٥٤٤٨ - [١٢] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يتقاربَ الزَّمانُ، فَتَكُونُ السَّنةُ كالشهرِ، والشَّهرُ كالجمعةِ، وتكونُ الجمعةُ كَاليومِ، وَيَكُونُ الْيَوْمُ كَالسَّاعَةِ، وَتَكُونُ السَّاعَةُ كَالضَّرْمَةِ بِالنَّارِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٣٣٢].
ــ
الفصل الثاني
٥٤٤٨ - [١٢] (أنس) قوله: (حتى يتقارب الزمان) قد سبق لهذه العبارة معاني محتملة، ولما وقع في صريح الحديث تفسيره بما ذكر من قوله: (فيكون السنة كالشهر والشهر كالجمعة. . . إلخ)، وجب الاقتصار عليه كما لا يخفى.
وقوله: (وتكون الساعة كالضرمة) هي بفتح معجمة وسكون الراء: الشعلة الواحدة من النار، يقال: ضرمت النار: اشتعلت، وبفتح الراء: حشيش يحرق سريعًا، وفي (القاموس) (١): الضرمة محركة: السَّعَفة، أو الشِّيحَة في طرفها نار، والرواية في الحديث بالسكون والحركة معًا كما صحح في النسخ المصححة، وقول الطيبي (٢): أي كزمان إيقاد الضرمة، وهي ما توقد به النار أوّلًا كالقصب والكبريت إنما يصح إذا كان بفتح الراء.
نعم لا بد على تقدير السكون أيضًا من تقدير الزمان كما لا يخفى.
هذا وقد جاء الضرمة بالحركة بمعنى النار، كما يقال: ما بها نافخ ضرمة، للمبالغة في الهلاك، أي: ما بها أحد، وفي الحديث الكناية عن قصر الأعمار وقلة
_________________
(١) "القاموس المحيط" (ص: ١٠٢٠).
(٢) "شرح الطيبي" (١١/ ١٤٤١).
[ ٨ / ٦٦٢ ]
٥٤٤٩ - [١٣] وَعَن عبدِ اللَّه بنِ حوالةَ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِنَغْنَمَ عَلَى أَقْدَامِنَا، فَرَجَعْنَا فَلَمْ نَغْنَمْ شَيْئًا، وَعَرَفَ الْجَهْدَ فِي وُجُوهِنَا، فَقَامَ فِينَا فَقَالَ: "اللهُمَّ لَا تَكِلْهُمْ إِلَيَّ فَأَضْعُفَ عَنْهُمْ، وَلَا تَكِلْهُمْ إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَيَعْجِزُوا عَنْهَا، وَلَا تَكِلْهُمْ إِلَى النَّاسِ فَيَسْتَأْثِرُوا عَلَيْهِمْ"، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِي ثُمَّ قَالَ: . . . . .
_________________
(١) البركة، أو أن الناس لكثرة اهتمامهم بما دهمهم من النوازل والشدائد والفتن لا يشعرون بمضي الأيام، ولا يدرون كيف ذهبت.
(٢) [١٣] (عبد اللَّه بن حوالة) قوله: (عبد اللَّه بن حوالة) بفتح الحاء والتخفيف. (لنغنم) أي: لنغزو ونغنم، واقتصر على ذكر الغنيمة اختصارًا واقتصارًا على ما هو الباعث، كأن القوم كانوا فقراء محتاجين ماشين غير قادرين على الركوب، وهذا معنى قوله: (على أقدامنا) متعلق بـ (بعثنا). وقوله: (فأضعف) بلفظ المتكلم منصوبًا بتقدير (أن)، (عنهم) أي: عن كفاية مؤنتهم ورفع احتياجهم. وقوله: (فيعجزوا عنها) لعدم قدرتهم على الوصول بمراداتهم ورفع حوائجهم. وقوله: (فيستأثروا عليهم) أي: يختاروا لأنفسهم ويقدموا حقوقهم في اختيار ما هو الأولى والأصلح لهم، وفيه تعليم منه -ﷺ- بأن يكلوا أمورهم وحوائجهم إلى اللَّه -ﷺ-، ولا يعتمدوا على غيره، وأقام -ﷺ- نفسه في هذا المقام على حد البشرية والضعف والعبودية رعاية لكمال التوحيد وعزة الربوبية، وإلا فهو خليفة اللَّه المطلق ونائبه في الكل يفعل ويعطي ما يشاء بإذنه تعالى، -ﷺ-، يا رسول اللَّه في جاهك ما يبلغ القاصد أقصى ما قصد.
[ ٨ / ٦٦٣ ]
"يَا بْنَ حَوَالَةَ إِذَا رَأَيتَ الْخِلَافَةَ قَدْ نَزَلَتِ الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ فَقَدْ دَنَتِ الزَّلَازِلُ وَالْبَلَابِلُ وَالأُمُورُ الْعِظَامُ، وَالسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنَ النَّاسِ مِنْ يَدِي هَذِهِ إِلَى رَأْسِكَ". رَوَاهُ (١). [د: ٢٥٣٥].
٥٤٥٠ - [١٤] وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِذَا اتُّخِذَ الْفَيْءُ دِوَلًا،
ــ
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
ﷺ، وجزاه عنا خير الجزاء، وله التصرف وبيده العطاء.
وقوله: (إذا رأيت الخلافة قد نزلت الأرض المقدسة) كأنه أراد ما وقع في آخر الزمان من فتح بيت المقدس كما مر من الأحاديث.
وقوله: (والبلابل) جمع بلبلة، وهي الهم والحزن والفتنة، وبلبلت الألسنة: اختلط.
٥٤٥٠ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (إذا اتخذ الفيء دولا) الدول بكسر الدال وفتح الواو: جمع دولة بضم الدال وفتحها، وهما واحد، وهو انقلاب الزمان والعُقْبة في المال، وقيل: الضم في المال والفتح في الحرب، وقيل: الضم في الآخرة والفتح في الدنيا، وقيل: بالضم اسم لما يتناول من المال وبالفتح الفعل، وهو الانتقال من حال البؤس والضر إلى حال التنعم والسرور، والمراد في الحديث أن الأغنياء وأصحاب المناصب يتداولون أموال الفيء ويقسمونها بينهم ويمنعونها مستحقيها، ويلزمه أنهم إنما يغزون لطلب الغنيمة لا لإعلاء الدين.
_________________
(١) كذا هنا بياض بالأصل، وألحق في الحاشية: رواه أبو داود وإسناده حسن، ورواه الحاكم في "صحيحه". "مرقاة المفاتيح" (٨/ ٣٤٣٥).
[ ٨ / ٦٦٤ ]
وَالأَمَانَةُ مَغْنَمًا، وَالزَّكَاةُ مَغْرَمًا، وَتُعُلِّمَ لِغَيْرِ الدِّينِ، وَأَطَاعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَعَقَّ أُمَّهُ، وَأَدْنَى صَدِيقَهُ وَأَقْصَى أَبَاهُ، وَظَهَرَتِ الأَصْوَاتُ فِي الْمَسَاجِدِ، وَسَادَ الْقَبِيلَةَ فَاسِقُهُمْ، وَكَانَ زَعِيمُ الْقَوْمِ أَرْذَلَهُمْ، وَأُكْرِمَ الرَّجُلُ مَخَافَةَ شَرِّهِ، وَظَهَرَتِ الْقَيْنَاتُ وَالْمَعَازِفُ، وشُربتِ الخمورُ، وَلَعَنَ آخِرُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَوَّلَهَا،
ــ
وقوله: (والأمانة مغنمًا) أي: يذهب الناس بودائعهم وأماناتهم فيتخذونها مغانم يغنمونها، والمغنم والغنيمة والغنم بالضم: الفيء، والفوز بالشيء بلا مشقة.
وقوله: (والزكاة مغرمًا) أي: يعدون الزكاة غرامة وخسارة؛ أي: يشق عليهم أداؤها كأنها تؤخذ كالغرامات.
وقوله: (وأدنى صديقه) أي: قربه. دناه دنوًا ودنّاه تدنية وأدناه: قربه.
(وأقصى أباه) أي: أبعده، والقُصيا: الغاية البعيدة، والقصاء: فناء الدار.
وقوله: (وكان زعيم القوم) في (القاموس) (١): الزعيم: الكفيل، وقد زعم به زعمًا وزِعامة، وسيد القوم، ورئيسهم، أو المتكلم عنهم.
(والقينات) جمع قينة بفتح القاف: الأمة المغنية، (والمعازف) الملاهي كالعود والطنبور، الواحد عزف، كذا في (القاموس) (٢)، وقد مر تمام معناه.
وقوله: (ولعن آخر هذه الأمة أولها) قال الطيبي (٣): أي طعن الخلف في السلف وذكروهم بالسوء ولم يقتدوا بهم، فكأنهم لعنوا بهم، انتهى. وقد وقع حقيقة هذا في
_________________
(١) "القاموس المحيط" (ص: ١٠٠٨).
(٢) "القاموس المحيط" (ص: ٧٥٣).
(٣) "شرح الطيبي" (١٠/ ٩٩).
[ ٨ / ٦٦٥ ]
فَارْتَقِبُوا عِنْدَ ذَلِكَ رِيحًا حَمْرَاءَ وَزَلْزَلَةً وَخَسْفًا وَمَسْخًا وَقَذْفًا وَآيَاتٍ تَتَابَعُ كَنِظَامٍ قُطِعَ سِلْكُهُ فَتَتَابَعَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٢١١].
٥٤٥١ - [١٥] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِذَا فَعَلَتْ أُمَّتِي خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً حَلَّ بِهَا الْبَلَاءُ" وَعَدَّ هَذِهِ الْخِصَالَ وَلَمْ يَذْكُرْ "تُعُلِّمَ لِغَيْرِ الدِّينِ"،
ــ
شأن الصحابة ومن تبعهم من الفرقة الزائغة الرافضة، ولعل هذا هو مصدوق الحديث، خذلهم اللَّه تعالى.
(وخسفًا ومسخًا وقذفًا) قد مر معانيها في (الفصل الثالث) من (باب الملاحم).
وقوله: (كنظام قطع سلكه) في (القاموس) (١): النظم: التأليف، والمنظوم، ونظم اللؤلؤ ينظمه نظمًا ونظامًا ونظّمه: ألّفه، وجمعه في سلك، فانتظم، والنظام: كل خيط ينظم به لؤلؤ ونحوه، انتهى.
فينبغي أن يحمل النظام هنا على معنى المصدر ويجعل بمعنى المنظوم، أو الحاصل بالمصدر، فافهم.
٥٤٥١ - [١٥] (علي) قوله: (إذا فعلت أمتي خمسة عشر خصلة) المراد الخصال المذكورة في الحديث السابق، فإن الترمذي ذكر الحديثين على الولاء.
وقوله: (وعد هذه الخصال) كلام صاحب (المصابيح)، والضمير في (عدّ) للترمذي.
وقوله: (ولم يذكر) أي: الترمذي (تعلم لغير الدين) فيكون خمسة عشر، وأما
_________________
(١) "القاموس المحيط" (ص: ١٠٤٨).
[ ٨ / ٦٦٦ ]
قَالَ: "وَبَرَّ صَدِيقَهُ وَجَفَا أَبَاهُ"، وَقَالَ: "وَشُرِبَ الْخَمْرُ وَلُبِسَ الْحَرِيرُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٢١٠].
٥٤٥٢ - [١٦] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَمْلِكَ الْعَرَبَ رَجُلٌ مِنْ أهلِ بَيْتِي يُواطِئُ اسمُه اسْمِي". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ قَالَ: "لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا يَوْمٌ لَطَوَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ حَتَّى يبْعَثَ اللَّهُ فِيهِ رَجُلًا مِنِّي -أَوْ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي- يُوَطِئُ اسْمُهُ اسْمِيَ، وَاسْمُ أَبِيهِ اسْمَ أَبِي، يَمْلأُ الأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَجَوْرًا". [د: ٤٢٨٢، ت: ٢٢٣٠].
٥٤٥٣ - [١٧] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: "الْمَهْدِيُّ مِنْ عِتْرَتِي. . . . .
ــ
ما يذكره يكون ستة عشر، وقال: (وبر صديقه وجفا أباه) مكان (وأدنى صديقه وأقصى أباه)، (ولبس الحرير) بدل (ولعن).
٥٤٥٢ - [١٦] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (حتى يملك العرب) خص الذكر بالعرب لكونه الأصل والأشرف.
٥٤٥٣ - [١٧] (أم سلمة) قوله: (من عترتي) في (القاموس) (١): العترة بالكسر: نسل الرجل، ورهطه، وعشيرته الأدنون ممن مضى وغبر، وفي (النهاية) (٢): عترة
_________________
(١) "القاموس المحيط" (ص: ٣٩٣).
(٢) "النهاية" (٣/ ١٧٧).
[ ٨ / ٦٦٧ ]
مِنْ أَوْلَادِ فَاطِمَة". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [د: ٤٢٨٤].
٥٤٥٤ - [١٨] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "الْمَهْدِيُّ مِنِّي، أَجْلَى الْجَبْهَة، أَقْنَى الأَنْفِ، يَمْلأُ الأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَجَوْرًا، يَمْلِكُ سَبْعَ سِنِينَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٢٨٥].
ــ
الرجل: أقاربه، وعترة النبي -ﷺ- بنو عبد المطلب، وقيل: أهل بيته الأقربين، وهم أولاده، وقيل: قريش كلهم، والمشهور أنهم الذين حرمت عليهم الزكاة، انتهى.
وقوله: (أولاد فاطمة) تقييد للعترة فإن العترة كما ذكر من معانيها أعم من أولاد فاطمة.
٥٤٥٤ - [١٨] (أبو سعيد الخدري) قوله: (أجلى الجبهة، أقنى الأنف) أجلى من الجلاء، أي: أنور وأوضح وأوسع، وقنا الأنف: ارتفاع أعلاه، واحديداب وسطه، وسبوغ طرفه، أو نتو وسط القصبة، وضيق المنخِرين، هو أقنى، وهي قنواء، كذا في (القاموس) (١)، وفي (النهاية) (٢): القنا في الأنف: طوله، ورقة أرنبته مع حدب في وسطه، وفي شمائله -ﷺ-: أقنى العِرنِين، له نور يعلوه، يحسبه من لم يتأمله أشم، وفي (القاموس) (٣): العرنين بالكسر: الأنف كله، أو ما صلب منه عظمه، ومن كل شيء: أوله.
وقوله: (قسطًا وعدلًا كلما ملئت جورًا وظلمًا) في (القاموس) (٤): القسط:
_________________
(١) "القاموس المحيط" (ص: ١١٩٣).
(٢) "النهاية" (٤/ ١١٦).
(٣) "القاموس المحيط" (ص: ١٠٩٥).
(٤) "القاموس المحيط" (ص: ٦١٤، ٩٢٧، ١٠٢٢، ٣٣٢).
[ ٨ / ٦٦٨ ]
٥٤٥٥ - [١٩] وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي قِصَّةِ الْمَهْدِيِّ قَالَ: "فَيَجِيءُ إِلَيْهِ الرَّجُلُ فَيَقُولُ: يَا مَهْدِيُّ أَعْطِنِي أَعْطِنِي، قَالَ: فَيَحْثِي لَهُ فِي ثَوْبِهِ مَا استَطَاعَ أَنْ يَحْمِلَهُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٢٣٢].
٥٤٥٦ - [٢٠] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: "يَكُونُ اخْتِلَافٌ عِنْدَ مَوْتِ خَلِيفَةٍ، فَيَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ هَارِبًا إِلَى مَكَّةَ، فَيَأْتِيهِ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فَيُخْرِجُونَهُ وَهُوَ كَارِهٌ، فَيُبَايِعُونَهُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمقَامِ، وَيُبْعَثُ. . . . .
_________________
(١) العدل، من المصادر الموصوف بها كالعدل، يستوي فيه الواحد والجمع، والعدل: ضد الجور، وما قام في النفوس أنه مستقيم، كالعدالة والعدولة والمَعْدَلِة، والظلم: وضع الشيء في غير موضعه، والمصدر الحقيقي الظلم بالفتح، والجور: نقيض العدل وضد القصد، انتهى. فظهر من هذا أن العدل والقسط متقاربان في المعنى، وكذا الجور والظلم، وجمعهما في الحديث من باب التأكيد والتقرير.
(٢) [١٩] (وعنه) قوله: (فَيَحْثِي لَهُ فِي ثَوْبِهِ مَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَحْمِلَهُ) كناية عن كثرة المال وفيضانه كما سبق.
(٣) [٢٠] (أم سلمة) قوله: (فيخرج رجل من أهل المدينة) قالوا: هو المهدي، ونقل عن القرطبي أنه ذكر أن المهدي يخرج من المغرب الأقصى، وقال السيوطي: لا أصل له. وقوله: (فيخرجونه) أي: يتخذونه إمامًا. وقوله: (ويبعث) لمقاتلته ملك من ملوك زمانه بعثًا من الشام.
[ ٨ / ٦٦٩ ]
إِلَيهِ بَعْثٌ مِنَ الشَّامِ، فَيُخْسَفُ بِهِمْ بِالْبَيْدَاءِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَإِذَا رَأَى النَّاسُ ذَلِكَ أَتَاهُ أَبْدَالُ الشَّامِ. . . . .
ــ
وقوله: (فيخسف) على صيغة المجهول، و(البيداء): الفلاة، واسم موضع بين الحرمين، وهذه هي فتنة إمارة السفياني إحدى علامات خروج المهدي، وقد وردت فيه الأحاديث كثيرة متواترة المعنى، منها: ما روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -﵁- عن رسول اللَّه -ﷺ- قال: (السفياني من ولد خالد بن يزيد بن أبي سفيان، رجل ضخم الهامة، بوجهه آثار جدري، وبعينه نكتة بيضاء، يخرج من ناحية مدينة دمشق) (١)، و(عامة من يتبعه من كلب، فيقتل حتى يبقر بطون النساء، ويقتل الصبيان، فتجمع لهم قيس فيقتلها حتى لا يمنع ذنب تَلعة، ويخرج رجل من أهل بيتي في الحرة فيبلغ السفياني، فيبعث إليه جندًا من جنده فيهزمهم، فيسير إليه السفياني بمن معه حتى إذا صار ببيداء من الأرض خسف بهم، فلا ينجو منهم إلا المخبر عنهم)، أخرجه أبو عبد اللَّه الحاكم في (مستدركه) (٢)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط البخاري ومسلم ولم يخرجاه، كذا في رسالة الشيخ العارف باللَّه علي بن حسام الدين المتقي.
وقوله: (أتاه أبدال الشام) الأبدال جمع بدل بفتح الدال وكسرها، وبديل كأمير: الخلف من الشيء، والأبدال: قوم بهم يقيم اللَّه ﷿ الأرض، وهم سبعون: أربعون بالشام وثلاثون بغيرها، لا يموت أحدهم إلا قام مكانه آخر من سائر الناس، كذا في (القاموس) (٣).
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في "الفتن" (٨١٢).
(٢) "المستدرك" (٤/ ٥٦٥).
(٣) "القاموس المحيط" (ص: ٨٦٨).
[ ٨ / ٦٧٠ ]
وَعَصَائِبُ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَيُبَايِعُونَهُ، ثُمَّ يَنْشَأُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ أَخْوَالُهُ كَلْبٌ،
ــ
وقال الحافظ السيوطي في تعليقه على أبي داود: لم يرو في الكتب الستة ذكر الأبدال إلا في هذا الحديث عند أبي داود، وأخرجه الحاكم وصححه، والأبدال قوم بهم يقيم اللَّه ﷿ الأرض، وهم سبعون: أربعون بالشام وثلاثون بغيرها، وذكر السيوطي في (جمع الجوامع) من غير الكتب الستة في أكثرها عدد الأربعين وفي بعضها ثلاثون، وذكر أيضًا من حديث ابن أبي الدنيا في (كتاب الأولياء) والخلال عن علي -﵁-: الأبدال ستون رجلًا، ليسوا بالمتنطعين ولا بالمبتدعين، ولا بالمتعمقين ولا بالمعجبين، لم ينالوا ما نالوا بكثرة صلاة ولا صيام ولا صدقة، ولكن بسخاء الأنفس وسلامة القلوب والنصيحة لأئمتهم -وفي رواية ابن عساكر عن أنس -﵁-: وسلامة الصدر ونصيحة المسلمين- إنهم يا علي في أمتي أقل من الكبريت الأحمر، وذكر عن الديلمي في (مسند الفردوس) عن معاذ: ثلاث من كن فيه فهو من الأبدال: الرضاء بالقضاء، والصبر عن محارم اللَّه تعالى، والغضب في ذات اللَّه تعالى (١)، وفي كلام بعض الصوفية بسطة في ذلك.
وقوله: (وعصائب أهل العراق) قال في (القاموس) (٢): العصبة بالضم من الرجال والخيل والطير: ما بين العشرة إلى الأربعين، كالعصابة بالكسر، وعصب القوم محركة: خيارهم، والمراد بالعصائب أيضًا طائفة من الرجال مسماة بها كالأبدال، كما في خبر علي -﵁-: الأبدال بالشام، والنجباء بمصر، والعصائب بالعراق، وقيل: المراد خيار الناس وزهادهم.
وقوله: (ثم ينشأ رجل من قريش أخواله كلب) اسم قبيلة، دحية الكلبي منها،
_________________
(١) انظر: "كنز العمال" (١٢/ ١٨٩)، و"كتاب الأولياء" (ص: ١٢).
(٢) "القاموس المحيط" (ص: ١٠٧).
[ ٨ / ٦٧١ ]
فَيَبْعَثُ إِلَيْهِمْ بَعْثًا فَيَظْهَرُونَ عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ بَعْثُ كَلْبٍ، وَيَعْمَلُ فِي النَّاسِ بِسُنَّةِ نَبِيِّهِمْ، وَيُلْقِي الإِسْلَامُ بِجِرَانِهِ فِي الأَرْضِ، فَيَلْبَثُ سَبْعَ سِنِينَ، ثُمَّ يُتَوَفَّى وَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلمُونَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٢٨٦].
٥٤٥٧ - [٢١] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: "ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَلَاءً يُصِيبُ هَذِهِ الأُمَّةَ، حَتَّى لَا يَجدَ الرَّجُلُ مَلْجأ يَلْجَأُ إِلَيْهِ مِنَ الظُّلْم، فَيَبْعَثُ اللَّهُ رَجُلًا مِنْ عِتْرتِي وَأَهْلِ بَيْتِي فَيَمْلأُ بِهِ الأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَجَوْرًا، يَرْضَى عَنْهُ سَاكِنُ السَّمَاءِ وَسَاكِنُ الأَرْضِ، لَا تَدَع السَّمَاءُ مِنْ قَطْرِهَا شَيْئًا إِلَّا صَبَّتْهُ مِدْرَارًا،
ــ
وهذا الرجل ينازع المهدي، ويستعين بأخواله من بني كلب، ويبعث بهم بعثًا، فيظهر أصحاب المهدي عليهم.
وقوله: (ويلقي الإسلام بجرانه) في (القاموس) (١): جران البعير بالكسر: مقدم عنقه من مذبحه إلى منحره، انتهى. يقال: ألقى البعير جرانه على الأرض إذا برك واستقر وصار مستريحًا، وهذا كناية عن تمكن الإسلام وقراره، فلا يكون فيه هرج ولا حرب، واستقرت أحكامه على السنة والاستقامة والعدل، وفي حديث الهجرة أن ناقته -ﷺ- وضعت جرانها، أي: على باب أبي أيوب -﵁-، وظهر من هذا التقرير أن الباء في قوله: (بجرانه) زائدة.
٥٤٥٧ - [٢١] (أبو سعيد) قوله: (إلا صبته مدرارًا) حال من السماء، كقوله تعالى: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١١]، ويستوي في المفعال المذكر والمؤنث على
_________________
(١) "القاموس المحيط" (ص: ١٠٦٨).
[ ٨ / ٦٧٢ ]
وَلَا تَدَعُ الأَرْضُ مِنْ نَبَاتِهَا شَيْئًا إِلَّا أَخْرَجَتْهُ، حَتَّى يَتَمَنَّى الأَحْيَاءُ الأَمْوَاتَ، يَعِيشُ فِي ذَلِكَ سَبْعَ سِنِينَ أَوْ ثَمَانَ سِنِينَ أَوْ تِسْعَ سِنِينَ". رَوَاهُ (١).
٥٤٥٨ - [٢٢] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ وَرَاءِ النَّهْرِ. . . . .
ــ
ما قال الطيبي (٢)، ويحتمل أن يكون حالًا من القطر، في (القاموس) (٣): درّت السماء بالمطر درًّا ودُرُورًا فهي مدرارٌ، ودرّ العرق: سال، انتهى.
والمدرار صيغة مبالغة كالمكسار والمعطار.
وقوله: (حتى يتمنى الأحياء الأموات): (الأحياء) مرفوع على أنه فاعل (يتمنى)، و(الأموات) مفعوله بحذف المضاف، أي: حياتهم، أي: لما رأى الأحياء عندهم من الخير الكثير والخصب والرخاء يقولون من كثرة المحبة والابتهاج بما عندهم: يا ليت أحبَّاؤنا الذين مضوا وماتوا كانوا أحياء في هذا الزمان حتى يروا هذا العيش الناعم، وقيل: (الإحياء) مصدر من أحيى يحيى، فهو منصوب على المفعولية، و(الأموات) مرفوع على أنه فاعل (يتمنى)، أي: يتمنى الأموات إحياء اللَّه لهم، وهذا مبالغة وكناية عن وجود السرور ورغد العيش في الأحياء، أي: كاد أن يقال على سبيل الفرض والتقدير: إن الأموات يتمنون الحياة، وهذا إن صحت الرواية، وإلا فهو مجرد احتمال لا يعبأ به.
٥٤٥٨ - [٢٢] (علي) قوله: (يخرج رجل من وراء النهر) وفي نسخ (المصابيح):
_________________
(١) ترك هنا بياضًا في الأصل وألحق به: رواه الحاكم في "مستدركه" وقال: صحيح، لكن نقل الجزري أن الذهبي قال: إسناده مظلم. قاله القاري في "المرقاة" (٨/ ٣٤٤٥).
(٢) "شرح الطيبي" (١١/ ٣٤٤٥).
(٣) "القاموس المحيط" (ص: ٣٥٣).
[ ٨ / ٦٧٣ ]
يُقَالُ لَهُ: الْحَارِثُ، حَرَّاثٌ، عَلَى مُقَدِّمَتِهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: مَنْصُورٌ يُوَطِّنُ أَوْ يُمَكِّنُ لآلِ مُحَمَّدٍ كَمَا مَكَّنَتْ قُرَيْشٌ لِرَسُولِ اللَّهِ (١)، وَجَبَ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ نَصْرُهُ -أَوْ قَالَ: إِجَابَتُهُ-". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٢٩٠].
٥٤٥٩ - [٢٣] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُكَلِّمَ السِّبَاعُ الإِنْسَ، وَحَتَّى تُكَلِّمَ الرَّجُلَ عَذَبَةُ سَوْطِهِ وَشِرَاكُ نَعْلِهِ، وَيُخْبِرَهُ فَخِذُهُ. . . . .
ــ
(من ما وراء النهر)، والظاهر من سياق الأحاديث أن المراد من الخروج دعوى الإمامة، ولهذا قال: وجب على كل مؤمن نصره وإجابته.
وقوله: (يقال له: الحارث حراث) قال الطيبي (٢): اسم ذلك الرجل الحارث وحراث صفتة، وهذا هو الأظهر من العبارة، وليس المراد من الصفة النعت النحوي بل عمله وحرفته، كأنه قال: يدعى له باسم الحارث، أي: يقال له: الحارث، ويقال له: حراث، إما علمين أو وصفين، واللَّه أعلم.
وقوله: (كما مكنت قريش) أي: بعضهم، فإن المهاجرين من أهل مكة قريش، وقد عزروه ونصروه ومكنوه.
٥٤٥٩ - [٢٣] (أبو سعيد الخدري) قوله: (عذبة سوطه) في (القاموس) (٣): العذب بالتحريك: الخيط الذي يرفع به الميزان، وطرف كل شيء، الواحدة بهاءٍ في
_________________
(١) زادت التصلية في نسخة.
(٢) "شرح الطيبي" (١٠/ ١٠٣).
(٣) "القاموس المحيط" (ص: ١٠٥).
[ ٨ / ٦٧٤ ]
بِمَا أَحْدَثَ أَهْلُهُ بَعْدَهُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢١٨١].