٦٣- (١) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله تجاوز عن أمتي ما وسوست به صدورها ما لم تعمل به أو تتكلم،
_________________
(١) إن كانت تدعو إلى الرذائل والمعاصي تسمى وسوسة، وإن كانت تدعو إلى الخصائل المرضية والطاعات تسمى إلهاما، ولا تكون الوسوسة إلا مع التردد والتزلزل من غير أن يطمئن إليه أو يستقر عنده
(٢) قوله: (إن الله تجاوز) أي عفا (عن أمتي) أي امة الإجابة. وفي رواية "تجاوز لي عن أمتي" أي لم يؤاخذهم بذلك لأجلي. وفيه إشارة إلى عظم قدر الأمة المحمدية لأجل نبيها - ﷺ -، فله المنة العظمى التي لا منتهى لها علينا. وفيه إشعار بإختصاصها بذلك، بل صرح بعضهم بأنه من خصائص هذه الأمة (ما وسوست به صدورها) الجملة في محل النصب على المفعولية، و"ما" موصول، و"وسوست" صلته، و"به" عائد إلى الموصول، و"صدورها" بالرفع فاعل وسوست، أي ما خطر في قلوبهم من الخواطر الردية. وروي بالنصب على الظرفية. وقيل على أنه مفعول به بناء على أن وسوست بمعنى حدثت، ووقع فيه التجريد بأن يجرد شخصًا من نفسه ويحدثها (مالم تعمل) أي ما دام لم يتعلق به العمل في العمليات بالجوارح (أو تتكلم) أي ما لم تتكلم به في القوليات باللسان على وفق ذلك. قال الطيبي: الوسوة ضرورية إختيارية، فالضرورية: ما يجري في الصدر من الخواطر ابتداء ولا يقدر الإنسان على دفعه، فهو معفو عنه عن جميع الأمم، قال تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ [٢: ٢٨٦] والاختيارية: هي التي تجري في القلب وتستمر وهو يقصد أن يعمل به ويتلذذ منه، كما يجري في القلب حب امرأة ويدوم إليه ويقصد الوصول إليه، وما أشبه ذلك من المعاصي، فهذا النوع عفا الله عن هذه الأمة تشريفًا وتكريمًا لنبينا - ﷺ - وأمته، وإليه ينظر قوله تعالى: ﴿ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا﴾ [٢: ٢٨٦] . وأما العقائد الفاسدة ومساوي الأخلاق وما ينضم إلى ذلك فإنها بمعزل عن الدخول في جملة ما وسوست به الصدور- انتهى. قال القاري: هو كلام حسن، ولذا قيده النبي - ﷺ - بقوله: "ما لم تعمل به أو تكلم" إشارة إلى أن وسوسة الأعمال والأقوال معفوة قبل ارتكابها. وأما الوسوسة التي لا تعلق لها بالعمل والكلام من الأخلاق والعقائد فهي ذنوب بالاستقرار - انتهى. وقال الحافظ في الفتح في شرح باب من هم بحسنة أو سيئة من الرقاق: قسم بعضهم ما يقع في النفس أقسامًا، أضعفها أن يخطر له ثم يذهب في الحال، وهذا من الوسوسة، وهو معفو عنها، وهو دون التردد، وفوقه أن يتردد فيه فيهم به ثم ينفر عنه فيتركه ثم يهم به ثم يترك كذلك ولا يستمر على قصده، وهذا هو التردد، فيعفي عنه أيضًا. وفوقه أن يميل إليه ولا ينفر عنه لكن لا يصمم على فعله، وهذا هو الهم، فيعفي عنه أيضًا. وفوقه أن يميل إليه ولا ينفر منه بل يصمم على فعله، فهذا هو العزم، وهو منتهى الهم، وهو على قسمين: الأول أن يكون من أعمال القلوب صرفًا كالشك في الوحدانية أو النبوة، فهذا كفر، ويعاقب عليه جزمًا، ودونه المعصية التي لا تصل إلى الكفر كمن يحب ما يبغضه الله، ويبغض
[ ١٤١ ]
متفق عليه.
٦٤- (٢) وعنه قال: «جاء ناس من أصحاب رسول الله - ﷺ - إلى النبي - ﷺ - فسألوه: إنا نجد في أنفسنا
_________________
(١) يحبه الله، فهذا يأثم به، ويلتحق بذلك الكبر والبغي ونحوهما. ولم يقع البحث والنزاع في هذا القسم. والقسم الثاني أن يكون من أعمال الجوارح كالزنا والسرقة. وهو الذي وقع النزاع فيه، فذهب طائفة إلى عدم المؤاخذة بذلك أصلًا، وذهب كثير من العلماء إلى المؤاخذة بالعزم المصمم. قلت: وهو الراجح المعمول عليه. قال الحافظ: واستدلوا بقوله: ﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾ [٢: ٢٢٥] وحملوا حديث أبي هريرة هذا على الخطرات، ثم افترق هؤلاء فقالت طائفة: يعاقب عليه صاحبه في الدنيا خاصة بنحو الهم والغم. وقالت طائفة: بل يعاقب عليه يوم القيامة لكن بالعتاب لا بالعذاب - انتهى. كلام الحافظ ملخصًا. وقال الحفني ملخصًا لكلام السبكي الكبير في الحلبات: إن المراتب خمسة: هاجس وخاطر وحديث نفس وهم وعزم، فالشيء إذا وقع في القلب ابتداء ولم يحل في النفس سمي هاجسًا، فإذا كان موفقًا ودفعه من أول الأمر لم يحتج إلى المراتب التي بعدها: فإذا جال أي تردد في نفسه بعد وقوعه ابتداء ولم يتحدث بفعل ولا عدمه سمى خاطرًا، فإذا حدثته نفسه بأن يفعل أو لا يفعل على حد سواء من غير ترجيح لأحدهما على الآخر سمي حديث نفس، فهذه الثلاثة لا عقاب عليها إن كانت في الشر، ولا ثواب عليها إن كانت في الخير، فإذا فعل ذلك عوقب أو أثيب على الفعل لا على الهاجس والخاطر وحديث النفس، فإذا حدثته نفسه بالفعل وعدمه مع ترجيح الفعل لكن ليس ترجيحًا قويًا بل هو مرجوح كالوهم سمي همًا، فهذا يثاب عليه إن كان في الخير، ولا يعاقب عليه إن كان في الشر، فإذا قوي ترجح الفعل حتى صار جازمًا مصممًا بحيث لا يقدر على الترك سمي عزمًا، فهذا يثاب عليه إن كان في الخير، ويعاقب عليه إن كان في الشر. وقوله " ما لم تعمل به أو تكلم" ظاهره أنه إذا فعل ذلك عوقب على نفس حديث النفس بزيادة على عقاب الفعل، وليس مرادًا، بل المراد أنه إذا حصل الفعل عوقب على نفس الفعل لا على ما قبله، فهو كالاستثناء المنقطع. وقال السبكي الكبير في شرح المنهاج وولده في منع الموانع ما حاصله: أن عدم المؤاخذة بحديث النفس والهم إنما هو بشرط عدم التكلم والعمل، حتى إذا عمل يؤاخذ بشيئين همه وعمله ولا يكون همه مغفورًا وحديث نفسه إلا إذا لم يتعقبه العمل، كما هو ظاهر الحديث. وارجع لمزيد البحث والتفصيل إلى الإحياء للغزالي. وفي الحديث من الفقه أن حديث النفس وما يوسوس به قلب الإنسان لا حكم له في شيء من الدين، فلا يقع الطلاق ولا يلزم الظهار ولا يكون قاذفًا ولا يحكم بالعتاق إذا حدث نفسه بالطلاق والظهار والقذف والعتاق ما لم يتكلم بذلك، ولا يؤمر بإعادة الصلاة إذا حدث نفسه فيها (متفق عليه) وأخرجه أيضًا أحمد وأصحاب السنن.
(٢) قوله: (إنا نجد) واقع موقع الحال، أي سألوه مخبرين أنا نجد، أو قائلين على احتمال فتح الهمزة والكسرة.
[ ١٤٢ ]
ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به. قال: أو قد وجدتموه؟ قالوا: نعم. قال: ذاك صريح الإيمان»،
رواه مسلم.
٦٥- (٣) وعنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا، من خلق كذا، حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه
_________________
(١) وقيل: على الفتح مفعول ثان لسألوه، ثم الكسر أوجه حتى يكون بيانًا للمسئول عنه (ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به) أي نجد في قلوبنا أشياء قبيحة نحو من خلق الله؟ وكيف هو؟ ومن أي شيء هو؟ وما أشبه ذلك ما نتعاظم به؛ لعلمنا أنه لا يليق شيء منها أن نعتقده، ونعلم أنه قديم خالق الأشياء كلها ليس بمخلوق، فما حكم جريان هذه الأشياء في خواطرنا؟ وتعاظم تفاعل بمعنى المبالغ؛ لأن زيادة المبنى لزيادة المعنى، أي نستعظم غاية الاستعظام، وقوله "أحدنا" بالرفع ومعناه: يجد أحدنا التكلم به عظيمًا لقبحه (أو قد وجدتموه) الهمزة للاستفهام، والواو للعطف على مقدر، أي أحصل ذلك وقد وجدتموه؟ والضمير لما يتعاظم أي ذلك الخاطر في أنفسكم تقريرًا وتوكيدًا، فالوجدًان بمعنى المصادقة، أو المعنى أحصلَ ذلك الخاطر القبيح وعلمتم أن ذلك مذموم غير مرضي؟ فالوجدًان بمعنى العلم (قال: ذاك) وفي بعض النسخ "ذلك"، وهو إشارة إلى مصدر يتعاظم (صريح الإيمان) أي خالصه. قال النووي: معناه استعظامكم الكلام به هو صريح الإيمان، فإن استعظام هذا وشدة الخوف منه ومن النطق به فضلًا عن اعتقاده إنما يكون ممن استكمل الإيمان استكمالًا محققًا، وانتفت عنه الريبة والشكوك. وقيل: معناه أن الشيطان إنما يوسوس لمن أيس من إغوائه، فينكد عليه بالوسوسة لعجزه عن إغوائه، وأما الكافر فإنه يأتيه من حيث شاء، ولا يقتصر في حقه على الوسوسة بل يتلاعب به كيف أراد، فعلى هذا معنى الحديث: سبب الوسوسة محض الإيمان أو الوسوسة علامة محض الإيمان - انتهى. أي لأن اللص لا يدخل البيت الخالي. قال محدث الهند الشاه ولي الله الدهلوي في حجة الله البالغة (ج١: ص١٣٢): اعلم أن تأثير وسوسة الشيطان يكون مختلفًا بحسب استعداد الموسوس إليه، فأعظم تأثيره الكفر والخروج من الملة، فإذا عصم الله من ذلك بقوة اليقين انقلب تأثيره في صورة أخرى، وهي المقاتلات وفساد تدبير المنزل والتحريش بين أهل البيت وأهل المدينة، ثم إذا عصم الله من ذلك أيضًا صار خاطرًا يجيء ويذهب ولا يبعث النفس إلى عمل لضعف أثره، وهذا لا يضر، بل إذا اقترن باعتقاد قبح ذلك كان ذلك دليلًا على صراحة الإيمان، نعم أصحاب القوة القدسية لا يجدون شيئًا من ذلك، وهو قوله - ﷺ -: «إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير» انتهى (رواه مسلم) في الإيمان، وأخرجه أيضًا أبوداود، وفي الباب عن عائشة وأنس وابن عباس وابن مسعود، ذكر أحاديثهم الهيثمي في مجمع الزوائد في باب الوسوسة من كتاب الإيمان.
(٢) قوله: (يأتي الشيطان أحدكم) أي يوسوس في صدره إبليس أو أحد أعوانه من شياطين الإنس والجن. (فيقول من خلق كذا) يعني السماء مثلًا (من خلق كذا) أي الأرض، وغرضه أن يوقعه في الغلط والكفر (فإذا بلغه)
[ ١٤٣ ]
فليستعذ بالله ولينته» متفق عليه.
٦٦- (٤) وعنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: هذا خلق الله الخلق، فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئًا
_________________
(١) ضمير الفاعل لأحدكم، وضمير المفعول راجع إلى مصدر يقول، أي إذا بلغ أحدكم هذا القول، يعني من خلق ربك، أو التقدير: بلغ الشيطان هذا القول. (فليستعذ بالله) طردًا للشيطان الذي أوقعه في هذا الخاطر الذي لا أقبح منه، فيقول بلسانه: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تعالى: ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم﴾ [٧: ١٩٩] . (ولينته) بسكون اللام وتكسر، أي عن الاسترسال معه في ذلك، بل يلجأ إلى الله في دفعه، ويعلم أنه يريد إفساد دينه وعقله بهذه الوسوسة، فينبغي أن يجتهد في دفعها بالاشتغال بغيرها، ويبادر إلى قطعها بالإعراض عنها، فإنه تندفع الوسوسة عنه بذلك؛ لأن الأمر الطارئ بغير أصل يدفع بغير نظر في دليل، إذ لا أصل له ينظر فيه، قال الخطابي: لو أذن - ﷺ - في محاجته لكان الجواب سهلًا على كل موحد، ولكان الجواب مأخوذًا من فحوى كلامه، فإن أول كلامه يناقض آخره؛ لأن جميع المخلوقات من ملك وإنس وجن وحيوان وجماد داخل تحت اسم الخلق، ولو فتح هذا الباب الذي ذكره للزم منه أن يقال: ومن خلق ذلك الشيء؟ ويمتد القول في ذلك إلى ما لا يتناهى، والقول بما لا يتناهى فاسد، فسقط السؤال من أصله، وقال الطيبي: لينته، أي ليترك التفكر في هذا الخاطر، وليستعذ بالله من وسوسة الشيطان، فإن لم يزل التفكر بالاستعاذة فليقم وليشتغل بأمر آخر، وإنما أمره بالاستعاذة والاشتغال بأمر آخر، ولم يأمر بالتأمل والاحتجاج؛ لأن العلم باستغناء الله عزوجل عن الموجد أمر ضروري لا يقبل المناظرة له وعليه، ولأن الاسترسال في الفكر في ذلك لا يزيد المرء إلى حيرة، ومن هذا حاله فلا علاج له إلا الملجأ إلى الله تعالى والاعتصام به. (متفق عليه) أخرجه البخاري في بدء الخلق، ومسلم في الإيمان، وأخرجه أيضًا أبوداود في السنة، والنسائي في اليوم والليلة، وفي روايتهما من الزيادة «فقولوا الله أحد، الله الصمد » إلى آخر السورة، ثم يتفل عن يساره، كما سيأتي في الفصل الثاني.
(٢) قوله: (لا يزال الناس يتساءلون) أي يسأل بعضهم بعضًا، والتساؤل جريان السؤال بين الاثنين فصاعدًا، ويجوز أن يكون بين العبد والشيطان أو النفس أو إنسان آخر، أي يجري بينهما السؤال في كل نوع. (حتى) يبلغ السؤال إلى أن (يقال: هذا خلق الله الخلق فمن خلق الله) قيل: لفظ هذا مع عطف بيانه المحذوف، وهو المقول مفعول، يقال: أقيم مقام الفاعل، وخلق الله تفسير لهذا أو بيان أو بدل، وقيل: مبتدأ حذف خبره، أي هذا القول أو قولك هذا خلق الله الخلق معلوم مشهور، فمن خلق الله؟ والجملة أقيمت مقام فاعل يقال (فمن وجد من ذلك شيئًا) إشارة إلى القول المذكور و"من ذلك" حال من "شيئًا" أي من صادف شيئًا من ذلك القول والسؤال أو وجد في خاطره شيئًا من جنس ذلك المقال
[ ١٤٤ ]
فيقل آمنت بالله ورسله»، متفق عليه.
٦٧- (٥) وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة. قالوا: وإياك يا رسول الله؟ وإياي، ولكن الله أعاني عليه فأسلم
_________________
(١) (فليقل آمنت بالله ورسله) أي آمنت بالذي قال الله ورسله من وصفه تعالى بالتوحيد والقدم، وقوله سبحانه وإجماع الرسل هو الصدق والحق، فماذا بعد الحق إلا الضلال. (متفق عليه) أي اتفق الشيخان على أصل الحديث، فإن السياق المذكور هنا إنما هو سياق مسلم، وسياق الحديث عند البخاري قد ذكره المصنف قبل ذلك، فكان الأولى بعد ذكر حديث أبي هريرة الذي فيه الأمر بالاستعاذة وعزوه للشيخين أن يعزو حديثه الثاني لمسلم فقط كما لا يخفى، وأخرجه أيضًا أبوداود في السنة، والنسائي في اليوم والليلة، وفي الباب عن خزيمة بن ثابت وعائشة وعبد الله بن عمر، وذكر أحاديثهم الهيثمي في مجمع الزوائد.
(٢) قوله: (ما منكم من أحد) ما نافية، ومن زائدة لاستغراق النفي لجميع الأفراد، ومن في "منكم" تبعيضية، أي ما أحد منكم (إلا وقد وكل) على بناء المجهول من التوكيل بمعنى التسليط (قرينه من الجن) أي صاحبه منهم ليأمره بالشر، واسمه الوسواس (وقرينه من الملائكة) أي ليأمره بالخير واسمه الملهم. وليس هذا في المصابيح، وكذا ليس في رواية جرير عن منصور عن سالم بن أبي الجعد عن أبيه عن ابن مسعود عند مسلم، ووقع في رواية سفيان عن منصور عن جرير عنده: وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة. فاختار صاحب المشكاة هذه الرواية الجامعة (قالوا: وإياك يا رسول الله؟) أي لك قرين من الجن؟ والقياس وأنت يا رسول الله بالضمير المرفوع المنفصل، وكذا في الجواب يعني. (قال: وإياي) أي ولي ذلك، والقياس أن يقول: وأنا، فأقام الضمير المنصوب مقام المرفوع المنفصل وهو سائغ شائع، ويحتمل أن يكون المعنى: وإياك نعني في هذا الخطاب. فقال: نعم وإياي؛ لأن الخطاب في منكم عام لا يخص المخاطبين من الصحابة، بل كل من يصح أن يخاطب به داخل فيه، كأنه قيل: ما منكم يا بني آدم من أحد. وهذا إن قلنا: إن المتكلم لا يدخل في عموم الخطاب. وقيل: عطف على محل الضمير المجرور المقدر، تقديره: قالوا: وقد وكل به وإياك. قال: وكل به وإياي، كذا في المرقاة (ولكن) بالتشديد ويخفف (أعانني عليه) أي بالعصمة أو بالخصوصية (فأسلم) برفع الميم على بناء المضارع من السلامة، وفتحها على بناء الماضي من الإسلام، وهما روايتان مشهورتان، فمن رفع قال معناه: أسلم أنا من شره وفتنته؛ لأن القرين من الجن إنما هو الشيطان، والشيطان هو المصر على العتو والتمرد والمطبوع على الكفر، فأنى يتصور منه الإسلام. ومن فتح قال: إن القرين أسلم وصار مؤمنًا. واختلفوا في الأرجح منهما، فقال الخطابي: الصحيح
[ ١٤٥ ]
فلا يأمرني إلا بخير»، رواه مسلم.
٦٨- (٦) وعن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم،
_________________
(١) المختار الرفع. ورجح القاضي عياض الفتح. قال النووي: هو المختار لقول النبي - ﷺ - (فلا يأمرني إلا بخير) وقال التوربشتي: إذا صحت رواية الفتح فلا عبرة بهذا التعليل، أي الذي ذكره أصحاب القول الأول فإن الله هو القادر على كل شيء، ولا يستبعد من فضله أن يخص نبيه - ﷺ - بأمثال هذه الكرامة وبما هو فوقها - انتهى. واختلفوا على رواية الفتح فقيل: أسلم بمعنى استسلم وذل وانقاد، وقد جاء هكذا في غير صحيح مسلم فاستسلم، وقيل: معناه صار مسلما مؤمنا. قال النووي: وهذا هو الظاهر. قال القاضي: إن الأمة مجتمعة على عصمة النبي - ﷺ - من الشيطان في جسمه وخاطره ولسانه. وفي هذا الحديث إشارة إلى التحذير من فتنة القرين ووسوسته وإغواءه، فأعلمنا بأنه معنا لنحترز منه بحسب الإمكان (رواه مسلم) في صفة القيامة قبل صفة الجنة، وأخرجه أيضًا أحمد، وفي الباب عن عائشة عند مسلم والنسائي.
(٢) قوله: (إن الشيطان يجري) أي يسري (من الإنسان) أي فيه (مجرى الدم) أي في عروقه. وقال الطيبي: عدى " يجري" بمن على تضمين معنى التمكن، أي يتمكن من الإنسان في جريانه في عروقه مجرى الدم، فالمجرى يجوز أن يكون مصدرًا ميميًا وأن يكون اسم مكان، وعلى الأول تشبيه شبه سريان كيد الشيطان وجريان وساوسه في الإنسان يجريان دمه في عروقه وجميع أعضائه، والمعنى أن الشيطان يتمكن من إغواء الإنسان وإضلاله تمكنًا تامًا، ويتصرف فيه تصرفًا لا مزيد عليه، وعلى الثاني يجوز أن يكون حقيقة فإن الله تعالى قادر على أن يخلق أجسامًا لطيفة تسري في بدن الإنسان سريان الدم، فإن الشيطان مخلوقه من نار السموم، والإنسان من صلصال من حمأ مسنون، والصلصال فيه نارية وبه يتمكن من الجريان في أعضائه، ويجوز أن يكون مجازا، أي إن كيد الشيطان ووساوسه تجري في الإنسان حيث يجري فيه الدم، فالشيطان إنما يستحوذ على النفوس، وينفث وساوسه في القلوب بواسطة النفس الأمارة بالسوء، ومركبها الدم ومنشأ قواها منه، فعلاجه سد المجاري بالجوع والصوم؛ لأنه يقمع الهوى والشهوات التي هي من أسلحة الشيطان، فالشبع مجلبة للآثام منقصة للإيمان - انتهى. وفي الحديث الاستعداد للتحفظ من مكائد الشيطان فإنه يجري من الإنسان مجرى الدم، ولا يفارقه كما لا يفارقه دمه، فيتأهب الإنسان للاحتراز من وساوسه وشره. وسبب الحديث أن النبي - ﷺ - أتته صفية وهو معتكف في المسجد، فلما رجعت انطلق معها، فمر به رجلان من الأنصار، فدعاهما فقال: إنما هي صفية، قالا سبحان الله، فذكره وأشار بذلك إلى أنه ينبغي التباعد من محل التهم، فما يفعله بعض من ادعى التصوف من مخالطة النساء والحدثان، ويقولون لا بأس علينا ولا يظن بنا أحد سوء من الجهل إذا كان رسول الله - ﷺ - أولى بذلك، وارجع لمزيد التفصيل إلى شرح البخاري للقسطلاني في شرح حديث صفية بنت حي في صفة إبليس من
[ ١٤٦ ]
متفق عليه.
٦٩- (٧) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما من بني آدم مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخًا من مس الشيطان
_________________
(١) بدء الخلق (متفق عليه) لم أجد حديث أنس هذا في صحيح البخاري، والظاهر أنه من إفراد مسلم، أخرجه في الاستيذان، يدل على ذلك قول الحافظ في شرح حديث صفية في باب: هل يخرج المعتكف لحوائجه إلى باب المسجد من كتاب الصوم، نعم رواه مسلم من وجه آخر من حديث أنس الخ، ويدل عيه أيضًا أن الشيخ عبد الغني النابلسي عزاه في ذخائر المواريث (ج١:ص٦١) لمسلم فقط، ويدل عليه أيضًا أن المنذري سكت في مختصره عن عزو حديث أنس هذا إلى البخاري، وقال: أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة من حديث صفية بنت حي عن رسول الله - ﷺ -، وقد تقدم في كتاب الصيام - انتهى. وحديث أنس هذا أخرجه أيضًا أحمد وأبوداود في السنة.
(٢) قوله: (ما من بني آدم) أي ما من أولاده، والمراد هذا الجنس (مولود إلا يمسه الشيطان) رفع مولود على أنه فاعل الظرف لاعتماده على حرف النفي، والمستثنى منه أعم عام الوصف فالاستثناء مفرغ، يعني ما وجد من بني آدم مولود متصف بشيء من الأوصاف حال ولادته إلا بهذا الوصف أي مس الشيطان له، والمراد بالمس الحقيقي أي الحسي لقوله - ﷺ - في رواية للبخاري: «كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبه بإصبعيه حين يولد غير عيسى بن مريم، ذهب يطعن فطعن في الحجاب» . قال القرطبي: هذا الطعن من الشيطان هو ابتداء التسليط، فحفظ الله مريم وابنها ببركة دعوة أمها. (فيستهل) أي يصيح (صارخًا) رافعًا صوته بالبكاء، وهو حال مؤكدة، أو مؤسسة أي مبالغة في رفعه، أو المراد بالاستهلال مجرد رفع الصوت وبالصراخ البكاء (من مس الشيطان) أي لأجله، يعني سبب صراخ الصبي أول ما يولد الألم من مس الشيطان إياه. قال الطيبي: وفي التصريح بالصراخ إشارة إلى أن المس عبارة عن الإصابة بما يؤذيه لا كما قالت المعتزلة من أن مس الشيطان تخييل، واستهلاله صارخًا من مسه تصوير لطمعه فيه، كأنه يمسه ويضرب بيده عليه ويقول: هذا ممن أغويه - انتهى. قال الحافظ: قد طعن صاحب الكشاف أي الزمخشري في معنى هذا الحديث وتوقف في صحته، فقال: إن صح فمعناه أن كل مولود يطمع الشيطان في إغوائه إلا مريم وابنها فإنهما كانا معصومين، وكذلك كل من كان في صفتهما لقوله تعالى: ﴿إلا عبادك منهم المخلصين﴾ [١٥:٤٠] قال واستهلال الصبي صارخًا من مس الشيطان تخييل لطمعه فيه، كأنه يمسه ويضرب بيده عليه، ويقول هذا ممن أغويه. وأما صفة النخس كما يتوهمه أهل الحشو فلا، ولو ملك إبليس على الناس نخسهم لامتلأت الدنيا صراخًا - انتهى. وكلامه متعقب من وجوه، والذي يقتضيه لفظ الحديث لا إشكال في معناه، ولا مخالفة لما ثبت من عصمة الأنبياء، بل ظاهر الخير أن إبليس ممكن من مس كل مولود عند ولادته، لكن من كان من عباد الله المخلصين لم يضره ذلك المس أصلًا، واستثنى من المخلصين مريم
[ ١٤٧ ]
غير مريم وابنها»، متفق عليه.
٧٠- (٨) وعنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: «صياح المولود حين يقع نزغة من الشيطان»، متفق عليه) .
_________________
(١) وابنها فإنه ذهب يمس على عادته فحيل بينه وبين ذلك، فهذا وجه الاختصاص، ولا يلزم منه تسلطه على غيرهما من المخلصين. وأما قوله "لو ملك إبليس" الخ فلا يلزم من كونه جعل له ذلك عند ابتداء الوضع أن يستمر ذلك في حق كل أحد. قال الحافظ: والجواب عن إشكال الإغواء يعرف مما قدمنا أيضًا، وحاصله أن ذلك جعل علامة في الابتداء على من يتمكن من إغوائه - انتهى. وقال المولى سعد الدين: طعن أي الزمخشري أولًا في الحديث بمجرد أنه لم يوافق هواه، وإلا فأي امتناع من أن يمس الشيطان المولود حين يولد بحيث يصرخ كما ترى وتسمع، ولا يكون ذلك في جميع الأوقات حتى يلزم امتلاء الدنيا بالصراخ، ولا تلك المسة للإغواء، وكفى بصحة هذا الحديث رواية الثقات وتصحيح الشيخين له من غير قدح من غيرهما - انتهى. (غير مريم وابنها) حال من مفعول يمس، قاله ابن حجر. واستثناءهما لإجابة دعوة حنة: امرأة عمران، أم مريم العذرًاء البتول حيث قالت: ﴿إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم﴾ [٣: ٣٥]، وتفرد عيسى وأمه بالعصمة عن المس لا يدل على فضلهما على نبينا - ﷺ -، إذ له فضائل ومعجزات لم تكن لأحد من النبيين، ولا يلزم أن يكون في الفاضل جميع صفات المفضول، قاله الطيبي. وقال النووي: ظاهر الحديث اختصاص هذه الفضيلة بعيسى وأمه، وأشار القاضي عياض أن جميع الأنبياء يشاركون فيها، أي لعصمتهم من الشيطان، وإنما نص على مريم وعيسى فقط لدعوة حنة، وغيرهما من بقية الأنبياء ملحق بهما. وقال صاحب اللمعات: الظاهر أن نبينا - ﷺ - مستثنى من هذا العموم، وأنه يخبر عن أحوال عامة بني آدم سوى نفسه الكريمة، إذ شأنه أرفع وأعلى من أن يدخل في مثل هذا الحكم، إذا هو الطاهر المطهر من كل دنس، والمعصوم من آفات الشيطان وإفساده خصوصًا في أول خلقه وحين ولادته. وقد قيل: إن المتكلم لا يدخل في عموم ما يخبر به الناس - انتهى. (متفق عليه) أخرجه البخاري في صفة إبليس وجنوده من بدء الخلق، وفي الأنبياء، وفي تفسير آل عمران، ومسلم في الأنبياء واللفظ المذكور للبخاري في الأنبياء.
(٢) قوله: (صياح المولود) أي سبب صيحته في بكاء (حين يقع)، أي يسقط وينفصل عن أمه (نزعة من الشيطان) بفتح النون وسكون الزاي، أي إصابة ما يؤذيه أو نخسة وطعنة منه يريد بها إيذاءه وإفساد ما ولد عليه من الفطرة الإسلامية، فإن النزغ هو النخس بالعود والدخول في أمر لإفساده (متفق عليه) اختلفت النسخ المطبوعة في الهند في ذكر هذا اللفظ فلم يقع في بعضها، وكذا لم يقع في النسخة التي على حاشية المرقاة، وهو موجود في الأصل الذي أخذه القاري في شرحه. قال القاري: المذكور في الجامع الصغير أنه من إفراد البخاري - انتهى. يعني فقوله " متفق عليه" محل نظر. قلت: هذا الحديث من إفراد مسلم، رواه في الأنبياء ولم يروه البخاري في صحيحه، وعزاه
[ ١٤٨ ]
٧١- (٩) وعن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه يفتنون الناس، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئًا. قال: ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته. قال فيدنيه منه ويقول: نعم أنت» . قال الأعمش
_________________
(١) السيوطي في الجامع الصغير لمسلم فقط، وهو الصواب.
(٢) قوله: (إن إبليس يضع عرشه) أي سرير ملكه (على الماء) وفي رواية على البحر، ومعناه أن مركزه البحر، ومنه يبعث سراياه في نواحي الأرض، فالصحيح حمله على ظاهره، ويكون من جملة تمرده وطغيانه وضع عرضه على الماء، يعني جعله الله تعالى قادرًا عليه استدراجًا ليغتر بأن له عرشًا كعرش الرحمن كما في قوله تعالى: ﴿وكان عرشه على الماء﴾ [١١: ٧]، ويغر بعض السالكين الجاهلين بالله أنه الرحمن كما وقع لبعض الصوفية على ما ذكر في النفحات الإنسية، ويؤيده قصة ابن صياد حيث قال لرسول الله - ﷺ -: «أرى عرشًا على الماء. فقال له - ﷺ -: ترى عرش إبليس» . وقيل عبر عن استيلائه على إغوائه الخلق وتسلطه على إضلالهم بهذه العبارة، كذا في المرقاة. (ثم يبعث) أي يرسل (سراياه) جمع سرية وهي قطعة من الجيش توجه نحو العدو لتنال منه، والمراد جنوده وأعوانه (يفتنون الناس) بفتح الياء وكسر التاء، أي يضلونهم أو يمتحنونهم بتزيين المعاصي إليهم حتى يقعوا فيها (فأدناهم) أي أقربهم (منه) أي من إبليس (منزلة) أي مرتبة (أعظمهم فتنة) أي أكبرهم إضلالًا (فعلت كذا وكذا) أي أمرت بشرب الخمر والسرقة مثلًا (فيقول ما صنعت شيئا) أي عظيمًا أو معتدًا به (ما تركته) أي فلانًا (حتى فرقت بينه وبين امرأته) أي وسوسته، وأوقعت البغض والعداوة بينه وبين زوجته حتى فارقها (فيدنيه منه) أي فيقرب إبليس ذلك المغوي من نفسه، من الإدنا (نعم أنت) بكسر النون وسكون العين المهملة أي نعم الولد أنت، على أنه فعل مدح وفاعله مضمر على خلاف القياس، يعني يمدح إبليس صنيعه ويشكر فعله لإعجابه بصنيعه وبلوغ الغاية التي أرادها. وقيل حرف إيجاب، وأنت مبتدأ وخبره محذوف، أي أنت صنعت شيئًا عظيمًا. (قال الأعمش) وهو أحد رواة الحديث، اسمه سليمان بن مهران - بكسر الميم - الأسدي الكاهلي مولاهم أبو محمد الكوفي، أحد الأعلام الحفاظ والقراء. رأى أنس بن مالك. وقيل رآه رؤية بمكة يصلي خلف المقام. وروى عنه وعن عبد الله بن أبي أوفى ولم يسمع منهما. وذكر أبونعيم الأصفهاني: أن الأعمش رأى أنس بن مالك وابن أبي أوفى، وسمع منهما. والأول هو المشهور، وهو الصحيح. قال ابن المديني: له نحو ألف وثلثمائة حديث. قال ابن عيينة: كان أقرأ أصحابه وأحفظهم وأعلمهم، وكان يسمى المصحف لصدقه. قال الحافظ في التقريب في ترجمته: ثقة حافظ عارف بالقراءة ورع لكنه يدلس، من الخامسة، وهم الطبقة الصغرى من التابعين الذين
[ ١٤٩ ]
أراه قال: " فيلتزمه"، رواه مسلم.
٧٢- (١٠) وعنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الشيطان قد أيس من أن يعبده المصلون في جزية العرب
_________________
(١) رأوا الواحد والاثنين من الصحابة، ولم يثبت لبعضهم السماع من الصحابة. مات سنة (٤٧) أو (٤٨) وكان مولده أول سنة (٦١) . (أراه) بضم أوله أي أظن أبا سفيان طلحة بن نافع الراوي عن جابر. وقيل: ضمير المفعول لجابر (قال فيلتزمه) أي فيعانقه ويضمه إلى نفسه من غاية حبه التفريق بين الزوجين، وذلك لأن النكاح عقد شرعي يستحل به الزوج، وهو يريد حل ما عقده الشرع، ليستبيح ما حرمه فيكثر الزنا وأولاد الزنا، فيفسدوا في الأرض، ويهتكوا حدود الشرع، ويتعدوا حدود الله تعالى، قاله الطيبي. والقصد بسياق الحديث التحذير من التسبب في الفراق بين الزوجين؛ لما فيه من توقع وقوع الزنا وانقطاع النسل. (رواه مسلم) في صفة القيامة، وأخرجه أيضًا أحمد، وفي الباب عن أبي موسى الأشعري وأبي ريحانة عند الطبراني في الكبير، وفي الأول عطاء بن السائب اختلط، وبقية رجاله ثقات، وفي الثاني يحيى بن طلحة اليربوعي ضعفه النسائي، وذكره ابن حبان في الثقات.
(٢) قوله: (إن الشيطان) أي إبليس رئيس الشياطين (قد أيس) وفي رواية يئس (من أن يعبده المصلون) قيل: المراد بعبادة الشيطان عبادة الصنم؛ لأنه الآمر به والداعي إليه بدليل قوله: ﴿يا أبت لا تعبد الشيطان﴾ [١٩: ٤٤] إذ المراد الأصنام، والمراد بالمصلين المؤمنون كما في قوله - ﵊ -: «نهيتكم عن قتل المصلين» . سموا بذلك لأنها أشهر الأعمال وأظهر الأفعال الدالة على الإيمان؛ ولأن الصلاة هي الفارقة بين الكفر والإيمان. (في جزيرة العرب) الجزيرة هي كل أرض حولها الماء، فعليه بمعنى مفعوله من جزر عنها الماء أي ذهب، وقد اكتنفت تلك الجزيرة البحار والأنهار، كبحر البصرة وعمان وعدن إلى بركة بني إسرائيل التي أهلك الله فرعون بها وبحر الشام والنيل، أضيفت إلى العرب لأنها مسكنهم، ونقل عن مالك أن جزيرة العرب مكة والمدينة واليمن. قيل إنما خص جزيرة العرب لأنها معدن العبادة ومهبط الوحي، قاله القاري. وفي القاموس: جزيرة العرب ما أحاط به بحر الهند وبحر الشام ثم دجلة والفرات وما بين عدن أبين إلى أطراف الشام طولًا ومن جدة إلى ريف العراق عرضًا - انتهى. وعلى هذا هي شبه الجزيرة لا الجزيرة، فتسميتها بالجزيرة مجاز، ومعنى الحديث أن الشيطان قد أيس من أن يعود أحد من المؤمنين إلى عبادة الصنم، ويرتد إلى شركه في جزيرة العرب، والمراد الإخبار بأنه تعالى حفظ هذا المكان عن وقوع عبادة الصنم فيه، ولا يرد على ذلك ارتداد أصحاب مسيلمة والعنسي وغيرهما ممن ارتد بعد النبي - ﷺ - في العرب؛ لأنهم لم يعبدوا الصنم. قال القاري: وفيه أن دعوة الشيطان عامة إلى أنواع الكفر غير مختص بعبادة الصنم، فالأولى أن يقال: إن المراد المصلين لا يجمعون بين الصلاة وعبادة الشيطان كما فعلته اليهود والنصارى - انتهى. وقال التوربشتي
[ ١٥٠ ]
ولكن في التحريش بينهم»، رواه مسلم.