(باب إثبات عذاب القبر) قال في اللمعات: المراد بالقبر هنا عالم البرزخ، قال تعالى: ﴿ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون﴾ [١٠٠:٢٣] وهو عالم بين الدنيا والآخرة له تعلق بكل منهما، وليس المراد به الحفرة التي يدفن فيها الميت، فرب ميت لا يدفن كالغريق، والحريق، والمأكول في بطن الحيوانات، يعذب، وينعم، ويسأل، وإنما خص العذاب بالذكر للاهتمام، ولأن العذاب أكثر لكثرة الكفار والعصاة -انتهى. قلت: حاصل ما قيل في بيان المراد من البرزخ أنه اسم لأنقطاع الحياة في هذا العالم المشهود، أي دار الدنيا، وابتداء حياة أخرى، فيبدأ شيء من العذاب أو النعيم بعد إنقطاع الحياة الدنيوية، فهو أول دار الجزاء، ثم توفى كل نفس ما كسبت يوم القيامة عند دخولها في جهنم أو الجنة، وإنما أضيف عذاب البرزخ ونعيمه إلى القبر لكون معظمه يقع فيه، ولكون الغالب على الموتى أن يقبروا، وإلا فالكافر ومن شاء الله عذابه من العصاة يعذب بعد موته ولو لم يدفن، ولكن ذلك محجوب عن الخلق إلا من شاءالله. وقيل: لا حاجة إلى التأويل فإن القبر اسم للمكان الذي يكون في الميت من الأرض، ولا شك أن محل الإنسان ومسكنه بعد انقطاع الحياة الدنيوية هي الأرض كما أنها كانت مسكنًا له في حياته قبل موته، قال تعالى ﴿ألم نجعل الأرض كفاتًا، أحياء وأمواتًا﴾ [٧٧: ٢٥، ٢٦] أي ضامة للأحياء والأموات، تجمعهم وتضمهم وتحوزهم، فلا محل للميت إلا الأرض، سواء كان غريقًا أو حريقًا أو مأكولًا في بطن الحيوانات من السباع على الأرض، والطيور في الهواء، والحيتان في البحر، فإن الغريق يرسب في الماء فيسقط إلى أسفله من الأرض، أو الجبل إن كان تحته جبل، وكذا الحريق بعد ما يصير رمادًا لا يستقر إلا على الأرض سواء أذرى في البر أو البحر، وكذا المأكول، فإن الحيوانات التي تأكله لا تذهب بعد موتها إلا إلى الأرض، فتصير ترابًا. والحاصل أن الأرض محل جميع الأجسام السفلية ومقرها لا ملجأ لها إلا إليها فهي كفات لها. واعلم أنه قد تظاهرت الدلائل من الكتاب والسنة على ثبوت عذاب القبر، وأجمع عليه أهل السنة، ولا مانع في العقل أن يعيد الله الحياة في جزء من الجسد أو في جميعه على الخلاف المعروف فيثيبه ويعذبه، وإذا لم يمنعه العقل، وورد به الشرع وجب قبوله واعتقاده، ولا يمنع من ذلك كون الميت قد تفرقت أجزاءه كما يشاهد في العادة، أو أكلته السباع، والطيور، وحيتان البحر، كما أن الله تعالى يعيده للحشر وهو قادر على ذلك، فلا يستبعد تعلق روح الشخص الواحد في آن واحد بكل واحد من أجزائه المتفرقة في المشارق والمغارب، فإن تعلقه ليس على سبيل الحلول حتى يمنعه الحلول في جزء من الحلول في غيره، فلا استحالة في تعذيب ذرات الجسم في محالها، كيف وقد ثبت بالعقل والنقل الشعور في الجمادات؟ قال في مصابيح الجامع: وقد كثرت الأحاديث في عذاب القبر حتى قال غير واحد: إنها متواترة لا يصح عليها التواطئ وإن لم يصح مثلها لم يصح شيء من أمر الدين. قال أبوعثمان الحداد: وليس في قوله تعالى: ﴿لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى﴾ [٥٦:٤٤] ما يعارض ما ثبت من عذاب القبر؛ لأن الله تعالى أخبر بحياة الشهداء قبل يوم القيامة، وليست مرادة
[ ٢١٧ ]
١٢٥- (١) عن البراء بن عازب عن النبي - ﷺ - قال: «المسلم إذا سئل في القبر، يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، فذلك قوله: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾
_________________
(١) بقوله تعالى: ﴿لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى﴾ فكذا حياة المقبور قبل الحشر. قال ابن المنير: وأشكل ما في القضية أنه إذا ثبت حياتهم لزم أن يثبت موتهم بعد هذه الحياة ليجتمع الخلق كلهم في الموت عند قوله تعالى: ﴿لمن الملك اليوم﴾ [١٦:٤٠] ويلزم تعدد الموت، وقد قال ﴿لايذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى﴾ الآية. والجواب الواضح عندي أن معنى قوله: ﴿لايذوقون فيها الموت﴾ أي ألم الموت، فيكون الموت الذي يعقب الحياة الأخروية بعد الموت الأول لا يذاق ألمه البتة، ويجوز ذلك في حكم التقدير بلا إشكال، وما وضعت العرب اسم الموت إلا للمؤلم على ما فهموه، لا باعتبار كونه ضد الحياة، فعلى هذا يخلق الله لتلك الحياة الثانية ضدًا يعدمها به، لا يسمى ذلك الضد موتا وإن كان للحياة ضد، جمعًا بين الأدلة العقلية والنقلية واللغوية –انتهى. وقد ادعى قوم من الملاحدة، والزنادقة، والخوارج، وبعض المعتزلة عدم ذكر عذاب القبر في القرآن، وزعموا أنه لم يرد ذكره إلا من أخبار الآحاد. وهو مردودو عليهم، قد بسط الكلام في الرد عليهم الإمام الحافظ ابن القيم في كتاب الروح، فعليك أن تطالعه، فإنه كتاب جليل القدر، ماصنف مثله في معناه، يشتمل على جملة من المسائل، تتضمن الكلام على أرواح الأموات والأحياء.
(٢) قوله: (عن البراء) بموحدة مفتوحة وخفة راء ومد (بن عازب) بن الحارث بن عدى الأنصاري الأوسي، كنيته أبوعمارة المدني الصحابي ابن الصحابي، نزل الكوفة، استصغر يوم بدر، وكان هو وابن عمر لدة. أول مشاهده أحد، وقيل: الخندق. غزا مع النبي - ﷺ - خمس عشرة عزوة، وافتتح الري سنة (٢٤) وشهد مع علي ابن أبي طالب الجمل وصفين ونهروان. مات بالكوفة سنة (٧٢) له ثلاثمائة حديث وخمسة أحاديث، اتفقا على اثنين وعشرين، وانفرد البخاري بخمسة عشر، ومسلم بستة، روى عنه خلق. (قال المسلم) وفي رواية: المؤمن، والمراد به الجنس، فيشمل المذكر والمؤنث، أو يعرف حكمها بالتبعية (إذا سئل في القبر) التخصيص للعادة، أوكل موضع فيه مقره فهو قبره، والمسئول عنه محذوف، أي عن ربه، ونبيه، ودينه، لما ثبت في الأحاديث الأخر (يشهد أن لاإله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله) أي يجيب بأن لا رب إلا الله، ولا إله سواه، وبأن نبيه محمد - ﷺ -، ويلزم منه أن دينه الإسلام (فذلك) أي فمصداق ذلك الحكم (قوله) أي تعالى (بالقول الثابت) أي الذي ثبت بالحجة عندهم، وهي كلمة التوحيد، وثبوتها تمكنها في القلب، واعتقاد حقيقتها، واطمئنان القلب بها. قيل: الباء للسببية متعلقة بيثبت، وكذا (في الحياة الدنيا) أي قبل الموت، بأن لا يزالوا عنه إذا فتنوا في دينهم، ولم يرتابوا بالشبهات، وإن ألقوا في النار، كما ثبت الذين فتنتهم أصحاب الأخدود، والذين نشروا بالمناشير. (وفي الآخرة) أي في القبر بتلقين الجواب والتمكين على
[ ٢١٨ ]
وفي رواية عن النبي - ﷺ - قال: «﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت﴾ نزلت في عذاب القبر، يقال له: من ربك؟ فيقول: ربي الله ونبي محمد» . متفق عليه.
١٢٦- (٢) وعن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان فيقعدانه، فيقولان: ما كنت تقول
_________________
(١) الصواب عند سؤال الملكين بعد إعادة أرواحهم في أجسادهم، وإنما حصل لهم الثبات في القبر بسبب مواظبتهم في الدنيا على هذا القول، وقيل: في الحياة الدنيا أي في القبر عند السؤال، وفي الآخرة أي عند البعث إذا سئلوا عن معتقدهم في الموقف، فلا يتلعثمون ولا تدهشهم أهوال القيامة، والأول أظهر. (قال: يثبت الله) مبتدأ أي آية يثبت الله ﴿الذين آمنوا بالقول الثابت﴾ أي إلى قوله: ﴿ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء﴾ [٢٧:١٤] (نزلت في عذاب القبر) أي في السؤال في القبر، ولما كان السؤال يكون سببًا للعذاب في الجملة ولو في حق بعض عبر عنه باسم العذاب. قال الكرماني: ليس في الآية ذكر عذاب القبر أي للمؤمن، فلعله سمى أحوال العبد في قبره عذاب القبر تغليبًا لفتنة الكافر على فتنة المؤمن لأجل التخويف؛ ولأن القبر مقام الهول والوحشة، ولأن ملاقاة الملائكة مما يهاب منه ابن آدم في العادة –انتهى. قال القاري: وفيه أن المراد إثبات عذاب القبر مجملًا، غايته أن عذاب المؤمن الفاسق مسكوت عنه كما هو دأب القرآن في الاقتصار على حكم الفريقين، وهذا المقدار من الدليل حجة على المخالف إذ لا قائل بالفصل – انتهى. ويدل على عذاب القبر للكافر بل لكل من ظلم نفسه آخر الآية، وهو قوله: ﴿ويضل الله الظالمين﴾ أي يضلهم عنه ولا يلقنهم إياه، فلا يقدرون على التكلم به في قبورهم، ولا عند الحساب، ويقولون: لا أدري، ﴿ويفعل الله ما يشاء﴾ من تثبيت بعض وإضلال آخرين، ولا اعتراض عليه. (يقال له) أي لصاحب القبر (ونبي محمد) زاد في الجواب تبجحًا، أو"ومن نبيك"؟ مقدر في السؤال، أو لأن السؤال عن التوحيد يستلزمه إذ لم يعتد به دونه. وفي المصابيح: نزلت في عذاب القبر إذا قيل له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ يقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبي محمد. (متفق عليه) أخرجه البخاري في الجنائر، وفي التفسير، ومسلم في صفة النار، ولفظ الرواية الأولى للبخاري في التفسير، ولفظ الرواية الثانية لمسلم. وأخرجه أيضًا أحمد في مسنده، والترمذي في التفسير، وأبوداود في السنة، والنسائي في الجنائر، وفي التفسير. وابن ماجه في الزهد، ولحديث البراء هذا شواهد تدل على أن هذه الآية نزلت في عذاب القبر، ذكرها ابن كثير في تفسيره، والمنذري في ترغيبه، والهيثمي في مجمع الزوائد.
(٢) قوله: (إن العبد) المراد به الجنس (إذا وضع) شرط وجوابه "أتاه" والجملة خبر إن (وتولى) أي أدبر (عنه) أي عن قبره (إنه) حال بحذف الواو، وقيل: إنه جواب الشرط على حذف الفاء، فيكون "أتاه" حالًا من فاعل يسمع، وقد مقدرة، ويحتمل أن يكون "إذا" ظرفًا محضًا، وقوله: "إنه" تأكيد لقوله: (إن العبد ليسمع قرع نعالهم) زاد
[ ٢١٩ ]
في هذا الرجل؟ لمحمد. فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله. فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعدًا من الجنة، فيراهما جميعًا. وأما المنافق والكافر
_________________
(١) مسلم: (إذا انصرفوا) . "والقرع" بفتح القاف وسكون الراء، و"النعال" بكسر النون، جمع نعل أي يسمع صوت دقها، وفيه دلالة على حياة الميت في القبر؛ لأن الإحساس بدون الحياة ممتنع عادة. وفيه دليل على جواز المشي بالنعال في القبور لكونه - ﷺ - قاله وأقره، فلو كان ًمكروهًا لبينه، لكن يعكر عليه احتمال أن يكون المراد سماعه إياها بعد أن يجاوزوا المقبرة. قال الشوكاني: سماع الميت خفق النعال لا يستلزم المشي على قبر أو بين القبور –انتهى. وأيضًا يجوز أنه - ﷺ - ذكر ذلك على عادات الناس، فلا يلزم من هذه الحكاية من غير إنكار تقرير مشيهم بها. ويدل على الكراهة حديث الأمر بإلقاء السبتيتين للماشي بين القبور عند أبي داود والنسائي وابن ماجة، لكن يحتمل أن أمره بالخلع كان لقذر بهما كما قال الطحاوي، أو لاختياله في مشيه كما قال الخطابي، لا لكون المشي بين القبور بالنعال مكروهًا، ولا يتم الاستدلال به على الكراهة إلا إذا قيل: إن الأمر بالخلق كان احترامًا للمقابر. ومال النسائي إلى الجمع بين الحديثين بحمل حديث أنس هذا على غير السبتيتين، والكراهة إنما هي في النعال السبتية واختاره ابن حزم. قلت: حديث أنس يدل بإطلاقه على جواز المشي بين القبور في النعال السبتيتين وغيرها لعدم الفارق بينها وبين غيرها، واحتمال كون المراد سماعه إياها بعد مجاوزتهم المقبرة بعد جدًا، وكذا حمله على عادات الناس أيضًا بعيد خلاف الظاهر، وأما حديث السبتيتين فلا يتم الاستدلال به إلا على بعض الوجوه كما تقدم، وأيضًا حديث أنس أرجح منه فيقدم عليه، وأيضًا هو قضية شخصية معينة تحتمل الخصوص وغير ذلك. (في هذا الرجل) أي في شأنه، واللام للعهد الذهني (لمحمد) بيان من الراوي للرجل، أي لأجل محمد - ﷺ -. قال الطيبي: دعاؤه بالرجل من كلام الملك، فعبر بهذه العبارة التي ليس فيها تعظيم امتحانًا للمسئول، لئلا يتلقن تعظيمه عن عبارة القائل، ثم يثبت الله الذين آمنوا – انتهى. ولا يلزم من الإشارة ما قيل من رفع الحجب بين الميت وبينه - ﷺ - حتى يراه، ويسئل عنه؛ لأن مثل ذلك لا يثبت بالاحتمال، على أنه مقام امتحان، وعدم رؤية شخصه الكريم أقوى في الامتحان، ولا ما تفوه به بعض الجهلة من أنه - ﷺ - يحضر الميت في قبره بجسده وروحه؛ لأن الإشارة بهذا للحاضر في الذهن كما في تنوير الحوالك للسيوطي، فإن الإشارة كما تكون للحاضر في الخارج كذلك تكون للحاضر في الذهن أيضًا، ويدل على بطلان القولين، وعلى كون الإشارة ههنا إلى الموجود الحاضر في الذهن رواية أحمد، والطبراني بلفظ: «ما تقول في هذا الرجل؟ قال: من؟ قال محمد. فيقول » الخ. فإنه لو كشف - ﷺ - للميت، أو حضره في القبر لما احتاج إلى السؤال بقوله: "من" فتأمل (فأما المؤمن فيقول) أي في جوابه لهما مع اعترافه بالتوحيد كما في حديث البراء وغيره (فيقال له) أي على لسان الملكين (انظر إلى مقعدك من النار) لو لم تكن مؤمنًا ولم تجب الملكين (قد أبدلك الله به) أي بمقعدك هذا (فيراهما) أي المقعدين (جميعًا) ليزداد فرحه (وأما المنافق والكافر)
[ ٢٢٠ ]
فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس
_________________
(١) بواو العطف، وهي رواية البخاري في باب عذاب القبر من الجنائز، ووقع عنه في باب خفق النعال في هذا الحديث: وأما الكافر أو المنافق، بالشك، واختلفوا في أن السؤال في القبر هل هو عام في حق المسلمين والمنافقين والكفار، أو يختص بالمسلم والمنافق؟ فقيل: يختص بمن يدعى الإيمان إن كان محقًا أو مبطلًا، مال إليه ابن عبد البر والسيوطي، ولا دليل لهما على هذا القول، لا من كتاب الله ولا من سنة صحيحة. والحق أن الكافر غير المنافق أيضًا يسئل في القبر، لما ورد في ذلك من الأحاديث المرفوعة الصحيحة الكثيرة الطرق، ذكرها الحافظ في الفتح في باب عذاب القبر، وبه جزم الترمذي الحكيم والقرطبي، ورواية الكتاب صريحة في ذلك حيث جمع بين المنافق والكافر بواو العطف، والأصل في العطف المغايرة، فيدل على أن كلًا من المنافق والكافر الذي لم ينطق بالكلمة وقد بلغته الدعوة يسئل، ويؤيده قوله: ﴿ويضل الله الظالمين﴾ حيث ذكر الظالمين في مقابلة "الذي آمنوا" والظالم يعم الكافر والمنافق، وتخصيص الكافر شامل للمنافق وغيره بأهل الشك من أهل القبلة لا موجب له. وأما الرواية الأخرى أي بلفظ "وأما الكافر أو المنافق" فلا تنافي رواية الواو؛ لأن الترديد إما للشك أو لمنع الخلو، فإن كان الأول فالمحفوظ إما "الكافر" فهو صريح في المقصود، أو "المنافق" فلا دلالة في الحديث على الانحصار فيه، إذ غايته إفراد المنافق بالذكر، وهو لا ينافي أن يسئل غيره من الكفار، وإن كان الثاني جاز الجمع بينهما بالسؤال تحقيقًا لمنع الخلو، وعلى التقديرين لا منافاة بين الروايتين، وأما رواية أسماء بلفظ: "أما المنافق أو المرتاب" فلا دليل فيها على حمل الكافر على المنافق، إذ ليس فيها إلا الترديد بين المنافق والمرتاب، فإن قلنا: إن الترديد للشك، وإن المنافق والمرتاب متساويان لغة، فغايته أن يكون كرواية الترمذي في إفراد المنافق بالذكر، ولا دليل في ذلك على انحصار السؤال فيه لما مر. وإن قلنا بأن المرتاب أعم لجواز أن من بلغته دعوة الإسلام ولم ينطق بالكلمة لا يكون جازمًا بالتكذيب. وإن قلنا: إن الترديد لمنع الخلو فالأمر واضح، إذ غاية ما فيه الترديد بين المنافق وبين الكافر المرتاب، وقد تبين أن إفراد المنافق بالذكر لا يدل على انحصار السؤال فيه فكيف إذا ذكر معه بعض الكفار؟ كذا حققه بعض العلماء في شرحه على العقائد، وقال الإمام ابن القيم في كتاب الروح بعد ذكر قول ابن عبد البر ما لفظه: والقرآن والسنة تدل على خلاف هذا القول أن السؤال للكافر والمسلم، قال تعالى: ﴿ويثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء﴾ وقد ثبت في الصحيح أنها نزلت في عذاب القبر، ثم ذكر حديث أنس هذا وغيره من الأحاديث الدالة على عموم السؤال لكل أحد مسلمًا كان أو منافقًا أو كافرًا خالصًا، وقال الحافظ: الأحاديث الناصة على أن الكافر يسئل مرفوعة، مع كثرة طرقها الصحيحة، فهي أولى بالقبول – انتهى. والحكمة في سؤال الكافر في القبر إظهار شرف النبي - ﷺ -، وخصوصيته، ومزيته على سائر الأنبياء، فإن سؤال القبر إنما جعل تعظيمًا له وخصوصية شرف بأن الميت يسأل عنه في قبره، وارجع للتفصيل إلى كتاب الروح. (لا أدري) أي حقيقة أنه نبي أم لا (كنت أقول) أي في الدنيا (ما يقول الناس)
[ ٢٢١ ]
فيقال له: لا دريت ولا تليت، ويضرب بمطارق من حديد ضربة، فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين» . متفق عليه. ولفظه للبخاري.
١٢٧- (٣) وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي،
_________________
(١) أي المسلمون، يجيب بذلك المنافق والكافر كلاهما، أما المنافق فلأنه كان يقول في الدنيا الشهادتين تقيه من غير اعتقاد، وأما الكافر فيقول ذلك في القبر كذبًا، ودفعًا لعذاب القبر عن نفسه (لادريت) أي لا علمت ما هو الحق والصواب (ولا تليت) أصله تلوت - بالواو، والمحدثون إنما يروونه بالياء للازدواج، أي لا علمت بالنظر والاستدلال العقلي، ولا قرأت القرآن لتعلمه منه بالدليل النقلي، ويؤيده ما في حديث البراء في الفصل الثاني. وقيل: معناه ولا اتبعت من يدري. (ويضرب بمطارق) من الطرق - وهو الضرب، والمطرقة آلة الضرب (ضربة) أي بين أذنيه، أفرد الضربة مع جمع المطارق للإشارة إلى أنها تجتمع عليه في وقت واحد فصارت كالضربة الواحدة صورة. (يسمعها) أي تلك الصيحة (من يليه) من الدواب والملائكة، وعبر بمن تغليبًا للملائكة لشرفهم، ولا يذهب فيه إلى المفهوم من أن من بعد لا يسمع، لما في حديث البراء الآتي في الفصل الثاني من أنه يسمعها ما بين المشرق والمغرب، والمفهوم لا يعارض المنطوق. (غير الثقلين) أي الجن والإنس، ونصب "غير" على الاستثناء، وقيل: بالرفع على البدلية، واستثنيا لأنهما بمعزل عن سماع ذلك لئلا يفوت الإيمان بالغيب، وقيل: لو سمعوه لأعرضوا عن التدابير والصنائع ونحوهما، فينقطع المعاش، ويختل نظام العالم، قال ابن القيم: فإذا شاءالله سبحانه أن يطلع على ذلك بعض عبيده أطلعه، وغيبه عن غيره، إذ لو اطلع العباد كلهم لزالت كلمة التكليف والإيمان بالغيب، ولما تدافن الناس كما في الصحيحين عنه - ﷺ -: «لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع» . ولما كانت هذه الحكمة المنتفية في حق البهائم سمعت ذلك وأردكته، كما حادت برسول الله - ﷺ - بغلته، وكادت تلقيه لما مر بمن يعذب في قبره. (متفق عليه) أي على أصل الحديث أو أكثر، وإلا فرواية مسلم انتهت إلى قوله: فيراهما جميعًا (ولفظه للبخاري) في باب عذاب القبر من الجنائر، وأخرجه أيضًا أبوداود، والنسائي، وعبد بن حميد.
(٢) قوله: (عرض عليه) بأن تعاد الروح إلى بدنه ليدرك ذلك وتصح مخاطبته، وهل العرض مرة واحدة بالغداة ومرة أخرى بالعشي فقط، أوكل غداة وكل عشي؟ والأول موافق لحديث أنس المتقدم، وللأحاديث الواردة في سياق المسألة، والله أعلم. ويكون عرض المقعدين على كل واحد من المؤمن المخلص والكافر والمؤمن المخلط؛ لأنه يدخل الجنة في الجملة، فيرى مقعده في الجنة، فيقال له: هذا مقعدك وستصير إليه بعد مجازاتك بالعقوبة على ما تستحق (مقعده) أي أظهر له مكانه الخاص من الجنة أو النار. (بالغداة والعشي) أي طرفي النهار، أو المراد الدوام، قاله
[ ٢٢٢ ]
إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة» متفق عليه.
١٢٨- (٤) وعن عائشة - ﵁ -: «أن يهودية دخلت عليها، فذكرت عذاب القبر، فقالت لها: أعاذك الله من عذاب القبر، فسألت عائشة رسول الله - ﷺ - عن عذاب القبر. فقال: نعم عذاب القبر حق.
_________________
(١) القاري. وقيل: أي وقتهما يعني أول النهار وآخره بالنسبة إلى أهل الدنيا، وإلا فالموتى لا صباح عندهم ولا مساء. (إن كان) أي الميت (فمن أهل الجنة) أي فالمعروض عليه من مقاعد أهل الجنة، فحذف المبتدأ والمضاف المجرور، وأقيم المضاف إليه مقامه، أو فمقعد من مقاعد أهل الجنة يعرض عليه، وهذا أكثر حذفًا (فيقال) أي لكل واحد منهما (هذا) أي المقعد المعروض عليك (مقعدك حتى يبعثك الله إليه) الضمير يرجع إلى المقعد المعروض، أي المقعد المعروض مقعدك بعد، ولا تدخله الآن ولا تصل إليه حتى يبعثك الله إليه. وقيل: حتى غاية للعرض أي يعرض عليك إلى البعث، ويحتمل أن يكون الإشارة إلى القبر، والضمير في "إليه" يرجع إلى المقعد المعروض. والمعنى القبر مقعدك إلى أن يبعثك الله إلى المقعد المعروض، ويجوز أن يرجع الضمير إلى الله، أي لقاء الله، أو إلى يوم الحشر، أي هذا الآن مقعدك إلى يوم الحشر فترى عند ذلك هوانًا أو كرامة تنسى عنده هذا المقعد، وفي عرض المقعد تنعيم للمؤمن وتعذيب للكافر والمنافق، ففيه إثبات عذاب القبر، وأن الروح لا تفنى بفناء الجسد؛ لأن العرض لا يقع إلا على حي (متفق عليه) . وأخرجه أيضًا مالك، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وأبوداود دون قوله: "فيقال" إلى آخره.
(٢) قوله: (فقالت) أي اليهودية، وهو يحتمل أن يكون تفسيرًا أو تفريعًا. (أعاذك الله) أي حفظك وأجارك (عن عذاب القبر) أي أحق هو؟ (نعم عذاب القبر حق) أي ثابت ومتحقق وكائن وصدق. فيه أنه أقر اليهودية على أن عذاب القبر حق، وهذا مخالف لما في رواية لمسلم: إنما تفتن يهود. ولما في رواية لأحمد بإسناد على شرط البخاري: كذبت يهود لا عذاب دون يوم القيامة. والجمع بين هذه الروايات أنه أنكر النبي - ﷺ - قول اليهودية أولًا أي قبل أن ينزل شيء عليه في عذاب القبر، ثم أعلم بذلك في آخر الأمر فأقرها وأمر الناس بالتعوذ كما في رواية أحمد التي أشرنا إليها: «ثم مكث بعد ذلك ما شاءالله أن يمكث، فخر ذات يوم نصف النهار وهو ينادي بأعلى صوته: أيها الناس استعيذوا بالله من عذاب القبر فإن عذاب القبر حق» . ويوضح ذلك ما في رواية لمسلم: «إنما يفتن يهود فلبثنا ليالي، ثم قال رسول الله - ﷺ -: هل شعرت أنه أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور؟ قالت عائشة: فسمعت رسول الله - ﷺ - يستعيذ من عذاب القبر» . وقال الحافظ: وقد استشكل ذلك أي ما تقدم من أنه أعلم بحكم عذاب القبر إذ هو بالمدينة في آخر الأمر
[ ٢٢٣ ]
قالت عائشة: فما رأيت رسول الله - ﷺ - بعد صلى صلاة إلا تعوذ بالله من عذاب القبر» . متفق عليه.
١٢٩- (٥) وعن زيد بن ثابت قال: «بينا رسول الله - ﷺ - في حائط لبنى النجار على بغلة له ونحن معه، إذ حادت به فكادت تلقيه. وإذ أقبر ستة أو خمسة، فقال: من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟ قال رجل: أنا. قال: فمتى ماتوا؟ قال: في الشرك. فقال: إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا
_________________
(١) بأن الآية المقدمة مكية، وهي قوله تعالى: ﴿يثبت الله الذين آمنو﴾ وكذا قوله تعالى: ﴿النار يعرضون عليها غدوًا وعشيًا﴾ [٤٦:٤٠]، والجواب أن عذاب القبر إنما يؤخذ من الأولى بطريق المفهوم في حق من لم يتصف بالإيمان، وبالمنطوق في حق الظالمين أي الكافرين، وكذلك بالمنطوق في الأخرى في حق آل فرعون، وأن التحق بهم من كان له حكمهم من الكفار، فالذي أنكره النبي - ﷺ - إنما هو وقوع عذاب القبر على الموحدين. ثم أعلم - ﷺ - أن ذلك قد يقع على من يشاء الله منهم فجزم به، وحذر منه، وبالغ في الاستعاذة منه تعليمًا لأمته وإرشادًا، فانتفى التعارض – انتهى. (بعد) مبني على الضم أي بعد سؤالي ذلك (إلا تعوذ بالله من عذاب القبر) داخل الصلاة وخارجها. قال القاري: والأول أظهر، ومن ثم أوجب ذلك بعض العلماء. (متفق عليه) أخرجه البخاري في الجنائر، ومسلم في الصلاة، وأخرجه أيضًا أحمد والنسائي.
(٢) قوله: (في حائط) متعلق بخبر محذوف أي كائن في بستان (على بغلة له) حال من المستتر في الخبر. (ونحن معه) حال متداخله؛ لأنه حال من الضمير في الحال (إذ حادت) بالحاء المهملة، أي مالت ونفرت؛ لأنها سمعت صوت المعذبين في القبور، فقد ثبت أن البهائم تسمع أصوات المعذبين في القبر، كما في حديث أبي سعيد عند أحمد: «يسمعه كل دابة إلا الثقلين»، وفي حديث أم مبشر عند أحمد أيضًا: «يسمعه البهائم»، وفي حديث ابن مسعود عند الطبراني في الكبير: «إن البهائم تسمع أصواتهم» . (به) أي متلبسة به فـ"به" حال و"إذ" بسكون الذال للمفاجأة بعد بينا. (وإذ أقبر) بفتح فسكون فضم، وإذا بالألف للمفاجأة، والواو للحال، أي نحن على ذلك مع رسول الله - ﷺ - وإذا أقبر، أي ظهرت لنا قبور معدودة فاجأناها. (قال) رسول الله - ﷺ -: إذا كنت تعرفهم (فمتى ماتوا) أي في الجاهلية أو بعدها، مشركين أو مؤمنين؟ (قال) أي الرجل (في الشرك) أي في زمنه، أو صفته (إن هذه الأمة) أي جنس الإنسان، فهذه إشارة لما في الذهن، وخبره بيان له، كهذا أخوك. وأصل الأمة كل جماعة يجمعهم أمر واحد، إما دين، أو زمان، أو مكان. (تبتلى) بصيغة المجهول، أي تمتحن ثم تنعم أو تعذب (فلولا أن لا تدافنوا) بحذف إحدى التائيين، أي تتدافنوا، أي لو سمعتم ذلك تركتم التدافن من خوف الفضيحة في القرائب لئلا يطلع على أحوالهم. وقال ابن حجر:
[ ٢٢٤ ]
لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه. ثم أقبل علينا بوجهه فقال: تعوذوا بالله من عذاب النار. قالوا: نعوذ بالله من عذاب النار. قال: تعوذوا بالله من عذاب القبر. قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر. قال: تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن. قالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن. قال: تعوذوا بالله من فتنة الدجال. قالوا: نعوذ بالله من فتنة الدجال» رواه مسلم.