٣٤٤- (١٠) عن أنس، قال: قال النبي - ﷺ -: «إذا دخل الخلاء نزع خاتمه» رواه أبوداود والنسائي والترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب. وقال أبوداود: هذا حديث منكر.
_________________
(١) يستتر بها بأن يضع عليها ثوبًا أو يركزها بجنبه لتكون إشارة إلى منع من يروم المرور بقربه، أو ينبش الأرض الصلبة لئلا يرتد البول إليه، أو لغير ذلك من قضاء الحاجات التي تعرض له، ولأن خدمته في البيوت تختص بأهله. (وغلام) زاد في رواية لمسلم "نحوي" والغلام هو المترعرع، قيل: إلى حد السبع سنين، وقيل: إلى الالتحاء، ويطلق على غيره مجازًا، قيل: أراد بالغلام الآخر ابن مسعود، وأراد بقوله "نحوي" أي في كونه كان يخدمه - ﷺ -، فإن ابن مسعود كان صاحب سواد رسول الله - ﷺ - يحمل نعله وسواكه، أو أطلق عليه الغلام مجازًا، وقيل: هو أبوهريرة، وقيل جابر بن عبد الله، وفيه دليل على جواز الاستخدام للصغير. (إداوة) بكسر الهمزة أي مطهرة، وهي إناء صغير من جلد يتخذ للماء. (من ماء) أي مملوءة منه. (عنزة) بالنصب عطفًا على الإداوة، بفتح النون أطول من العصا وأقصر من الرمح فيها سنان. (يستنجى بالماء) يؤخذ منه ومن غيره أنه - ﷺ - كان يقتصر على الماء تارة وعلى الحجر أخرى، وكثيرًا ما كان يجمع بينهما، قاله القاري. وفيه رد على من أنكر أن يكون النبي - ﷺ - استنجى بالماء وهو مالك ومن وافقه. (متفق عليه) وأخرجه أيضًا أحمد وأبوداود والنسائي.
(٢) قوله: (إذا دخل الخلاء) أي أراد دخوله. (نزع) أي أخرج من إصبعه. (خاتمه) بفتح التاء، وقيل: بكسرها؛ لأن نقشة "محمد رسول الله" وفيه دليل على تبعيد ما فيه ذكر الله عند قضاء الحاجة، والقرآن بالأولى، حتى قيل: يحرم إدخال المصحف في الخلاء لغير ضرورة. قال الأمير اليماني: هذا فعل منه - ﷺ -، وقد عرف وجهه، وهو صيانة ما فيه ذكر الله عزوجل عن المحلات المستخبثة فدل على ندبه، وليس خاصًا بالخاتم بل في كل ملبوس فيه ذكر الله –انتهى. وقال الطيبي: فيه دليل على وجوب تنحية المستنجى اسم الله واسم رسوله والقرآن، قيل: فلو غفل عن تنحية ما فيه ذكر الله حتى اشتغل بقضاء الحاجة، أو خاف ضياعه، غيبه في فمه، أو في عمامته، أو نحوها. (رواه أبوداود) الخ. وأخرجه أيضًا ابن ماجه وابن حبان والحاكم كلهم من طريق همام عن ابن جريج عن الزهري عن أنس. (وقال) أي الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح غريب) وافقه المنذري في تصحيحه وصوبه، وقال: رواته ثقات أثبات. وتبعه أبوالفتح القشيري في آخر الاقتراح، ومال إلى تصحيحه موسى بن هارون، وصححه ابن حبان، وقال النووي في الخلاصة: هذا أي تصحيح الترمذي مردود عليه. (وقال أبوداود، هذا حديث منكر) وقال النسائي: إنه غير محفوظ، وذكر الدارقطني الاختلاف فيه، وأشار إلى شذوذه. والمنكر ما رواه الضعيف مخالفًا للثقة، ومقاله المعروف، وهو ههنا حديث ابن جريج،
[ ٢ / ٥٤ ]
وفي روايته: وضع بدل نزع.
٣٤٥- (١١) وعن جابر، قال: «كان النبي - ﷺ - إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد»
_________________
(١) عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن أنس قال: "إن النبي - ﷺ - اتخذ خاتمًا من ورق ثم ألقاه"، والوهم فيه من همام كما قاله أبوداود، ولم يرو حديث أنس بلفظ "إذا دخل الخلاء وضع خاتمه"، وقد خالف أصحاب ابن جريج. وإطلاق المنكر على حديث همام هذا إنما هو على مذهب ابن الصلاح من عدم الفرق بين الشاذ والمنكر، وحكم النسائي عليه بكونه غير محفوظ أصوب، فإنه شاذ في الحقيقة على مذهب الجمهور من الفرق بين المنكر والشاذ، إذا المتفرد به وهو همام، من شرط صحيح، وثقة ابن معين وغيره، وقال أحمد: ثبت في كل المشائخ لكنه بالمخالفة صار حديثه شاذًا. وقد نوزع أبوداود في حكمه على هذا الحديث بالنكارة مع أن رجاله رجال الصحيح، نازعه المنذري وموسى بن هارون وغيرهما، قال موسى بن هارون: لا أدفع أن يكون حديثين، ومال أيضًا إليه ابن حبان فصحح حديثين معًا، وقد تابع همام يحيى بن الضريس البجلي، ويحيى بن المتوكل البصري، أخرجهما الحاكم والدارقطني، وقد رواه عمرو بن عاصم وهو من الثقات عن همام موقوفًا على أنس، وقال المارديني في الجوهر النقي: الحديثان مختلفان متنًا وكذا سندًا؛ لأن الأول رواه ابن جريج عن الزهري بلا واسطة والثاني بواسطة، فانتقال الذهن من الحديث الذي قاله أبوداود فيه: إنما يعرف عن ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن أنس قال: "إن النبي - ﷺ - اتخذ خاتمًا من ورق ثم ألقاه" إلى حديث وضع الخاتم مع اختلافهما سندًا ومتنًا كما بيناه، لا يكون إلا عن غفلة شديدة، وحال همام لا يحتمل مثل ذلك، هذا مع أن له شاهدًا أخرجه البيهقي، عن يحيى بن المتوكل عن ابن جريج عن الزهري عن أنس الخ. وذكر الدارقطني في كتاب العلل: أن يحيى بن الضريس رواه عن ابن جريج كرواية همام، فهذه متابعة ثانية، وابن ضريس ثقة، فتبين بذلك أن الأمر فيه كما ذكر الترمذي من الحسن والصحة – انتهى مختصرًا. وقال الحافظ بعد بيان وجه حكم أبي داود على هذا الحديث بالنكارة والكلام في متابعة يحيى بن المتوكل ما نصه: على أن للنظر مجالًا في تصحيح حديث همام؛ لأنه مبنى على أن أصله حديث الزهري عن أنس في اتخاذ الخاتم، ولا مانع أن يكون هذا متنًا آخر غير ذلك المتن، وقد مال إلى ذلك ابن حبان فصححهما جميعًا، ولا علة له عندي إلا تدليس ابن جريج، فإن وجد عنه تصريح بالسماع فلا مانع من الحكم بصحته –انتهى. وإن شئت مزيد التفصيل فارجع إلى التلخيص (ج١: ص٣٩) وعون المعبود (ج١: ص٩، ٨) والجوهر النقي (وفي روايته) أي أبي داود (وضع) أي من يده (بدل نزع) أي من إصبعه، ولا تفاوت واختلاف بينهما معنى.
(٢) قوله: (البراز) أي الفضاء أو قضاء الحاجة بفتح الباء والكسر لغة قليلة، الفضاء الواسع من الأرض، ثم كنوا به عن الغائط، يقال: تبرز أي تغوط، وهو أن يخرج إلى البراز كما قيل: تخلى إذا صار إلى الخلاء، (انطلق) أي ذهب في الصحراء. (حتى لا يراه أحد) أي إلى أن يصل إلى موضع لا يراه فيه أحد، وفيه دليل على مشروعية التباعد
[ ٢ / ٥٥ ]
رواه أبوداود.
٣٤٦- (١٢) وعن أبي موسى، قال: «كنت مع النبي - ﷺ - ذات يوم فأراد أن يبول، فأتى دمثًا في أصل جدًار، فبال. ثم قال: إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله» رواه أبوداود.
٣٤٧- (١٣) وعن أنس، قال: «كان النبي - ﷺ - إذا أراد الحاجة لم يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض» .
_________________
(١) عند الحاجة عن حضور الناس إذا كان في مراح من الأرض، ويدخل في معناه الاستتار بالأبنية، وضرب الحجب، وإرخاء الستر وأعماق الآبار والحفائر ونحو ذلك من الأمور الساترة للعورات، وكل ما ستر العورة عن الناس. (رواه أبوداود) وسكت عنه، وفيه إسماعيل بن عبد الملك الكوفي قد تكلم فيه غير واحد، وقال الحافظ: صدوق كثير الوهم، وأخرجه أيضًا ابن ماجه، وفيه أيضًا إسماعيل بن عبد الملك، ويؤيده حديث المغيرة بن شعبة عند الترمذي وصححه، وأبي داود والنسائي وابن ماجه بلفظ: كان إذا ذهب المذهب أبعد.
(٢) قوله: (ذات يوم) أي يوما وذات زائدة، وقيل كناية عن الساعة، أي كنت يومًا أو ساعة يوم معه ﵊. (دمثًا) بفتح الدال وكسر الميم، قال الخطابي: الدمث المكان السهل الذي يجذب فيه البول فلا يرتد على البائل، يقال للرجل إذا وصف باللين والسهولة "إنه لدمث الأخلاق، وفيه دماثة" ويقال: دمث المكان كفرح دمثا أي؛ لأن وسهل (في أصل جدار) أي قريب منه (فليرتد) بسكون الدال المخففة من الارتياد، أي فليطلب مكانًا مثل هذا فحذف المفعول لدلالة الحال عليه. وفيه دليل على أنه ينبغي لمن أراد قضاء الحاجة أن يعمد إلى مكان لين سهل لا صلابة فيه ليأمن من رجوع رشاش البول ونحوه عليه. (رواه أبوداود) وأخرجه أيضًا أحمد، والبيهقي. والحديث في سنده رجل مجهول ولذا ضعفه النووي، وهو وإن كان ضعيفًا فأحاديث الأمر بالتنزه عن البول تفيد ذلك، وقد روى الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله - ﷺ - يتبوأ لبوله كما يتبوأ لمنزله، قال الهيثمي (ج١: ص٢٠٤): هو من رواية يحيى بن عبيد بن دجى عن أبيه، ولم أر من ذكرها، وبقية رجاله موثقون.
(٣) قوله (إذا أراد الحاجة) أي قضاء الحاجة يعني إذا أراد القعود للغائط أو البول (لم يرفع ثوبه) مبالغة في دوام التستر (حتى يدنو) أي يقرب (من الأرض) احتراز عن كشف العورة، وهذا من أدب قضاء الحاجة، ويستوي فيه الصحراء والبنيان؛ لأن في رفع الثوب كشف العورة، وهو لا يسوغ إلا عند الحاجة، ولا ضرورة في الرفع قبل القرب من الأرض قاله الطيبي، وقال العزيزي: لم يرفع ثوبه أي لم يتم رفعه حتى يدنو من الأرض، فيندب رفعه شيئًا محافظة على الستر ما لم يخف تنجس ثوبه وإلا رفعه بقدر حاجته-انتهى، ويمكن أن نستنبط منه قولهم: ما أبيح للضرورة يتقدر بقدر
[ ٢ / ٥٦ ]
رواه الترمذي وأبوداود والدارمي.
٣٤٨- (١٤) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إنما أنا لكم مثل الوالد لولده، أعلمكم: إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة، ولا تستدبروها، وأمر بثلاثة أحجار. ونهى عن الروث والرمة، ونهى أن يستطيب الرجل بيمينه» رواه ابن ماجه والدارمي.
_________________
(١) الضرورة. (رواه الترمذي وأبوداود والدارمي) أخرجه الترمذي والدارمي من طريق عبد السلام بن حرب عن الأعمش عن أنس. وقال الترمذي: وروى وكيع والحماني عن الأعمش قال: قال ابن عمر: "كان النبي - ﷺ - إذا أراد الحاجة" الحديث، قال: وكلا الحديثين مرسل أي منقطع، لم يسمع الأعمش من أنس بن مالك، ولا من أحد من أصحاب النبي - ﷺ -. وأخرجه أبوداود من طريق وكيع، عن الأعمش عن رجل عن ابن عمر: "أن النبي - ﷺ - كان "الحديث، قال: رواه عبد السلام ابن حرب، عن الأعمش عن أنس بن مالك وهو أي الحديث ضعيف أي لجهالة الراوي عن ابن عمر في الأول، والانقطاع في الثاني. وأخرجه أيضًا الطبراني في الأوسط عن الأوسط عن جابر، قال الهيثمي: وفيه الحسين بن عبيد الله العجلي، قيل فيه: كان يضع الحديث.
(٢) قوله: (إنما أنا لكم مثل الوالد لولده) أي في الشفقة (أعلمكم) كما يعلم الوالد ولده كل مل يحتاج إليه ولا يبالي بما بذكره، فهذا تمهيد لما يبين لهم من آداب الخلاء، إذ الإنسان كثيرًا ما يستحي من ذكرها، سيما في مجلس العظماء، وفي هذا بيان وجوب إطاعة الآباء، وأن الواجب عليهم تأديب أولادهم وتعليمهم ما يحتاجون إليه من أمور دينهم (وأمر بثلاثة أحجار)؛ لأن المطلوب شرعًا الإنقاء والإيتار، وهما يحصلان بثلاثة أحجار (ونهى عن الروث والرمة) أي عن استعمالها في الاستنجاء. الروث رجيع ذوات الحوافر، ذكره صاحب المحكم وغيره، قال السندهي: والأشبه أن يراد ههنا رجيع الحيوان مطلقًا ليشمل رجيع الإنسان وذكر بإطلاق اسم الخاص على العام، ويحتمل أن يقال: ترك ذكر رجيع الإنسان؛ لأنه أغلظ فيشمله النهي بالأولى، والرمة بكسر الراء وتشديد الميم، العظم البالي، ولعل المراد ههنا مطلق العظم. ويحتمل أن يقال: العظم البالي لا ينتفع به فإذا منع عن تلويثه فغيره أولى، قاله السندهي. ويجوز أن يكون الرمة جمع الرميم أي العظام البالية، قال في شرح السنة: تخصيص النهي بهما يدل على أن الاستنجاء يجوز بكل ما يقوم مقام الأحجار في الإنقاء، وهو كل جامد طاهر قالع للنجاسة، غير محترم من مدر وخشب وخرق وخزف انتهى (أن يستطيب) أي يستنجي (الرجل) وكذا المرأة، قال الطيبي: سمى الاستنجاء استطابة لما فيه من إزالة النجاسة وتطهيرها (رواه ابن ماجه والدارمي) بسند حسن، وأخرجه أيضًا الشافعي وأحمد وأبوداود والنسائي وابن حبان وابن خزيمة، وأبوعوانة في صحيحه بألفاظ متقاربة، وسكت عنه أبوداود والمنذري.
[ ٢ / ٥٧ ]
٣٤٩- (١٥) وعن عائشة، قالت: «كانت يد رسول الله - ﷺ - اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت يده
اليسرى لخلائه وما كان من أذى» رواه أبوداود.
٣٥٠- (١٦) وعنها، قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة
أحجار يستطيب بهن، فإنها تجزئ عنه» رواه أحمد وأبوداود والنسائي والدارمي.
٣٥١- (١٧) وعن ابن مسعود، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام، فإنها
_________________
(١) قوله (لطهوره) بضم الطاء أي لوضوءه فيما لم يعهد فيه المقارنة، ويكون من باب التشريف بخلاف غسل الوجه ومسح الرأس والأذن، فإن المعهود في هذه الأشياء قران اليسار باليمين (وطعامه) أي لأكله وشربه وما كان من مكرم كالإعطاء واللبس والسواك والتنعل والترجل والمصافحة والإكتحال. (لخلائه) أي لأجل استنجائه في الخلاء. (وما كان) تامة أي ما وجد ووقع (من أذى) من بيانه أي ما تستكرهه النفس الزكية كالمخاط والرعاف وخلع الثوب. والظاهر أن إدخال الماء في الأنف باليمين والامتخاط باليسار. (رواه أبوداود) في الطهارة، وأخرجه أيضًا أحمد والطبراني كلهم من طريق إبراهيم النخعي عن عائشة، قال المنذري: إبراهيم لم يسمع من عائشة فهو منقطع. وأخرجه أبوداود من طريق أخرى عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة بمعناه. وأخرجه في اللباس من حديث مسروق عن عائشة، ومن ذلك الوجه أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجه، ويأتي في آخر الفصل الأول من سنن الوضوء.
(٢) قوله: (إذا ذهب أحدكم إلى الغائط) أي الخلاء (فليذهب) أمر وجوب (معه بثلاثة أحجار) الباء للتعدية (يستطيب) بالرفع مستأنف، علة للأمر أو حال بمعنى عازمًا على الاستطابة (بهن) الباء للآلة (فإنها) أي الأحجار (تجزئ) من الإجزاء أي تكفي وتغنى، وفي بعض النسخ "تجزى" بفتح التاء وكسر الزاي بعده ياء، من جزى يجزى مثل قضى يقضي وزنًا ومعنى، قاله القاري (عنه) أي عن المستنجي، أو عن الماء المفهوم من المقام، وهو الأظهر معنى. والحاصل أن الاستطابة بالأحجار تكفي المستنجي، أو تكفي عن الماء وتنوب عنه، وإن بقي أثر النجاسة بعد ما زالت عين النجاسة وجرمها وذلك رخصة، ففيه دليل على كفاية الأحجار وعدم وجوب الاستنجاء بالماء، وهو أيضًا يدل على وجوب الإستجمار بثلاثة أحجار؛ لأن الإجزاء يستعمل غالبًا في الواجب (رواه أحمد) الخ. وأخرجه أيضًا الدارقطني، وقال: إسناده صحيح.
(٣) قوله: (فإنها) وفي بعض النسخ فإنه. قال الطيبي: الضمير في "فإنه" راجع إلى الروث والعظام باعتبار المذكور، كما ورد في شرح السنة، وجامع الأصول، وفي بعض نسخ المصابيح. وفي بعضها وجامع الترمذي "فإنها"
[ ٢ / ٥٨ ]
زاد إخوانكم من الجن» رواه الترمذي والنسائي، إلا أنه لم يذكر: «زاد إخوانكم من الجن» .
٣٥٢- (١٨) وعن رويفع بن ثابت، قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: «يا رويفع! لعل الحياة ستطول بك بعدي، فأخبر الناس أن من عقد لحيته، أو تقلد وترًا، أو استنجى برجيع دابة، أو عظم، فإن محمدًا منه بريء» رواه أبوداود.
_________________
(١) فالضمير راجع إلى العظام، والروث تابع لها، عليه قوله تعالى: ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها﴾ [٦٢: ١١] انتهى. وقال ابن حجر المكي: وسكت عن الروث؛ لأن كونه زادًا لهم إنما هو مجاز، لما تقرر أنه لدوابهم –انتهى. وفي رواية أحمد ومسلم في قصة ذهابه إلى الجن وقراءته عليهم القرآن وسألوه الزاد فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحمًا، وكل بعرة علف لدوابكم، فقال رسول الله - ﷺ -: (فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام الجن (زاد إخوانكم من الجن) قال الطيبي: فيه أن الجن مسلمون حيث سماهم إخوانًا وأنهم ليأكلون (رواه الترمذي) في الطهارة وفي التفسير (والنسائي) في الطهارة. وأصل حديث ابن مسعود هذا عند مسلم، وأخرجه أيضًا أحمد وأبوداود والدارقطني والحاكم من طرق عنه.
(٢) قوله (وعن رويفع) بضم الراء وكسر الفاء تصغير رافع، بكسر الفاء، ابن ثابت بن السكن بن عدي بن حارثة الأنصاري المدني، صحابي سكن مصر، وأمره معاوية على طرابلس سنة (٤٦) فغزا إفريقية. قال أحمد بن البرقي الفتياني: توفي ببرقة سنة (٥٦) وهو أمير عليها، وقد رأيت قبره بها. له ثمانية أحاديث، روى عنه حنش الصنعاني وبسر بن عبيد الله. (لعل الحياة ستطول بك) الباء للإلصاق (بعدي) أي بعد موتي، وقد ظهر مصداق ذلك، فطالت به الحياة حتى مات سنة (٥٦) بإفريقية، وهو آخر من مات بها من الصحابة كما ذكره أبوزكريا بن مندة. (فأخبر الناس) الفاء جزاء شرط محذوف والتقدير فإذا طالت فأخبر، والمعنى: لعل الحياة ستمتد حال كونها ملتصقة بك، حتى ترى الناس قد ارتكبوا أمورًا من المعاصي يتجاهرون بها، فإذا رأيت ذلك فأخبرهم. (من عقد لحيته) قيل: هو معالجتها حتى تنعقد وتنجعد. وقيل: كانوا يعقدونها في الحرب فأمرهم بإرسالها، كانوا يفعلون ذلك تكبرًا وعجبًا، وقيل: هو فتلها كفتل الأعاجم. (أو تقلد وترًا) بفتحتين وتر القوس، أو مطلق الحبل والخيط. قيل: المراد به ما كانوا يعلقونه عليهم وعلى أولادهم وخيلهم من العوذ والتمائم التي يشدونها بتلك الأوتار، ويرون أنها تعصم من الآفات والعين. وقيل: النهي من جهة تعليق الأجراس عليها. وقيل: لئلا تختنق الخيل عند شدة الركض. (أو استنجى برجيع دابة) هو الروث والعذرة. (فإن محمدًا منه بريء) هذا من باب الوعيد والمبالغة في الزجر الشديد، وقوله: منه بريء، هكذا في بعض النسخ وكذا وقع عند أبي داود، وفي بعض نسخ المشكاة "برئ منه" وهكذا وقع في رواية النسائي. (رواه أبوداود) في الطهارة وسكت عنه هو والمنذري، وأخرجه أيضًا النسائي في الزينة.
[ ٢ / ٥٩ ]
٣٥٣- (١٩) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من اكتحل فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج. ومن استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج. ومن أكل فما تخلل فليلفظ، وما لاك بلسانه فليبتلع، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج. ومن أتى الغائط فليستتر، فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيبًا من رمل فليستدبره، فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم،
_________________
(١) قوله: (من اكتحل) أي أراد الاكتحال. (فليؤتر) أي ثلاثًا متوالية في كل عين، وقيل: ثلاثًا في اليمنى واثنين في اليسرى ليكون المجموع وترًا، والتثليث علم من فعله - ﷺ -، ففي شمائل الترمذي أنه كانت له مكحلة يكتحل كل ليلة ثلاثة في هذه وثلاثة في هذه. (من فعل) كذلك. (فقد أحسن) أي فعل فعلا حسنًا ويثاب عليه؛ لأنه سنة رسول الله - ﷺ -. (ومن لا) أي لا يفعل الوتر. (فلا حرج) فيه دليل على أن أمره - ﷺ - يدل على الوجوب وإلا لما احتاج إلى بيان سقوط وجوبه بقوله: لا حرج أي لا إثم، قاله الطيبي. (ومن استجمر فليؤتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج) هذا محمول على أن القطع على وتر سنة فيما إذا زاد على ثلاث جمعًا بين النصوص، وقال الشوكاني: الأدلة المتعارضة قد دلت على عدم جواز الإستجمار بدون ثلاث، وليس لمن جوز دليل يصلح للتمسك به في مقابلتها- انتهى وقد تقدم الكلام عليه في شرح حديث سلمان من الفصل الأول. (فبما تخلل) ما شرطية أي أخرج من بين أسنانه بعود ونحوه. (فليلفظ) بكسر الفاء أي فليرم به وليخرجه من فمه، وهو جزاء قوله: ما تخلل، والشرطية جزاء الشرط الأول. (ومالاك) عطف على ما تخلل، واللوك إدارة الشيء في الفم، قيل: معناه أنه ينبغي للآكل أن يلقي ما يخرج من بين أسنانه بعود ونحوه لما فيه من الاستقذار، ويبتلع ما يخرج بلسانه، وهو معنى "لاك"؛ لأنه لا يسقذر، ويحتمل أن يكون المراد "بمالاك" ما بقي من آثار الطعام على لحم الأسنان وسقف الحلق وأخرجه بإدارة لسانه، وأما الذي يخرج من بين أسنانه فيرميه مطلقًا سواء أخرجه بعود أو باللسان؛ لأنه يحصل له التغيير غالبًا. (من فعل) أي ما ذكر من رمى ذاك وابتلاع هذا. (ومن أتى الغائط) أي الخلاء. (فليستتر فإن لم يجد) أي شيئًا ساترًا. (إلا أن يجمع كثيبًا) أي كومة. (من رمل فليستدبره) أي ليجعله خلفه لئلا يراه أحد، قال الطيبي: الاستثناء متصل، أي فإن لم يجد ما يستتربه إلا جمع كثيب من رمل فليجمعه ويستدبره؛ لأن القبل يسهل ستره بالذيل ونحوه. (فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم) أي يقصد الإنسان بالشر في تلك المواضع، يعني يحضر تلك الأمكنة وترصدها بالأذى والفساد؛ لأنها موضع يهجر ذكر الله فيه، فأمر بستر العورات ما أمكن، والامتناع من التعرض لأبصار الناظر، وهبوب الرياح، وترشش البول على ثيابه وبدنه،
[ ٢ / ٦٠ ]
من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج» رواه أبوداود وابن ماجه والدارمي.
٣٥٤- (٢٠) وعن عبد الله بن مغفل، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يبولن أحدكم في مستحمه، ثم يغتسل فيه،
_________________
(١) وكل ذلك من لعب الشيطان به، وقصده إياه بالأذى. والمقاعد جمع مقعده يطلق على أسفل البدن، وعلى موضع القعود لقضاء الحاجة، وكلاهما يصح إرادته، وعلى الأول الباء للإلصاق وعلى الثاني للظرفية. قال السندهي: لابد من اعتبار قيد على الأول، أي يلعب بالمقاعد إذا وجدها مكشوفة فليستتر ما أمكن –انتهى. (من فعل) أي جمع الكثيب والستر. (فقد أحسن) بإتيان السنة (ومن لا) بأن كان في الصحراء من غير ستر. (فلا حرج) أي إذا لم يره أحد، وأما عند الضرورة فالحرج على من نظر إليه. (رواه أبوداود) الخ. وأخرجه أيضًا ابن حبان والحاكم والبيهقي كلهم من طريق حصين الحبراني، قال الذهبي: لا يعرف، وقال الحافظ: مجهول، عن أبي سعيد الحبراني الحمصي التابعي، قال أبوزرعة: لا يعرف، وقال الحافظ: مجهول، وذكرهما ابن حبان في الثقات، وقال أبوزرعة: حصين الحبراني شيخ، وقال الحافظ في الفتح في حديث أبي هريرة هذا: حسن الإسناد.
(٢) قوله: (وعن عبد الله بن مغفل) بمعجمه وفاء مثقلة مفتوحة كمعظم ابن عبد نهم بن عفيف، يكنى أبا عبد الرحمن المزني صحابي بايع تحت الشجرة، سكن المدينة، ثم تحول إلى البصرة، قال الحسن البصري: كان أحد العشرة الذين بعثهم عمر إلينا يفقهون الناس، وكان من نقباء أصحابه، وهو أول من دخل تستر حين فتحت. له ثلاثة وأربعون حديثًا، اتفقا على أربعة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بحديث. مات سنة (٥٧)، وقيل: بعد ذلك. (لا يبولن أحدكم في مستحمة) بفتح الحاء وتشديد الميم، أصله الموضع الذي يغتسل فيه بالحميم، وهو الماء الحار، ثم قيل للاغتسال بأي ماء كان استحمام. وذكر ثعلب: أن الحميم يطلق أيضًا على الماء البارد من الأضداد، وفي معنى المغتسل المتوضأ، ولذا قال فيما بعد: أو يتوضأ. واختلفوا في تعيين محمل النهي، فحمله بعضهم على الأرض اللينة التي لا منفذ فيها كالبالوعة ونحوها، نظرًا إلى أن البول في الرخوة يستقر موضعه، وفي الصلبة يجرى ولا يستقر، فإذا صب عليه الماء ذهب أثره بالكلية، وعكس بعضهم فحمل النهي على الأرض الصلبة، نظرًا إلى أنه في الصلبة يخشى عود الرشاش بخلاف الرخوة، والأولى أن يحمل الحديث على إطلاقه، ولا يقيد المغتسل بشيء من القيود فيحترز عن البول فيه مطلقًا، فإن حصول الوسواس ليس مختصًا باللين ولا بالصلب بل قد يحصل من البول فيهما جميعًا. (ثم يغتسل فيه) ثم استبعادية يعني بعيد من العاقل أن يجمع بين ما قبلها وما بعدها، يريد أن النهي عنه ما دام مراه أن يغتسل فيه وأما إذا ترك الاغتسال فيه ويريد أن لا يعود إليه أي جعله مهجورًا من الاغتسال أو اغتسل فيه ابتداء ولم يبل فيه فلا نهي، ويجوز في "يغتسل" الرفع أي ثم
[ ٢ / ٦١ ]
أو يتوضأ فيه، فإن عامة الوسواس منه» رواه أبوداود والترمذي والنسائي، إلا أنهما لم يذكرا: ثم يغتسل فيه، أو يتوضأ فيه.
٣٥٥- (٢١) وعن عبد الله بن سرجس، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يبولن أحدكم في جحر» رواه أبوداود والنسائي.
٣٥٦- (٢٢) وعن معاذ، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد، وقارعة الطريق،
_________________
(١) هو يغتسل، والجزم بالعطف على فعل النهي، وجوز النصب بإعطاء "ثم" حكم واو الجمع. (فإن عامة الوسواس منه) أي أكثر الوسواس يحصل بسبب مجموع ما تقدم، وهو البول في المستحم أو المتوضأ، ثم الغسل أو الوضوء فيه؛ لأنه يصير ذلك الموضع نجسًا فيقع في قلبه وسوسة بأنه هل أصابه منه رشاش أم لا؟ ويجوز في الواو الأولى الفتح والكسر وهو بالكسر المصدر، وبالفتح الاسم. (رواه أبوداود) وسكت عنه هو والمنذري. (والترمذي) وقال: غريب. (والنسائي (وأخرجه أيضًا أحمد وابن ماجه وابن حبان والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين. والضياء في المختارة.
(٢) قوله: (وعن عبد الله بن سرجس) بفتح المهملة، وسكون الراء وكسر الجيم، بعدها مهملة كنرجس، غير منصرف للعجمة والعلمية، هو عبد الله بن سرجس المزني حليف بني مخزوم، صحابي، سكن البصرة. له سبعة عشر حديثًا، انفرد له مسلم بحديث، روى عنه نفر من التابعين. (لا يبولن أحدكم في جحر) أي ثقب بتقديم الجيم المضمومة وسكون الحاء المهملة، كل شيء تحتفره السباع والهوام لأنفسها. وجه النهي أن الجحر مأوى الهوام وذوات السموم فلا يؤمن أن تصيبه مضرة من قبل ذلك. ويقال: إن الذي يبول في الجحر يخشى عليه عادية الجن كما عند أبي داود، والنسائي. قالوا لقتادة أي الراوى عن عبد الله بن سرجس: وما يكره البول من الجحر؟ فقال: يقال إنها مساكن الجن. (رواه أبوداود) وسكت عليه هو والمنذري. (والنسائي) وأخرجه أيضًا أحمد والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين والبيهقي. قيل: إن قتادة لم يسمع من عبد الله بن سرجس، حكاه حرب عن أحمد، وأثبت سماعه منه علي بن المديني، وأبوزرعة. وقال أبوحاتم: لم يلق أحدًا من الصحابة إلا أنسًا وعبد الله بن سرجس، وصححه ابن خزيمة، وابن السكن.
(٣) قوله: (الملاعن) قال زين العرب: جمع ملعن مصدر ميمي أو اسم مكان، من لعن إذا شتم-انتهى. فعلى الأول معناه: اتقوا اللعنات أي أسبابها، أو المصدر بمعنى الفاعل يعني اجتنبوا اللاعنات أي الحاملات والباعثات على اللعن، فيصير نظيرًا "اتقوا اللاعنين" مع زيادة واحد. (البراز) بالنصب على البدلية أو بتقدير أعني، والمراد به التغوط. (الموارد) جمع مورد وهو الموضع الذي يأتيه الناس من رأس عين أو نهر لشرب الماء أو للتوضئ. (وقارعة الطريق)
[ ٢ / ٦٢ ]
والظل» رواه أبوداود وابن ماجه.
٣٥٧- (٢٣) وعن أبي سعيد، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما يتحدثان، فإن الله يمقت على ذلك» رواه أحمد وأبوداود وابن ماجه.
_________________
(١) أي وسطه يقرعه الناس بأرجلهم ونعالهم أي يدقونه ويمرون عليه، فهي من إضافة الصفة إلى الموصوف أي الطريق المقروعة. (والظل) تقدم بيان المراد منه. (رواه أبوداود) وسكت عنه هو والمنذري. (وابن ماجه) وأخرجه أيضًا الحاكم كلهم من حديث أبي سعيد الحميري عن معاذ بن جبل، وصححه ابن السكن والحاكم، وقال الحافظ: وفيه نظر؛ لأن أبا سعيد لم يسمع من معاذ، ولا يعرف هذا الحديث بغير هذا الإسناد، قاله ابن القطان، وأبوسعيد مجهول.
(٢) قوله: (لا يخرج الرجلان) وكذا المرأتان. (يضربان الغائط) يقال: ضربت الأرض إذا أتيت الخلاء، وضربت في الأرض إذا سافرت، وقال الطيبي: قيل: نصب الغائط بنزع الخافض أي للغائط، وفي مختصر النهاية: يضرب الغائط والخلاء والأرض إذا ذهب لقضاء الحاجة، فالمعنى يمشيان لقضاء الحاجة. (كاشفين) منصوب على الحال. (عن عورتهما) ينظر كل إلى عورة صاحبه عند التغوط. (يتحدثان) حال ثانية، وقال الطيبي "يضربان ويتحدثان" صفتا الرجلان؛ لأن التعريف فيه للجنس، ويجوز أن يكونا خبرين لمبتدأ محذوف أي هما يضربان ويتحدثان استئنافًا، و"كاشفين" حال مقدرة من ضمير يضربان، ولو جعل حالًا من ضمير يتحدثان لم تكن مقدرة، وعلى هذه التقادير النهي منصب على الجميع-انتهى. ورواه ابن حبان في صحيحه بلفظ: لا يقعد الرجلان على الغائط يتحدثان، يرى كل واحد منهما عورة صاحبه، فإن الله يمقت على ذلك. وهو صريح في أن المقت على المجموع، لا على مجرد الكلام، ورواه ابن ماجه بلفظ: لا يتناجى اثنان على غائطهما، ينظر كل واحد منهما إلى عورة صاحبه، فإن الله عزوجل يمقت على ذلك، قال السندهي: الحديث يدل على منع تحدث كل واحد من المتخليين بالآخر مع نظره إلى عورة الآخر، ولا يلزم منه منع تحدث المتخلى مطلقًا، إلا أن يقال مدار المنع على كون المتكلم مخليًا، ولا دخل فيه لكون المتكلم معه متخليًا، وإنما جاء فرض المتكلم معه متخليًا من جهة أنه لا يحضر مع المتخلي في ذلك الموضع إلا مثله، وأما ذكر النظر فلزيادة التقبيح، ضرورة أن النظر حرام مع قطع النظر عن التحديث والتخلي، فليتأمل. (فإن الله يمقت) من المقت وهو البغض. (على ذلك) أي على ما ذكر، وهو كشف العورة بحضرة الآخر، والتحديث وقت قضاء الحاجة. والحديث دليل على وجوب ستر العورة، والنهي عن التحدث حال قضاء الحاجة، والأصل في النهي التحريم، وتعليله بمقت الله عليه أي شدة بغضه لفاعل ذلك زيادة في التحريم. وقيل: إن الكلام في تلك الحالة مكروه فقط، لكنه يبعد حمل النهي على الكراهة ربطه بتلك العلة. (رواه أحمد وأبوداود وابن ماجه) وهو عند الجميع من حديث عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير عن عياض بن هلال عن أبي سعيد، قال أبوداود: لم يسنده إلا عكرمة بن عمار-انتهى. وعكرمة هذا وثقه ابن معين والعجلي وغيرهما، وتكلم البخاري وأحمد
[ ٢ / ٦٣ ]
٣٥٨- (٢٤) وعن زيد بن أرقم، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن هذه الحشوش محتضرة، فإذا أتى أحدكم الخلاء، فليقل: أعوذ بالله من الخبث والخبائث» رواه أبوداود وابن ماجه.
٣٥٩- (٢٥) وعن علي، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا دخل أحدهم الخلاء،
_________________
(١) وأبوداود ويحيى بن سعيد وابن حبان والنسائي في حديثه عن يحيى بن أبي كثير. وقال الحافظ: صدوق يغلط. وفي روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب، ولم يكن له كتاب، وقال الشوكاني: لا وجه للتضعيف بهذا، فقد أخرج مسلم حديثه عن يحيى، واستشهد بحديثه البخاري عن يحيى أيضًا-انتهى. وعياض بن هلال مجهول. قال المنذري في الترغيب: عياض بن هلال لا أعرفه بجرح ولا عدالة، وهو في عداد المجهولين، وروى أحمد عن جابر مرفوعًا: إذا تغوط الرجلان فليتوار كل واحد منهما عن صاحبه، ولا يتحدثان، فإن الله يمقت على ذلك. وصححه ابن السكن، وابن القطان، قال الحافظ: وهو معلول.
(٢) قوله: (وعن زيد بن أرقم) بفتح همزة وقاف وسكون راء وبترك صرف، هو زيد بن أرقم بن زيد بن قيس الأنصاري الخزرجي، صحابي مشهور، أول مشاهده الخندق وغزا مع رسول الله - ﷺ - سبع عشرة غزوة، وأنزل الله تصديقه في سورة المنافقين، ونزل الكوفة، له تسعون حديثًا، اتفقا على أربعة، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بستة، روى عنه جماعة مات بالكوفة سنة (٦٦) أو (٦٨) وهو ابن خمس وثمانين، كان من خواص علي، شهد معه صفين. (إن الحشوش) بضم الحاء المهملة وشينين معجمتين، هي الكتف ومواضع قضاء الحاجة، واحدها حش مثلث الحاء، وأصله جماعة النخل المتكاثفة، وكانوا يقضون حوائجهم إليها قبل اتخاذ الكنف في البيوت. (محتضرة) بفتح الضاد أي تحضرها الجن والشياطين يترصدون بني آدم بالأذى والفساد؛ لأنها مواضع تكشف فيه العورات وتهجر عن ذكر الله. فيتمكنون منهم في تلك المواضع ما لا يتمكنون في غيرها من المواضع. (أعوذ بالله) قد تقدم أنه - ﷺ - يقول: (اللهم إني أعوذبك) . فيتخير بين الصيغتين، أو يقول هذا مرة والآخر مرة (رواه أبوداود) وسكت عنه هو والمنذري (وابن ماجه) وأخرجه أيضًا أحمد والنسائي وابن حبان والحاكم وابن أبي شيبة. قال الترمذي: حديث زيد بن أرقم في إسناده اضطراب، ثم بين الترمذي هذا الاضطراب، وقد أوضحه ثم رفعه شيخنا الأجل المباركفوري في شرح الترمذي فارجع إليه.
(٣) قوله (ستر) بفتح السين مصدر، وقيل بالكسر، وهو الحجاب (ما بين أعين الجن) قال الطيبي"ستر"مبتدأ و"ما بين" موصولة مضاف إليها وصلتها الظرف أي الفعل الذي تعلق به، وخبر المبتدأ قوله أن يقول: بسم الله. (عورات بني آدم) بسكون الواو جمع عورة (إذا دخل أحدهم الخلاء) أي وقت دخول أحد بني آدم، ثم هذا الظرف
[ ٢ / ٦٤ ]
أن يقول: بسم الله» رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب وإسناده ليس بقوي.
٣٦٠- (٢٦) وعن عائشة، قالت: «كان النبي - ﷺ -: إذا خرج من الخلاء قال: غفرانك» . رواه الترمذي
_________________
(١) قيد واقعي غالبي للتكشف المحتاج إلى الستر بالبسملة المتقدمة، لا أنه احترازي، فإنه ينبغي أن يبسمل إذا أراد كشف العورة عند خلع الثوب، أو إرادة الغسل، يدل على ما قلنا من عموم الحكم ما روي عن أنس مرفوعًا: ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا وضعوا ثيابهم أن يقولوا "بسم الله"، أخرجه الطبراني في الأوسط بإسنادين أحدهما فيه محمد بن مسلمة الأموي، ضعفه البخاري وغيره، ووثقه ابن حبان وابن عدي، وبقية رجاله الموثقون. (أن يقول: بسم الله) وذلك لأن اسم الله كالطابع على بني آدم فلا يستطيع الجن فكه، قال المناوي: وقال بعض أئمة الشافعية: ولا يزيد "الرحمن الرحيم" اقتصارًا على الوارد ووقوفًا مع ظاهر هذا الخبر. ولا منافاة بين حديث على هذا وبين ما تقدم من ذكر التعوذ عند دخول الخلاء في حديث زيد بن أرقم وحديث أنس المتقدم في الفصل الأول، إذ ليس أن يقول: هذا وذاك، أحدهما تسمية الله والآخر دعاء يستعيذ به من الخبث والخبائث، ويدل على الجمع ما رواه العمري حديث أنس في التعوذ بلفظ: إذا دخلتم الخلاء فقولوا: "بسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث". قال الحافظ في الفتح: إسناده على شرط مسلم. فالجمع أفضل، ولو اكتفى بكل منهما لحصل أصل السنة. (رواه الترمذي) في آخر الصلاة، وأخرجه أيضًا ابن ماجه بإسناد الترمذي. (وإسناده ليس بقوي) ولفظ الترمذي في النسخ الموجودة: وإسناده ليس بذاك. أي ليس بالقوي؛ لأن فيه محمد بن حميد الرازي شيخ الترمذي وهو ضعيف، قال البخاري: فيه نظر، ورماه بعضهم بالكذب، وكان ابن معين حسن الرأي فيه، ووثقه أحمد وغيره، وقد صحح المناوي حديث علي هذا في شرح الجامع الصغير، ويشهد له حديث أنس عند الطبراني، وقد ذكرنا لفظه مع الكلام فيه، والترمذي نفسه قد حسن حديث محمد بن حميد الرازي في مواضع، فالظاهر أن حديث علي هذا حديث حسن إن شاء الله تعالى.
(٢) قوله: (إذا خرج) هذا يشعر بالخروج عن المكان كما سلف في لفظ "دخل" لكن المراد أعم منه ولو كان في الصحراء. (قال: غفرانك) أي طلب أو أسأل غفرانك. فهو منصوب على أنه مفعول به، ويحتمل أن يكون منصوبًا على المصدرية أي الغفران اللائق بجنابك، أو الناشئ من فضلك بلا إستحقاق مني، فلا يرد أنه لا فائدة للإضافة، إذ لا يتصور غفران غيره هناك. قيل: إنه استغفر لتركه الذكر في تلك الحالة، لما ثبت أنه كان يذكر الله على كل أحواله إلا حال قضاء الحاجة، فجعل ترك الذكر في هذه الحالة تقصيرًا وذنبًا يستغفر منه، وقيل: استغفر لتقصيره في شكر نعمة الله عليه بإقداره على إخراج ذلك الخارج، فإن انحباسه من أسباب الهلاك، فخروجه من النعم التي لا تتم الصحة بدونها، وهذا أنسب ليوافق حديث أنس الآتي في آخر الفصل الثالث. (رواه الترمذي) وقال: حديث غريب
[ ٢ / ٦٥ ]
وابن ماجه والدارمي.
٣٦١- (٢٧) وعن أبي هريرة، قال: «كان النبي - ﷺ - إذا أتى الخلاء أتيته بماء في تور أو ركوة، فاستنجى، ثم مسح يده على الأرض، ثم أتيته بإناء آخر، فتوضأ» رواه أبوداود وروى الدارمي والنسائي معناه.
٣٦٢- (٢٨) وعن الحاكم بن سفيان، قال: «كان النبي - ﷺ - إذا بال توضأ ونضح فرجه»
_________________
(١) حسن، ولا يعرف في الباب إلا حديث عائشة (وابن ماجه والدارمي) وأخرجه أيضًا أحمد والنسائي في "عمل اليوم الليلة" وابن الجارود، وصححه الحاكم، وأبوحاتم وابن خزيمة وابن حبان. وقال النووي: حديث عائشة حديث حسن صحيح، وجاء في الذي يقال عقب الخروج من الخلاء أحاديث كثيرة ليس فيها شيء ثابت إلا حديث عائشة المذكور، قال: وهذا مراد الترمذي بقوله: ولا يعرف في هذا الباب إلا حديث عائشة.
(٢) قوله: (أتيته بماء في تور) بفتح المثناة وسكون الواو، إناء من صفر، أو حجارة يتوضأ منه ويؤكل فيه ويشرب منه. (أو ركوة) بفتح الراء وسكون الكاف، إناء صغير من جلد يشرب منه ويتوضأ، و"أو" للشك من الراوي عن أبي هريرة أو للتنويع، أي إن أبا هريرة يأتيه تارة بهذا وتارة بهذا. (ثم مسح يده على الأرض) عند غسلها مبالغة في تنظيفها وتعليمًا للأمة بذلك. (ثم أتيته بإناء آخر) ليتوضأ به. (فتوضأ) بالماء، إتيانه بإناء آخر، ليس لأنه لا يجوز التوضيء بالماء الباقي من الإستنجاء، أو بالإناء الذي استنجى به، بل لأنه لم يبق من الأول شيء، أو بقى قليل غير كاف. وقال بعضهم: قد يؤخذ من هذا الحديث أنه يندب أن يكون إناء الاستنجاء غير إناء الوضوء. (رواه أبوداود) أي بهذا اللفظ وسكت عنه هو والمنذري. (وروى الدارمي والنسائي) وكذا ابن ماجه. (معناه) وأخرج النسائي وابن ماجه وابن خزيمة والدارمي عن جرير بن عبد الله نحوه.
(٣) قوله: (الحكم بن سفيان) وقيل: سفيان بن الحكم، وقيل: أبوالحكم بن سفيان، وقيل: عن ابن الحكم عن أبيه، وقيل: غير ذلك إلى عشرة أقوال بسطها الحافظ في تهذيب التهذيب (ج٢: ص٤٢٥، ٤٢٦) والسيوطي في التدريب (ص٩٥) في مثال الاضطراب في السند. قال ابن المديني والبخاري وأبوحاتم: الصحيح الحكم بن سفيان. وقال أحمد والبخاري وابن عيينة: ليست للحكم صحبة، وقال أبوزرعة وإبراهيم الحربي وابن عبد البر وغيرهم له صحبة. وقال الحافظ في التقريب: له صحبة، وذكره في الإصابة في القسم الأول من حرف الحاء، وذكره المصنف في فصل الصحابة له هذا الحديث فقط. (إذا بال توضأ) للصلاة أو ليدوم على الطهارة. (ونضح فرجه) أي رش الإزار الذي يلي الفرج
[ ٢ / ٦٦ ]
رواه أبوداود والنسائي.
٣٦٣- (٢٩) وعن أميمة بنت رقيقة، قالت: «كان للنبي - ﷺ - قدح من عيدان تحت سريره يبول فيه
بالليل» رواه أبوداود والنسائي.
٣٦٤- (٣٠) وعن عمر، قال: «رآني النبي - ﷺ - وأنا أبول قائمًا، فقال: يا عمر لا تبل قائمًا، فما بلت قائمًا بعد» رواه الترمذي وابن ماجه.
_________________
(١) بقليل من الماء ليكون مذهبًا للوسواس، ولتعليم الأمة. رواه أبوداود والنسائي) وأخرجه أيضًا أحمد وابن ماجه، وقد تقدم أن الحديث مضطرب الإسناد، وانظر علل ابن أبي حاتم (ج١: ص٤٦) والتدريب (ص٩٥) .
(٢) قوله: (وعن أميمة بنت رقيقة) بالتصغير فيهما واسم أبيها عبد الله بن بجاد التيمي، صحابية، لها أحاديث، وأمها رقيقة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى، أخت خديجة أم المؤمنين. قال ابن عبد البر: كانت أميمة من المبايعات وهي بنت خالة فاطمة الزهراء، وأميمة هذه هي غير أميمة بنت رقيقة الثقفية تلك تابعية. (كان للنبي - ﷺ - قدح) بفتحتين. (من عيدان) بفتح العين جمع عيدانة، وهي أطول ما يكون من النخل المتجرة من السعف، أتى بلفظ الجمع حملًا على الجنس، وضبطه بعضهم بكسر العين، جمع عود وهو الخشب، وجمع اعتبارًا للأجزاء، لا أنه مركب من عيدان. (تحت سريره) أي موضوع تحت سريره. (يبول فيه بالليل) قيل: يعارضه ما رواه الطبراني في الأوسط بسند جيد من حديث عبد الله بن يزيد مرفوعًا "لا ينقع بول في طست في البيت، فإن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه بول منتقع". والجواب لعل المراد بالنقاعة طول مكثه، وما يجعل في الإناء لا يطول مكثه غالبًا. وقال المغلطائي: يحتمل أن يكون أراد كثرة النجاسة في البيت بخلاف القدح فإنه لا يحصل به نجاسة لمكان آخر. (رواه أبوداود) وسكت عنه هو والمنذري. (والنسائي) وأخرجه أيضًا ابن حبان والحاكم، قال في عون المعبود: والحديث وإن كان فيه مقال لكنه يؤيده حديث عائشة الذي أخرجه النسائي، وحديث الأسود الذي أخرجه الشيخان، وفيهما "أنه قد دعا بالطست ليبول فيها" الحديث. لكن وقع هذا في المرض-انتهى.
(٣) قوله: (وأنا أبول قائمًا) حالان متداخلان. (لا تبل قائمًا) محمول على ما إذا لم يأمن الرشاش وهذا إن صح الحديث. (فما بلت قائمًا بعد) بالبناء على الضم أي بعد هذا النهي. (رواه الترمذي) أي معلقًا. (وابن ماجه) وكذا البيهقي في السنن الكبرى كلاهما موصولًا من حديث عبد الكريم بن أبي المخارق عن نافع عن ابن عمر عن عمر، قال الترمذي: وإنما رفع هذا الحديث عبد الكريم وهو ضعيف عند أهل الحديث، قال: وروى عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: قال عمر: ما بلت قائمًا منذ أسلمت. قال: وهذا أي حديث عمر الموقوف أصح من حديث عبد الكريم-انتهى. وأثر عمر هذا
[ ٢ / ٦٧ ]
٣٦٥- (٣١) قال الشيخ الإمام محي السنة ﵀: قد صح عن حذيفة قال: «أتى النبي - ﷺ - سباطة قوم، فبال قائمًا» متفق عليه. قيل: كان ذلك لعذر.
_________________
(١) نقله الهيثمي في مجمع الزوائد (ج١: ص٢٠٦) ونسبه للبزار، وقال: رجاله ثقات، وهو يدل على أن عمر ما بال قائمًا منذ أسلم، لكن قال الحافظ في الفتح: قد ثبت عن عمر وعلي وزيد بن ثابت، وغيرهم أنهم بالوا قيامًا، وهو دال على الجواز من غير كراهة إذا أمن الرشاش-انتهى.
(٢) قوله: (أتى سباطة قوم) بضم المهملة بعدها موحدة هي المزبلة والكناسة تكون بفناء الدار مرفقًا لأهلها، وتكون في الغالب سهلة لا يرتد فيه البول على البائل، وإضافتها إلى القوم إضافة اختصاص لا إضافة ملك؛ لأنها لا تخلوا عن النجاسة فكانت مباحة. (فبال قائمًا) للتشريع وبيان الجواز، وإنما خالف النبي - ﷺ - لما عرف من عادته من الإبعاد عند قضاء الحاجة لما قيل: إنه كان مشغولًا بمصالح المسلمين فلعله طال عليه المجلس حتى احتاج إلى البول، فلو أبعد لتضرر. وقيل: فعل ذلك لبيان الجواز. وقيل: إنه فعل ذلك في البول، وهو أخف من الغائط لاحتياجه إلى زيادة تكشف، ولما يقترن به من الرائحة. وقيل: إن الغرض من الإبعاد التستر، وهو يحصل بإرخاء الذيل والدنو من الساتر. والحديث يدل على جواز البول من قيام من غير كراهة وعذر. (متفق عليه) وأخرجه أيضًا أحمد وأبوداود والنسائي وابن ماجه. (قيل: كان ذلك لعذر) اعلم أنهم اختلفوا في البول قائمًا، فرخص قوم من أهل العلم في البول قائمًا إذا أمن الرشاش، واستدلوا بحديث حذيفة هذا، وبحديث سهل بن سعد، وحديث عصمة بن مالك أخرجهما الطبراني، وبآثار موقوفة على عمر وعلي وزيد بن ثابت، وغيرهم، وهو القول الراجح عندنا. وقال قوم بكراهة البول قائمًا إلا من عذر، واستدلوا بحديث عمر المتقدم، وقد عرفت أنه ضعيف لا يصلح للاحتياج، وبحديث عائشة الآتي في أول الفصل الثالث، وسيأتي الجواب عنه، وبحديث جابر قال: "نهى رسول الله - ﷺ - أن يبول الرجل قائمًا"، رواه ابن ماجه. والجواب عنه أن في سنده عدي بن الفضل وهو متروك. وبحديث بريدة أن رسول الله - ﷺ - قال: من الجفاء أن يبول الرجل قائمًا" الحديث. والجواب عنه أنه غير محفوظ، قال الترمذي: حديث بريدة في هذا غير محفوظ. وبحديث عائشة قالت: ما بال رسول الله - ﷺ - قائمًا منذ أنزل عليه القرآن. أخرجه أبوعوانة في صحيحه، والحاكم. والجواب عنه أنه مستند إلى علمها فيحمل على ما وقع في البيوت، فقد ثبت أن بوله - ﷺ - عند سباطه قوم كان بالمدينة كما جاء في بعض الروايات الصحيحة، قال الحافظ: وقد بينا أن ذلك كان بالمدينة، فتضمن الرد على ما نفته من أن ذلك لم يقع بعد نزول القرآن-انتهى. وقال هؤلاء: إن بوله - ﷺ - قائمًا كان لعذر، فقالوا: فعل ذلك لحرج في مأبضة، واستدلوا بما روى الحاكم والبيهقي من حديث أبي هريرة قال: "إنما بال رسول الله - ﷺ - قائمًا لحرج كان في مأبضه"، والمأبض باطن الركبة، فكأنه لم يتمكن لأجله من القعود. قال الحافظ: لو صح هذا الحديث
[ ٢ / ٦٨ ]