٣٢٧- (٢٧) عن أبي رافع، قال: «أشهد لقد كنت أشوي لرسول الله - ﷺ - بطن الشاة،
_________________
(١) هذا ما اتفقا عليه أئمة الجرح والتعديل، وقال الدارقطني بعد أن صرح بعدم سماع إبراهيم عن عائشة: وقد روى هذا الحديث معاوية بن هشام، عن الثوري، عن أبي روق، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن عائشة، فوصل إسناده. ومعاوية هذا، أخرج له مسلم في صحيحه، ووثقه أبوداود، وذكره ابن حبان في الثقات، ومن هذا يتبين أن رواية إبراهيم التيمي عن عائشة هنا لها أصل، وليست من الضعيف الذي يعرض عنه، وقد تكلم الدارقطني في رواية معاوية بن هشام الموصولة، لكن لم ينصف في الكلام كما لا يخفى. وإبراهيم التيمي هذا هو إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي، تيم الرباب، أبوأسماء الكوفي العابد، قال في التقريب: ثقه إلا أنه يرسل ويدلس، من صغار التابعين، مات سنة (٩٢) وله أربعون سنة، وأما عروة بن الزبير، فهو عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي، أبوعبد الله المدني، ولد سنة (٢٣) وكان من كبار التابعين، وهو أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، وقال الحافظ: ثقة فقيه مشهور. مات سنة (٩٤) على الصحيح، ومولده في أوائل خلافة عمر الفاروق، وأما عروة المزني، فهو شيخ لا يدرى من هو؟
(٢) قوله: (كتفا) بفتح الكاف وكسر التاء، وبكسر الكاف وسكون التاء، وبفتح الكاف والتاء معًا، ثلاث لغات، والمعنى لحم كتف شاة مشوي. (بمسح) بكسر الميم، ثوب من الشعر غليظ. (كان تحته) أي تحت رسول الله - ﷺ -. (ثم قام) أي إلى الصلاة. (فصلى) أي ولم يتوضأ، وفيه دليل على أن أكل ما مسته النار لا ينقض الوضوء، وأن غسل اليد بعد الطعام ليس بواجب، بل يكفي مسحها. (رواه أبوداود) وسكت عليه هو والمنذري. (وابن ماجه) وأخرجه أيضًا ابن حبان في صحيحه، وأصله في الصحيحين كما تقدم.
(٣) قوله: (جنبًا) أي ضلعًا. (مشويًا) من شوى اللحم يشوى شيئًا، أي عرضه للنار فنضج. (ولم يتوضأ) أي لا شرعيًا ولا لغويًا لبيان الجواز. (رواه أحمد) (ج٦: ص٣٠٧) وأخرجه أيضًا الترمذي في الأطعمة، وقال: حسن صحيح غريب.
(٤) قوله: (عن أبي رافع) مولى النبي - ﷺ -. (أشهد) أي أقسم بالله. (لرسول الله) أي لأكله. (بطن الشاة) يعني
[ ٢ / ٤١ ]
ثم صلى ولم يتوضأ» رواه مسلم.
٣٢٨- (٢٨) وعنه، قال: «أهديت له شاة، فجعلها في القدر، فدخل رسول الله - ﷺ - فقال: ما هذا يا أبا رافع؟ فقال: شاة أهديت لنا يا رسول الله - ﷺ - فطبختها في القدر. قال: ناولني الذراع يا أبا رافع فناولته الذراع. ثم قال: ناولني الذراع الآخر، فناولته الذراع الآخر. ثم قال: ناولني الذراع الآخر: فقال: يا رسول الله إنما للشاة ذراعان. فقال له رسول الله - ﷺ -: أما إنك لو سكت لناولتني ذراعًا فذرعًا ما سكت. ثم دعا بماء فتمضمض فاه،
_________________
(١) الكبد والطحال وما معهما من القلب وغيرهما. (ثم صلى) أي فأكل ثم صلى، وكان القياس ثم يصلى، لكن أتى به ماضيًا؛ لأن قوله "كنت أشوى" ماض في المعنى؛ لأنه حكاية لصورة الحال الماضية. (رواه مسلم) في الطهارة، أخرجه أيضًا أحمد (ج٦: ص٨، ٩) .
(٢) قوله: (أهديت له) أي لأبي رافع. (شاة) برفعها على الفاعل، قيل: فيه التفات، والأظهر أنه نقل بالمعنى. (فجعلها في القدر) بكسر القاف أي للطبخ. (يا أبا رافع) يقرأ بالهمزة ولا تكتب. (ناولني الذراع) بكسر الذال من طرف المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى والساعد مؤنثة فيهما، وقد تذكر. وخص النبي - ﷺ - الذراع بالطلب لمحبته واستحسانه للذراع، لسرعة نضجها، واستمرائها، مع زيادة لذتها، وحلاوة مذاقها، وبعدها عن مواضع الأذى. (فقال) أي أبورافع على سبيل الإلتفات، وفي رواية لأحمد "فقلت له". (إنما للشاة ذراعان) وفي رواية لأحمد "وهل للشاة إلا ذراعان"، وفي حديث أبي عبيد عند الدرامي، والترمذي في الشمائل "وكم للشاة ذراع"، والظاهر أن هذا استفهام استبعاد لا إنكار؛ لأنه لا يليق بهذا المقام، قاله القاري. (أما) بالتخفيف للتنبيه. (إنك لو سكت) أي عما قلت، وامتثلت أدبي. (لناولتني ذراعًا فذراعًا ما سكت) أي ما سكت أنت وطلبت أنا. قال الطيبي: الفاء في "فذراعًا للتعاقب، كما في قوله: الأمثل فالأمثل. و"ما" في "ما سكت" للمدة، والمعنى ناولتني ذراعًا غب ذراع إلى ما لا نهاية له مادمتَ ساكتًا، فلما نطقت انقطعت-انتهى. وفي رواية لأحمد "لو سكت لناولتني منها ما دعوت به" أي ما طلبته، من الدعوة بالفتح؛ لأن الله تعالى يخلق ما يشاء، وكان يخلق فيها ذراعًا بعد ذراع معجزة وكرامة له - ﷺ -، وإنما منع كلامه من ذلك، قيل: لأنه شغل النبي - ﷺ - عن التوجه إلى ربه، بالتوجه إليه أو إلى جواب سؤاله. وقيل: لأن ظهور شيء من عالم الغيب على سبيل خرق العادة مشروط بأن لا يتطرق إليه الشك والتردد، ولا يقع شيء من الخلل والنقص في اليقين والتصديق،
[ ٢ / ٤٢ ]
وغسل أطراف أصابعه، ثم قام فصلى، ثم عاد إليهم، فوجد عندهم لحما باردًا فأكل، ثم دخل المسجد فصلى ولم يمس ماء» رواه أحمد.
٣٢٩- (٢٩) ورواه الدارمي عن أبي عبيد إلا أنه لم يذكر «ثم دعا بماء» إلى آخره.
٣٣٠- (٣٠) وعن أنس بن مالك، قال: (كنت أنا، وأبي، وأبوطلحة جلوسًا، فأكلنا لحمًا وخبزًا، ثم دعوت بوضوء، فقالا: لم تتوضأ؟ فقلت: لهذا الطعام الذي أكلنا. فقالا: أتتوضأ من الطيبات؟ لم يتوضأ منه من هو خير منك» رواه أحمد.
٣٣١- (٣١) وعن ابن عمر، كان يقول: قبلة الرجل امرأته وجسها
_________________
(١) والله أعلم. (وغسل أطراف أصابعه) أي محل الدسومة والتلوث على قدر الحاجة. (ثم عاد إليهم) أي إلى أبي رافع وأهل بيته. (فوجد عندهم لحمًا باردًا فأكل)؛ لأنه كان يجب اللحم وما كان يجده دائمًا. (ولم يمس ماء) أي للوضوء ولا لغسل الفم قبل الصلاة. (رواه أحمد) (ج٦: ص٣٩٢) أي عن أبي رافع مطولًا هكذا، ورواه أيضًا عنه مختصرًا (ج٦: ص٨) مثل رواية الدارمي عن أبي عبيد.
(٢) قوله: (ورواه الدارمي عن أبي عبيد) في باب ما أكرم به النبي - ﷺ - في بركة طعامه، من أول مسنده، وكذا رواه الترمذي في شمائله، كلاهما من طريق شهر بن حوشب، عن أبي عبيد. قال الحافظ في الإصابة (ج٤: ص١٣١): ورجاله رجال الصحيح إلا شهر بن حوشب. وأبوعبيد هذا، مولى للنبي - ﷺ -، وصحابي لا يعرف اسمه، له هذا الحديث فقط.
(٣) قوله: (وأبيّ) أي أبيّ بن كعب. (وأبو طلحة) اسمه زيد بن سهل بن الأسود بن حرام الأنصاري النجاري المدني مشهور بكنيته، من كبار الصحابة، شهد العقبة وبدرًا والمشاهد كلها، وهو أحد النقباء، وزوج أم سليم أم أنس ابن مالك، وكان من الرماة المذكورين. وقال النبي - ﷺ -: لصوت أبي طلحة في الجيش خير من فئة. قتل يوم حنين عشرين رجلًا، وأبلى يوم أحد بلاء عظيمًا، وشلت يده التي وقى بها النبي - ﷺ -، له اثنان وتسعون حديثًا، اتفقا على حديثين، انفرد البخاري بحديث، ومسلم بآخر، روى عنه نفر من الصحابة والتابعين. مات سنة (٣٤) وقال أنس: عاش بعد النبي - ﷺ - أربعين سنة، لم يفطر فيها إلا يوم أضحى أو فطر، وكان في أيام النبي - ﷺ - لا يصوم لاشتغاله بالغزو، وعلى هذا يكون وفاته سنة (٥١)، وبه جزم المدائني، قيل: وهذا أثبت. (أتتوضأ من الطيبات) فيه أن نفض الوضوء إنما يكون بخبيث ينافيه كالخارج من السبيلين، وهو معقول المعنى، وغيره ألحق به وإن لم يكن معقول المعنى، كالنوم والإغماء والجنون؛ لأنه مظنة لخروج الخبيث. (لم يتوضأ منه) أي من مثل هذا الطعام. (من هو خير منك) أي النبي - ﷺ -، (رواه أحمد) قال الهيثمي (ج١: ص٢٥١) ورجاله ثقات.
(٤) قوله: (قبلة الرجل امرأته) بالنصب على المفعولية. (وجسها) بفتح الجيم وتشديد السين المهملة أي مسها.
[ ٢ / ٤٣ ]
بيده، من ملامسه. ومن قبّل امرأته أو جسها بيده، فعليه الوضوء» رواه مالك، والشافعي.
٣٣٢- (٣٢) وعن ابن مسعود، كان يقول: (من قبلة الرجل امرأته الوضوء) رواه مالك.
٣٣٣- (٣٣) وعن ابن عمر، أن عمر بن الخطاب ﵁، قال: (إن القبلة من اللمس، فتوضؤوا منها.
_________________
(١) (بيده) أي بلا حائل. (من الملامسة) أي المذكورة في قوله تعالى: ﴿أو لامستم النساء﴾ . (ومن قبّل امرأته أوجسها بيده) فقد لامس، ومن لامس. (فعليه الوضوء) قال الطيبي: تفريع على ما أصله من قبل، أى إذا كان التقبيل والجس من الملامسة فيلزم أن يتوضأ من قبل أو جس، والترتيب مفوض إلى ذهن السامع. (رواه مالك) عن الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن عمر. (والشافعي) عن مالك في الأم (ج١: ص١٢) وأخرجه أيضًا الدارقطني (ج١: ص٥٣) عن الحسين بن إسماعيل، عن أحمد بن إسماعيل، عن مالك. ومن طريق الشافعي رواه البيهقي (ج١: ص١٢٤) .
(٢) قوله: (من قبلة الرجل) من إضافة المصدر لفاعله. (امرأته) بالنصب على أنه مفعول "قبلة"؛ لأنها اسم مصدر. (الوضوء) مبتدأ مؤخر أي يجب منها الوضوء. قال الطيبي: في تقديم الخبر على المبتدأ المعرف إشعار بالخلاف، ورد على من يقول: ليس حكم التقبيل والجس حكم سائر النواقض، فرد وقيل: ليس حكمه إلا كحكمها، فيكون من قصر القلب. (رواه مالك) أنه بلغه أن عبد الله بن مسعود كان يقول: "من قبلة الرجل" الخ. وقد أخرج الطبراني والدارقطني والبيهقي وغيرهم بأسانيدهم نحوه، بألفاظ متقاربة، بمعنى أن اللمس ما دون الجماع، فمن قبل أو لمس فعليه الوضوء.
(٣) قوله: (إن القبلة من اللمس) أي المذكور في الآية. (فتوضؤوا منها) رواه الدارقطني (ج١: ص٥٣) كما قال المصنف، وقال صحيح. وقال الزيلعي في نصب الراية بعد ذكر أثر عمر عن البيهقي (ج١: ص١٢٤) بنحو ما رواه الدارقطني: أما أثر عمر فضعفه ابن عبد البر في التمهيد وقال: هو عندهم خطأ، وهو صحيح عن ابن عمر لا عن عمر –انتهى. وهذه الآثار الثلاثة كلها موقوفة على بعض الصحابة، ممن قالوا بكون اللمس ناقضًا، وليست في حكم المرفوع، إذ للرأي فيه مجال فإنهم أخذوه من قوله تعالى: ﴿أو لمستم النساء﴾ واستنبطوه عما فهموا من هذه الآية، وقد ثبت عن النبي - ﷺ - عدم النقض بالقبلة واللمس، كما تقدم عن عائشة، وهو من أقوى القرائن على أن المراد باللمس في الآية هو الجماع، وبه فسر حبر القرآن عبد الله بن عباس وعلي ﵄، فيجب الأخذ بالحديث المرفوع الصحيح الصريح، ولا ينبغي التردد في تفسير الآية، التفسير الصحيح أن اللمس كناية عن الجماع؛ لأنه لا حجة في قول الصحابي عند معارضة الحديث المرفوع الصحيح.
[ ٢ / ٤٤ ]
٣٣٤- (٣٤) وعن عمر بن عبد العزيز، عن تميم الداري، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الوضوء من كل دم سائل»
_________________
(١) قوله: (وعن عمر بن عبد العزيز) هو عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، القرشي الأموي، أبوحفص المدني، ثم الدمشقي، أمير المؤمنين، أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، واسمها ليلى. ولي إمرة المدينة للوليد، وكان مع سليمان كالوزير، وولى الخلافة بعده سنة (٩٩) فعد مع الخلفاء الراشدين مات في رجب سنة (١٠١) بدير سمعان من أرض حمص، وله أربعون سنة، ومدة خلافته سنتان وخمسة أشهر وأيام، وكان على صفة من الزهد، والعبادة، والتقى، والعفة، وحسن السيرة لاسيما أيام خلافته. وقال ميمون بن مهران: ما كانت العلماء عند عمر إلا تلامذته. وقال هشام بن حسان: لما جاء نعي عمر قال الحسن البصري: مات خير الناس. ومناقبة وفضائله كثيرة جدًا. (عن تميم الداري) نسبة إلى أحد أجداده، الدار بن هاني بن حبيب، وهو تميم بن أوس بن خارجة الداري، أبورقية بقاف وتحتانية مصغرًا، صحابي مشهور، سكن بيت المقدس بعد قتل عثمان، وكان إسلامه سنة (٩) وكان من أهل الكتابيين، وقال ابن سيرين: كان يختم في ركعة. وقال مسروق: صلى ليلة حتى أصبح يقرأ آية يرددها ﴿أم حسب الذين يجترحون السيئات﴾ وهو أول من أسرج السراج في المسجد، وكان أقطعه النبي - ﷺ - بيت حبرون. له ثمانية عشر حديثًا، انفرد له مسلم بحديث، روى عنه سيد البشر - ﷺ - خبر الجساسة، وناهيك بهذه المنقبة الشريفة، قيل: مات سنة (٤٠) وروى عنه أيضًا جماعة. (الوضوء من كل دم سائل) أي كثير فاحش لا قليل. فيه أن خروج الدم السائل ولو كان من غير السبيلين، ناقض للوضوء، وإليه ذهب بعض الأئمة، لكن الحديث ضعيف جدًا، لا يصلح للاحتجاج كما سيأتي، وقد استدل القائلون بالوضوء من الخارج النجس من غير السبيلين، كالقئ ملء الفم، والرعاف والدم الفاحش، بأحاديث وآثار عن الصحابة، وليس في شيء من ذلك حجة أصلًا، فمن أقوى أدلتهم حديث عائشة عند البخاري وغيره، في شأن فاطمة بنت أبي حبيش، وكانت من المستحاضات، ففيه أنه - ﷺ - قال: إنما ذلك عرق، وفيه أيضًا ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت، قالوا: المراد من السبيلين، سبيل البول وسبيل البراز، ودم الاستحاضة لا يخرج من ثقب البول، علم أن دم الاستحاضة وهو مما يخرج من غير السبيلين، من نواقض الوضوء، وأشير بقوله "إنما ذلك عرق" إلى تعميم الحكم بانتقاض الوضوء من خروج الدم من أي عرق كان من البدن غير السبيلين. وفيه أن فرج المرأة وقبلها الذي يخرج منه دم الاستحاضة، في حكم مخرج البول للمجاورة، ولذا عد الحيض والمني من نواقض الطهارة وأيضًا دم الاستحاضة حدث بنفسه من جملة الأحدث المستقلة ناقض للوضوء، ولا يقاس عليه غيره؛ لأن الأصل عدم النقض، حتى يقوم ما يرفع هذا الأصل، ولم يقم دليل على ذلك. وأما قوله "إنما ذلك عرق" فإنما أراد به رد زعمها: أن دم الاستحاضة في حكم دم الحيض لا غير، يعني أن دمها ليس مما تعتاده النساء بل هو دم عرق انفجرت
[ ٢ / ٤٥ ]
رواهما الدارقطني، وقال: عمر بن عبد العزيز لم يسمع من تميم الداري ولا رآه، ويزيد بن خالد، ويزيد بن محمد مجهولان.
_________________
(١) لمرض، فافهم. واستدلوا أيضًا بحديث أبي الدرداء عند الترمذي، وفيه "قا فتوضأ" ولا حجة لهم فيه، لاحتمال أن تكون الفاء للتعقيب فقط لا للسببية، كما في قوله: قاء فأفطر. ولو سلم أن الفاء للسببية، لم تدل أيضًا على نقض الوضوء بالقيء؛ لأنه قد يتوضأ الإنسان بعده من أجل النظافة، وإزالة القذر الذي يبقى في الفم والأنف، وعلى بعض الأعضاء، فالقيء سبب له، ولكنه سبب عادي طبيعي، ولا يكون سببًا شرعيًا إلا بنص صريح من الشارع، والحاصل أن وجوب الوضوء أو نقض الوضوء لا يثبت بالفعل فقط؛ لأن الفعل لا يدل على الوجوب إلا أن يفعله ويأمر الناس بفعله، أو ينص على أن هذا الفعل ناقض للوضوء. ومن أصرح أدلتهم ما أخرجه ابن ماجه عن عائشة مرفوعًا "من قاء أو رعف في صلاته فلينصرف وليتوضأ" الحديث. وفيه أنه حديث ضعيف، ضعفه أحمد وغيره، وقد ذكر العلامة الشوكاني في النيل، والزيلعي في نصب الراية، ما فيه من العلة وكلام الأئمة مفصلًا، فارجع إليهما. واستدلوا بأحاديث أخرى كلها ضعيفة ساقطة لا تقوم بها حجة، وأيضًا هي معارضة لما ذكره البخاري معلقًا عن جابر: أن النبي - ﷺ - كان في غزوة ذات الرقاع، فرمى رجل بسهم، فنزفه الدم، فركع وسجد، ومضى في صلاته. قال الحافظ: أخرجه أحمد وأبوداود، والدارقطني، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وذكر العيني في شرح الهداية (ج١: ص١٢٢) حديث جابر هذا من رواية سنن أبي داود، وصحيح ابن حبان والدارقطني والبيهقي، وزاد فيه: فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ -: فدعا لهما. قال: ولم يأمره بالوضوء، ولا بإعادة الصلاة، انتهى. وفي عدم الانتقاض بخروج الدم من البدن غير السبيلين أحاديث وآثار كلها مقررة للأصل، ذكرها الزيلعي والدارقطني والشوكاني. (رواهما) أي الحديثين السابقين. (الدارقطني) الحديث الثاني رواه الدارقطني من طريق يزيد بن خالد، عن يزيد بن محمد، عن عمر بن عبد العزيز، قال: قال تميم الداري: الخ ورواه ابن عدى في الكامل عن زيد بن ثابت، وفيه أحمد بن الفرج، أبوعتبة الحمصي، وهو ممن لا يحتج بحديثه، ولكنه يكتب، قاله ابن عدى. وقال ابن أبي حاتم: محله الصدق. وقال ابن حبان في الثقات: يخطئ. وكذبه محمد بن عوف الطائي. (وقال) أي الدارقطني بعد إخراج الحديث. (عمر بن عبد العزيز لم يسمع من تميم الداري ولا رآه، ويزيد بن خالد) قال الحافظ في لسان الميزان: يزيد بن خالد شيخ لبقية، لا يدرى من هو. (ويزيد بن محمد) الراوي عن عمر بن عبد العزيز، قال الحافظ في اللسان: لا يدرى من هو. (مجهولان) هذا آخر كلام الدارقطني في سننه. وقد ظهر بهذا أن حديث تميم هذا ضعيف من وجهين: الانقطاع بين عمر بن عبد العزيز وبين تميم، وجهالة اليزيدين. وذكر الزيلعي كلام الدارقطني هذا في نصب الراية وأقره.
[ ٢ / ٤٦ ]