_________________
(١) وأبوزرعة: يكتب حديثه للاعتبار. وقال الحافظ في التلخيص (ص٥٣) بعد ذكر هذا الحديث: إسناده ضعيف، وقال في الفتح (ج١:ص١١٨): بإسناد لين. ٤٣٢،٤٣١،٤٣٠- قوله: (إن النبي) كذا في طبعات الهند، ووقع في نسختي القاري والألباني: عن النبي - ﷺ - (وذكر اسم الله) أي: في أول وضوئه. (فإنه يطهر) من التطهير على البناء للفاعل. (جسده كله) أي: من الذنوب. (لم يطهر إلا موضع الوضوء) أي: إلا ذنوب المواضع المخصوصة، يعني: من الصغائر، وقد استدل به من قال بعدم وجوب التسمية في أول الوضوء، لكنه حديث ضعيف جدًاَ بجميع طرقه، فلا يصح الاحتجاج به على هذا المطلوب، والحق أن التسمية في أول الوضوء واجب لا يصح الوضوء بدونها.
(٢) قوله: (وضوء الصلاة) احتراز عن غسل اليد فإنه وضوء لغوي. (حرك خاتمة في إصبعه) قال القاري: أي لأن استيعاب الغسل فرض فيسن تحريك الخاتم إذا ظن وصول الماء إلى ما تحته، وإلا فيجب تحريكه – انتهى. وفيه دليل على مشروعية تحريك الخاتم ليزول ما تحته من الأوساخ، ويصل الماء إليه، وكذلك ما يشبه الخاتم من الأسورة والحلية ونحوهما. (رواهما الدارقطني) قد تقدم الكلام في الحديث الأول في شرح حديث سعيد بن زيد. (وروى ابن ماجه الأخير) وهو ضعيف، فإن في سنده معمر بن محمد بن عبيد الله، وهو ضعيف منكر الحديث، عن أبيه محمد بن عبيد الله، وهو أيضًا ضعيف منكر الحديث جدًا، ذاهب متروك، وقد ذكره البخاري تعليقًا عن ابن سيرين، ووصله ابن أبي شيبه. (باب الغسل) هو بفتح الغين أصح وأشهر من ضمها، مصدر غسل الشيء، وبمعنى الاغتسال، وبكسرها اسم لما يغسل به من سدر وخطمى ونحوهما، وبالضم اسم للماء الذي يغتسل به، قاله القسطلاني، وهو بالمعنيين الأولين إسالة الماء وإمراره على الشيء، واختلف في الدلك فقيل: يجب، وقيل: لا يجب، والمسألة لغوية، واحتج من قال: ليس من
[ ٢ / ١٢٦ ]
٤٣٤- (١) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا جلس أحدكم بين شعبها الأربع، ثم جهدها، فقد وجب الغسل وإن لم ينزل» متفق عليه.
_________________
(١) مسماه الدلك، بقول العرب: غسل المطر الأرض، وليس في ذلك إلا الإسالة. قال الآلوسي في تفسيره (ج٦: ص٦٩): ومنع بأن وقعه من علو خصوصًا مع الشدة والتكرر دلك أي: دلك، وهم لا يقولونه إلا إذا نظفت الأرض، وهو إنما يكون بدلك، وبأنه غير مناسب للمعنى المعقول من شرعية الغسل، وهو تحسين هيئة الأعضاء الظاهرة للقيام بين يدى الرب سبحانه الذي لا يتم بالنسبة إلى سائر المتوضئين إلا بالدلك – انتهى. وقال بعض الحنفية: الدلك معتبر في الغسل لغةً، وأقر به الشيخ ابن الهمام في فتح القدير، ولذا شرطه المالكية، وما لا دلك فيه لا يسمى غسلًا بل يقال له: الصب والإسالة – انتهى. قلت: قوله - ﷺ -: بلوا الشعر وأنقوا البشر، يشعر بوجوب الدلك، لأن الإنقاء لا يحصل بمجرد الإفاضة والإسالة. وقيل: الدلك ليس واجبا لذاته، إنما هو واجب لتحقق وصول الماء، فلو تحقق لم يجب، كما قاله ابن الحاج في شرح المنية، واشترط الدلك في الغسل.
(٢) قوله: (إذا جلس أحدكم بين شعبها الأربع) أي يديها ورجليها، أو رجليها وفخذيها وشغريها، أو ساقيها وفخذيها، أو نواحي فرجها الأربع، والشعب - بضم المعجمة وفتح المهملة - النواحي جمع شعبة. (ثم جهدها) يقال: جهد وأجهد أي: بلغ المشقة يعني بلغ جهده في العمل بها، أي: حفزها وكدها بحركته، والمراد ههنا الجماع ومعالجة الإيلاج، كنى به عنها، ففي رواية أبي داود: وألزق الختان بالختان، بدل قوله: ثم جهدها، فهذا يدل على أن المراد بالجهد ههنا الجماع. (فقد وجب الغسل) أي: عليهما. (وإن لم ينزل) ولا أنزلت هي. فيه دليل على أن الإنزال غير مشروط في وجوب الغسل، بل المدار على الإيلاج وغيبوبة الحشفة في الفرج وهو الحق. وقيل: لا يجب الغسل إلا بالإنزال، وكان الخلاف فيه مشهورًا بين الصحابة، ثم استمر بين العلماء بعدهم إلى عصر المؤلفين من الأئمة حتى قال البخاري في صحيحه: الغسل أحوط، وذاك الأخير إنما بينا لاختلافهم، والماء أنقى، لكن الخلفاء الأربعة وجمهور الصحابة والتابعين ومن بعدهم على إيجاب الغسل بمجرد الجماع، ولو لم ينزل وهو الصواب (متفق عليه) هذا يقتضي أن قوله: وإن لم ينزل، متفق عليه، وهو ليس في صحيح البخاري، بل هو من أفراد مسلم عن البخاري، وسبق المصنف في عزوه إلى الصحيحين جميعًا ابن الأثير في جامع الأصول، والظاهر أن المصنف تبعه واعتمد عليه، وقيل عزاه لهما جميعًا نظرًا إلى أصل الحديث لا بالنظر إلى جميع ألفاظه. والحديث أخرجه أيضًا أحمد وأبوداود والنسائي وابن ماجه، لكن قوله: (وإن لم ينزل)، من أفراد أحمد ومسلم.
[ ٢ / ١٢٧ ]
٤٣٥- (٢) وعن أبي سعيد، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إنما الماء من الماء» رواه مسلم.
٤٣٦- (٣) قال الشيخ الإمام محى السنة ﵀: هذا منسوخ. وقال ابن عباس: إنما الماء من الماء في الاحتلام.
_________________
(١) قوله: (إنما الماء من الماء) أي: الاغتسال من الإنزال، فالماء الأول المعروف، والثاني المني، وفيه من البديع الجناس التام. والحديث دال بمفهوم الحصر على أنه لا غسل إلا من الإنزال، ولا غسل من مجاوزة الختان الختان، لكن الجمهور على أنه منسوخ. (رواه مسلم) في قصة عتبان بن مالك، قال أبوسعيد: خرجت مع رسول الله - ﷺ - يوم الاثنين إلى قباء، حتى إذا كنا في بني سالم وقف رسول الله - ﷺ - على باب عتبان فصرخ به فخرج يجر إزاره، فقال رسول الله - ﷺ -: "أعجلنا الرجل"، فقال عتبان: أرأيت الرجل يعجل عن امرأته، ولم يمن ماذا عليه؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "إنما الماء من الماء". وأخرجه أيضًا أبوداود، وابن خزيمة، وابن حبان بدون القصة. وروى البخاري القصة ولم يذكر الحديث، ولذا قال الحافظ في بلوغ المرام: وأصله عند البخاري، وهو أنه - ﷺ - قال: إذا أعجلت أو أقطحت فعليك الوضوء. والحديث له طرق عن جماعة من الصحابة عن أبي أيوب، ورافع بن خديج، وعتبان بن مالك، وأبي هريرة، وأنس، وغيرهم.
(٢) قوله: (هذا) أي: حديث أبي سعيد (منسوخ) بحديث سهل بن سعد عن أبي كعب، قال: إنما كان الماء من الماء، رخصة في أول الإسلام، ثم أمرنا بالاغتسال بعد. أخرجه أحمد والدارمي والترمذي وأبوداود وابن ماجه والبهقي والدارقطني وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، وقال الإسماعيلي: إنه صحيح على شرط البخاري، وقال الحافظ: هو إسناد صالح لأن يحتج به. وبحديث رافع بن خديج قال: ناداني رسول الله - ﷺ - وأنا على بطن امرأتي، فقمت ولم أنزل، فاغتسلت، وخرجت، فأخبرته، فقال: لا عليك، الماء من الماء. قال رافع: ثم أمرنا رسول الله - ﷺ - بعد ذلك بالغسل. أخرجه أحمد (ج٤:ص١٤٣) وذكره الحازمي في كتابه الناسخ والمنسوخ (ص٢٢) وحسنه، وفي تحسينه نظر، وبالجملة الحديثان صريحان في النسخ، وقد ذكر الحازمي في كتابه آثارًا تدل على النسخ. قال الأمير اليماني: حديث الغسل وإن لم ينزل، أرجح لو لم يثبت النسخ، لأنه منطوق في إيجاب الغسل، وذلك مفهوم، والمنطوق مقدم على العمل بالمفهوم، وإن كان المفهوم موافقًا للبراءة الأصلية، والآية تعضد المنطوق في إيجاب الغسل، فإنه قال تعالى: ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾ . قال الشافعي: إن كلام العرب يقتضي أن الجنابة تطلق بالحقيقة على الجماع، وإن لم يكن فيه إنزال. قال: فإن كل من خوطب بأن فلانًا أجنب عن فلانة، عقل أنه أصابها وإن لم ينزل. قال: ولم يختلف أن الزنا الذي يجب به الجلد هو الجماع ولو لم يكن منه إنزال، انتهى. فتعاضد الكتاب والسنة على إيجاب الغسل من الإيلاج (وقال ابن عباس: إنما الماء من الماء في الاحتلام) يعني أن حديث "الماء من الماء" محمول على صورة مخصوصة، وهي ما يقع في المنام
[ ٢ / ١٢٨ ]
رواه الترمذي، ولم أجده في الصحيحين.
٤٣٧- (٤) وعن أم سلمة ﵂، قالت: «قالت أم سليم: يا رسول الله - ﷺ -! إن الله لا يستحي من الحق،
_________________
(١) من رؤية الجماع، فإنه لا يجب الغسل في الاحتلام إلا بالانزال لا بالمجامعة، وهو تأويل يجمع بين الحديثين من غير تعارض، وهذا رأى من ابن عباس، تأول به الحديث، ولعله لم يبلغه التفصيل الذي في حديث أبي سعيد عند مسلم، وحديث رافع بن خديج عند أحمد، فإنه صريح في نفي هذا التأويل. وقال الشيخ عبد الحق الدهلوي: يمكن أن يقال: أن قول ابن عباس هذا ليس تأويلًا للحديث، وإخراجًا له بهذا التأويل من كونه منسوخًا، بل غرضه بيان حكم المسألة بعد العلم بكونه منسوخًا، وحاصله أن عمومه منسوخ، فبقى الحكم في الاحتلام – انتهى. وقال بعضهم: حديث "إنما الماء من الماء" في المباشرة كما ذكره ابن رسلان في شرح أبي داود، وقيل: المراد من الماء الثاني الأعم من الحقيقي، وهو المنى، والحكمى، وهو الإيلاج، قلت: يأبي هذه التأويلات التفصيل المذكور في حديث أبي سعيد، فأرجح الأقوال وأسلمها أنه منسوخ. (رواه الترمذي ولم أجده) أي: قول ابن عباس (في الصحيحين) كأنه اعتراض على محى السنة، حيث أورد قول ابن عباس هذا في الصحاح، ولا اعتراض في ذلك عليه، لأنه إنما أورد قوله لبيان توجيه رواية مسلم، أعنى حديث "إنما الماء من الماء"، لا أنه مقصود الباب، فعدم وجوده في الصحيحين لا يضره، لأن ذلك الشرط إنما هو في مقاصد الباب، وهو ظاهر لمن تصفح وتتبع كتاب المصابيح.
(٢) قوله: (قالت أم سليم) بضم السين مصغرًا، هي أم سليم بنت ملحان، الأنصارية، والدة أنس بن مالك، يقال: اسمها سهلة أو رميلة، أو رميثة، أو أنيثة، أو مليكة، وهي الغميصاء، أو الرميصاء، ثبت ذلك البخاري، اشتهرت بكنيتها، وكانت من الصحابيات الفاضلات، لها أربعة عشر حديثًا، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بحديثين، وقال ابن عبد البر: كانت تحت مالك بن النضر في الجاهلية فولت له أنسًا، فلما جاء الله بالاسلام، أسلمت وعرضت على زوجها الإسلام، فغضب عليها وخرج إلى الشام فهلك، فتزوجت بعده أبا طلحة، خطبها وهو مشرك فأبت عليه إلا أن يسلم، فأسلم فتزوجته، فولت له غلامًا كان قد أعجب به، فمات صغيرًا، فأسف عليه، وقيل: إنه أبوعمير صاحب النغير، ثم ولدت له عبد الله بن أبي طلحة فبورك فيه، وهو والد اسحق بن عبد الله بن أبي طلحة الفقيه وإخوته، وكانوا عشرة، كلهم حمل عنه العلم، وروى عن أم سليم، قالت: لقد دعا لي رسول الله - ﷺ - حتى ما أريد زيادة، ومناقبها كثيرة شهيرة. ماتت في خلافة عثمان (إن الله لا يستحي من الحق) بيائين على الأصل بعد سكون الحاء، أي لا يمتنع من بيان الحق، ولا يتركه ترك الحيي منا، فكذا لا أمتنع أنا من سؤالي عما أنا محتاجة إليه. وقيل: المعنى: إن الله لا يأمر بالحياء في الحق ولايبيحه، وإنما قالت هذا اعتذارًا بين يدي سؤالها عما دعت الحاجة إليه مما تستحي النساء في العادة عن السؤال عنه، وذكره بحضرة الرجال
[ ٢ / ١٢٩ ]
فهل على المرأة من غسل إذا إحتملت؟ قال: نعم، إذا رأت الماء، فغطت أم سلمة وجهها، وقالت: يارسول الله! أو تحتلم المرأة؟ قال: نعم، تربت يمينك، فبم يشبهها ولدها؟» متفق عليه.
٤٣٨- (٥) وزاد مسلم برواية أم سليم:
_________________
(١) (من غسل) زيادة من للتأكيد، أي: نوع من الغسل (إذا احتلمت) أي: إذا رأت في الحلم – بالضم – المجامعة، وفي رواية أنها قالت: إذا رأت أن زوجها يجامعها في المنام أتغتسل؟ (قال: نعم! إذا رأت الماء) أي: المنى بعد الاستيقاظ. وفيه دليل على وجوب الغسل على المرأة بالإنزال في الاحتلام، وكأن أم سليم لم تسمع حديث الماء من الماء أو سمعته، وقام عندها مايوهم خروج المرأة عن ذلك وهو ندور بروز الماء منها، وفيه رد على من قال: إن ماء المرأة لا يبرز. (فغطت) أي: سترت حياءً (أم سلمة وجهها) قيل: إنه من كلام زينب الراوية عن أم سلمة، وقيل: من أم سلمة على سبيل الالتفات كأنها جردت من نفسها أخرى، وأسندت إليها التغطية. وفي مسلم من حديث أنس أن ذلك وقع لعائشة. ويمكن الجمع بينهما بأنهما كانتا حاضرتين عند سؤال أم سليم. (أو تحتلم) بإثبات همزة الاستفهام، وهو معطوف على مقدر يظهر من السياق، أي: أترى المرأة الماء وتحتلم؟ ووقع في بعض النسخ بحذف الهمزة. (المرأة) أي: ويكون لها مني، ويخرج منها كالرجل؟ وفيه دليل على قلة وقوع الاحتلام من النساء، (قال: نعم) فيه: أن المرأة ترى ما يراه الرجل في منامه (تربت يمينك) في معنى هذه اللفظة أقوال كثيرة، ذكر عشرة منها ابن العربي في شرح الترمذي، والأصح الأقوى الذي عليه المحققون أنها كلمة أصلها: لصقت بالتراب أي: افتقرت، ولكنها جارية على ألسنة العرب لا يريدون بها الدعاء على المخاطب، ولا وقوع الأمر بها بل يقصدون الإنكار والزجر واللوم ونحوه، أي: إن أم سليم فعلت ما يجب عليها من السؤال عن دينها فلم تستحق الإنكار واللوم، واستحققت أنت الإنكار لإنكارك ما لا إنكار فيه. (فبم) بالموحدة المكسورة، وأصله "فبما" حذفت ألف ما الإستفهامية المجرورة. (يشبهها) من الأشباه (ولدها) بالرفع على الفاعلية أي: في بعض الأحيان. وهو استدلال على أن لها منيا كما للرجل، والولد مخلوق منهما، إذ لو لم يكن لها ماء، وخلق من ماءه فقط لم يشبهها. (متفق عليه) أخرجه البخاري في العلم، والطهارة وبدأ الخلق، والأدب، ومسلم في الطهارة لكن ليس في روايته لفظ "فغطت أم سلمة وجهها" بل إنما رواه البخاري في العلم. والحديث أخرجه أيضًا مالك في المؤطا والترمذي والنسائي وابن ماجه، وأخرجه أيضًا مسلم وأبوداود من حديث أنس عن أم سليم، وسنذكر روايتها. ووقعت هذه المسألة لنساء من الصحابيات: لخولة بنت حكيم عند أحمد والنسائي وابن ماجه، ولسهلة بنت سهيل عند الطبراني، ولبسرة بنت صفوان عند ابن أبي شيبه.
(٢) قوله: (وزاد مسلم برواية أم سليم) روى مسلم عن أنس بن مالك: أن أم سليم حدثت أنها سألت نبي
[ ٢ / ١٣٠ ]
«إن ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر، فمن أيهما علا أو سبق يكون منه الشبه» .
٤٣٩- (٦) وعن عائشة ﵂، قالت: «كان رسول الله - ﷺ - إذا اغتسل من الجنابة، بدأ فغسل يديه،
_________________
(١) الله - ﷺ - عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، فقال رسول الله - ﷺ -: إذا رأت ذلك المرأة فلتغتسل، فقالت أم سلمة: واستحييت من ذلك، قالت: وهل يكون هذا؟ فقال نبي الله - ﷺ -: نعم، فمن أين يكون الشبه؟ إن ماء الرجل الخ.. (إن ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر) هذا الوصف باعتبار الغالب، وحال السلامة، واعتدال الحال، لأن مني الرجل قد يصير رقيقا بسبب المرض، ومحمرًا بكثرة الجماع، وقد يبيض مني المرأة لفضل قوتها (فمن أيهما) بكسر الميم بعدها نون ساكنة، وهي الحرف المعروف، أي: أيُّ الماءين، ومن زائدة قاله الطيبي. (علا) أي: غلب (أوسبق) يعني غلب المني فيما إذا وقع منيهما في الرحم معًا، أو سبق وقوع منيه في الرحم قبل وقوع مني صاحبه، فأو للتقسيم لا للترديد قاله القاري. (يكون منه الشبه) بكسر الشين وسكون الموحدة وبفتحهما لغتان، أي: شبه الولد بالأب أو الأم في المزاج، والذكورة، والأنوثة. وفي حديث أنس عند البخاري في قصة إسلام عبد الله بن سلام: إذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة الرجل نزعت الولد. ووقع في حديث عائشة عند مسلم:إذا علا ماءها ماء الرجل أشبه الولد أخواله، وإذا علا ماء الرجل ماءها أشبه أعمامه. قال الحافظ: المراد بالعلو ههنا السبق، لأن من سبق فقد علا شأنه فهو علو معنوي، وأما ما وقع عند مسلم من حديث ثوبان رفعه، ماء الرجل أبيض، وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة أذكرا بإذن الله، وإذا علا منى المرأة منى الرجل آنثا بإذن الله، فهو مشكل من جهة أنه يلزم منه اقتران الشبه للأعمام إذا علا ماء الرجل، ويكون ذكرا لا أنثى، وعكسه، والمشاهد خلاف ذلك، لأنه قد يكون ذكرًا، ويشبه أخواله لا أعمامه، وعكسه. قال القرطبي يتعين تأويل حديث ثوبان بأن المراد بالعلو السبق، قال الحافظ والذي يظهر ما قدمته، وهو تأويل العلو في حديث عائشة، وأما حديث ثوبان فيبقى العلو فيه على ظاهره فيكون السبق علامة التذكير والتأنيث، والعلو علامة الشبه، فيرتفع الإشكال، وكان المراد بالعلو الذي يكون سبب الشبه بحسب الكثرة بحيث يصير الآخر مغمورًا فيه، فبذلك يحصل الشبه، وينقسم ذلك ستة أقسام: الأول أن يسبق ماء الرجل، ويكون أكثر فيحصل له الذكورة والشبه، والثاني عكسه، والثالث أن يسبق ماء الرجل، ويكون ماء المرأة أكثر فتحصل الذكورة والشبه للمرأة، والرابع عكسه، والخامس أن يسبق ماء الرجل ويستويان فيذكر، ولا يختص بشبه، والسادس عكسه انتهى.
(٢) قوله: (إذا اغتسل) أي: أراد الغسل (من الجنابة) أي من أجل رفعها، أو بسبب حدوثها (فغسل يديه)
[ ٢ / ١٣١ ]
ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء، فيخلل بها أصول شعره، ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات بيديه، ثم يفيض الماء على جلده كله.
_________________
(١) في حديث ميمونة مرتين، أو ثلاثًا، وغسلهما يحتمل أن يكون للتنظيف مما بهما من مستقذر، ويحتمل أن يكون هو الغسل المشروع عند القيام من النوم، ويدل عليه الزيادة التي رواها مسلم وغيره بلفظ: "قبل أن يدخل يده في الإناء"، وزاد أيضًا: فيغسل فرجه (ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة) فيه احتراز عن الوضوء اللغوي، وظاهره أنه يمسح رأسه أيضًا. قيل: يحتمل أن يكون الابتداء بالوضوء قبل الغسل سنة مستقلة، بحيث يجب غسل أعضاء الوضوء مع بقية الجسد في الغسل، ويحتمل أن يكتفي بغسلها في الوضوء عن إعادته، وعلى هذا فيحتاج إلى نية غسل الجنابة في أول عضو، وإنما قدم غسل أعضاء الوضوء تشريفًا لها، ولتحصل له صورة الطهارتين الصغرى والكبرى. قلت: الظاهر هو الاحتمال الأول لقوله: ثم يفيض الماء على جلده كله. ثم اختلف في هذا الوضوء: فذهب الجمهور إلى أنه لا يجب الوضوء مع الغسل، وقال داود وغيره: الغسل لا ينوب عن الوضوء للمحدث، ويلزم الجمع بين الوضوء والغسل، وهو الراجح، لأن المراد بقوله تعالى: "حتى تغتسلوا" هو الإغتسال الشرعي الذي ثبت عن رسول الله - ﷺ -، وكذا المراد بقوله "فالطهروا" هو التطهر الشرعي، فما جاء عن النبي - ﷺ - من بيان هيئة الغسل هو بيان للإغتسال الشرعي المجمل الواجب الذي لا يتبين المراد منه إلا ببيانه - ﷺ - فيكون واجبًا. وظاهر قولها: كما يتوضأ للصلاة، أنه يغسل الرجلين ولا يؤخر غسلهما إلى فراغ الغسل، لكن وقع في رواية لمسلم: "ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه"، وفي رواية أبي داود الطيالسي "فإذا فرغ غسل رجليه" فإما أن يحمل قولها: كما يتوضأ للصلاة على المجاز، بأن المراد يتوضأ أكثر الوضوء كما يتوضأ للصلاة وهو ما سوى الرجلين، أو يحمل على ظاهره، ويكون المراد بقولها: "ثم غسل رجليه" في رواية مسلم أي: أعاد غسلهما لاستيعاب الغسل بعد أن كانت غسلهما في الوضوء، فيوافق قولها في رواية الكتاب "ثم يفيض على جلده كله". (ثم يدخل أصابعه في الماء) لتأخذ البلل ثم يخرجها (فيخلل بها) أي: بأصابعه التي أدخلها في الإناء لأنه أسهل لوصول الماء. (أصول شعره) أي: شعر رأسه، ويدل عليه رواية البيهقي: يخلل بها شق رأسه الأيمن فيتتبع بها أصول الشعر، ثم يفعل بشق رأسه الأيسر كذلك. وقيل: المراد شعر لحيته ورأسه جميعًا، لعموم قوله: أصول الشعر. (ثم يصيب) أي: الماء (على رأسه ثلاث غرفات) بفتحتين، وفي بعض النسخ غرف بضم المعجمة وفتح الراء، جمع غرفة، وهي قدر ما يغرف من الماء بالكف، وفيه سنية التثليث في الصب على الرأس، وألحق به غيره، فإن الغسل أولى بالتثليث من الوضوء المبني على التخفيف. وقيل: لا يستحب التكرار في الغسل، والمراد من التثليث في هذه الرواية أن كل غرفة كانت في جهة من جهات الرأس، فكان يقصد بالثلث الاستيعاب مرة لا التكرار مرات، وكون الغسل أولى بالتثليث لا يخلو عن نظر، لأن في تثليث الغسل من الحرج ما ليس في تثليث الوضوء. (ثم يفيض الماء على جلده كله) هذا التأكيد يدل على أنه عمم جميع جسده بالغسل بعد ما تقدم، وهو يؤيد الاحتمال الأول أن الوضوء سنة مستقلة قبل الغسل، لكن يعارضه ما وقع في بعض طرق هذا الحديث عند البخاري:
[ ٢ / ١٣٢ ]
متفق عليه، وفي رواية لمسلم: «يبدأ فيغسل يديه قبل أن يدخلهما الإناء، ثم يفرغ بيمينه على شماله، فيغسل فرجه، ثم يتوضأ» .
٤٤٠- (٧) وعن ابن عباس، ﵄، قال: قالت ميمونة: «وضعت للنبي - ﷺ - غسلًا فسترته بثوب، وصب على يديه، فغسلهما، ثم صب بيمينه على شماله. فغسل فرجه، فضرب بيده الأرض فمسحها، ثم غسلها، فمضمض واستنشق، وغسل وجهه وذراعيه، ثم صب على رأسه، وأفاض على جسده، ثم تنحى فغسل قدميه،
_________________
(١) ثم غسل سائر جسده، أي بقيته، لأن السائر الباقي، ويحتمل أن يقال: أن "سائر" هنا: بمعنى الجميع جمعًا بين الروايتين. (متفق عليه) وأخرجه أيضًا الترمذي، وأبوداود، والنسائي وابن ماجه. (وفي رواية لمسلم يبدأ) أي: إذا أراد أن يغتسل يشرع (فيغسل) الخ.. قد ركب المصنف الألفاظ المذكورة من روايتين لمسلم، ففي رواية أبي معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: يبدأ فيغسل يديه ثم يفرغ بيمينه على شماله، فيغسل فرجه (بشماله) ثم يتوضأ الخ.. . وفي رواية زائدة عن هشام: بدأ فغسل يديه قبل أن يدخل يده في الإناء ثم يتوضأ الخ.
(٢) قوله: (غسلًا) بضم الغين المعجمة وسكون المهملة أي: ماء الإغتسال. (فسترته بثوب) أي: ضربت له سترًا يغتسل وراءه لئلا يراه أحد. وفيه مشروعية التستر في الغسل ولو في البيت (فغسلهما) أي: إلى رسغيه (فغسل فرجه) أي: بشماله (فضرب بيده) أي: اليسرى (فمسحها) أي: الأرض لأجل إزالة الرائحة من اليد، أو للمبالغة في التنظيف، وتعليمًا للأمة. (فمضمض واستنشق وغسل وجهه وذراعيه) قال عياض: لم يأت في شيء من الروايات في وضوء الغسل ذكر التكرار. قال الحافظ: بل قدر ورد ذلك من طريق صحيحه أخرجها النسائي والبيهقي من رواية أبي سلمة عن عائشة: أنها وصفت غسل رسول الله - ﷺ - من الجنابة. الحديث، وفيه ثم يمضمض ثلاثًا، ويستنشق ثلاثًا، ويغسل وجهه ثلاثًا ويديه ثلاثًا، ثم يفيض على رأسه ثلاثًا. (ثم صب على رأسه) ظاهره أنه - ﷺ - لم يمسح رأسه كما يفعل في الوضوء اكتفاءً بالغسل عن المسح في الوضوء. قال الحافظ: لم يقع في شيء من طرق هذا الحديث التنصيص على مسح الرأس في هذا الوضوء، وتمسك به المالكية لقولهم: إن وضوء الغسل لا تمسح فيه الرأس بل يكتفي عنه لغسلها- انتهى. قلت: ظاهر قوله في روايات عائشة في صفة الغسل "يتوضأ وضوءه للصلاة" أنه يمسح رأسه أيضًا، فيحتمل أن ترك المسح في حديث ميمونة من اختصار الرواة، والله أعلم. (ثم تنحى) أي: تبعد. (فغسل قدميه) وفي رواية للبخاري: توضأ رسول الله - ﷺ - وضوءه للصلاة غير رجليه. الحديث، وفي آخره: ثم نحى رجليه فغسلهما. وفيه التصريح بتأخير الرجلين في وضوء الغسل إلى آخره، وهو مخالف
[ ٢ / ١٣٣ ]
فناولته ثوبًا فلم يأخذه، فانطلق وهو ينفض يديه» . متفق عليه، ولفظه للبخاري.
٤٤١- (٨) وعن عائشة، قالت: «إن امرأة من الأنصار سألت النبي - ﷺ - عن غسلها من المحيض، فأمرها كيف تغتسل، ثم قال: خذي فرصة
_________________
(١) لظاهر رواية عائشة المتقدمة: "ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة"، ويمكن الجمع بينهما إما بحمل رواية عائشة على المجاز كما تقدم، وإما بحمله على حالة أخرى، فكان يغسلهما أحيانًا أي: إن لم يكن واقفًا في المستنقع بل على لوح، أو حجر، أو مكان مرتفع، ويؤخرهما إلى الفراغ من الغسل أحيانًا، أي: إذا كان واقفًا في المستنقع، وأخذ منه جواز تفريق أعضاء الوضوء. قال مالك: إن كان المكان غير نظيف فالمستحب تأخيرهما، وإلا فالتقديم، وعند الشافعية في الأفضل قولان أصحهما وأشهرهما ومختارهما أنه يكمل وضوءه. (فناولته ثوبًا) أي: أردت إعطاءه لينشف به أعضاءه. (فلم يأخذه) أي: الثوب إما لكونه مستعجلًا أو لأن الوقت كان حرًا، والبلل مطلوب، أو لشئ رآه في الثوب من حرير، أو وسخ، ومع هذه الاحتمالات في الحديث لا يصلح أن يكون دليلًا على كراهة التنشيف. (فانطلق وهو ينفض يديه) فيه جواز نفض اليدين من ماء الغسل قال الحافظ: وكذا الوضوء، وقد عارضه حديث: "لا تنفضوا أيديكم في الوضوء؛ فإنها مراوح الشيطان". أخرجه ابن حبان في الضعفاء، وابن أبي حاتم في العلل من حديث أبي هريرة إلا أنه حديث ضعيف جدًا لو لم يعارضه هذا الحديث الصحيح لم يكن صالحًا لأن يحتج به. وفيه دليل على طهارة الغسالة، لأن النفض لا يخلوا عن إصابة الرشاش بالبدن. وحديث عائشة المتقدم وحديث ميمونة هذا مشتملان على بيان كيفية الغسل من ابتداءه إلى إنتهاءه، فإبتداءه غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء، ثم غسل الفرج، ثم دلك اليد بالأرض وغسلها، ثم الوضوء ثم صب الماء على الرأس، ثم إفاضته على الجسد كله. (متفق عليه) أخرجه البخاري في مواضع تسعة من كتاب الطهارة، وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه، وليس لأحمد والترمذي نفض اليدين. (ولفظه للبخاري) في باب نفض اليدين من غسل الجنابة.
(٢) قوله: (إن امرأة) من الأنصار قيل: هي أسماء بنت شكل الأنصارية. (من المحيض) مصدر ميمى أي: من أجل انقطاع حيضها. (فأمرها كيف تغتسل) سكت في هذه الرواية عن بيان كيفية الاغتسال، وهي مذكورة مشرحة في رواية أخرى، فقد أخرج مسلم عن إبراهيم بن المهاجر، عن صفية، عن عائشة، أن أسماء سألت النبي - ﷺ - عن غسل المحيض، فقال: تأخذ إحداكن ماءها وسدرها فتطهر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكا شديدًا حتى تبلغ شؤون رأسها ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فرصة. الحديث. (ثم قال) أي: بعد تعليمها كيفية الإغتسال. (فرصة) بكسر الفاء، وحكى ابن سيدة تثليثها، وبإسكان الراء وإهمال الصاد، قطعة من صوف، أو قطن، أو جلدة عليها صوف،
[ ٢ / ١٣٤ ]
من مسك، فتطهري بها. قالت: كيف أتطهر بها؟ فقال: تطهري بها. قالت: كيف أتطهر بها؟ قال: سبحان الله! تطهري بها. فاجتذبتها إليّ فقلت: تتبعي بها أثر الدم» . متفق عليه.
٤٤٢- (٩) وعن أم سلمة، قالت: قلت: «يارسول الله - ﷺ -! إني امرأة أشد ضفر رأسي،
_________________
(١) وحكى أبوداود أن في رواية أبي الأحوض "قرصة" بفتح القاف، ووجه المنذري فقال: يعني شيئًا يسيرًا مثل القرصة بطرف الإصبعين (من مسك) بكسر الميم، وهو طيب معروف، أي: خذي قطعة من صوف مطيبة من مسك، وقيل بفتح الميم وهو الجلد، أي: خذي فرصة كائنة من جلد، ويؤيد الكسر، وأن المراد التطيب ما في الرواية الأخرى "فرصة ممسكة" ويقوى الكسر أيضًا ما في رواية عبد الرزاق حيث وقع عنده "من ذريرة" والمقصود باستعمال الطيب تطيب المحل، ودفع الرائحة الكريهة، ورجح بعضهم فتح الميم بأنهم كانوا في ضيق يمتنع معه أن يمتهنوا المسك مع غلاء ثمنه، وفيه أنه لا وجه لاستبعاده لما عرف من شأن أهل الحجاز من كثرة استعمال الطيب، وقد يكون المأمور به من يقدر عليه، فإن فقدت المسك استعملت ما يخلفه في طيب الريح فإن لم تجد فمزيلًا كالطين، وإلا فالماء كاف. (فتطهري بها) أي: بتنظفي وتطيبي بها، أي: فاستعمليها في الموضع الذي أصابه الدم حتى يصير مطيبًا. (قال: سبحان الله) تعجبًا من عدم فهمها المقصود فأراد بقوله: سبحان الله التعجب، ومعنى التعجب ههنا، أنه كيف يخفى مثل هذا الظاهر الذي لا يحتاج الإنسان في فهمه إلى فكر أو تصريح، ووقع في رواية "استحيى وأعرض" وللإسماعيلي: فلما رأيته استحيا علمتها، وإنما كرر الجواب مع كونها لم تفهمه أولًا، لأن الجواب به يؤخذ من إعراضه بوجهه عند قوله: "تطهري" أي: في المحل الذي يستحيا من مواجهة المرأة بالتصريح به، فاكتفى بلسان الحال عن لسان المقال، وفهمت عائشة ذلك عنه فتولت تعليمها. (فاجتذبتها إليّ) أي: قربتها إلى نفسي. (تتبعي) من التتبع بتشديد الباء. (بها) أي: الفرصة الممسكة. (أثر الدم) أي: اجعليها في الفرج، وحيث أصابه الدم، ففي رواية الإسماعيلي "تتبعي بها مواضع الدم" وزاد الدارمي "وهو يسمع فلا ينكر" وفيه صحة العرض على المحدث إذا أقره ولو لم يقل عقبه نعم. (متفق عليه) أخرجه البخاري في الطهارة، وفي الاعتصام، ومسلم في الطهارة. ولفظ البخاري في باب دلك المرأة نفسها.. إلخ، أن امرأة سألت النبي - ﷺ - عن غسلها من المحيض، فأمرها كيف تغتسل، قال: خذي فرصة من مسك فتطهري بها، قالت: كيف أتطهر بها؟ قال تطهري بها، قالت: كيف؟ قال: سبحان الله! تطهري، فاجتذبتها إليّ.. الخ. والحديث أخرجه أيضًا أحمد، وأبوداود والنسائي وابن ماجه.
(٢) قوله: (أشد) بفتح الهمزة وضم الشين أي: أحكم. (ضفر رأسي) بفتح الضاد المعجمة وإسكان الفاء إما مصدر وهو نسج الشعر أو غيره، والضفير مثله، وإما أن يكون اسمًا للمضفورة. قال في اللسان: ويقال للذؤابة: ضفيرة، وكل خصلة من خصل شعر المرأة تضفر على حدته، وجمعها ضفائر. قال ابن سيده: والضفر كل خصلة من
[ ٢ / ١٣٥ ]
أفأنقضه لغسل الجنابة؟ فقال: لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء،
_________________
(١) الشعر على حدتها، ثم قال: والضفيرة كالضفر، انتهى. وقال النووي: بفتح الضاد وإسكان الفاء، هذا هو المشهور المعروف في رواية الحديث، والمستفيض عند المحدثين، والفقهاء، وغيرهم، ومعناه: أحكم فتل شعري. (أفأنقضه) أي: أفرقه، يعني أيجب على شرعًا نقضه أم لا؟ وإلا فهي مخيرة (لغسل الجنابة) أي: لأجله حتى يصل الماء إلى باطنه. وفي رواية مسلم: أفأنقضه للحيضة والجنابة؟ (فقال: لا) أي: لا يجب، لا أنه لا يجوز. (إنما يكفيك) بكسر الكاف. (أن تحثي) بسكون الياء لأنها ياء الخطاب للمؤنث، والنون محذوفة على إعمال أن الناصبة، ولا يجوز نصب الياء، من حثا يحثوا حثوًا، وحثي يحثي حثيًا، واوي ويائي، قال في اللسان: والياء أعلى وهو الرمي، ووقع في بعض النسخ النسائي "أن تحثين" بإثبات النون، قال السندهي: وكأنه على إهمال "أن" تشبيهًا لها بما المصدرية، وقد ورد مثل ذلك في الحديث كثيرًا، وارجع إلى "شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح" (ص١١٧و١١٨) (حثيات) بفتحات أي: حفنات يعني ثلاث غرف بيديه واحدها حثية قاله في النهاية واللسان. (ثم تفيضين) بإثبات النون، والتقدير: أنت تفيضين، فيكون من باب عطف الجمل، قاله القاري. وقيل: جاء على لغة من يرفع الفعل بعد أن حملًا على أختها. والحديث دليل على أنه لا يجب على المرأة نقض الضفائر في غسل الجنابة، ولا في غسل الحيض بل يكفيها أن تصب على رأسها ثلاث حفنات، ويدل عليه أيضًا ما رواه أحمد ومسلم عن عبيد بن عمير قال: بلغ عائشة أن عبد الله بن عمرو يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤسهن، فقالت: يا عجبًا لابن عمرو يأمر النساء إذا اغتسلن بنقض رؤسهن، أو ما يأمرهن أن يحلقن رؤسهن، الحديث. وأما ما رواه مسلم من حديث عائشة (أي في المنتقى) في صفة غسل المرأة من المحيض بلفظ: ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكًا شديدًا حتى تبلغ شئون رأسها. فلا يدل على نقض الضفائر، ولا على وجوب بل داخل الشعر ولو سلم فهو محمول على العزيمة والندب، وحديث أم سلمة على الرخصة جمعًا بين الأدلة. وأما حديث عائشة أن النبي - ﷺ - قال لها: وكانت حائضًا: "انقضي شعرك، واغتسلي". أخرجه الأئمة الستة، وهذا لفظ ابن ماجه، وفي رواية للبخاري: انقضي رأسك، وامتشطي، وأمسكي عن عمرتك. فهو وارد في مندوبات الإحرام، والغسل في تلك الحالة للتنظيف لا للصلاة، والنزاع في غسل الصلاة، ذكره الشوكاني في النيل، وقال في السيل الجرار: واختصاص هذا بالحج لا يقتضي ثبوته في غيره، ولا سيما وللحج مدخلة في مزيد التنظيف، ثم اقترانه بالامتشاط الذي لم يوجبه احد يدل على عدم وجوبه. وأما ما رواه الدارقطني في الأفراد، والبيهقي في السنن الكبرى، والطبراني في الكبير من حديث أنس مرفوعًا: إذا اغتسلت المرأة من حيضتها نقضت شعرها نقضًا وغسلته بخطمي وأشنان، فإذا اغتسلت من الجنابة صبت على رأسها الماء وعصرته. فقد تفرد به مسلم بن صبيح اليحمدي وهو مجهول، وهو غير أبي الضحى مسلم بن صبيح المعروف، فإنه أخرج له الجماعة كلهم. وأيضا اقترانه بالغسل بخطمي وأشنان يدل على عدم الوجوب فإنه لم
[ ٢ / ١٣٦ ]
فتطهرين» . رواه مسلم.
٤٤٣- (١٠) وعن أنس قال: «كان النبي - ﷺ - يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد» .
_________________
(١) يقل أحد بوجوب الخطمي ولا الأشنان - انتهى. وهذا كل في حق المرأة، وأما الرجل فيجب عليه نقض شعره المضفور، وبل ظاهره وباطنه، أي: داخله إذا لم يصل الماء إلى أصول الشعر إلا بالنقض لحديثي أبي هريرة، وعلى الآتيين في الفصل الثاني، ولحديث ثوبان: أنهم استفتوا النبي - ﷺ - فقال: "أما الرجل فلينشر رأسه فليغسله حتى يبلغ أصول الشعر، وأما المرأة فلا عليها أن لا تنقضه، لتغرف على رأسها ثلث غرفات بكفيها". قال ابن القيم: هذا الحديث رواه أبوداود من حديث إسماعيل بن عياش، وهذا إسناد شامي، وحديثه عن الشاميين صحيح. وقال الشوكاني: أكثر ما علل به أن في إسناده إسماعيل بن عياش، والحديث من مروياته عن الشاميين، وهو قوي فيهم فيقبل، انتهى. هذا وارجع للتفصيل إلى غاية المقصود شرح سنن أبي داود. (رواه مسلم) وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه.
(٢) قوله: (كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع) الصاع أربعة أمداد بمد النبي - ﷺ -، والمد رطل وثلث بالعراق فيكون الصاع خمسة أرطال وثلثا برطل عراق، وإليه ذهب أبويوسف، ومالك، والشافعي، وأحمد، وخالفهم أبوحنيفة ومحمد، فقالا: المد رطلان، والصاع ثمانية أرطال، ولا حجة لهما على ما ذهبا إليه، ولذلك ترك أبويوسف مذهبه، واختار مذهب الأئمة الثلاثة، ولمالك مع أبي يوسف فيه قصة مشهورة رواها البيهقي بإسناد جيد، وارجع للتفصيل إلى شرح الترمذي (ج١ص١٥٩-١٦٠) لشيخنا العلامة الأجل المباركفوري. والحديث يدل على كراهة الإسراف في الماء للوضوء والغسل، واستحباب الاقتصاد، وهو مجمع عليه (إلى خمسة أمداد) بيان لغايته، حاصله أنه لم ينقص عن أربعة أمداد ولم يزد على خمسة أمداد، يعنى أنه ربما اقتصر على الصاع، وربما زاد عليه إلى خمسة، فكأن أنسًا لم يطلع على أنه استعمل في الغسل أكثر من ذلك. لأنه جعلها النهاية، وقد روى مسلم من حديث عائشة، أنه كان يغتسل من إناء يسع ثلاثة أمداد أو قريبًا من ذلك. وروى الشيخان عنها قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله - ﷺ - من إناء واحد من قدح يقال له الفرق. وفي رواية: كان يغتسل من إناء واحد يقال له الفرق، والفرق ثلاثة آصع أي: ستة عشر رطلًا بالعراق. فهذا يدل على اختلاف الحال في ذلك بقدر الحاجة. وقد اختلف الروايات في الوضوء أيضًا، ففي حديث عبد الله بن زيد عند ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم: أن النبي - ﷺ - أتى بثلثي مد من ماء، فتوضأ فجعل يدلك ذراعيه. وفي حديث أنس عند أحمد، وأبي داود: كان النبي - ﷺ - يتوضأ بإناء يكون رطلين. وفي هذه الأحاديث رد على من قدر وضوئه وغسله - ﷺ - بما في حديث أنس الذي ذكره المؤلف من رواية الشيخين، وحمله الجمهور على الاستحباب؛ لأن
[ ٢ / ١٣٧ ]
متفق عليه.
٤٤٤- (١١) وعن معاذة، قالت: قالت عائشة ﵂: «كنت أغتسل أنا ورسول الله - ﷺ - من إناء واحد بيني وبينه، فيبادرني، حتى أقول: دع لي دع لي. قالت: وهما جنبان» . متفق عليه.
_________________
(١) أكثر من قدر وضوءه وغسله - ﷺ - من االصحابة قدرهما بذلك وهذا إذا لم تدع الحاجة إلى الزيادة، وهو أيضًا في حق من يكون خلقه معتدلًا. قال الشوكاني: القدر المجزئ عن الغسل ما يحصل به تعميم البدن على الوجه المعتبر، وسواء كان صاعًا أو أقل أو أكثر ما لم يبلغ في النقصان إلى مقدار لا يسمى مستعمله مغتسلًا، أو إلى مقدار في الزيادة يدخل فاعله في حد الإسراف، وهكذا الوضوء، القدر المجزئ ما يحصل به غسل أعضاء الوضوء سواء كان مدًا أو أقل أو أكثر ما لم يبلغ في الزيادة إلى حد السرف أو النقصان إلى حد ما لا يحصل به الواجب (متفق عليه) وأخرج أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجه من حديث سفينة، وأبوداود من حديث عائشة بنحوه.
(٢) قوله: (وعن معاذة) بضم الميم هي معاذة بنت عبد الله العدوية أم الصهباء البصرية العابدة، ثقة حجة، تابعية، روت عن عائشة وعلي. يقال: إنها لم تتوسد فراشًا بعد أبي الصهباء حتى ماتت. قال الذهبي: بلغني أنها كانت تحيي الليل وتقول: عجبت لعين تنام وقد علمت طول الرقاد في القبور. توفيت سنة (٨٣) . (أنا ورسول الله) بالنصب على أن يكون مفعولًا معه، والرفع على أن يكون عطفًا على الضمير، وإبراز الضمير ليصح العطف، وهو من باب تغليب المتكلم على الغائب لكونها هي السبب في الاغتسال، فكأنها أصل في الباب. (من إناء واحد) من قدح يقال له الفرق، كما في رواية البخاري، والفرق ثلاثة آصع (بيني وبينه) أي: يوضع الإناء بيني وبينه وهو واسع الرأس، فنجعل أيدينا ونأخذ الماء للاغتسال به. (فيبادرني) أي: يسبقني لأخذ الماء زاد النسائي "وأبادره" قال الأشرف: ليس المعنى أنه يبادرني ويغتسل ببعضه ويترك الباقي فأغتسل منه، بل المعنى أنهما اغتسلا منه معًا كما ورد في رواية أخرى: "نغترف منه جميعًا". وفي رواية: "تختلف أيدينا فيه وتلتقي". (دع لي دع لي) أي: أترك لي ما أكمل غسلي، والتكرار للتأكيد أو للتعديد. (قالت) أي: معاذة. (وهما) أي: النبي - ﷺ - وعائشة ﵂. (جنبان) بضم الجيم والنون تثنية جنب. وفي الحديث دليل على جواز اغتسال الرجل والمرأة من إناء واحد معًا، ونقل الطحاوي ثم القرطبي والنووي الاتفاق على ذلك. وفيه أيضًا جواز اغتراف الجنب من الماء القليل، وأن ذلك لا يمنع من التطهير بذلك الماء، ولا بما يفضل منه، سواء فيه الرجل وامرأة. (متفق عليه) أي: على أصل الحديث، واللفظ لمسلم، وأخرجه أيضًا النسائي وقال السيد جمال الدين: قوله: متفق عليه، فيه نظر؛ لأن البخاري لم يقل: فيبادرني حتى أقول "دع لي دع لي" وإنما هو من أفراد مسلم.
[ ٢ / ١٣٨ ]