الأحكام: لم يدع الأعمى النبي﵌- ولم يسأله أن يشفيه هو لأن الدعاء لقضاء الحوائج وكشف البلايا ونحو ذلك هو العبادة، وفي حديث النعمان بن بشير المرفوع: (الدُّعاءُ هوَ العِبَادةُ) رواه أحمد وأصحاب السنن. والعبادة لا تكون إلا لله لم يدعه لا وحده ولا مع الله لأن الدعاء لا يكون إلا لله. وهذا بخلاف ما يفعله الجهال والضلال من طلبهم من المخلوقين من الأحياء والأموات أن يعطوهم مطالبهم ويكشفوا عنهم بلاياهم، وإنما سأله أن يدعو له الله تعالى أن يعافيه وهذا جائز أن يسأل المؤمن من أخيه في حال حياته أن يدعو الله تعالى له، ومن هذا حديث البخاري في سؤال أم أنس ابن مالك من النبي﵌- أن يدعو لأنس خادمه فدعا له، ومن هذا ما رواه الترمذي وأبو داود عن عمر بن الخطاب قال استأذنت النبي﵌- في العمرة فأذن لي وقال: أشركنا يا أخي في دعائك ولا تنسنا، زاد في رواية الترمذي فقال كلمة ما يسرني أن لي بها الدنيا. يعني قوله: أشركنا الخ ثم إنه توسل بذاته بحسب مقامه عند ربه، وهذا على الوجه الأول من الوجهين المتقدمين في فصل التراكيب، أو توسل بدعائه وهذا على الوجه الثاني منهما. فمن أخذ بالوجه الأول قال يجوز التوسل بذاته، ومن أخذ بالوجه الثاني قال إنما يتوسل بدعائه، ثم إن من أخذ بالوجه الأول فهذا الدعاء حكمه باق بعد وفاته كما كان في حياته، ومن أخذ بالوجه الثاني لا يكون بعد وفاته. لأن دعاءه إنما كان في حياته لمن دعا له. فالوجهان المتقدمان كما ترى- هما مثار الخلاف في جواز التوسل بذاته وعدم جوازه، فمن أخذ بالوجه الأول جوز، ومن أخذ بالثاني منع.
[ ٤٠ ]
ـ[سؤال]ـ: فإن قلت قد عرفنا القولين وعرفنا مدركهما فما هو الراجح عندك منهما.
ـ[جوابه]ـ: الراجح هو الوجه الأول الذي يجيز السؤال بذات النبي﵌- نظرا لمقامه العظيم عند ربه لوجهين، الأول: أن ذلك هو ظاهر اللفظ ولا موجب للتقدير ولا منافاة بين أن يكون في قوله أسالك وأتوجه إليك بنبيك وقوله إني توجهت بك قد سأل بذاته، وفي قوله اللهم شفعه في قد سأل قبول دعائه له وسؤاله - والثاني أنه لما كان جائزا السؤال من المخلوقين بما له من مقام عظيم عندهم فلا مانع من أن يسأل الله تعالى بنبيه بحسب مقامه العظيم عنده.
ـ[سؤال آخر]ـ: بعدما رجحت جواز التوسل بذاته -﵌ - نظرا لمقامه العظيم عند الله تعالى، فهل يقاس عليه غيره من كل ذي مقام عند الله تعالى فيتوسل به أو يكون هذا مقصورا عليه؟
ـ[جوابه]ـ: القياس في باب العبادات ضعيف وإذا ارتكب هنا فلا يقاس عليه إلا كل ذي مقام محقق عند الله تعالى.
ـ[سؤال آخر]ـ: بعد ما عرفنا حكم سؤال الله تعالى بأهل المكانة عنده من مخلوقاته فهل الأفضل هو سؤاله بمخلوقاته أو سؤاله بأسمائه وصفاته وأعمال العبد في طاعاته؟
ـ[جوابه]ـ: الأفضل هو سؤاله تعالى بأسمائه وصفاته وأعمال العبد في أنواع طاعاته، وذلك لوجهين: الأول أن ذلك هو مقتضى النص القرآني الصريح القطعي في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ ويشمل ذلك تسميته بها ونداءه بها. الوجه الثاني ما جاء في السنة العملية في أحاديث كثيرة ثابتة مستفيضة، كان سؤاله تعالى فيها كلها
[ ٤١ ]
بأسمائه وصفاته منها حديث: «أسالك بكل اسم هو لك سميت به نفسد الخ» رواه أحمد في مسنده عن عبد الله بن مسعود ومنها حديث رجل كان يصلي في المسجد فقال اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت الحنان المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم أسألك. فقال النبي﵌-: «دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى». رواه أصحاب السنن الأربعة من طريق أنس.
ومنها حديث، إني أسألك بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق، رواه النسائي والحاكم من طريق عمار بن ياسر، وهكذا سائر الأحاديث التي جاءت في هذا الباب كلها متواردة على دعاء الله تعالى بأسمائه وصفاته، وهي كلها تحقيق وبيان لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾. هذا كله في دعائه تعالى بأسمائه وصفاته وأما ما جاء في دعائه والتوسل إليه بعمل العبد في أنواع طاعاته فمنها حديث بريدة أن رسول الله﵌- سمع رجلا يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد (والشهادة عمل العبد) أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد. فقال رسول الله﵌-: لقد سألت الله بالإسم الأعظم
الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب. رواه أبو داوود والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن حبان في صحيحه والحاكم إلا أنه قال: لقد دعوت الله باسمه الأعظم وقال صحيح على شرط الشيخين، قال الحافظ عبد العظيم المنذري قال شيخنا الحافظ أبو الحسن المقدسي: وإسناده لا مطعن فيه. ومنها حديث الثلاثة الذي آووا إلى غار فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل فانطبقت عليهم فقال بعضهم لبعض: أنظروا أعمالا عملتموها
[ ٤٢ ]
صالحة لله فادعوا الله تعالى بها لعله يفرجها عنكم، فدعا أحدهم ببروره والديه فانفرجت منها فرجة، ودعا الثاني بعفته عن الزنا بعد ما كاد فانفرجت فرجة، ودعا الثالث بوفائه لأجيره فانفرجت البقية. وهذا حديث صحيح مشهور رواه الشيخان وغيرهما. ومن ذلك حديث سارة زوج إبراهيم ﵇ لما مد الجبار الظالم إليها يده يريدها على السوء، قامت توضأ (١) وتصلي وقالت: (اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك، وأحصنت فرجي إلا على زوجي فلا تسلط علي الكافر) فغط حتى ركض برجله، فقالت: (اللهم إن يمت يقال هي قتلته) فأرسل فعاد إليها وعادت إلى الدعاء كالمرة الأولى، وفي الثالثة تركها وقال: ارجعوها إلى إبراهيم. رواه مفصلا البخاري في كتاب البيوع من صحيحه من طريق أبي هريرة، فانظر إليها كيف توسلت لربها بإيمانها الذي هو أشرف أعمالها، وبعفتها وإحصانها لفرجها، ولم تتوسل إليه برسوله وخليله زوجها إبراهيم ﵊.
ـ[سؤال آخر]ـ: بعد ما عرفنا رجحان سؤاله تعالى بالأسماء والصفات والطاعات فهل ثبت عن الصحابة سؤالهم وتوسلهم بذاته؟
ـ[جوابه]ـ: لم يثبت عن واحد منهم شيئا (١) من ذلك فيما لدينا من كتب السنة المشهورة، بل ثبت عدولهم عن ذلك في وقت مقتض له لو كانوا يفعلونه وذلك في حديث استسقاء عمر بالعباس رضي الله تعالى عنهما، فقد أخرج البخاري في صحيحه بسنده عن أنس: أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ فتسقينا، وإنا
_________________
(١) أصله: تتوضأ فحذفت إحدى التائين للتخفيف
[ ٤٣ ]
نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. قال: فيسقون. ومعنى الحديث أنهم كانوا يتوسلون بالنبي﵌- يدعو لهم في الاستسقاء ويودعون، ثم صاروا يتوسلون بالعباس فيدعو لهم ويدعون، فالتوسل هنا قطعا بدعائهما لا بذاتهما. ووجه الاستدلال بهذا الحديث على مرجوحية التوسل بالذات: أن الصحابة لم يقولوا في موقفهم ذلك: اللهم إنا نتوسل إليك بنبينا، أي بذاته ومقامه، بل عدلوا عن ذلك إلى التوسل بالعباس يدعو لهم ويدعون كما كان النبي﵌- يفعل في الاستسقاء.
ولقد استدل بعضهم بعدول الصحابة عن التوسل بذات النبي﵌- في هذا المقام على منعه. ونحن لما بينا قبل من دليل جوازه إنما نستدل بعدولهم على مرجوحيته.
ـ[سؤال آخر]ـ: قد عرفنا فيما تقدم مشروعية سؤال المؤمن من أخيه المؤمن في حياته أن يدعو له، فهل يشرع الذهاب إلى القبر وطلب الدعاء من الميت!
ـ[جوابه]ـ: لو كان هذا جائزا لفعله الصحابة في الحديث المتقدم، ولذهبوا لقبر النبي﵌- يسألونه أن يدعو لهم كما كان يدعو لهم في حياته، ولم يرد في حديث عن واحد منهم أنه كان يذهب إلى القبر النبوي ويطلب منه﵌- أن يدعو له. بل جاء عن ابن عمر- وهو من عرف بشدة اتباعه وتحريه- أنه كان يقف فيسلم على النبي﵌-، ثم على أبي بكر، ثم على عمر رضي الله تعالى عنهما، ثم ينصرف، لا يزيد شيئا، خرجه مالك في الموطأ.