٥٤٢٤ - [١٥] عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "عُمْرَانُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ خَرَابُ يَثْرِبَ،
_________________
(١) [١٤] (أبو هريرة) قوله: (من بني إسحاق) قيل: هم عسكر الشام، وهم من نسل إسحاق ﵇، وهم المسلمون. وقوله: (قال ثور بن يزيد. . . إلخ)، لفظ الحديث في (المصابيح) هكذا: (فيسقط أحد جانبيها الذي في البحر)، فأشار المؤلف إلى أن قوله: (الذي في البحر) ليس من قول النبي -ﷺ-، بل هو مدرج من قول الراوي، وهو ثور بن يزيد. الفصل الثاني
(٢) [١٥] (معاذ بن جبل) قوله: (عمران) بضم العين، أي: عمارة بيت
[ ٨ / ٦٤٢ ]
وَخَرَابُ يَثْرِبَ خُرُوجُ الْمَلْحَمَةِ، وَخُرُوجُ الْمَلْحَمَةِ فَتْحُ قُسْطَنْطِينِيَّةَ، وَفَتْحُ قُسْطَنْطِينِيَّةَ خُرُوجُ الدَّجَّال". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٢٩٤].
٥٤٢٥ - [١٦] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "الملحمة الْعُظْمَى وَفَتْحُ الْقُسْطُنْطِينيَّةِ وَخُرُوجُ الدَّجَّالِ فِي سَبْعَةِ أَشْهُرٍ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٢٢٣٨، د: ٤٢٩٥].
٥٤٢٦ - [١٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "بَيْنَ الْمَلْحَمَةِ وَفَتْح الْمَدِينَةِ سِتُّ سِنِينَ، وَيَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي السَّابِعَةِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَقَالَ: هَذَا أَصَحُّ. [د: ٤٢٩٦].
_________________
(١) المقدس سبب خراب يثرب؛ لأن عمرانه باستيلاء الكفار، والمعنى أن كل واحد من هذه الأمور أمارة لوقوع ما بعده، وإن وقع هناك مهلة كما في الحديثين الآتيين، فلا يرد أنه قد سبق في حديث أبي هريرة: (إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح قد خلفكم في أهليكم، [فيخرجون]، وذلك باطل) أي: هذا الإخبار والصياح كذب، فيعلم منه أنه لا يكون فتح القسطنطينية أمارة خروج الدجال، فافهم. وقوله: (خروج الملحمة) أي: الملحمة العظمى المذكورة من قبل التي يبقى فيها من مئة واحد.
(٢) [١٦] (وعنه) قوله: (الملحمة العظمى وفتح القسطنطينية وخروج الدجال في سبعة أشهر) قال الجزري: في إسناده كلام، وفيه بقية، وقد تكلم فيه.
(٣) [١٧] (عبد اللَّه بن بسر) قوله: (ست سنين) لا يخفى ما في هذا الحديث والذي قبله من الاختلاف الفاحش، ولكن هذا الحديث صحيح، والذي قبله في إسناده كلام لا يكاد يصح كما عرفت، فلا يعارضه، واللَّه أعلم.
[ ٨ / ٦٤٣ ]
٥٤٢٧ - [١٨] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: يُوشِكُ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يُحَاصَرُوا إِلَى الْمَدِينَةِ حَتَّى يَكُونَ أَبْعَدَ مَسَالِحِهِمْ سَلَاحٌ، وَسَلَاحٌ: قَرِيبٌ مِنْ خَيْبَرَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٢٥٠].
٥٤٢٨ - [١٩] وَعَنْ ذِي مِخْبَرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: . . . . .
ــ
٥٤٢٧ - [١٨] (ابن عمر) قوله: (يوشك المسلمون أن يحاصروا إلى المدينة) أي: يضطروا إليها لمحاصرة العدو إياهم، والظاهر أن هذا إخبار عن حال المسلمين زمن الدجال حين يأرز الإسلام إلى المدينة المطهرة، أو يكون هذا في زمان آخر.
وقوله: (حتى يكون أبعد مسالحهم) جمع مسلحة، وأصله موضع السلاح، ثم استعمل للثغر، وهو المراد هنا، أي: أبعد ثغورهم هذا الموضع القريب من خيبر القريب من المدينة على عدة مراحل، وقد يستعمل لقوم يحفظون الثغور من العدو لأنهم يكونون ذوي سلاح، أو لأنهم يسكنون المسلح الذي هو موضع السلاح يرقبون العدو لئلا يطرقهم على غفلة كما في حديث الدعاء: (بعث اللَّه له مسلحة يحفظونه من الشيطان) (١)، وقد جاء في الحديث: مسالح الدجال، والمراد به مقدمة جيشه، و(سلاح) كسحاب وقطام: موضع أسفل خيبر، كذا في (القاموس) (٢)، فعلى الأول يكون منصرفًا إن أوّل بالموضع، وغير منصرف إن أوّل بالبقعة، وعلى الثاني علمًا لعين المؤنث، وهي غير منصرف عند بني تميم، ومبني عند أهل الحجاز.
٥٤٢٨ - [١٩] (ذو مخبر) قوله: (وعن ذي مخبر) بميم مكسورة وسكون خاء معجمة وفتح موحدة، وقيل: بميم بدل موحدة، ابن أخي النجاشي خادم رسول اللَّه -ﷺ-.
_________________
(١) انظر: "النهاية" (٢/ ٣٨٨).
(٢) "القاموس المحيط" (ص: ٢٠٤).
[ ٨ / ٦٤٤ ]
"سَتُصَالِحُونَ الرُّومَ صُلْحًا آمِنًا، فَتَغْزُونَ أَنْتُمْ وَهُمْ عَدُوًّا مِنْ وَرَائِكُمْ، فَتُنْصَرُونَ وَتَغْنَمُونَ وَتَسْلَمُونَ، ثُمَّ تَرْجِعُونَ حَتَّى تَنْزِلُوا بِمَرْجٍ ذِي تُلُولٍ، فَيَرْفَعُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ النَّصْرَانِيَّةِ الصَّلِيبَ، فَيَقُولُ: غَلَبَ الصَّلِيبُ، فَيَغْضَبُ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَيَدُقُّهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَغْدِرُ الرُّومُ وَتَجْمَعُ لِلْمَلْحَمَةِ". وَزَادَ بَعْضُهُمْ: "فَيَثُورُ الْمُسْلِمُونَ إِلَى أَسْلِحَتِهِمْ فَيَقْتَتِلُونَ، فَيُكْرِمُ اللَّهُ تِلْكَ الْعِصَابَةَ بِالشَّهَادَةِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٢٩٢].
ــ
وقوله: (فتغزون عدوًّا) مفعول (تغزون)، و(من ورائكم) أي: من خلفكم صفة (عدوًّا).
وقوله: (صلحًا آمنا) صفة النسبة، أو الإسناد مجازي. و(المرج) بسكون الراء في آخره جيم: الموضع ترعى فيه الدواب، و(التلول) بضم مثناة وخفة لام جمع (تل) بمفتوحة: كل ما اجتمع على الأرض من تراب أو رمل.
وقوله: (فيرفع رجل من أهل النصرانية) وهم الروم، و(الصليب) شيء يكون للنصارى، وسيجيء معناه في (باب نزول عيسى ﵇): (فيقول): أي: ينقض الذمة، كان النصراني نسب الفتح إلى الصليب تعظيمًا للنصرانية، فيلزم منه نقض العهد بالمسلمين، ويجوز أن يكون قوله ذلك لقصد نقض الذمة إخبارًا بغلبتهم على المسلمين في معنى الانشاء، فافهم.
وقوله: (فيثور المسلمون) الثَّوْر: الهيجان، والوثب، والسطوع، ونهوض القطا والجراد، كذا في (القاموس) (١).
_________________
(١) "القاموس المحيط" (ص: ٣٢٤).
[ ٨ / ٦٤٥ ]
٥٤٢٩ - [٢٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: "اتْرُكُوا الْحَبَشَةَ مَا تَرَكُوكُمْ، فَإِنَّهُ لَا يَسْتَخْرِجُ كَنْزَ الْكَعْبَةِ إِلَّا ذُو السُّويقَتَيْنِ مِنَ الْحَبَشَةِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٣٠٩].
٥٤٣٠ - [٢١] وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: "دَعُوا الْحَبَشَةَ مَا وَدَعُوكُمْ، وَاتْرُكُوا التُّرْكَ مَا تَرَكُوكُمْ". رَوَاهُ. . . . .
ــ
٥٤٢٩ - [٢٠] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (فإنه لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين من الحبشة) و(السويقة): تصغير الساق، وصغر لأن الغالب على سوق الحبشة الدقة والخموشة، والمراد بالكنز مال كان مدفونًا في الكعبة من نذور كانت تحمل إليها قديمًا وغيرها، وقيل: هو كنز مدفون تحت الكعبة، وفي حديث آخر: (يخرب الكعبة ذو السويقتين)، وهذا عند قرب الساعة حيث لا يبقى قائل: اللَّه اللَّه، وقيل: يخرب في زمان عيسى ﵇.
وقال القرطبي: بعد رفع القرآن من الصدور والمصحف بعد موت عيسى ﵇، وهو الصحيح، ولا يعارض هذا قوله تعالى: ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾ [القصص: ٥٧]؛ إذ أمنه إلى قرب القيامة وخراب الدنيا، وبعد ما يخرب الحبشة لا يعمر، ومعنى حديث: (ليحجن البيت بعد [خروج] يأجوج ومأجوج) أن يحج مكان البيت، كذا في (مجمع البحار) (١)، ومما ذكرنا يحصل الجواب عما يشكل أنه قد ورد أن المهدي ﵇ يخرج كنز الكعبة الشريفة بأن هذا الكنز الذي يجتمع بعد المهدي، فتدبر.
٥٤٣٠ - [٢١] (رجل من أصحاب النبي -ﷺ-) قوله: (ما ودعوكم) أي: تركوكم، هذا الحديث حجة على الصرفيين في حكمهم بأنهم أماتوا ماضي (يدع) إن ثبت أنه
_________________
(١) "مجمع بحار الأنوار" (٣/ ١٥٠).
[ ٨ / ٦٤٦ ]
أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٤٣٠٢، ن: ٣١٧٦].
٥٤٣١ - [٢٢] وَعَنْ بُرَيْدَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي حَدِيثٍ: "يُقَاتِلُكُمْ قَوْمٌ صِغَارُ الأَعْيُنِ" يَعْنِي التُّرْكَ، قَالَ: "تَسُوقُونَهُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ حَتَّى تُلْحِقُوهُمْ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ، فَأَمَّا فِي السِّيَاقَةِ الأُولَى فَيَنْجُو مَنْ هَرَبَ مِنْهُمْ، وَأَمَّا الثَّانِيَةِ فَيَنْجُو بَعْضٌ وَيَهْلِكُ بَعْضٌ، وَأَمَّا الثَّالِثَةِ فَيُصْطَلَمُونَ"، أَوْ كَمَا قَالَ: رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٣٠٥].
٥٤٣٢ - [٢٣] وَعَن أبي بَكْرَة أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "يَنْزِلُ أُنَاسٌ مِنْ أُمَّتِي بِغَائِطٍ. . . . .
ــ
لفظ الرسول -ﷺ-، أو بعض من يوثق بعربيته من الرواة من الصحابة أو غيرهم، والحمل على أنه كان اللفظ (وادعوكم) أي: سالموكم فسقط الألف من قلم بعض الرواة تكلف، إلا أن يكون مرادهم قلة ورود ذلك، وكذا ورد مصدره في حديث: (لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن [اللَّه] على قلوبهم) (١)، وقد قرئ قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ٣] بالتخفيف، فتدبر، ولهذا أخوات وأمثلة كـ (اتزر) ووقوع (قط) في المستقبل وغيرهما ذكرت في محالِّها.
٥٤٣١ - [٢٢] (بريدة) قوله: (فيصطلمون) بلفظ المجهول افتعال من الصلم، وهو القطع، وقيل: هو قطع الأذن والأنف من أصله، أريد به الاستئصال.
٥٤٣٢ - [٢٣] (أبو بكرة) قوله: (بغائط) الغائط: المطمئن الواسع من الأرض، كذا في (القاموس) (٢).
_________________
(١) أخرجه مسلم في "صحيحه" (٨٦٥).
(٢) "القاموس المحيط" (ص: ٦١٢).
[ ٨ / ٦٤٧ ]
يُسَمُّونَهُ الْبَصْرَةَ عِنْدَ نَهْرٍ يُقَالُ لَهُ: دِجْلَةُ، يَكُونُ عَلَيْهِ جِسْرٌ يَكْثُرُ أَهْلُهَا، وَيَكُونُ مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِذَا كَانَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ جَاءَ بَنُو قَنْطُورَاءَ عِرَاضُ الْوُجُوهِ صِغَارُ الأَعْيُنِ حَتَّى يَنْزِلُوا عَلَى شَطِّ النَّهْرِ، فَيَتَفَرَّقُ أَهْلُهَا ثَلَاثَ فِرَقٍ: فِرْقَةٌ يَأْخُذُونَ فِي أَذْنابِ الْبَقَرِ وَالْبَرِّيَّةِ وَهَلَكُوا،
ــ
وقوله: (يسمونه البصرة) بالفتح ويحرك وبكسر الصاد، وهو بلد معروف، وقد كان بلد آخر بالمغرب يسمى بالبصرة خربت بعد الأربع مئة، ويجيء بمعنى الأرض الغليظة، وحجارة رخوة فيها بياض، ويالضم: الأرض الحمراء الطيبة، ويصرى كحبلى: بلد بالشام، وقرية ببغداد، كل ذلك ذكره في (القاموس) (١).
ثم إنهم قالوا: إن المراد بالبصرة المذكورة في الحديث هو بغداد، فإن دجلة -بفتح الدال وكسرها- هي الشط، وجسرها إنما هو في بغداد لا في البصرة، وفي بغداد موضع خارج عنه قريب من بابه يدعى باب البصرة، فلذلك سمي به تسمية بالجزء، وبغداد ما كانت مبنية في عهده -ﷺ-، ولا مصرًا من الأمصار، بل أخبر -ﷺ- بوجوده في الاستقبال بقوله: (ويكون من أمصار المسلمين)، ويسكن فيه أناس كثير من أمتي، بل كانت قرى متفرقة منسوبة إلى البصرة، وأيضًا لم يدخل الترك البصرة على سبيل الحرب والقتال بالكيفية المذكورة، فأخبر -ﷺ- أنه إذا كان، أي: الأمر أو الحال في جانب آخر الزمان من بناء ذلك المصر، جاء بنو قنطوراء، والمراد بهم الأتراك، وقنطوراء بفتح القاف وضم الطاء مقصورًا [وقد يمد]: اسم أبي الترك، وقيل: كانت جارية لإبراهيم ﵇ ولدت له أولادًا منهم الترك والصين، وتعقب بأن الترك من أولاد يافث ابن نوح ﵇، وهو قبل الخليل بكثير، ثم أخبر بأنهم يجيئون لمقاتلة أهل بغداد،
_________________
(١) "القاموس المحيط" (ص: ٣١٧).
[ ٨ / ٦٤٨ ]
وَفِرْقَةٌ يَأْخُذُونَ لِأَنْفُسِهِمْ وَهَلَكُوا، وَفِرْقَةٌ يَجْعَلُونَ ذَرَارِيَّهُمْ خَلْفَ ظُهُورِهِمْ وَيُقَاتِلُونَهُمْ، وَهُمُ الشُّهَدَاءُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٣٠٦].
٥٤٣٣ - [٢٤] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "يَا أَنَسُ إِنَّ النَّاسَ يُمَصِّرِونَ أَمْصَارًا، فَإِنَّ مِصْرًا مِنْهَا يُقَالُ لَهُ: الْبَصْرَةُ،
ــ
وينزلون على شط النهر، ففرقة من أهلها يأخذون في أذناب البقر، على معنى يوقعون الأخذ في الأذناب ويتمسكون بها، تنزيلًا للمتعدي منزلة اللازم، أو يأخذون ملجأ فيها، وله معان، أحدها: أنهم يشتغلون بالزراعة إعراضًا عن المقاتلة واستخلاصًا عنها، أو يبيعون البقر ويطلبونها للحراثة ويذهبون في طلبها إلى البلاد النائية فيهلكون، أو يحملون أحمالهم على البقر ويسوقونها ويتوغلون في السفر إلى البلاد ويهلكون، وينظر إلى هذا المعنى ويقويه قوله: (والبرية).
(وفرقة يأخذون لأنفسهم) أي: ملجأ وأمانًا من بني قنطورا ولم يجدوا الأمان منهم، قيل: هم المستعصم باللَّه الخليفة ورؤساء بغداد وعلماؤها طلبوا الأمان فقتلوا تقتيلًا وجرى ما جرى عليهم، وفرقة قاتلوهم فاستشهد أكثرهم ونجى قليلون، وهذا الذي أشير إليه في الحديث، ومصدوقه قصة التتار وخروجهم على بلاد اللَّه وقتلهم عباد اللَّه في عهد المستعصم باللَّه، وهي فتنة عظيمة لم يقع ولم يرو مثلها، واللَّه أعلم، نسأل اللَّه تعالى العافية.
٥٤٣٣ - [٢٤] (أنس) قوله: (يمصرون) من التمصير، في (القاموس) (١): مصروا المكان تمصيرًا: جعلوه مصرًا، فتمصر.
وقوله: (وإن مصرًا منها يقال له: البصرة) يظهر منه أن تعمر البصرة وتمصيرها
_________________
(١) "القاموس المحيط" (ص: ٤٢٩).
[ ٨ / ٦٤٩ ]
فَإِنْ أَنْتَ مَرَرْتَ بِهَا أَوْ دَخَلْتَهَا فَإِيَّاكَ وَسِبَاخَهَا وَكَلَّاءَهَا وَنَخِيلَهَا وَسُوقَهَا وَبَابَ أُمَرَائِهَا، وَعَلَيْكَ بِضَوَاحِيهَا، فَإِنَّهُ يَكُونُ بهَا خَسْفٌ وَقَذْفٌ وَرَجْفٌ وَقَوْمٌ يَبِيتُونَ وَيُصْبِحُونَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ". رَوَاهُ (١). [د: ٤٣٠٧].
ــ
أيضًا بعد زمانه -ﷺ-، ولكن تمصيرها كان قبل تمصير بغداد وبنائها؛ لأن تمصير الكوفة والبصرة في زمن عمر -﵁-، وتمصير بغداد في زمان المنصور، فلم يناف بما ذكروا من التوجيه، و(السباخ) بالكسر جمع سبخة ويحرك: أرض ذات نزٍّ وملح، موضع بالبصرة. و(كلَّاء) ككَتَّان: موضع بالبصرة، ويذكر، وساحل كل نهر، كالمكلأ كمعظم، و(الضواحي) جمع ضاحية، وهي الناحية البارزة للشمس، وضاحية البصرة موضع منها.
وقوله: (فإنه يكون بها خسف) الظاهر أن الضمير للسباخ، وما ذكر بعدها من المواضع حذر منها، وقيل: للمواضع المذكورة، وخسَف المكان يَخسِف خُسوفًا: ذهب في الأرض، وقذف بالحجارة يقذف: رمى بها، ورجف: حرك وتحرّك واضطرب شديدًا، رجفًا ورجفانًا ورجوفًا ورجيفًا، والأرض: زلزلت كأرجفت.
وقوله: (وقوم يبيتون ويصبحون قردة وخنازير) المراد به المسخ، قيل: في هذا إشارة إلى أن بها قدرية؛ لأن الخسف والمسخ إنما يكون للمكذبين بالقدر، وقد أصاب القائل، فإن إمامهم ورئيسهم هو واصل بن عطاء، ومنه نشأت بدعة الاعتزال وما يتفرع عليها.
وقوله: (رواه أبو داود. . . إلخ)، في الأصل هنا بياض، وموسى بن أنس بن
_________________
(١) قال القاري (٨/ ٣٤٢٣): هنا بياض في الأصل، وقال الجزري: رواه أبو داود من طريق لم يجزم بها الراوي، بل قال: لا أعلمه إلا عن عيسى بن أنس عن أنس بن مالك.
[ ٨ / ٦٥٠ ]
٥٤٣٤ - [٢٥] وَعَنْ صَالِحٍ بْنِ دِرْهَمٍ يَقُولُ: انْطَلَقْنَا حَاجَّينَ فَإِذَا رَجُلٌ، فَقَالَ لَنَا: إِلَى جَنْبِكُمْ قَرْيَةٌ يُقَالُ لَهَا: الأُبُلَّةُ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: مَنْ يَضْمَنُ لِي مِنْكُمْ أَنْ يُصَلِّيَ لِي فِي مَسْجدِ الْعَشَّارِ رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَرْبَعًا وَيَقُولُ: هَذِهِ لِأَبِي هُرَيْرَةَ؟ سَمِعْتُ خَلِيلِي أَبَا الْقَاسِمِ -ﷺ- يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ ﷿ يَبْعَثُ مِنْ مَسْجِدِ الْعَشَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُهَدَاءَ لَا يَقُومُ مَعَ شُهَدَاءِ بَدْرٍ غَيْرُهُمْ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٣٠٨]. وَقَالَ: هَذَا الْمَسْجِدُ مِمَّا يَلِي النَّهْرَ.
وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ أَبِي الدَّرْدَاءَ: "إِنَّ فُسْطَاطَ الْمُسْلِمِينَ" فِي (بَابِ ذِكْرِ الْيَمَنِ وَالشَّامِ) إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ــ
مالك الأنصاري قاضي البصرة، في الطبقة الثالثة، من تابعي البصرة، روى عن أبيه، وروى عنه مكحول وحميد الطويل، كذا في (جامع الأصول) (١).
٥٤٣٤ - [٢٥] (صالح بن درهم) قوله: (فإذا رجل) أي: واقف، وهو أبو هريرة -﵁-، و(الأبلة) بضم الهمزة والباء وتشديد اللام: موضع بالبصرة أحد جنان الدنيا، كذا في (القاموس) (٢).
وقوله: (ويقول: هذا لأبي هريرة) الظاهر أن معناه ثواب هذه الصلاة لأبي هريرة، وقد جاز في العبادة البدنية أن يجعل ثواب عمله لغيره، وفيه خلاف، ولعل مذهب أبي هريرة -﵁- هذا، وأما في العبادة المالية فجائز بالاتفاق، ويؤخذ من هذا الحديث أن العمل في الأمكنة الفاضلة فاضل.
وقوله: (وقال: هذا المسجد. . . إلخ)، قول أبي هريرة -﵁- أو قول راوي
_________________
(١) "جامع الأصول" (١٢/ ٩١٧).
(٢) "القاموس المحيط" (ص: ٨٦٣).
[ ٨ / ٦٥١ ]