٥٩١٨ - [٥١] عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: خَرَجَ أَبُو طَالِبٍ إِلَى الشَّام، وَخَرَجَ مَعَه النَّبِيُّ -ﷺ- فِي أَشْيَاخٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَلَمَّا أَشْرَفُوا عَلَى الرَّاهِبِ هَبَطُوا، فَحَلُّوا رِحَالَهُمْ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ الرَّاهِبُ، .
_________________
(١) وقوله: (تنجم) بضم الجيم، أي: يظهر أثر تلك الحرارة وشدة لهبها في باطنهم، وقد روي عن حذيفة -﵁- أنه -ﷺ- عرفه إياهم وأنهم هلكوا كما أخبر به المخبر الصادق، وقد كان عنده علم المنافقين. الفصل الثاني
(٢) [٥١] (أبو موسى) قوله: (في أشياخ من قريش) متعلق بـ (خرج) على سبيل التنازع، ولقد أصاب من قال من النحويين بتشريك العاملين في مثل هذه الصورة إذ لا مانع منه. وقوله: (فلما أشرفوا) أي: اطلعوا (على الراهب) لعل تعريفه لأنه كان معهودًا معلومًا عندهم مذكورًا فيما بينهم في وقت الرواية. (هبطوا) أي: نزلوا عنده، واسم الراهب بحيرا بفتح الموحدة وكسر المهملة مقصورًا.
[ ٩ / ٤٨٦ ]
وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يَمُرُّونَ بِهِ فَلَا يَخْرُجُ إِلَيهِم، قَالَ: فَهُم يَحُلُّونَ رِحَالَهُمْ، فَجَعَلَ يَتَخَلَّلُهُمُ الرَّاهِبُ، حَتَّى جَاءَ فَأَخَذَ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: هَذَا سَيِّدُ الْعَالَمِينَ، هَذَا رسولُ ربِّ الْعَالِمِينَ يَبْعَثُهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْعَالِمِينَ، فَقَالَ لَهُ أَشْيَاخٌ مِنْ قُرَيْشٍ: مَا عِلْمُكَ؟ فَقَالَ: إِنَّكُمْ حِين أَشْرَفْتُمْ مِنَ الْعَقَبَةِ لَمْ يَبْقَ شَجَرٌ وَلَا حَجَرٌ إِلَّا خَرَّ سَاجِدًا، وَلَا يَسْجُدَانِ إِلَّا لِنَبِيٍّ، وَإِنِّي أعرِفُهُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ أَسْفَلَ مِنْ غُضْرُوفِ كَتِفِهِ مِثْلَ التُّفَّاحَةِ، ثُمَّ رَجَعَ فَصَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا، فَلَمَّا أَتَاهُمْ بِهِ،
ــ
وقوله: (يتخللهم الراهب) أي: يدخل وسطهم.
وقوله: (ما علمك؟) أي: سبب علمك، والغضروف: عظم لين على رؤوس المفاصل في ملتقى العظم واللحم، وهو واسطة في التقائهما والتئامهما لكونه بين بين، لا شديد شدة العظم، ولا لين لين اللحم، ولذا كان واسطة بينهما؛ لأن الواسطة بين الشيئين ينبغي أن يكون ذات جهتين ومناسبته لكل منهما كما ذكروا، ومثلوا له بأمثلة هذا أحدها، هذا كلام الحكماء، وفي (القاموس) (١): الغضروف: كل عظم رخص يؤكل، ونُغْض الكتف، ورؤس الأضلاع، وفي (النهاية) (٢): من أسفل غضروف كتفه، وهو رأس لوحه، وهذا هو المراد في الحديث.
وقوله: (مثل التفاحة) مرفوع أو منصوب أو مجرور بالبدل عن (خاتم النبوة)، وفي رواية البيهقي وأبي نعيم: قام فاحتضنه، وأنه جعل يسأله عن أشياء من حاله من نومه وهيئته وأموره ويخبره رسول اللَّه -ﷺ- فيوافق ذلك ما عند بحيرا من صفته، ورأى
_________________
(١) "القاموس المحيط" (ص: ٧٧٦).
(٢) "النهاية" (٣/ ٣٧٠).
[ ٩ / ٤٨٧ ]
وَكَانَ هُوَ فِي رِعْيَةِ الإِبِلِ، فَقَالَ: أَرْسِلُوا إِلَيْهِ فَأَقْبَلَ وَعَلَيْهِ غَمَامَةٌ تُظِلُّهُ، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْقَوْم وَجَدَهُمْ قَدْ سَبقُوهُ إِلَى فَيْءِ شَجَرَةٍ، فَلَمَّا جَلَسَ مَالَ فَيْءُ الشَّجَرَةِ عَلَيْهِ، فَقَالَ: انْظُرُوا إِلَى فَيْءِ الشَّجَرَةِ مَالَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَنْشُدُكُمْ اللَّهَ أَيُّكُمْ وَلِيُّهُ؟ قَالُوا: أَبُو طَالِبٍ، فَلَمْ يَزَلْ يُنَاشِدُهُ حَتَّى رَدَّهُ أَبُو طَالِبٍ، وَبَعَثَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ بِلَالًا،
ــ
خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التي عنده، كذا في (المواهب) (١).
وقوله: (وكان هو) أي: رسول -ﷺ- اللَّه -ﷺ- (في رعية) بكسر الراء وسكون العين: اسم من الرعي، (فقال) أي: الراهب.
وقوله: (أنشدكم) بفتح الهمزة وضم الشين أي: أطلب منكم باللَّه جواب هذا السؤال.
وقوله: (فلم يزل يناشده) الراهب ويقول لأبي طالب: باللَّه عليك أن ترد محمدًا إلى مكة وتحفظه من العدو حتى رده أبو طالب إلى مكة، قيل: كان الراهب يخاف أن يذهبوا به إلى الروم فيقتلونه، وأخرج الترمذي وحسنه والحاكم وصححه أن في هذه السفرة أقبل سبعة من الروم يقصدون قتله -ﷺ- فاستقبلهم بحيرا، فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: إن هذا النبي خارج في هذا الشهر فلم يبق طريق إلا بعث إليها بأناس، قال: أفرأيتم أمرًا أراد اللَّه أن يقضيه، هل يستطيع أحد من الناس رده؟ قالوا: لا، قال: فبايعوه وأقاموا معه.
وقوله: (وبعث معه أبو بكر بلالًا) قالوا: كيف يكون هذا وبلال لم يخلق بعد،
_________________
(١) "المواهب اللدنية" (١/ ١٨٨).
[ ٩ / ٤٨٨ ]
وَزَوَّدَهُ الرَّاهِبُ مِنَ الْكَعْكِ وَالزَّيْتِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٢٠].
٥٩١٩ - [٥٢] وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- بِمَكَّةَ، فَخَرَجْنَا فِي بَعْضِ نَوَاحِيهَا، فَمَا اسْتَقْبَلَهُ جَبَلٌ وَلَا شَجَرٌ إِلَّا وَهُوَ يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ٣٦٢٦، دي: ١/ ١٧١].
٥٩٢٠ - [٥٣] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- أُتِيَ بِالْبُرَاقِ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ مُلْجَمًا مُسْرَجًا، فَاسْتَصْعَبَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ جِبْرَئِيلُ: . . . . .
ــ
وأبو بكر كان صبيًّا فإنه أصغر من النبي -ﷺ- بسنتين، فلذا ضعفوا هذا الحديث، وحكم بعضهم ببطلانه، وقال الحافظ ابن حجر في (الإصابة) (١): الحديث رجاله ثقات وليس فيه منكر سوى هذه اللفظة، فيحتمل أنها مدرجة فيه مقتطعة من حديث آخر وهمًا من أحد رواته.
وقوله: (ورواه الترمذي) وقال: حسن غريب، انتهى، وقال الجزري: إسناده صحيح، ورجاله رجال الصحيحين أو أحدهما، وذكر بلال وأبي بكر غير محفوظ، وعده أئمتنا وهمًا.
٥٩١٩ - [٥٢] (علي بن أبي طالب) قوله: (فما استقبله جبل ولا شجر إلا وهو يقول) الظاهر أن عليًّا -﵁- أيضًا كان يسمعه، ويحتمل أنه علمه بخبره -ﷺ-.
٥٩٢٠ - [٥٣] (أنس) قوله: (ملجمًا مسرجًا) كلاهما بالتخفيف.
قوله: (فاستصعب عليه) أي: البراق على النبي -ﷺ-، أي: لم يمكنه من
_________________
(١) "الإصابة في تمييز الصحابة" (١/ ٤٧٦).
[ ٩ / ٤٨٩ ]
أَبِمُحَمَّدٍ تَفْعَلُ هَذَا؟ فَمَا رَكِبَكَ أَحَدٌ أَكرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْهُ، قَالَ: فَارْفَضَّ عَرَقًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣١٣١].
٥٩٢١ - [٥٤] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَالَ جِبْرَئِيلُ بِأُصْبُعِهِ فَخَرَقَ بِهَا الْحَجَرَ، فَشَدَّ بِهِ الْبُرَاقَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣١٣٢].
ــ
الركوب، كذا في الحواشي، وفي (القاموس) (١): استصعب عليه الأمر: صار صعبًا، كأصعب وصعب، ككرم، وعلى هذا المعنى الظاهر أن يكون الضمير في استصعب للركوب.
وقوله: (أكرم) مرفوع صفة لـ (أحد)، قال التُّوربِشْتِي (٢): وجدنا الرواية في أكرم بالنصب، فلعل التقدير: كان أكرم.
وقوله: (فارفض عرقًا) أي: فاض، وارفضاض الدموع: تَرَشُّشُها، والرفيض: الدمع، كذا في (القاموس) (٣).
٥٩٢١ - [٥٤] (بريدة) قوله: (قال جبرئيل) أي: أشار، (فخرق بها الحجر) أي: ثقب ثقبا نافذًا، قد مرّ في (باب المعراج) من حديث أنس: (فربطته بالحلقة التي تربط بها الأنبياء)، وقالوا في الجمع بينهما: لعل المراد من الحلقة الموضع الذي كان فيه الحلقة، وقد انسد فخرقه جبريل بإصبعه، واللَّه أعلم.
_________________
(١) "القاموس المحيط" (ص: ١١٠).
(٢) "كتاب الميسر" (٤/ ١٢٩٨).
(٣) "القاموس المحيط" (ص: ٥٩٣).
[ ٩ / ٤٩٠ ]
٥٩٢٢ - [٥٥] وَعَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ الثَّقَفِيِّ قَالَ: ثَلَاثَةُ أَشيَاءٍ رَأَيْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، بَيْنَا نَحْنُ نَسِيرُ مَعَه إِذ مَرَرْنَا بِبَعِيرٍ يُسْنَى عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَآهُ الْبَعِيرُ جَرْجَرَ، فَوَضَعَ جِرَانَهُ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ -ﷺ- فَقَالَ: "أَيْنَ صَاحِبُ هَذَا الْبَعِيرِ؟ " فَجَاءَهُ، فَقَالَ: "بِعْنِيهِ"، فَقَالَ: بَلْ نَهَبُهُ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَإِنَّهُ لِأَهْلِ بَيْتٍ مَا لَهُمْ مَعِيشَةٌ غَيْرُهُ، قَالَ: "أَمَّا إِذْ ذَكَرْتَ هَذَا مِنْ أَمْرِهِ، فَإِنَّهُ شَكَا كَثْرَةَ الْعَمَلِ وَقِلَّةَ العَلَفِ، فَأَحْسِنُوا إِلَيْهِ"، ثُمَّ سِرنَا حَتَّى نَزَلْنَا مَنْزِلًا، فَنَامَ النَّبِيُّ -ﷺ-، فَجَاءَتْ شَجَرَةٌ تَشُقُّ الأَرْضَ حَتَّى غَشِيَتهُ، ثم رَجَعَتْ إِلَى مَكَانِهَا، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ذَكَرْتُ لَهُ، فَقَالَ: . . . . .
ــ
٥٩٢٢ - [٥٥] (يعلى بن مرة الثقفي) قوله: (وعن يعلى بن مرة) بضم الميم وتشديد الراء.
وقوله: (يسنى) بلفظ المجهول، أي: يستقى، سنت الناقة الأرض تسنو: إذا سقتها، والسانية: ناقة يستقى عليها، وفي حديث: (الزكاة ما يستقى بالسواني ففيه نصف العشر) (١).
وقوله: (جرجر) أي: صوت وصاح، وقيل: أي: ردد الصوت في الحلق، والجرجار من الإبل: كثير الصوت، و(الجران) بكسر الجيم وخفة الراء: مقدم عنق البعير من مذبحه إلى منحره.
وقوله: (أما إذ ذكرت هذا من أمره) فإنه يشكو، تقدير الكلام: أما إذ ذكرت أن البعير لأهل بيت لا معيشة لهم غيره فلا ألتمس شراه، وأما البعير فعاهدوه فإنه شكا.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في "سننه" (١٥٩٦)، والنسائي في "سننه" (٢٤٨٨)، وابن ماجه في "سننه" (١٨١٧).
[ ٩ / ٤٩١ ]
"هِيَ شَجَرَةٌ اسْتَأْذَنَتْ رَبَّهَا فِي أَنْ تُسَلِّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: فَأَذِنَ لَهَا"، قَالَ: ثُمَّ سِرْنَا فَمَرَرْنَا بِمَاءٍ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ بِابْنٍ لَهَا بِهِ جِنَّةٌ، فَأَخَذَ النَّبِيُّ -ﷺ- بِمَنْخِرِهِ ثُمَّ قَالَ: "اخْرُجْ فَإِنِّي مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ"، ثُمَّ سِرْنَا، فَلَمَّا رَجعْنَا مَرَرْنَا بِذَلِكَ الْمَاءَ فَسَأَلَهَا عَنِ الصَّبِيِّ فَقَالَتْ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا رَأَيْنَا مِنْهُ ريبًا بَعْدَكَ. رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". [شرح السنة: ٣٧١٨].
٥٩٢٣ - [٥٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ بِابْنٍ لَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ ابْنِي بِهِ جُنُونٌ، وَإِنَّهُ لَيَأْخُذُهُ عِنْدَ غَدَائِنَا وَعَشَائِنَا، فَمَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- صدْرَهُ وَدَعَا، فَثَعَّ ثَعَّةً، وَخَرَجَ مِنْ جَوْفِهِ مِثْلُ الْجِروِ الأَسْوَدِ يَسْعَى. رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ١/ ١٧٠].
ــ
وقوله: (بمنخره) بفتح ميم وكسر خاء وقد يكسر الميم اتباعًا للخاء، كذا قال الكرماني (١)، وفي (القاموس) (٢): المنخر: بفتح الميم والخاء، وبكسرهما وضمهما، ونخرة الأنف: مقدمته.
وقوله: (فسألها) أي: المرأة (عن الصبي) الذي كان به جنة.
وقوله: (ريبًا) أي: مكروهًا، من الريب بمعنى صرف الدهر، وقيل: أي: شَكًّا، أي: ما رأينا منه ما أوقعنا في شك من حالة بعد مفارقتك عنا.
٥٩٢٣ - [٥٦] (ابن عباس) قوله: (فثع ثعة) أي: قاء قيئة، والثع بالمثلثة وتشديد المهملة: القيء، وبالتاء المرة منه، و(الجرو) بكسر الجيم وسكون الراء في آخره واو:
_________________
(١) "شرح الكرماني" (٩/ ١٠٨).
(٢) "القاموس المحيط" (ص: ٤٤٧).
[ ٩ / ٤٩٢ ]
٥٩٢٤ - [٥٧] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: "جَاءَ جِبْرَئِيلُ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- وَهُوَ جَالِسٌ حَزِينٌ، قَدْ تَخَضَّبَ بِالدَّمِ مِنْ فِعْلِ أَهْلِ مَكَّةَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ تُحِبُّ أَنْ نُرِيَكَ آيَةً؟ قَالَ: "نَعَمْ"، فَنَظَرَ إِلَى شَجَرَةٍ مِنْ وَرَائِهِ، فَقَالَ: ادْعُ بِهَا، فَدَعَا بِهَا، فَجَاءَتْ، فَقَامَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ: مُرْهَا فَلْتَرْجِعْ، فَأَمَرَهَا، فَرَجَعَتْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "حَسْبِي حَسْبِي". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ١/ ١٧٢].
٥٩٢٥ - [٥٨] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي سَفَرٍ، فَأَقْبَلَ أَعْرَابِيٌّ، فَلَمَّا دَنَا قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولَهُ؟ قَالَ: وَمَنْ يَشْهَدُ عَلَى مَا تَقُولُ؟ قَالَ: "هَذِهِ السَّلَمَةُ"، فَدَعَاهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ بِشَاطِئِ الْوَادِي، فَأَقْبَلَتْ تَخُدُّ الأَرْضَ حَتَّى قَامَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَاسْتَشْهَدَهَا ثَلَاثًا، فَشَهِدَتْ ثَلَاثًا أَنَّهُ كَمَا قَالَ، ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى مَنْبتَهَا. رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ١/ ١٦٦].
_________________
(١) ولد الكلب والأسد.
(٢) [٥٧] (أنس) قوله: (قد تخضب بالدم) أي: تلطخ، وكان ذلك يوم أحد حين كسرت رباعيته، قال السيوطي عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري: ضرب وجه النبي -ﷺ- بالسيف سبعين ضربة، وقاه اللَّه شرها كلها. وقوله: (حسبي حسبي) أي: كفاني في تسليتي عما لقيني من المشقة والحزن هذه الكرامةُ من ربي.
(٣) [٥٨] (ابن عمر) قوله: (هذه السلمة) واحدة سلم، شجرة من العضاه.
[ ٩ / ٤٩٣ ]
٥٩٢٦ - [٥٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: بِمَا أَعْرِفُ أَنَّكَ نَبِيٌّ؟ قَالَ: "إِنْ دَعَوْتُ هَذَا الْعِذْقَ مِنْ هَذِهِ النَّخْلَةِ يَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ"، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَجَعَلَ يَنْزِلُ مِنَ النَّخْلَةِ حَتَّى سَقَطَ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- ثُمَّ قَالَ: "ارْجِعْ"، فَعَادَ، فَأَسْلَمَ الأَعْرَابِيُّ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. [ت: ٣٦٢٨].
٥٩٢٧ - [٦٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: "جَاءَ ذِئْبٌ إِلَى رَاعِي غَنَمٍ، فَأَخَذَ مِنْهَا شَاةً، فَطَلَبَهُ الرَّاعِي حَتَّى انْتَزَعَهَا مِنْهُ، قَالَ: فَصَعِدَ الذِّئْبُ عَلَى تَلٍّ فَأَقْعَى وَاسْتَثْفَرَ، وَقَالَ: قَدْ عَمَدْتُ إِلَى رِزْقٍ رَزَقَنِيهِ اللَّهُ أَخَذْتُهُ، ثُمَّ انْتَزَعْتَهُ مِنِّي؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: تَاللَّهِ إِنْ رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ ذِئْبٌ يَتَكَلَّمُ، فَقَالَ الذِّئْبُ: . . . . .
_________________
(١) [٥٩] (ابن عباس) قوله: (أن دعوت) بالفتح، أي: بأن دعوت، وقيل: بالكسر، والجزاء محذوف، و(العذق) بكسر العين وسكون الذال: القنو وهو كالعنقود من العنب.
(٢) [٦٠] (أبو هريرة) قوله: (فأقعى) أي: جلس مقعيًا، وهو أن يجلس على وركيه وينصب يديه، و(الاستثفار) بالمثلثة والفاء، أي: أدخل ذنبه بين رجليه، الاستثفار: إدخال الكلب ذنبه بين فخذيه حتى يلزقه ببطنه، ومنه الاستثفار للحائض أن تدخل إزارها بين فخذيها ملويًا. وقوله: (عمدت) من ضرب، يروى بصيغة المتكلم والخطاب، و(أخذته) بالتكلم و(ثم انتزعته) بالخطاب. وقوله: (إن رأيت كاليوم) ما رأيت أعجوبة كأعجوبة اليوم، أو ما رأيت يومًا مثل هذا اليوم.
[ ٩ / ٤٩٤ ]
أَعْجَبُ مِنْ هَذَا رَجُلٌ فِي النَّخَلَاتِ بَيْنَ الْحَرَّتَيْنِ يُخْبِرُكُمْ بِمَا مَضَى وَمَا هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكُمْ، قَالَ: فَكَانَ الرَّجُلُ يَهُودِيًّا، فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَأَخْبَرَهُ، وَأَسْلَمَ، فَصَدَّقَهُ النَّبِيُّ -ﷺ- ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: "إِنَّهَا أَمَارَاتٌ بَيْنَ يَدَي السَّاعَةِ،، قَدْ أَوْشَكَ الرَّجُلُ أَنْ يَخْرُجَ فَلَا يَرْجِعُ حَتَّى يُحَدِّثَهُ نَعْلَاهُ وَسَوْطُهُ بِمَا أَحْدَثَ أَهْلُهُ بَعْدَهُ". رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". [شرح السنة: ٤٢٨٢].
٥٩٢٨ - [٦١] وَعَنْ أَبِي الْعَلَاءَ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- نَتَدَاوَلُ مِنْ قَصْعَةٍ، مِنْ غُدْوَةٍ حَتَّى اللَّيْلِ، يَقُومُ عَشَرَةٌ وَيَقْعُدُ عَشَرَةٌ، قُلْنَا: فَمِمَّا كَانَتْ تُمَدُّ؟ قَالَ: "مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَعْجَبُ؟ مَا كَانَتْ تَمَدُّ إِلَّا مِنْ هَهُنَا"، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى السَّمَاءِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ٣٦٢٥، دي: ١/ ٢٠١].
_________________
(١) وقوله: (إنها أمارات) أي: هذه القصة والحالة. وقوله: (بعده) أي: بعد خروجه.
(٢) [٦١] (أبو العلاء) قوله: (نتداول) أي: نتناوب بأكل الطعام فيها (من غدوة حتى الليل) أي: طول اللهار. وقوله: (قلنا: فمما كانت تمد) بلفظ المجهول من الإمداد، أي: بأي شيء كانت القصعة تمد به، قيل: هذا قول الصحابة، و(قال: من أي شيء تعجب؟) قول رسول اللَّه -ﷺ- في جوابهم، وقيل: السؤال من أبي العلاء ومن معه، والجواب قول سمرة. وقوله: (أشار بيده إلى السماء) أي: كثرة الطعام والبركة فيه كان من عالم القدرة.
[ ٩ / ٤٩٥ ]
٥٩٢٩ - [٦٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- خَرَجَ يَوْمَ بَدْرٍ فِي ثَلَاثِ مِئَةٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ، قَالَ: "اللهُمَّ إِنَّهُمْ حُفَاةٌ فَاحْمِلْهُمْ، اللهُمَّ إِنَّهُمْ عُرَاةٌ فَاكْسُهُمْ، اللهُمَّ إِنَّهُمْ جِيَاعٌ فَأَشْبِعْهُمْ"، فَفَتَحَ اللَّهُ لَهُ، فَانْقَلَبُوا وَمَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا وَقَدْ رَجَعَ بِجَمَلٍ أَوْ جَمَلَيْنِ، وَاكْتَسَوْا وَشَبِعُوا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٧٤٧].
٥٩٣٠ - [٦٣] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "إِنَّكُمْ مَنْصُورُونَ وَمُصِيبُونَ وَمَفْتُوحٌ لَكُمْ، فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَلْيتَّقِ اللَّهَ وَلْيَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَلْيَنْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [مسند أبي داود الطيالسي: ٣٣٥].
٥٩٣١ - [٦٤] وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّ يَهُودِيَّةً مِنْ أَهْلِ خَيْبَرَ سَمَّتْ شَاةً. . . . .
_________________
(١) [٦٢] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (في ثلاث مئة وخمسة عشر) المشهور أنه خرج يوم بدر في ثلاث مئة وثلاثة عشر، من المهاجرين سبعة وسبعون، ومن الأنصار مئتان وستة وثلاثون. وقوله: (حفاة) أي: مشاة حفاة.
(٢) [٦٣] (ابن مسعود) قوله: (ومفتوح) أي: يفتح لكم بلاد وأمصار كثيرة.
(٣) [٦٤] (جابر) قوله: (أن يهودية) اسمها زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم. وقوله: (سمت شاة) وفي رواية: سألت أيّ الشاة أحب إلى محمد؟ فقالوا: الذراع، فعمدت إلى عنز لها فذبحتها وصلتها، ثم عمدت إلى سم لا يبطئ، يعني لا يلبث أن يقتل من ساعته، فسمت الشاة وأكثرت في الذراع والكتف، فوضعت بين
[ ٩ / ٤٩٦ ]
مَصْلِيَّةً، ثُمَّ أَهْدَتْهَا لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الذِّرَاعَ، فَأَكَلَ مِنْهَا وَأَكَلَ رَهْطٌ مِنْ أَصْحَابِهِ مَعَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ"، وَأَرْسَلَ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ فَدَعَاهَا فَقَالَ: "سَمَمْتِ هَذِهِ الشَّاةَ؟ " فَقَالَتْ: مَنْ أَخْبَرَكَ؟ قَالَ: "أَخْبَرَتنِي هَذِهِ فِي يَدِي" لِلذِّرَاعِ، قَالَتْ: نَعَمْ، قُلْتُ: إِنْ كَانَ نَبِيًّا فَلَنْ تَضُرَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا اسْتَرَحْنَا مِنْهُ، فَعَفَا عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَلَمْ يُعَاقِبْهَا، وَتُوُفِّيَ أَصْحَابُهُ الَّذِينَ أَكَلُوا مِنَ الشَّاةِ، وَاحْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى كَاهِلِهِ مِنْ أَجْلِ الَّذِي أَكَلَ مِنَ الشَّاةِ، حَجَمَهُ أَبُو هِنْدٍ بِالْقَرْنِ. . . . .
ــ
يديه ومن حضر من أصحابه، وفيهم بشر بن البراء، فتناول -ﷺ- فانتهش منها، وتناول بشر عظمًا آخر، فمات بشر بن البراء، فدفعها إلى أولياء بشر بن البراء فقتلوها.
وقوله: (مصلية) بفتح الميم وسكون الصاد وكسر اللام وتشديد التحتانية، أي: مشوية، من صلى اللحم يصليه صليًا: شواه من ضرب.
وقوله: (للذراع) اللام للبيان أو بمعنى عن، نحو قال لزيد: إنه لم يفعل، ونحو قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العنكبوت: ١٢]، أي: قال عن الذراع أنها أخبرتني، وقيل: اللام بمعنى إلى، أي: قال ذلك مشيرًا إليها.
وقوله: (فعفا عنها) قال في (المواهب) (١): قد اختلف في أنه هل عاقبها؟ فعند البيهقي من حديث أبي هريرة: فأعرض عنها، ومن طريق أبي نضرة عن جابر -﵁-: فلم يعاقبها، وقال الأزهري: أسلمت فتركها، قال البيهقي: يحتمل أن يكون تركها أولًا، ثم لما مات بشر بن البراء قتلها، وبذلك أجاب السهيلي وزاد: أنه تركها لأنه
_________________
(١) "المواهب اللدنية" (١/ ٥٣٤).
[ ٩ / ٤٩٧ ]
وَالشَّفْرَةِ، وَهُوَ مَوْلًى لِبَنِي بَيَاضَةَ مِنَ الأَنْصَارِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ. [د: ٤٥١٠، دي: ١/ ٢٠٨].
٥٩٣٢ - [٦٥] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ: أَنَّهُمْ سَارُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَأَطْنَبُوا السَّيْرَ حَتَّى كَانَ عَشِيَّةً، فَجَاءَ فَارِسٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي طَلَعْتُ عَلَى جَبَلِ كَذَا وَكَذَا،
ــ
كان لا ينتقم لنفسه، ثم قتلها ببشر قصاصًا، ويحتمل أن يكون تركها لكونها أسلمت، وإنما أخر قتلها حتى مات بشر؛ لأن بموته وجب القصاص، ويختلج أنه ما وجه تخصيص ذكر موت بشر والاختصاص به وقد توفي أصحابه الذين أكلوا من الشاة، ولعله مات بشر بالفور قبل وفاة الأصحاب فاقتص به، واللَّه أعلم. (والشفرة) بفتح الشين المعجمة وسكون الفاء: السكين الكبير.
٥٩٣٢ - [٦٥] (سهل بن الحنظلية) قوله: (وعن سهل بن الحنظلية) نسبة إلى حنظل بلفظ الثمرة المرة المعروفة.
وقوله: (حتى كان عشية) بالنصب، أي: حتى كان السير إلى العشية، أي: ممتدًا إليها.
وقوله: (إني طلعت) بفتح اللام وكسرها لغتان، في (القاموس) (١): طلع الجبل: علاه كطَلِع، بالكسر، وفي (مجمع البحار) (٢): طلع المنبر بفتح لام، أي: أتاه، وبكسرها، أي: علاه، والمصحح في أكثر النسخ بالفتح، وفي بعضها بالكسر.
_________________
(١) "القاموس المحيط" (ص: ٦٨٦).
(٢) "مجمع بحار الأنوار" (٣/ ٤٥٩).
[ ٩ / ٤٩٨ ]
فَإِذَا أَنَا بِهَوَازِنَ عَلَى بَكْرَةِ أَبِيهِمْ ظُعُنِهِمْ وَنَعَمِهِمُ، اجْتَمَعُوا إِلَى حُنَيْنٍ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَقَالَ: "تِلْكَ غَنِيمَةُ المُسْلِمِينَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى"، ثُمَّ قَالَ: "مَنْ يَحْرُسُنَا اللَّيْلَةَ؟ " قَالَ أَنَسُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيُّ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: "ارْكَبْ" فَرَكِبَ فَرَسًا لَهُ. قَالَ: "اسْتَقْبِلْ هَذَا الشِّعْبَ حَتَّى تَكُونَ فِي أَعْلَاهُ"،
ــ
وقوله: (على بكرة أبيهم) أي: بأجمعهم، يقال: جاء القوم على بكرة أبيهم، وهذا مثل يريدون به الكثرة وتوفر العدد وأنهم جاؤوا جميعًا لم يختلف منهم أحد، ونقل الطيبي (١) أن أصله أن جمعًا من العرب عرض لهم انزعاج فارتحلوا جميعًا ولم يخلفوا شيئًا حتى إن بكرة كانت لأبيهم أخذوها معهم، فقال من وراءهم: جاؤوا على بكرة أبيهم، فصار ذلك مثلًا، والبكرة بفتح الباء وسكون الكاف: الإبل التي يستقى عليها.
و(الظعن) بالظاء المعجمة والعين المهملة المضمومتين وقد تسكن العين جمع ظعينة: المرأة ما دامت في الهودج، وقد يطلق على الهودج فيه امرأة أم لا، وعلى الإبل أيضًا، قال في (الصحاح) (٢): ولا يطلق حمول ولا ظعن إلا على الإبل التي عليها الهوادج، ويقال: هذا بعير تظعنه المرأة، أي: تركبه، و(النعم) بفتحتين الإبل والشاة، أو خاص بالإبل، والجمع أنعام وأناعيم.
وقوله: (أنس بن أبي مرثد) بفتح الميم والثاء المثلثة، و(الغنوي) بفتح الغين المعجمة والنون نسبة إلى غني بن أعصر، و(استقبل) بلفظ الأمر.
_________________
(١) "شرح الطيبي" (١١/ ١٥٧).
(٢) "الصحاح" (٦/ ٢١٥٩).
[ ٩ / ٤٩٩ ]
فَلَمَّا أَصْبَحْنَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى مُصَلَّاهُ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: "هَلْ حَسِسْتُمْ فَارِسَكُمْ؟ " فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا حَسِسْنَا، فَثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وهُوَ يُصَلِّي يَلْتَفِتُ إِلَى الشِّعْبِ، حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ: "أَبشِرُوا، فَقَدْ جَاءَ فَارِسُكُمْ"، فَجَعَلْنَا نَنْظُرُ إِلَى خِلَالِ الشَّجَرِ فِي الشِّعْبِ، فَإِذَا هُوَ قَدْ جَاءَ، حَتَّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: إِنِّي انْطَلَقْتُ حَتَّى كُنْتُ فِي أَعْلَى هَذَا الشِّعْبِ، حَيْثُ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ طَلَعْتُ الشِّعْبَيْنِ كِلَيْهِمَا، فَلَمْ أَرَ أَحَدًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "هَلْ نَزَلْتَ اللَّيْلَةَ؟ " قَالَ: لَا إِلَّا مُصَلِّيًا أَوْ قَاضِيَ حَاجَةٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "فَلَا عَلَيْكَ أَنْ لَا تَعْمَلَ بَعْدَهَا". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٥٠١].
_________________
(١) وقوله: (فركع ركعتين) هما سنة الفجر، و(حسستم) بكسر السين الأول. وقوله: (فثوب) من التثويب وهو الدعاء للصلاة، والمراد هنا الإقامة، وقد مرّ في (باب الأذان). وقوله: (يلتفت إلى الشعب) فيه جواز الالتفات في الصلاة لمصلحة دينه، وهذا من باب تداخل العبادات كما قيل في تجهيز عمر الجيش في الصلاة، و(الخلال) بالكسر جمع خلل: الفرجة بين الشيئين كجبل وجبال. وقوله: (هل نزلت الليلة؟) يعني عن فرسك. وقوله: (فلا عليك) أي: لا بأس عليك (أن لا تعمل بعدها) يعني من نوافل الخيرات وفضائل الأعمال، فإن فيما عملت كفاية، وهذا مبالغة في تحسين عمله وبشارة له بالمغفرة، وقيل: المراد عمل الجهاد في ذلك اليوم، وهذا أظهر، واللَّه أعلم.
[ ٩ / ٥٠٠ ]
٥٩٣٣ - [٦٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: أَتَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- بِتَمَرَاتٍ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ادْعُ اللَّهَ فِيهِنَّ بِالْبَرَكَةِ فَضَمَّهُنَّ، ثُمَّ دَعَا لِي فِيهِنَّ بِالْبَرَكَةِ، فَقَالَ: "خُذْهُنَّ فَاجْعَلْهُنَّ فِي مِزْوَدِكَ، كُلَّمَا أَرَدْتَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا فَأَدْخِلْ فِيهِ يَدَكَ فَخُذْهُ وَلَا تَنْثُرْهُ نَثْرًا"،
ــ
٥٩٣٣ - [٦٦] (أبو هريرة) قوله: (بتمرات) قيل: كانت التمرات إحدى وعشرين.
وقوله: (ادع اللَّه فيهن بالبركة) لم يقل: ادع اللَّه لي فيهن تأدبًا وقصدًا إلى حصول البركة في نفسهن سواء كانت له أو لغيره، وإن كان مقصوده طلب الدعاء له لنفسه كما يظهر من كلامه -ﷺ-، فافهم.
وقوله: (أن تأخذ منه) أي: من المزود (شيئًا) من التمر، هذا هو المراد سواء جعل (منه) صلة (تأخذ) أو حالًا من (شيئًا)، وأما قول الطيبي (١): إن جعل (منه) صلة تأخذ و(شيئًا) مفعوله، فيكون نكرة شائعة فلا يختص بالتمر، وإن جعل حالًا من (شيئًا) اختص به، لا يخلو عن بعد إلا أن يقصد كمال الإعجاز بأن يخرج من مزود التمر كل ما أراد من تمر أو غيره من الأشياء، ثم هذا الكلام إنما يصح إذا جعل الضمير في منه للتمر المذكور في ضمن تمرات، والظاهر أنه للمزود، وحينئذٍ يصح شيوع شيء وشموله للتمر وغبره على كلا التقديرين سواء جعله صلة (تأخذ) أو حالًا من (شيئًا)، فلا وجه لهذا الترديد كما لا يخفى.
وقوله: (ولا تنثره) نثرته نثرًا من باب نصر وضرب: رميت به متفرقًا.
_________________
(١) انظر: "شرح الطيبي" (١١/ ١٥٨).
[ ٩ / ٥٠١ ]
فَقَدْ حَمَلْتُ مِنْ ذَلِكَ التَّمْرِ كَذَا وَكَذَا مِنْ وَسْقٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَكُنَّا نَأْكُلُ مِنْهُ وَنُطْعِمُ، وَكَانَ لَا يُفَارِقُ حَقْوِي حَتَّى كَانَ يَوْمُ قُتلَ عُثْمَانُ فَإِنَّهُ انْقَطَعَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٨٣٩].