لقد ابتلى كثير من الناس بالغلو فيمن يعتقدون فيهم الصلاح فيجزمون لهم بما لا يعلمه إلا الله، ثم زادوا على هذا فيزعمون أن فلانا مات في رتبة كذا، وحصل عند الله على منزلة كذا، ثم زادوا على هذا فيزعمون أن فلانا يشفع لأتباعه ويعديهم على الصراط أو يجعله في بطنه ويمر بهم وأنه يحضر لهم عند الموت ويحضر لهم عند السؤال ويكون معهم في مواقف يوم القيامة، وكل هذه الدعاوى انبنت على الجزم بأنه ممن أكرمه الله وأنه من أهل الجنة ذلك الجزم الذي سمعت النهي والإنكار صريحين فيه من النبي﵌- على أم العلاء في رجل من السابقين الأولين البدريين، وليست هذه الدعاوى المبنية على المخالفة لهذا النهي النبوي الصريح قاصرة على العوام بل تجدها عند غيرهم وتسمعها ممن يرفعون أنفسهم عن طبقتهم، وتقرأها في الكتب التي عدلت عن الأحاديث
[ ٨٤ ]
النبوية الصحيحة والطريقة النبوية الواضحة وذهبت في نيات الطريق فكانت بلاء على العامة وأشباههم ووبالا، فاحذر أيها الأخ المسلم من عقيدة الجزم بالكرامة والجنة لغير من نص عليه المعصوم عليه وآله الصلاة والسلام. ومن تلك الدعاوى الباطلة التي انبنت عليها. ولا تجزم بالكرامة على الله لأحد غير المنصوص عليه وإن كان عظيما، فإن قول رسول الله﵌- أحق وأعظم وأنْفُ من لا يقول هذا ولا يقبله مرغم. وكل من استعظمته ممن هو على جانب من الصلاح والخير فإنه لا يداني مقام عثمان بن مظعون البدري في الصلاح والخير وقد سمعت ما سمعت من النهي النبوي عن القطع له بالكرامة.
ومهما أعدنا القول في هذا وأكدنا فإننا لا نفيه حقه من الإنكار والاستئصال لما نعلمه من رسوخ هذه الضلالة وقدمها والتهاون فيها وعظيم التجري على الله بها. وهذا الحديث النبوي هو دواؤها والقاطع لها، فليتأمله قراؤنا ولينشروه في المسلمين وليذيعوه بالتلاوة والتفسير والتأكيد والتقرير عسى أن يشفي الله به القلوب من داء الغلو والادعاء والغرور والتغرير، وليظن المسلم الخير بأهل الخير وليرج لهم حسن الجزاء والمصير كما رجا النبي - ﵌- الخير لعثمان بن مظعون- رضي الله تعالى عنه- بعد ما نهى عن الجزم بالكرامة له، وهذا هو دين الله الحق الوسط السالم من الغلو والتقصير. والله نسأل لنا ولجميع المسلمين أن يقف بنا عند حدود الشرع الشريف. ويحفظنا من الغلو والتقصير والتحريف، إنه هو الولي الحفيظ اللطيف (١).
_________________
(١) ش: ج١١، م ٨ - غرة رجب ١٣٥١ه - نفمبر ١٩٣٢م.
[ ٨٥ ]