٣٦٦- (٣٢) وعن عائشة ﵂، قالت: «من حدثكم أن النبي - ﷺ - كان يبول قائمًا فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعدًا» رواه أحمد والترمذي والنسائي.
٣٦٧- (٣٣) وعن زيد بن حارثة، عن النبي - ﷺ - «إن جبرئيل أتاه في أول ما أوحى إليه
_________________
(١) لكان فيه غنى، لكن ضعفه الدارقطني والبيهقي. وذكروا وجوهًا أخرى على الاحتمال مما لا دليل عليها ولا قرينة، ولا أثر فلا يلتفت إليها. والأظهر أنه فعل ذلك لبيان الجواز، وكان أكثر أحواله البول عن قعود.
(٢) قوله: (فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعدًا) فيه حجة لمن كره البول قائمًا إلا من عذر، فإنه يدل على أنه - ﷺ - ما كان يبول قائمًا بل كان هديه في البول القعود، والجواب عنه أن في سند حديث عائشة هذا، شريك بن عبد الله النخعي، وهو صدوق يخطئ كثيرًا تغير حفظه منذ ولي قضاء الكوفة، قال الشيخ ولي الدين: هو متكلم فيه بسوء الحفظ، وعلى تقدير صحته فحديث حذيفة أصح منه بلا تردد أو تكافأ في الصحة. والجواب عنه أنه مستند إلى علمها فيحمل على ما وقع منه في البيوت، وأما في غير البيوت فلم تطلع هي عليه، وقد حفظه حذيفة، وهو من كبار الصحابة. وقيل: معنى حديث عائشة هذا أي من حدثكم أنه - ﷺ - كان يعتاد البول قائمًا فلا تصدقوه، ما كان يعتاد البول إلا قاعدًا. فلا ينافي حديث حذيفة؛ لأن ما وقع منه قائما كان نادرا لبيان الجواز، والمعتاد الغالب خلافه. (رواه أحمد والترمذي) وقال: حديث عائشة أحسن شيء في هذا الباب وأصح-انتهى. وقد تقدم أن في سنده شريكًا القاضي وهو متكلم فيه بسوء الحفظ، قال الحافظ: لم يثبت عن النبي - ﷺ - في النهي عن البول قائمًا شيء، كما بينته في أوائل شرح الترمذي-انتهى. فمعنى قول الترمذي هذا: أن حديث عائشة أقل ضعفًا، وأرجح مما ورد في هذا الباب. (والنسائي) وأخرجه أيضًا ابن ماجه والحاكم وقال: إنه صحيح على شرط الشيخين، قال ابن القطان: لا يقال فيه: أنه صحيح. وتساهل الحاكم في التصحيح معروف، وكيف يكون على شرط الشيخين مع أن البخاري لم يخرج لشريك بالكلية، ومسلم خرج له استشهادًا لا احتجاجًا. ثم رأيت عند الطبعة الثانية "الأحاديث الصحيحة" للشيخ الألباني، وقد حكم هو بصحة هذا الحديث لمتابعة سفيان الثوري شريك بن عبد الله بن المقدام بن شريح عند أحمد (ج٦: ص١٣٦، ١٩٢، ٢١٣) وأبي عوانة في صحيحه (ج١: ص١٩٨) (والحاكم (ج١: ص١٨١) والبيهقي (ج١: ص١٠١) وقد وافق الذهبي للحاكم في تصحيحه، وقال في المهذب (١/٢٢/٢): "سنده صحيح"، والأمر كما قال الألباني.
(٣) قوله: (وعن زيد بن حارثة) بن شراحيل الكلبي حب رسول الله - ﷺ - ومولاه، يكنى أبا أسامة، وأمه سعدي بنت ثعلبة من بنى معن، خرجت أمه تزور قومها فأغارت خيل لبني القين بن جسر في الجاهلية على أبيات من بني
[ ٢ / ٦٩ ]
فعلمه الوضوء والصلاة، فلما فرغ من الوضوء، أخذ غرفة من الماء، فنضح بها فرجه» رواه أحمد والدارقطني.
٣٦٨- (٣٤) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «جاءني جبرئيل، فقال: يا محمد إذا توضأت فانتضح»
_________________
(١) معن رهط أم زيد، فاحتملوا زيدًا وهو يومئذٍ غلام يقال: له ثمان سنين فوافوا به سوق عكاظ فعرضوه للبيع، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بأربع مائة درهم، فلما تزوجها وهبته له فقبضه، ثم إن خبره اتصل بأهله فحضر أبوه حارثة وعمه كعب في فدائه فخيره النبي - ﷺ - بين نفسه والمقام عنده، وبين أهله والرجوع، فاختار النبي - ﷺ - لما يرى من بره وإحسانه إليه، فحينئذٍ خرج به النبي - ﷺ - إلى الحجر فقال: يا من حضر! أشهدوا أن زيدًا ابني يرثني وأرثه، فصار يدعى زيد بن محمد إلى أن جاء الله بالإسلام، ونزل ﴿ادعوهم لآبائهم، هو أقسط عند الله﴾ [٣٣: ٥) فقيل له: زيد بن حارثة. وهو أول من أسلم من الذكور بعد علي بن أبي طالب. وكان النبي أكبر منه بعشر سنين، وقيل بعشرين سنة. وزوجه رسول الله - ﷺ - مولاته أم أيمن فولدت له أسامة، ثم تزوج زينب بنت جحش، ولم يسم الله تعالى في القرآن أحدًا من الصحابة غيره في قوله: ﴿فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها﴾ [٣٣: ٣٧] قال أسامة بن زيد: قال رسول الله - ﷺ - لأبي: أنت مني وإلي وأحب القوم إلي. استشهد في غزوة موتة وهو أمير الجيش في جمادى الأولى سنة (٨) وهو ابن (٥٥) سنة، ونعاه النبي - ﷺ - لأصحابه في اليوم الذي قتل فيه وعيناه تذرفان. له أربعة أحاديث، روى عنه ابنه أسامة والبراء وابن عباس وغيرهم. (فعلمه الوضوء) فنزول سورة المائدة آخرًا كان للتأكيد الحكم وتائيد الأمر. (فلما فرغ من الوضوء) هذا صريح في أن النضح بعد الوضوء، وأنه ليس المراد بالنضح غسل الفرج كما قيل. (أخذ غرفة) بالفتح والضم. (فنضح بها فرجه) أي إزاره حذاء فرجه، وذلك لتعليم الأمة ما يدفع الوسوسة، أو لقطع البول، فإن النضح بالماء البارد يردع البول فلا ينزل منه شيء بعد شيء. (رواه أحمد والدارقطني) وكذا ابن ماجه، وفي سندهم جميعا ابن لهيعة وفيه مقال مشهور، وأخرجه أحمد والدارقطني عن أسامة بن زيد بنحوه، وفيه رشدين بن سعد، وثقه هيثم بن خارجة، وأحمد في رواية، وضعفه آخرون.
(٢) قوله: (إذا توضأت) أي فرغت من الوضوء. (فانتضح) الانتضاح رش الماء على الثوب ونحوه، والمراد به أن يرش على فرجه بعد الوضوء ماء ليذهب عنه الوسواس الذي يعرض للإنسان أنه قد خرج من ذكره بلل، فإذا كان ذلك المكان بللًا ذهب ذلك الوسواس، وفي معناه أقوال أخرى لا نتعرض لها؛ لأنها لا تناسب الأحاديث الواردة في
[ ٢ / ٧٠ ]
رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب. وسمعت محمدًا يعنى البخاري، يقول: الحسن بن علي الهاشمي الراوي منكر الحديث.
٣٦٩- (٣٥) وعن عائشة، قالت: «بال رسول الله - ﷺ - فقام عمر خلفه بكوز من ماء، فقال: ما هذا ياعمر؟ فقال: ماء تتوضأ به. قال: ما أمرت كلما بلت أن أتوضأ، ولو فعلت لكانت سنة» وراه أبوداود وابن ماجه.
_________________
(١) هذا الباب. (رواه الترمذي) وأخرجه أيضًا ابن ماجه وليس فيه ذكر جبريل. (الحسن بن علي الهاشمي الراوي) أي راوي هذا الحديث الذي تفرد به، وهو ضعيف جدًا، ليس له في الكتب الستة إلا هذا الحديث عند الترمذي وابن ماجه. (منكر الحديث) هذا من ألفاظ الجرح وهو أشد من قولهم "ضعيف". وكان البخاري دقيق العبارة فيما يجرح به الرواة، وأقسى ما يقول في الراوي: "منكر الحديث". وقد نقل ابن القطان من البخاري قال: من قلت فيه "منكر الحديث" فلا تحل الرواية عنه. نقله الذهبي في الميزان، فالحديث ضعيف جدًا/ لكن في الباب أحاديث عديدة يدل على أن له أصلًا.
(٢) قوله: (بكوز من ماء) بضم الكاف، جمعه كيزان وأكواز، وهو ماله عروة من أواني الشرب، ومالا عروة له فهو كوب، وجمعه أكواب. (ما هذا) أي الكوز أي ما حملك على قيامك خلفي ولم جئتني بماء؟. (فقال ماء نتوضأ به) بعد البول الوضوء الشرعي، أو المراد به الوضوء اللغوي، وهو الاستنجاء بالماء وعليه بني الكلام أبوداود حيث أورده في باب الاستبراء، وابن ماجه فذكره في باب من بال ولم يمس ماء. (ما أمرت) أي وجوبًا. (كلما بلت) بضم الباء. (أن أتوضأ) الوضوء الشرعي بعد البول، أو استنجى بالماء، وكان قد يترك ما هو أولى وأفضل تخفيفًا على الأمة، وإبقاء وتيسيرًا عليهم. (ولو فعلت لكانت) أي الفعلة. (سنة) قيل: معناه لو واظبت على غسل محل البول بالماء، أو على الوضوء بعد الحدث لكان طريقة واجبة لازمة لأمتي، فيمتنع عليهم الترخص باستعمال الحجر أو ترك المحافظة على الوضوء، فتأنيث ضمير كانت لتأنيث الخبر. ويحتمل أن يكون المعنى: لكانت فعلتي سنة مؤكدة، يعني أن المراد بالسنة هو المندوب المؤكد كما هو المشهور على ألسنة الفقهاء، إذ الوجوب بمجرد المواظبة محل النظر. قال المناوى: حمل الوضوء في الحديث على المعنى اللغوي مخالف للظاهر بلا ضرورة، والظاهر كما قاله ولي العراقي، حمله على الشرعي المعهود، فأراد عمر أن يتوضأ - ﷺ - عقب الحدث، فتركه - ﷺ - تخفيفًا وبيانًا للجواز. (رواه أبوداود وابن ماجه) وأخرجه أيضًا أحمد كلهم من رواية عبد الله بن يحيى التوأم، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن أمه، عن عائشة. وعبد الله بن يحيى ضعيف، وذكره ابن حبان في الثقات، وأم ابن أبي مليكة قال الهيثمي (ج١: ص٢٤١): لم أر من ترجمها. ورواه أبويعلى، عن ابن أبي مليكة، عن أبيه، عن عائشة-انتهى. قلت أم عبد الله بن أبي مليكة هذه، ميمونة بنت وليد بن الحارث بن عامر بن نوفل
[ ٢ / ٧١ ]
٣٧٠-٣٧٢- (٣٦-٣٨) وعن أبي أيوب، وجابر، وأنس، أن هذه الآية لما نزلت ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين﴾ . قال رسول الله - ﷺ -: «يا معشر الأنصار إن الله قد أثنى عليكم في الطهور، فما طهوركم؟ قالوا: نتوضأ للصلاة، ونغتسل من الجنابة، ونستنجي بالماء. فقال: فهو ذاك، فعليكموه» رواه ابن ماجه.
_________________
(١) الأنصارية بنت أم ورقة ثقة، قال الحافظ في تهذيب التهذيب (ج١٢: ص٤٥٤): هي والدة عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة روت عن عائشة، قالت: "بال رسول الله - ﷺ - فقام عمر خلفه بكوز من ماء" الحديث. وروى عنها ابنها، ذكرها ابن حبان في الثقات من التابعين، وأورد لها هذا الحديث، وقد ذكرها المزي في المبهمات في أواخر الكتاب؛ لأنها لم تسم في رواية أبي داود، وابن ماجه- انتهى. ٣٧٠، ٣٧١، ٣٧٢- قوله: (أن هذه الآية) أي الآية. (لما نزلت فيه رجال) ضمير "فيه" لمسجد قباء، والجملة بدل من الآية. (والله يحب المطهرين) أصله المتطهرين أبدلت التاء طاء وأدغمت. (يامعشر الأنصار) المراد بهم أهل قباء كما جاء صريحًا في بعض الأحاديث، وتخصيص الأنصار بالخطاب يدل على أن غالب المهاجرين كانوا يكتفون في الإستنجاء على الأحجار. (في الطهور) بضم الطاء وكذا قوله "فما طهوركم" على الأفصح الأشهر. (فهو ذاك) أي ثناء الله عليكم أثر تطهركم البالغ، قاله الطيبي، والأظهر أن الإشارة إلى الاستنجاء فإنه أقرب مذكور ومخصوص بهم، وإلا فالوضوء والاغتسال كان المهاجرون يفعلونهما أيضًا، ورواية الحاكم الآتية صريحة في ذلك. (فعليكموه) أي الزموا الاستنجاء بالماء، وفي رواية الحاكم: فقالوا: يا رسول الله، نتوضأ للصلاة، ونغتسل من الجنابة، فقال: فهل مع ذلك غيره، قالوا: لا، غير أن أحدنا إذا خرج من الغائط أحب أن يستنجي بالماء، قال: هو ذاك، وظاهر الحديث أنهم يكتفون بالماء عن الأحجار، وهو المعروف في طرق الحديث، وأما ما رواه البزار عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - سأل أهل قباء، فقال: إن الله يثني عليكم، فقالوا: "إنا نتبع الحجارة الماء" ففيه محمد بن عبد العزيز وقد ضعفه البخاري والنسائي وغيرهما، وهو الذي أشار بجلد مالك، وفيه أيضًا عبد الله بن شبيب وهو ضعيف، وقد روى الحاكم من حديث مجاهد عن ابن عباس أصل هذا الحديث، وليس فيه إلا ذكر الاستنجاء بالماء حسب. وحديث أبي أيوب هذا يدل على ثبوت الاستنجاء بالماء والثناء على فاعله لما فيه من كمال التطهير، قال العلماء: الاستنجاء بالماء أفضل من الحجارة، والجمع بينهما أفضل من الكل، قال الأمير اليماني: ولم نجد عنه - ﷺ - أنه جمع بينهما. (رواه ابن ماجه) وكذا الحاكم من طريق عتبة بن أبي حكيم، عن طلحة بن نافع أبي سفيان، قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأقره الذهبي، لكن قال الحافظ في التلخيص (ص٤١):
[ ٢ / ٧٢ ]
٣٧٣- (٣٩) وعن سلمان، قال: «قال بعض المشركين، وهو يستهزئ: إني لأرى صاحبكم يعملكم حتى الجزاءة. قلت أجل، أمرنا أن لا نستقبل القبلة، ولا نستنجي بأيماننا، ولا نكتفي بدون ثلاثة أحجار ليس فيها رجيع ولا عظم» رواه مسلم وأحمد واللفظ له.
٣٧٤- (٤٠) وعن عبد الرحمن بن حسنة، قال: «خرج علينا رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) إسناده ضعيف. وفي الباب عن أبي هريرة أخرجه الترمذي وأبوداود وابن ماجه بسند ضعيف. وعن عويم بن ساعدة، أخرجه أحمد وابن خزيمة والطبراني والحاكم. وعن ابن عباس، أخرجه الحاكم والطبراني. وعن محمد بن عبد الله بن سلام أخرجه أحمد، وابن أبي شيبة وعبدلله بن سلام وخزيمة بن ثابت أخرج أحاديثهم الطبراني.
(٢) قوله: (وهو يستهزئ) أي بسلمان. (إني لأرى صاحبكم) يعني النبي - ﷺ -. (يعلمكم) يعني كل شيء. (حتى الخراءة) أي أدبها، وهي بكسر الخاء المعجمة والراء المهملة ممدودًا، وقيل: بفتح الخاء مع المد، اسم لفعل الحدث أي التغوط، وقيل: التخلي والقعود عند الحاجة، وقيل: المراد هيئة القعود للحدث، لكن كون المراد هيئة القعود يقتضي أن يكون بكسر الخاء وسكون الراء وهمزة كجلسة لهيئة الجلوس، قيل: ولعله بالفتح مصدر وبالسكر اسم. قال عياض: وأما الحدث نفسه فبحذف التاء وبالمد مع كسر الخاء وفتحها. (أجل) بسكون اللام أي نعم. (أمرنا) أي رسول الله - ﷺ - في آداب قضاء الحاجة. (أن لا نستقبل القبلة) أي ولا نستدبرها كما مر. (ولا نكتفي بدون ثلاثة أحجار) أي بأقل من ثلاثة أحجار، هذا نص صريح في أن الاقتصار على أقل من ثلاثة أحجار لا يجوز. وإن وقع الإنقاء بدونها، قال الطيبي: جواب سلمان من باب أسلوب الحكيم؛ لأن المشرك لما استهزأ كان من حقه أن يهدد أو يسكت عن جوابه، لكنه ﵁ لم يلتفت إلى استهزائه، وأخرج الجواب مخرج المرشد الذي يرشد السائل المجد، يعني ليس هذا مكان الاستهزاء، بل هو جد وحق، فالواجب عليك ترك العناد والرجوع إليه، قال السندهي: والأقرب أنه رد له بأن ما زعمه سببًا للاستهزاء ليس بسبب يصرح المسلمون به عند الأعداء، وأيضًا هو أمر يحسنه العقل عند معرفة تفصيله، فلا عبرة للاستهزاء به بسبب الإضافة إلى أمر يستقبح ذكره في الإجمال، والجواب بالرد لا يسمى باسم أسلوب الحكيم. (ليس فيها رجيع ولا عظم) هذه الجملة صفة مؤكدة لأحجار مزيلة لتوهم أنها مجاز أو واردة على سبيل التغليب. (رواه مسلم وأحمد) وأخرجه أيضًا الترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه.
(٣) قوله: (وعن عبد الرحمن بن حسنة) بفتح المهملتين ثم نون، هو عبد الرحمن بن المطاع بن عبد الله بن الغطريف أخو شرجيل بن حسنة، وحسنة أمها، صحابي، له هذا الحديث فقط، روى عنه زيد بن وهب، وذكر مسلم والأزدي، والحاكم في المستدرك، وأبوصالح المؤذن، وابن عبد البر: أنه تفرد بالرواية عنه، وأنكر العسكري تبعًا لابن
[ ٢ / ٧٣ ]
وفي يده الدرقة فوضعها، ثم جلس فبال إليها. فقال بعضهم: أنظروا إليه يبول كما تبول المرأة. فسمعه النبي - ﷺ -، فقال: ويحك أما علمت ما أصاب صاحب بني إسرائيل كانوا إذا أصابهم البول قرضوه بالمقاريض، فنهاهم فعذب في قبره»
_________________
(١) أبي خيثمة أن يكون عبد الرحمن أخا شرجيل، وقال الترمذي لما أشار إلى حديثه: يقال إنه أخو شرجيل (وفي يده الدرقة) بالفتحات الترس من جلود ليس فيه خشب ولا عصب. (فوضعها ثم جلس فبال إليها) أي جعل الدرقة حائلة بينه وبين الناس وبال مستقبلًا إليها. (فقال بعضهم: انظروا إليه) وفي رواية الأحمد قال أي عبد الرحمن بن حسنة: كنت أنا وعمرو بن العاص جالسين، فخرج علينا رسول الله - ﷺ - ومعه درقة أو شبهها فاستتر بها فبال جالسا قال: فقلنا: أيبول، الخ. وفي رواية الحاكم فقلت لصاحبي: ألا ترى إلى رسول الله - ﷺ - كيف يبول؟ وهذه الرواية تدل على أن القائل كان مؤمنًا إلا أنه قال ذلك تعجبًا لما رآه مخالفًا لما عليه عادتهم في الجاهلية، وكانوا قريبي العهد بها. (كما تبول المرأة) أي في التستر، وعليه حمل النووي فقال: إنهم كرهوا ذلك، وزعموا أن شهامة الرجل لا تقتضي التستر على هذا الحال على ما كانوا عليه في الجاهلية، وقيل في الجلوس أو فيهما، وكان شأن العرب البول قائمًا. ويؤيد الثاني رواية البغوي في معجمه: فقال بعضنا لبعض: يبول رسول الله - ﷺ - كما تبول المرأة وهو قاعد. وفي معجم الطبراني: يبول رسول الله - ﷺ - وهو جالس كما تبول المرأة. (ويحلك) كلمة تقال لمن ينكر عليه فعله مع ترفق وترحم في حال الشفقة. (أما علمت ما أصاب) ما الأولى نافية دخلت عليه همزة الاستفهام للإنكار والثانية موصولة، والمراد به العذاب (صاحب بني إسرائيل) بالنصب وقيل بالرفع، أي من العذاب لنهيه عن المعروف وهو الإحتراز من البول، والتنزه عنه بقطع موضعه، ومقصوده - ﷺ - بذكر صاحب بني إسرائيل لهم بيان سبب القعود في حالة البول، كأنه قال: بلت جالسًا لا قائمًا لئلا يصيبني شيء من البول، فاستنزهت من البول بهذا الوضع الخاص، وفي تعريضك منع عن الاستنزاه كمنع صاحب بني إسرائيل. (كانوا) أي بنو إسرائيل. (قرضوه) أي قطعوه، وكان هذا القطع مأمورًا به في دينهم. (بالمقاريض) وفي رواية أبي داود: قطعوا ما أصابه البول منهم. يعني قطعوا الموضع الذي أصابه البول من ثيابهم، ففي حديث أبي موسى عند البخاري "كان إذا أصاب ثوب أحدهم قرضه"، ووقع في مسلم "جلد أحدهم" قال القرطبي: المراد بالجلد واحد الجلود التي كانوا يلبسونها. وحمله بعضهم على ظاهره، وزعم أنه من الإصر الذي حملوه، ويؤيده رواية أبي داود ففيها "كان إذا أصاب جسد أحدهم" لكن رواية البخاري صريحة في الثياب، فلعل بعضهم رواه بالمعنى، قاله الحافظ. (فنهاهم) أي صاحبهم عن القطع. (فعذب في قبره) بسبب مخالفة حكم شرعه، ونهيه عن العمل عليه وهو الاحتراز عن البول وقطع موضعه من الثوب. والمعنى تعجبك من فعلي بهذا التعريض فيه شبه إنكار وشائبة نهي عن المعروف، وهو الإستنزاه من البول
[ ٢ / ٧٤ ]
رواه أبوداود وابن ماجه.
٣٧٥- (٤١) ورواه النسائي عنه عن أبي موسى.
٣٧٦- (٤٢) وعن مروان الأصفر، قال: «رأيت ابن عمر أناخ راحلته مستقبل القبلة، ثم جلس يبول إليها، فقلت: يا أبا عبد الرحمن أليس قد نهى عن هذا؟ قال: بل إنما نهي عن ذلك في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس» رواه أبوداود.
٣٧٧- (٤٣) وعن أنس، قال: «كان النبي - ﷺ - إذا خرج من الخلاء قال:
_________________
(١) بالبول جالسًا، أى فنهيك بهذا التعريض يشبه نهى صاحب بني إسرائيل فيخاف أن يؤدي إلى العذاب كما أدى نهيه إليه. (رواه أبوداود) وسكت عنه هو والمنذري. (وابن ماجه) وأخرجه أيضًا أحمد، والنسائي، وابن حبان والحاكم، والبيهقي، قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ومن شرط الشيخين إلى يبلغ تفرد زيد بن وهب بالرواية عن عبد الرحمن بن حسنة، قال الذهبي: رواه عدة عن الأعمش عن زيد بن وهب وهو على شرطهما.
(٢) قوله: (ورواه النسائي عنه) أي عن عبد الرحمن بن حسنة، وهو صحابي كما تقدم. (عن أبي موسى) فيكون رواية الصحابي عن الصحابي، لكن لم أجده في السنن الصغرى، ولعله في السنن الكبرى.
(٣) قوله: (وعن مروان الأصفر) بالفاء، قيل: اسم أبيه خاقان، وقيل: سالم، أبوخليفة البصري ثقة تابعي. (أناخ) أي أقعد (راحلته) الراحلة المركب من الإبل ذكرًا كان أو أنثى. (يبول إليها) أي الراحلة. (أليس قد نهي عن هذا) أي عن استقبال القبلة عند قضاء الحاجة. (قال بل) للإضراب أي لا مطلقًا. (إنما نهي عن ذلك في الفضاء) بفتح الفاء أي الصحراء. (فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك) بضم التاء. (فلا بأس) قول ابن عمر هذا يدل على أن النهي عن الاستقبال والإستدبار إنما هو في الصحراء مع عدم الساترة، واستدل به من فرق بين الصحراء والبنيان، وأجاب من قال بالمنع مطلقًا بأن قول ابن عمر هذا يحتمل أنه قد علم ذلك من رسول الله - ﷺ -، ويحتمل أنه قال ذلك استنادًا إلى الفعل الذي شاهده ورواه، فكأنه لما رأى النبي - ﷺ - في بيت حفصة مستدبر القبلة فهم اختصاص النهي بالبنيان، فلا يكون هذا الفهم حجة، ولا يصلح هذا القول للاستدلال به، وأقل شيء الإحتمال فلا ينتهض لإفادة المطلوب. (رواه أبوداود) وسكت عنه هو والمنذري، وذكره الحافظ في التلخيص، ولم يتكلم عليه بشيء، وذكر في الفتح أنه أخرجه أبوداود والحاكم بإسناد حسن.
(٤) قوله: (إذا خرج من الخلاء) أي أو انتقل عن محل قضاء الحاجة الذي في الصحراء وإن لم يكن معدًا فإنه
[ ٢ / ٧٥ ]
الحمد لله الذي أذهب عنى الأذى وعافاني» رواه ابن ماجه.
٣٧٨- (٤٤) وعن ابن مسعود، قال: «لما قدم وفد الجن على النبي - ﷺ - قالوا: يا رسول الله! إنْهَ أمتك أن يستنجوا بعظم أو روثة أو حممة، فإن الله جعل لنافيها رزقًا. فنهانا رسول الله - ﷺ - عن ذلك» رواه أبوداود.