٧٦- (١٤) عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لن يبرح الناس يتسألون حتى يقولوا
_________________
(١) عند وسوسته مع التفل عن اليسار ثلاثًا (رواه أبو داود) في السنة، وأخرجه أيضًا النسائي في اليوم والليلة. قال المنذري: وفي سند الحديث سلمة بن الفضل قاضي الرى ولا يحتج به. قوله (وسنذكر حديث عمرو بن الأحوص) أي المذكور هنا في المصابيح وهو ألا لا يجني جان إلا على نفسه، ألا لا يجني جان على ولد، ولا مولود على والده، ألا إن الشيطان قد أيس أن يعبد في بلادكم هذه أبدا، ولكن ستكون له طاعة فيما تحتقرون من أعمالكم فسيرضى به.
(٢) قوله: (لن يبرح الناس) بالموحدة والحاء المهملة أي لن يزاولوا ولن ينقطعوا (يتساءلون) أي متسائلين، يسأل بعضهم بعضا أو تحدثهم أنفسهم بالوسوسة، ويؤيد الأول رواية مسلم الآتية، ويجري بينهم السؤال في كل نوع (حتى يقولوا) أي حتى أن يقولوا (هذا الله خلق كل شيء) وفي أصل الحافظ والعيني والقسطلاني: "هذا الله خالق كل شيء"، قيل: إنه يحتمل أن يكون "هذا" مفعولًا، والمعنى حتى يقولوا هذا القول، ويكون "الله خلق كل شيء الخ" تفسيرًا لهذا أو بدلًا أو بيانًا، وأن يكون مبتدأ حذف خبره، أي هذا مسلم، وهو أن الله خلق كل شيء، وهو شيء، وكل شيء مخلوق، فمن خلقه؟ ويحتمل أن يكون «هذا الله» مبتدأ وخبرًا، و«خلق كل شيء» استئناف أو حال، وقد مقدرة، والعامل معنى اسم الإشارة، ويحتمل أن يكون هذا مبتدأ والله عطف بيان، وخلق كل شيء خبره (فمن خلق الله) قاسوا القديم على الحادث فإنه يحتاج إلى محدث، ويتسلسل إلى أن ينتهي إلى خالق قديم واجب الوجود لذاته، وفي الحديث إشارة إلى ذم كثرة السؤال لأنها تفضي إلى المحذور كالسؤال المذكور فإنه لا ينشأ إلا عن جهل مفرط. (رواه البخاري) أي في الاعتصام من طريق شبابة عن ورقاء عن عبد الله بن عبد الرحمن عن أنس، قال العيني: الحديث من إفراد البخاري من هذا الوجه (ولمسلم) أي في الإيمان من طريق محمد بن فضيل عن المختار بن فلفل عن أنس (قال) أي النبي - ﷺ - (قال الله عزوجل) فيكون من الأحاديث الربانية أي القدسية (إن أمتك) أي أمة الدعوة أو بعض أمة الإجابة بطريق الجهالة والوسوسة (لا يزالون يقولون) أي بعضهم لبعض أو في خواطرهم من غير اختيار، والأول هو الظاهر (ما كذا ما كذا) كناية عن كثرة السؤال، وقيل: وقال أي ما شأنه ومن خلقه (حتى يقولوا) أي حتى يتجاوزوا الحد
[ ١٥٥ ]
هذا الله خلق كل شيء، فمن خلق الله عزوجل؟» رواه البخاري، ولمسلم قال: قال الله عزوجل: إن أمتك لا يزالون يقولون: ما كذا ما كذا حتى يقولوا هذا الله خلق الخلق، فمن خلق الله عزوجل؟» .
٧٧- (١٥) وعن عثمان بن أبي العاص قال: قلت: «يا رسول الله إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وبين قرأتي يلبسها علي. فقال رسول الله - ﷺ -: ذاك شيطان يقال له خنزب، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه، واتفل على يسارك ثلاثًا، ففعلت ذلك فأذهبه الله عني»، رواه مسلم.
٧٨- (١٦) وعن القاسم بن محمد أن رجلًا سأله فقال:
_________________
(١) وينتهوا إلى أن يقولوا (هذا لله خلق الخلق فمن خلق الله عزوجل) والمقصود من الحديث إعلامه تعالى لنبيه - ﷺ - بما سيقع من أمته ليحذرهم منه.
(٢) قوله: (وعن عثمان بن أبي العاص) هو أبوعبد الله عثمان بن أبي العاص الثقفي الطائفي نزيل البصرة الصحابي الشهير، أسلم في وفد ثقيف فاستعمله النبي - ﷺ - على الطائف وأقره أبوبكر ثم عمر، ثم استعمله عمر على عمان وبحرين سنة خمس عشرة، ثم سكن البصرة حتى مات بها في خلافة معاوية، قيل سنة (٥٥) وقيل سنة (٥١)، وكان هو الذي منع ثقيفًا عن الردة خطبهم فقال: كنتم آخر الناس أسلامًا فلا تكونوا أولهم ارتدادا. له تسعة وعشرون حديثًا، انفرد له مسلم بثلاثة، روى عنه جماعة من التابعين (إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وبين قرأتي) أي نكدني فيها ومنعني لذتها والفراغ للخشوع فيها بالوساوس الذميمة والخطرات الرديئة (يلبسها علي) بالتشديد للمبالغة. قال القاري: وفي نسخه صحيحة ظاهرة بفتح أوله وكسر ثالثه أي يخلطها ويشككني فيها أي في كل واحدة من الصلاة والقراءة، والجملة بيان لقوله حال وما يتصل به (ذاك شيطان) أي الملبس أي خاص من الشياطين لا رئيسهم (يقال له خنزب) بخاء معجمة مكسورة ثم نون ساكنة ثم زاى مكسورة ومفتوحة كذا في النسخ المصححة، وهو من الأوزان الرباعية كزبرج ودرهم، ويقال أيضًا بفتح الخاء والزاى حكاه القاضي عياض، ونظيره جعفر، ويقال أيضًا: بضم الخاء وفتح الزاى حكاه ابن الأثير في النهاية وهو غريب، وهو في اللغة الجري على الفجور على ما يفهم من القاموس (واتفل) بضم الفاء وبكسر (على يسارك) أي عن يسارك، إشارة إلى كراهة الوسوسة والتنفر عنها (ثلاثًا) أي ثلاث مرات لزيادة المبالغة في التنفر والتباعد (ففعلت ذلك) أي ما ذكره من التعوذ والتفل (فأذهبه الله) أي الوسواس. وفي الحديث أن التفل في الصلاة للضرورة لا يفسدها. وفي الباب أحاديث أخرى (رواه مسلم) في الطب، وأخرجه أيضًا أحمد في مسنده (ج٤:ص٢١٦) .
(٣) قوله: (عن القاسم بن محمد) أي ابن أبي بكر الصديق التيمي أبي محمد المدني أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة من أكابر التابعين، وكان أفضل أهل زمانه. قال أيوب: ما رأيت أفضل منه. وقال يحيى بن سعيد:
[ ١٥٦ ]
إني أهم في صلاتي فيكثر ذلك علي. فقال له: أمض في صلاتك فإنه لن يذهب ذلك عنك حتى تنصرف وأنت تقول ما أتممت صلاتي»، رواه مالك.
_________________
(١) ما أدركنا أحدًا بالمدينة نفضله على القاسم بن محمد. روى عن جماعة من الصحابة منهم عائشة ومعاوية وأبوهريرة وابن عباس وابن عمر، وعنه خلق كثير. قال ابن المديني: له مائتا حديث. مات سنة ستة ومائة وقيل غير ذلك (إني أهم في صلاتي) بكسر الهاء وتخفيف الميم، يقال: وهمت في الشيء بالفتح أهم وهمًا إذا ذهب وهمك إليه وأنت تريد غيره، ويقال: وهمت في الحساب أوهم وهمًا إذا غلطت فيه وسهوت (فيكثر) بالمثلثة معلومًا ومجهولًا من الكثرة أي يقع كثيرًا، وروي "يكبر" بالموحدة المضمومة أي يعظم (ذلك) أي الوهم (على) بتشديد الياء (أمض في صلاتك) أي لا تلتفت إلى هذا الوهم ولا تعمل به ولا تقطع صلاتك (فإنه لن يذهب ذلك عنك) الضمير للشأن، والجملة تفسير له، وذلك إشارة للوهم المعنى به الوسوسة، والمعني لا يذهب عنك تلك الخطرات الشيطانية (حتى تنصرف) أي تفرغ من الصلاة وأنت تقول للوسواس أي الشيطان صدقت (ما أتممت صلاتي) لكن لا أقبل قولك ولا أتمها إرغامًا لك ونقضًا لما أردته مني، وهذا أصل عظيم لدفع الوساوس وقمع هواجس الشيطان في سائر الطاعات، بأن لا يلتفت إليها أصلًا، ومعنى الأثر أن من يكثر عليه السهو في صلاته ويغلب على ظنه أنه قد أتمها لكن الشيطان يوسوس له فيبني على ظنه. وقال الباجي: هذا القول من القاسم للذي يستنكحه الوهم والسهو أي يغلبه ولا ينفك عنه فلا يكاد يثبت له يقين - انتهى. (رواه مالك) في باب العمل في السهو من موطئه ففيه عن مالك أنه بلغه أن رجلًا سأل القاسم بن محمد فقال إني أهم الخ، فالأثر من بلاغات مالك. قال القاري عن سفيان: إذا قال مالك بلغني فهو إسناد قوي. وحكى ابن فرحون عن أبي داود أنه قال: مراسيل مالك أصح من مراسيل سعيد بن المسيب ومن مراسيل الحسن. ومالك أصح الناس مرسلًا. وصنف ابن عبد البر كتابًا في وصل ما في الموطأ من المرسل والمنقطع والمعضل، قال: وجميع ما فيه من قوله "بلغني" ومن قوله "عن الثقة عنده" مما لم يسنده أحد وستون حديثًا، كلها مسندة من غير طريق مالك إلا أربعة أحاديث ثم ذكرها. قال السيوطي في التدريب (٧٣): قيل إن قول الراوي "بلغني" كقول مالك في الموطأ بلغني عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: «للملوك طعامه وكسوته بالمعروف، ولا يكلف من العمل إلا ما يطبق»، يسمى معضلًا عند أصحاب الحديث، نقله ابن الصلاح عن الحافظ أبي نصر السجزى. قال العراقي: وقد استشكل لجواز أن يكون الساقط وأحدًا، فقد سمع مالك عن جماعة من أصحاب أبي هريرة كسعيد المقبري ونعيم المجمر ومحمد بن المنكدر. والجواب أن مالكًا وصله خارج الموطأ عن محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة، فعرفنا بذلك سقوط اثنين منه. قال السيوطي: بل ذكر النسائي في التمييز أن محمد بن عجلان لم يسمعه من أبيه، بل رواه عن بكير عن عجلان - انتهى.
[ ١٥٧ ]