، وسأرآه بعد ذلك بزمان أو بيوم من غير تعب.
[ ٩ / ٥٠٦ ]
ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُنَا عَنْ أَهْلِ بَدْرٍ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يُرِينَا مَصَارِعَ أَهْلِ بَدْرٍ بِالأَمْسِ، يَقُولُ: "هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَهَذَا مَصْرعُ فُلَانٍ غَدًا (١) إِنْ شَاءَ اللَّهُ"، قَالَ عُمَرُ: وَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ مَا أَخْطَؤُوا الْحُدُودَ الَّتِي حَدَّهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ: فَجُعِلُوا فِي بِئْرٍ، بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: "يَا فُلَانَ بنَ فُلَانٍ وَيَا فُلَانَ بنَ فُلَانٍ! هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ حَقًّا؟ فَإِنِّي قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي اللَّهُ حَقًّا"، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ تُكَلِّمُ أَجْسَادًا لَا أَرْوَاحَ فِيهَا؟ فَقَالَ: "مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، غَيْرَ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَرُدُّوا عَلَيَّ شَيْئًا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٧٣].
٥٩٣٩ - [٧٢] وَعَنْ أُنَيْسَةَ بِنْتِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ عَنْ أَبِيهَا: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- دَخَلَ عَلَى زيدٍ يَعُودُهُ مِنْ مَرَضٍ كَانَ بِهِ، قَالَ: . . . . .
ــ
وقوله: (ثم أنشأ) أي: شرع عمر، ويحتمل أن يكون الضمير لأنس، أي: شرع يحدثنا ما سمع عن عمر، والضمير في (ما أخطؤوا) لأهل بدر، صحح ما أخطأ في بعض النسخ بصيغة المتكلم، والأول أظهر.
وقوله: (ما أنتم بأسمع لما أقول منهم) إيراد هذا الحديث في هذا الباب ربما يشعر بأن سماعهم كان معجزة للرسول -ﷺ- كما قال بعضهم، وقد مرّ الكلام فيه في (كتاب الجهاد) مفصلًا.
٥٩٣٩ - [٧٢] (أنيسة بنت زيد) قوله: (وعن أنيسة) بلفظ التصغير.
_________________
(١) سقط في نسخة.
[ ٩ / ٥٠٧ ]
"لَيْسَ عَلَيْكَ مِنْ مَرَضِكَ بَأْسٌ، وَلَكِنْ كَيْفَ لَكَ إِذَا عُمِّرْتَ بَعْدِي فَعَمِيتَ؟ " قَالَ: أَحْتَسِبُ وَأَصْبِرُ. قَالَ: "إِذًا تَدْخُلِ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ". قَالَتْ: فَعَمِيَ بَعْدَمَا مَاتَ النَّبِيُّ -ﷺ-، ثُمَّ ردَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بَصَرَهُ ثُمَّ مَاتَ.
٥٩٤٠ - [٧٣] وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَنْ تَقَوَّلَ عَليَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ". وَذَلِكَ أَنَّهُ بَعَثَ رَجُلًا، فَكَذَبَ عَلَيْهِ، فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَوُجِدَ مَيِّتًا، وَقَدِ انْشَقَّ بَطْنُهُ، وَلَمْ تَقْبَلْهُ الأَرْضُ. رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي "دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ". [دلائل النبوة: ٦/ ٤٧٩، ٦/ ٢٤٥].
٥٩٤١ - [٧٤] وَعَنْ جَابرٍ أنَّ رسولَ اللَّهِ -ﷺ- جَاءَهُ رَجُلٌ يَسْتَطْعِمُهُ، فَأَطْعَمَهُ شَطْرَ وَسْقِ شَعِيرٍ،
ــ
وقوله: (قالت) أي: أنيسة، وفي بعض النسخ: قال، أي: الراوي.
وقوله: (رد اللَّه عليه بصره) لعله كان جزاء صبره واحتسابه أو كرامة له، وكرامة الولي معجزة لنبيه، هذا والظاهر أن المعجزة إخباره -ﷺ- في قوله: (كيف لك إذا عمرت بعدي فعميت؟) فافهم.
٥٩٤٠ - [٧٣] (أسامة بن زيد) قوله: (من تقول) من باب التفعل، تقوّل قولًا: ابتدعه كذبًا، وهو كقوله في حديث آخر: (من كذب علي متعمدًا) (١).
٥٩٤١ - [٧٤] (جابر) قوله: (شطر وسق) بسكون السين: ستون صاعًا أو حمل بعير.
_________________
(١) أخرجه البخاري في "صحيحه" (١٢٩١)، ومسلم في "صحيحه" (٤).
[ ٩ / ٥٠٨ ]
فَمَا زَالَ الرَّجُلُ يَأْكُلُ مِنْهُ وَامْرَأَتُهُ وَضَيْفُهُمَا حَتَّى كَالَهُ، فَفَنِيَ، فَأَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالَ: "لَوْ لَمْ تَكِلْهُ لأَكَلْتُمْ مِنْهُ، وَلَقَامَ لَكُمْ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٨١].
٥٩٤٢ - [٧٥] وَعَنْ عَاصِم بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، قَالَ: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي جَنَازَةٍ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ عَلَى الْقَبْرِ يُوصِي الْحَافِرَ يَقُولُ: "أَوْسِع منْ قِبَلِ رِجْلَيْهِ، أَوْسِع مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ" فَلَمَّا رَجَعَ اسْتَقْبَلَهُ دَاعِيَ امْرَأَتِهِ، فَأَجَابَ وَنَحْنُ مَعَهُ، فَجِيءَ بِالطَّعَامِ، فَوَضَعَ يَدَهُ، ثُمَّ وَضَعَ الْقَوْمُ، فَأَكَلُوا، فَنَظَرْنَا إِلَى (١) رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَلُوكُ لُقْمَةً فِي فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: "أَجِدُ لَحْمَ شَاةٍ أُخِذَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ أَهْلِهَا"، فَأَرْسَلَتِ الْمَرْأَة تَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي أَرْسَلْتُ إِلَى النَّقِيعِ -وَهُوَ مَوْضِعٌ يُبَاعُ فِيهِ الْغَنَمُ- لِيُشْتَرَى لِي شَاةٌ،
ــ
وقوله: (فما زال الرجل يأكل منه) لم يعلم مدة أكله، واللَّه أعلم.
٥٩٤٢ - [٧٥] (عاصم بن كليب) قوله: (ابن كليب) بالتصغير.
وقوله: (داعي امرأته) أي: إمرأة الميت، و(اللوك) إدارة الشيء في الفم، كذا في (النهاية) (٢)، وفي (القاموس) (٣): اللوك: إمعان المضغ أو مضغ شيء صلب، لاك الفرس اللجام، و(النقيع) بالنون موضع في سوق المدينة، وهو في صدر وادي العقيق على نحو عشرين ميلًا من المدينة، كذا قيل، ونقل عن الخطابي أنه قال: قد أخطأ من قال بالباء الموحدة.
_________________
(١) "إلى" سقط في نسخة.
(٢) "النهاية" (٤/ ٢٧٨).
(٣) "القاموس المحيط" (ص: ٨٧٧).
[ ٩ / ٥٠٩ ]
فَلَمْ تُوجَدْ، فَأَرْسَلْتُ إِلَى جَارٍ لِي قَدِ اشْتَرَى شَاةً أَنْ يُرْسِلَ بِهَا إِلَيَّ بِثَمَنِهَا، فَلَمْ يُوجَدْ، فَأَرْسَلْتُ إِلَى امْرَأَتِهِ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيَّ بِهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَطْعِمِي هَذَا الطَّعَامَ الأَسْرَى". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي (دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ). [د: ٣٣٣٢، دلائل النبوة: ٦/ ٣١٠].
٥٩٤٣ - [٧٦] وَعَنْ حِزَامِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ حُبَيْشِ بْنِ خَالِدٍ -وَهُوَ أَخُو أمِّ مَعْبَدٍ-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- حِينَ أُخْرِجَ مِنْ مَكَّةَ خَرَجَ مُهَاجِرًا إِلَى الْمَدِينَةِ، هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ، وَمَوْلَى أَبِي بَكْرٍ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ وَدَلِيلُهُمَا عَبْدُ اللَّهِ اللَّيْثِي مَرُّوا عَلَى خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدٍ، فَسَأَلُوهَا لَحْمًا وَتَمْرًا لِيَشْتَرُوا مِنْهَا، فَلَمْ يُصِيبُوا عِنْدَهَا شَيْئًا من ذَلِك،
ــ
وقوله: (فلم يوجد) أي: الجار في بيته (فأرسلت) أي: امرأته بغير إذن زوجها، و(الأسرى) جمع أسير كأسارى، قال الطيبي (١): وكانوا كفارًا، وقال: ولما لم يجدوا صاحب الشاة ليستحلوا [منه] وكان يضيع الطعام ويفسد أَمَرَ بإطعامهم.
٥٩٤٣ - [٧٦] (حزام بن هشام) قوله: (حزام) بكسر المهملة وبالزاي، و(حبيش) بمهملة فموحدة فتحتية فمعجمة بلفظ التصغير، و(عامر بن فهيرة) بالفاء مصغرًا، أسلم قبل دخول النبي -ﷺ- دار الأرقم.
وقوله: (مروا على خيمتي أم معبد) الخيمة بفتح الخاء معروف، من خام يخيم: إذا أقام بالمكان، وقال في (القاموس) (٢): الخيمة: ثلاثة أعواد أو أربعة يلقى عليه
_________________
(١) "شرح الطيبي" (١١/ ١٦٣).
(٢) "القاموس المحيط" (ص: ١٠١٩).
[ ٩ / ٥١٠ ]
وَكَانَ الْقَوْمُ مُرْمِلِينَ مُسْنِتِينَ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى شَاةٍ فِي كَسْرِ الْخَيْمَةِ، فَقَالَ: "مَا هَذِهِ الشَّاةُ يَا أُمَّ مَعْبَدٍ؟ " قَالَتْ: شاةٌ خَلَّفَهَا الْجُهْدُ عَنِ الْغَنَمِ. قَالَ: "هَلْ بِهَا مِنْ لَبَنٍ؟ " قَالَتْ: هِيَ أَجْهَدُ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: "أَتَأْذَنِينَ لِي أَنْ أَحْلُبَهَا؟ " قَالَتْ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي إِنْ رَأَيْتَ بِهَا حَلَبًا فَاحْلُبْهَا. فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَمَسَحَ بِيَدِهِ ضَرْعَهَا، وَسَمَّى اللَّهَ تَعَالَى، وَدَعَا لَهَا فِي شَاتِهَا، فتفَاجَّتْ عَلَيْهِ،
ــ
الثُّمام، ويستظل بها في الحر، أو كل بيت يبنى من عيدان الشجر، انتهى. وفي الحديث: (الشهيد في خيمة اللَّه تحت العرش) (١) استعار لظل رحمة اللَّه تعالى ورضوانه وأمنه.
وقوله: (مرملين) بلفظ اسم الفاعل من أرمل القوم: إذا نفد زادهم.
وقوله: (مسنتين) أيضًا بلفظ اسم الفاعل، أسنتوا: أجدبوا، والسنت، ككتف: قليل الخير، وأرض سَنِتَةٌ ومسنتة: لم تنبت، وعام سنيت ومسنت: جَدْبٌ، وأصل سنة سنوة، والجمع سنوات، و(الكسر) بالفتح ويكسر: جانب البيت.
وقوله: (شاة خلفها) بالتشديد، أي: عن المرعى، و(الجهد) بالضم أو الفتح فاعل خلّفها، من جهد المرض فلانًا: هزله، فالجهد هنا بمعنى الهزل.
وقوله: (أن أحلبها) حلبت الناقة حلبًا من نصر، والحلب، محركة: اللبن المحلوب كحليب.
وقوله: (ودعا لها في شاتها) الضميران في م معبد.
وقوله: (فتفاجت) أي: فتحت بين رجليها للحلب.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي عاصم في "الجهاد" (١/ ٣٧١).
[ ٩ / ٥١١ ]
وَدَرَّتْ وَاجْتَرَّتْ، فَدَعَا بِإِنَاءٍ يُربِضُ الرَّهْطَ، فَحَلَبَ فِيهِ ثَجًّا حَتَّى عَلَاهُ الْبَهَاءُ، ثُمَّ سَقَاهَا حَتَّى رَوِيتْ وَسَقَى أَصْحَابَهُ حَتَّى رَوُوا، ثُمَّ شَرِبَ آخِرَهُمْ، ثُمَّ حَلَبَ فِيهِ ثَانِيًا بَعْدَ بَدْءٍ حَتَّى مَلأَ الإِنَاءَ، ثُمَّ غَادَرَهُ عِنْدَهَا، وَبَايَعَهَا، وَارْتَحَلُوا عَنْهَا. رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ" وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي "الِاسْتِيعَابِ" وَابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِ "الْوَفَاءِ"، وَفِي الْحَدِيثِ قِصَّةٌ. [شرح السنة: ٣٧٠٤، الاستيعاب: ٤/ ١٩٥٩].
* * *
_________________
(١) وقوله: (اجترت) الجرة: ما يجره البعير والشاة من بطنه لتمضغه، من الجر بمعنى الجذب كالاجترار. وقوله: (بإناء يربض) بضم الياء من أربض الإناء القوم: أرواهم حتى ثقلوا، أو ناموا ممتدين على الأرض، من ربض بالمكان: أقام ملازمًا له، و(الثج) السيلان، ثج الماء: سال، و(البهاء) وبيص رغوة اللبن، ورغوة اللبن مثلثة: زبده الذي يعلوه عند غليانه. وقوله: (ثم سقاها) أي: أم معبد (حتى رويت) بكسر الواو، و(رووا) بضمها. وقوله: (ثم شرب) أي: رسول اللَّه -ﷺ-، و(آخرهم) أي: حال كونهم آخرهم. وقوله: (ثم غادره) أي: ترك اللبن، غادره وأغدره: تركه وأبقاه. وقوله: (وبايعها) أي: على الإسلام. وقوله: (وفي الحديث قصة) وهي مذكورة في كتب السير في (باب الهجرة)،
[ ٩ / ٥١٢ ]