٥١٤- (٢٢) عن امرأة من بني عبد الأشهل، قالت: قلت يارسول الله! إن لنا طريقًا إلى المسجد منتنة، فكيف نفعل إذا مطرنا؟ قالت: فقال: «أليس بعدها طريق هي أطيب منها؟ قلت: بلى. قال: فهذه بهذه» . رواه أبوداود.
_________________
(١) الدال (طهورها) بفتح الطاء وتضم، أي: مطهرها أو طهارتها. وفي رواية النسائي وغيره: دباغها ذكاتها، بفتح الذال المعجمة، وهي الذبح، والمراد هنا التطهير لأن الذبح يطهر المذبوح ويحل أكله. والحديث قد استدل بإطلاقه على عدم وجوب استعمال الماء في أثناء الدباغ وبعده. قال الخطابي: هذا الحديث يدل على بطلان قول من ذهب إلى أن إهاب الميتة إذا مسه الماء بعد الدباغ ينجس، ويبين أنه طاهر كطهارة المذكى، وأنه إذا بسط وصلى عليه أو خرز منه خف، فصلى فيه جاز. (رواه أحمد) (ج٥:ص٦، ٧) و(ج٣:ص٤٧٦) . (وأبوداود) وأخرجه أيضًا الشافعي والنسائي، وابن حبان في صحيحه، والبيهقي من حديث الجون بن قتادة عن سلمه بن المحبق، وسكت عنه أبوداود. وقال الحافظ: إسناده صحيح. وقال أحمد: الجون لا أعرفه. وبهذا أعله الأثرم. قال الحافظ: قد عرفه غيره. عرفه علي بن المديني وروى عنه الحسن، وقتادة، وصحح ابن سعد، وابن حزم، وغير واحد أن له صحبة وتعقب أبوبكر بن مفوز ذلك على ابن حزم.
(٢) قوله: (عن امرأة من بني عبد الأشهل) صحابية لم تسم، قاله الحافظ في التقريب. وقال في تهذيب التهذيب في ترجمة موسى بن عبد الله بن يزيد الخطمي: روى عن أبيه، وأمه، وأبي حميد الساعدي، وعن امرأة من بني الأشهل لها صحبة. (منتنة) صفة طريق، وهو يذكر ويؤنث، أي: نجسة يعني فيها أثر الجيف والنجاسات. (إذا مطرنا) على بناء المجهول أي: ومررنا على تلك النجاسات بأذيالنا المنسحبة على الأرض. (هي أطيب منها) أي: أطهر بمعنى الطاهر. (فهذه بهذه) أي: ما حصل التنجس بتلك يطهره انسحابه على تراب هذه الطيبة. وهذا الحديث موافق لما تقدم من حديث أم سلمة في الفصل الثاني، وهما يدلان صريحًا على أن الذيل المنجس بنجاسة الطريق الرطبة يطهر إذا انسحب على الطريق الطاهرة، واختلط بالتراب الطاهر من الطريق وقت المرور، ولا يصح حمل القذر على اليابس لأنه يأبى عنه قولها، فكيف نفعل إذا مطرنا؟ وكذا لا يصح تخصيص الحديث بالنعل والخف لأنه يبطله حديث أم سلمة المتقدم، ففي الحديثين رد صريح على الأئمة الأربعة وأتباعهم. وقد تأول السندي في حاشية ابن ماجه حديث المرأة الأشهلية هذا بما يمجه السمع ويستكرهه القلب. (رواه أبوداود) وسكت عنه هو والمنذري. قال الخطابي: الحديث فيه مقال، لأن امرأة من بني عبد الأشهل مجهولة،
[ ٢ / ٢٠٨ ]
٥١٥- (٢٣) وعن عبد الله بن مسعود، قال: «كنا نصلي مع رسول الله - ﷺ - ولا نتوضأ من الموطئ»، رواه الترمذي.
_________________
(١) والمجهول لا تقوم به الحجة في الحديث - انتهى. قلت: المرأة من بني عبد الأشهل هذه صحابية، ذكرها ابن الأثير الجزري في أسد الغابة، وصرح الحافظ في التقريب وتهذيب التهذيب بكونها صحابية كما تقدم، بل كونها صحابية ظاهر من نفس الحديث، ألا ترى أنها شافهت رسول الله - ﷺ -، وسألته بلا واسطة، وقالت: قلت يا رسول الله إن لنا، الخ. وقد تقرر أن جهالة اسم الصحابي ونسبه لا تقدح في كونه صحابيًا، ولا تؤثر في صحة الحديث، فالحديث صحيح، وكلام الخطابي ومن تبعه مردود عليه. والحديث أخرجه ابن ماجه أيضًا.
(٢) قوله: (ولا نتوضأ من الموطئ) بفتح الميم وإسكان الواو وكسر الطاء المهملة والهمزة، وقيل: الموطأ بفتح الميم وسكون الواو وفتح الطاء وبالهمزة. قيل: كسر الطاء هو الأصل، والفتح شاذ، وقيل: بل الفتح هو القياس، وهو أعلى وأرجح من الكسر. وارجع للبسط إلى تعليق الترمذي للشيخ أحمد شاكر. قال ابن العربي في شرح الترمذي (ج١:ص٢٣٧): الموطئ مفعل بكسر العين من وطئ، وهو اسم للموضع، فيكون معناه الوضوء من وطئ الموضع القذر، ويكون بفتحها، والمعنى واحد، وفيه كلام كثير- انتهى. وقال الخطابي في المعالم: الموطئ ما يوطئ في الطريق من الأذى، وأصله الموطؤ. قال العراقي: يحتمل أن يحمل الوضوء على الوضوء اللغوي وهو التنظيف، فيكون المعنى أنهم كانوا لا يغسلون أرجلهم من الطين ونحوها، ويمشون عليه بناء على أن الأصل فيه الطهارة - انتهى. وحمله البيهقي على النجاسة اليابسة، وأنهم كانوا لا يغسلون الأقدام إذا وطئوا على نجاسة يابسة، وإنما كانوا يغسلونها إذا كانت النجاسة رطبة، وهو الذي فهمه الترمذي، وحمل عليه الحديث. وقد نقل ذلك عن غير واحد من أهل العلم. قلت: معنى حديث ابن مسعود هذا قريب من معنى حديث المرأة الأشهلية وحديث أم سلمة، فالظاهر أن يترك حديث ابن مسعود على إطلاقه، ولا يخصص بالنجاسة اليابسة لعدم وجود دليل على هذا التخصيص، فالقدم التي أصابتها الرطبة كالخف والنعل والذيل تطهر إذا مرت على الأرض اليابسة الطاهرة، وزالت النجاسة المتعلقة بالقدم بالتناثر والدلك والمسح، والله أعلم. (رواه الترمذي) فيه نظر ظاهر لأنه لم يروه الترمذي في جامعه، بل ذكره بقوله: وفي الباب عن عبد الله بن مسعود قال: كنا نصلى، الخ. والحديث إنما أخرجه أبوداود، وسكت عنه هو والمنذري، وأخرجه ابن ماجه في الصلاة، والحاكم وصححه، والطبراني في الكبير. قال: الهيثمي في مجمع الزوائد (ج١:ص٢٨٥): رجاله ثقات، واللفظ الذي ذكره الترمذي موافق لرواية الحاكم (ج١:ص١٣٩) والطبراني، ولفظ أبي داود: قال عبد الله: كنا لا نتوضأ من موطئ ولا نكف شعرًا ولا ثوبًا. ولفظ ابن ماجه: قال عبد الله: أمرنا أن لا نكف شعرًا ولا ثوبًا ولا نتوضأ من موطئ. وكان على المصنف أن يعزو الحديث إلى الثلاثة أو إلى أبي داود على الأقل.
[ ٢ / ٢٠٩ ]
٥١٦- (٢٤) وعن ابن عمر قال: «كانت الكلاب تقبل وتدبر في المسجد في زمان رسول الله - ﷺ -،
فلم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك» . رواه البخاري.
_________________
(١) قوله: (كانت الكلاب تقبل وتدبر) من الإقبال والإدبار جملة في محل النصب على الخبرية على أن "كانت" ناقصة، وعلى الحال على أنها تامة بمعنى وجدت. وفي رواية أبي داود والإسماعيلي وأبي نعيم والبيهقي: كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر، بزيادة "تبول" قبل "تقبل وتدبر" والظاهر أن هذه الزيادة محفوظة. (في المسجد) الألف واللام للعهد أي: في مسجد النبي. قال الخطابي: كان إقبالها وإدبارها في أوقات نادرة، ولم يكن على المسجد أبواب تمنع من عبورها فيه. قلت: ويمكن ذلك مع وجود الغلق والأبواب أيضًا كما في زماننا. (فلم يكونوا يرشون) في نفى الرش مبالغة ليست في نفى الغسل والصب، لأن الرش ليس جريان الماء بخلاف الغسل، فإنه يشترط فيه الجريان والسيلان، فنفى الرش أبلغ من نفى الغسل والصب. (شيئًا) عام لأنه نكرة وقعت في سياق النفي، وهو أيضًا يفيد المبالغة في عدم النضح بالماء أي: شيئًا من الماء. (من ذلك) أي: من أجل البول والإقبال والإدبار. والحديث فيه دليل على أن الأرض إذا أصابتها نجاسة فجفت بالشمس أو الهواء فذهب أثر النجاسة تطهر، إذ عدم الرش يدل على عدم الصب والغسل بالأولى، فلولا أن الجفاف يفيد تطهير الأرض ما تركوا ذلك. والحديث مشكل جدًا على الشافعية، حيث لم يقولوا: بكون الجفاف مطهرًا للأرض، فقال: بعضهم لفظ "تبول" ليس بمحفوظة في الحديث، يدل على كونه غير محفوظ في ترك البخاري هذا اللفظ في روايته. قلت: روى هذا الحديث عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثنا سكن بن نافع الباهلي أبوالحسين: ثنا صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه قال: كنت أعزب شابًا، أبيت في المسجد في عهد رسول الله - ﷺ -، وكانت الكلاب تقبل وتدبر في المسجد، فلم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك. وهذا كما ترى ليس فيه لفظ "تبول" والطريق غير طريق البخاري، فالظاهر أن ترك لفظ "تبول" والاقتصار على تقبل وتدبر من ابن عمر، أو من غيره من الرواة، لا من البخاري، فكان ابن عمر أو غيره يذكر لفظة "تبول" مرة ويتركها أخرى، وكيف ما كان الأمر، فالظاهر أن هذه اللفظة محفوظة. وتأوله ابن المنذر فقال: كانت الكلاب تبول خارج المسجد في مواطنها ثم تقبل وتدبر في المسجد، وكذا قال الخطابي. قلت: هذا خلاف الظاهر، لا يتكلف له إلا المتعصب لرأي إمامه، وهلا قال: كانت الكلاب تبول خارج المسجد وتستنجي هناك ثم تدخل المسجد؟ ومن أكبر موانع هذا التأويل أن قوله في المسجد. ليس ظرفًا لقوله: "وتقبل وتدبر" وحده وإنما هو ظرف لقوله: تبول وما بعده كلها، وتقدم شيء من الكلام فيه في شرح حديث صب الماء على بول الأعرابي فتذكر. (رواه البخاري) الحديث أورده البخاري في صحيحه معلقًا بصيغة الجزم، فقال: قال أحمد بن شبيب عن أبيه، الخ. قال أبونعيم: رواه البخاري بلا سماع. وقال العيني: ذكره البخاري معلقًا، وأورده الحافظ في المقدمة في سياق تعاليقه المرفوعة، فقال: حديث أحمد بن شبيب عن أبيه وصله
[ ٢ / ٢١٠ ]
٥١٧- (٢٥) وعن البراء، قال: قال: رسول الله - ﷺ -: «لا بأس ببول ما يؤكل لحمه» .
٥١٨- (٢٦) وفي رواية جابر، قال: «ما أكل لحمه فلا بأس ببوله» رواه أحمد، والدارقطني.
_________________
(١) أبو نعيم والبيهقى، وغيرهما- انتهى. وأخرجه أيضًا أحمد في مسنده (ج٢:ص ١٧) .
(٢) قوله: (لا بأس ببول ما يؤكل لحمه) فيه دليل على أن بول ما يؤكل لحمه طاهر، لكن الحديث ضعيف جدًا لا يصلح للاستدلال كما ستقف عليه، والعجب من المصنف أنه أورد هذا الحديث الضعيف، ولم يذكر حديث العرنيين وأحاديث الإذن بالصلاة في مرابض الغنم، وهي أحاديث صحيحة، وأصل استدلال القائلين بطهارة بول ما يؤكل لحمه بهذه الأحاديث الصحيحة، ولذلك ذكرها المحدثون في باب طهارة أبوال مأكولات اللحم، فحديث العرنيين، وحديث الإذن بالصلاة في مرابض الغنم يدلان على طهارة أبوال الإبل والغنم نصًا، ويقاس عليها غيرها مما يؤكل لحمه. وأما حديث أبي هريرة مرفوعًا: استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه. أخرجه ابن خزيمة وغيره، فمحمول على بول الإنسان لا بول سائر الحيوان. وكذا حديث ابن عباس المتفق عليه قال: مر النبي - ﷺ - بقبرين، فقال: إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول- الحديث. المراد به بول الناس لا بول سائر الحيوان، لما في رواية للبخاري: كان لا يستتر من بوله. قال البخاري: ولم يذكر سوى بول الناس- انتهى. فلا يكون في حديث ابن عباس هذا حجة لمن حمله على العموم في بول جميع الحيوان. وارجع للبسط والتفصيل إلى الفتح (ج١:ص١٦٨) والنيل (ج١:ص٤٩) وأبكار المنن (ص٤٣) .
(٣) قوله: (وفي رواية جابر قال: ما أكل لحمه فلا بأس ببوله رواه) لو قال: رواهما لكان أقرب إلى الصواب، فإنهما حديثان، الأول عن البراء بن عازب، والثاني عن جابر بن عبد الله مرفوعًا. (أحمد) ما وجدت الحديث في مسنده لا في مسند البراء ولا في مسند جابر، ولم أر أحدًا من أصحاب كتب التخريج والأحكام والجوامع، وشروح الحديث كالحافظ، والزيلعي والسيوطي والهيثمي وعلى المتقي والشوكاني وغيرهم أنه عزاه لأحمد. (والدارقطني) (ص٤٧) في سند حديث البراء سوار بن مصعب، وهو متروك الحديث عند جميع أهل النقل، متفق على ترك الرواية عنه، وفي سند حديث جابر عمرو بن الحصين، عن يحي بن العلاء، وهما أيضًا متروكان ذاهبا الحديث. وقال: أحمد في يحي بن العلاء: كذاب، يصنع الحديث. وقال الحافظ في التلخيص (ص١٦): إسناد كل من الحديثين ضعيف جدًا - انتهى. والحديث أخرجه أيضًا البيهقي وضعفه، وأخرجه الخطيب في تاريخه عن علي بن أبي طالب بلفظ: لا بأس ببول الحمار، وكل ما أكل لحمه. كذا في كنز العمال (ج٥:ص٨٨) وأورد حديث علي هذا ابن الجوزي في الموضوعات، وأقره السيوطي في اللآلئ المصنوعة، ثم ابن عراق في تنزيه الشريعة (ج٢:ص٦٦) والشوكاني في الفوائد المجموعة (ص٦) .
[ ٢ / ٢١١ ]