«إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ»، أخرجه الشيخان في صحيحهما
_________________
(١) الألفاظ: (الأعمال): هي الأفعال التي تصدر عن الجوارح فتدخل فيها الأقوال والغالب أن الأعمال أخص من الأفعال، فهذه فيما كان عن قصد وغيره وتلك فيما كان عن قصد. (النية): هي القصد إلى الفعل. (الهجرة): الترك والمراد هنا مفارقة دار الكفر إلى دار الإسلام خوف الفتنة على الدين بالمنع من إقامته. (يصيبها): يحصل عليها. (ينكحها): يتزوجها. التراكيب: بالنيات يتعلق بمحذوف تقديره معتبرة، ودل هذا المتعلق الخاص ما جاء بعده من التفصيل بين الهجرتين والمقام الذي ألقى فيه الكلام، كما سنبينه في مورد الحديث. ونظيره في هذا التقدير قولهم: المرء بأصغريه قلبه ولسانه أي معتبر بهما.
[ ٥٨ ]
والمرء بأدبه أي معتبر أو يعتبر به والباء سببية، وإنما للحصول والمحصور فيه هو الجار والمجرور، وما أفادته الباء من معنى السببية أي لا سبب تعتبر به الأعمال إلا النيات نظيره إنما زيد قوي بقومه أي لا سبب لقوته إلا قومه. فأفاد التركيب حصر اعتبار الأعمال في نياتها والمقصود بها لا في صورها وظواهرها. ولكل امرىء خبر ما نوى أي نواه قدم عليه ليحصر فيه بإنما فأفاد التركيب أن حظ كل عامل من عمله هو ما قصده أي عين ما قصده في كميته ومقداره دون ما لم يقصد. فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله أي قصدا فهجرته إلى الله ورسوله أي وقوعا واعتبارا ففعل الشرط وجوابه لم يردا على معنى واحد، ومثل هذا يقال في الشرط الثاني وجوابه وذكر تزوج امرأة بعد دنيا يصيبها تخصيص بعد تعميم لأن ذلك الخاص هو سبب الحديث. واللام في الدنيا لام الأجل والعلة فتفيد أن طلب الدنيا أو طلب التزوج هو العلة الباعثة له دون قصد طاعة الله فلا يدخل فيه ما إذا كان الباعث هو الطاعة، وطلب هذه الأشياء، جاء على سبيل التبع.