انبنى فقه مالك واحتياطه على أصلين:
الأصل الأول- أن العبادة المقدرة لا يزاد عليها ولا ينقص منها وهو أصل عام في جميع العبادات. وفي خصوص الصيام قد ثبت نهيه -ﷺ- أن يتقدم شهر رمضان بصيام يوم أو يومين، وظاهر أن وجه هذا النهي هو خوف أن يعد ذلك من رمضان. فحمى الشارع بهذا النهي العبادة من الزيادة في أولها. فبنى مالك- بسعة علمه وبعد نظره- على ذلك حمايتها من الزيادة في آخرها، فكره صوم تلك الأيام متوالية متصلة بيوم الفطر مخافة- كما قال- أن يلحق برمضان ما ليس منه أهل الجهالة والجفاء. فكان احتياطه في الأخير
[ ٥٤ ]
مطابقا لاحتياط النبي﵌- في الأول، وذلك كله لأجل المحافظة على بقاء العبادة المقدرة على حالها غير مختلطة بغيرها، وقد جاء نظير هذا الاحتياط في الصلاة، فقد روى أبو داود في سننه أن رجلًا دخل إلى مسجد رسول الله﵌- فصلى الفرض وقام ليصلي ركعتين فقال له عمر بن الخطاب﵁-: اجلس حتى تفصل بين فرضك ونفلك، فبهذا هلك من كان قبلنا. فقال له -عليه وآله الصلاة والسلام- أصاب الله بك يا ابن الخطاب. يعني أن الذين كانوا قبلنا وصلوا النوافل بالفرائض، فأدى ذلك إلى اعتقاد جهالهم، وجوب الجميع، فأدى ذلك إلى تغيير شرع الله وهو سبب الهلاك. لا يقال أن مقدار العبادة معلوم من الدين بالضرورة، فكيف يظن أنه قد يعتقد الجميع من الأصل والزيادة عبادة واحدة، لأننا نقول إذا دام وصل النافلة بالفريضة، وطال العهد، وخلفت الخلوف، أدى ذلك أهل الجهالة إلى ذلك الاعتقاد. والاحتياط للعبادة يقتضي قطع ذلك الاعتقاد من أصله بالنهي عما يؤدي إليه وهو من سد الذرائع الذي هو أحد أصول مالك في مذهبه. ومع هذا فقد نقل الإمام القرافي عن الإمام عبد العظيم المنذري أن الذي خشي منه مالك -رحمه الله تعالى- قد وقع بالعجم فصاروا يتركون المسحرين على عادتهم والقوانين (١) وشعائر رمضان إلى آخر الستة أيام فحينئذ يظهرون شعائر العيد ا ه.
فلله مالك ما أوسع علمه، وما أدق نظره، وما أكثر اتباعه فرحمة الله تعالى عليه، وعلى أئمة الهدى أجمعين.
_________________
(١) كذا بالأصل ولعله القوالين.
[ ٥٥ ]