٥٠٣- (١١) عن لبابة بنت الحارث، قالت: «كان الحسين بن علي في حجر رسول الله - ﷺ -، فبال على ثوبه. فقلت: إلبس ثوبًا، وأعطني إزارك حتى أغسله، قال: إنما يغسل من بول الأنثى، وينضح من بول الذكر» .
_________________
(١) وفي شرح السنة: فيه دليل لمن ذهب إلى أن ماعدا المأكول غير محرم الانتفاع كالشعر، والسن والقرن ونحوها، وقالوا: لا حياة فيها فلا تنجس بموت الحيوان. وجوزوا استعمال عظام الفيل، وقالوا: لا بأس بتجارة العاج - انتهى. (متفق عليه) أخرجه البخاري في الزكاة، والبيوع والذبائح، ومسلم في الطهارة، وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي وأبوداود في اللباس والنسائي في الفرع، وابن ماجه في اللباس إلا أنه قال فيه "عن ميمونة" جعله من مسندها.
(٢) قوله: (وعن سودة) بنت زمعة بن قيس بن عبدشمس العامرية القرشية أم المؤمنين، أسلمت بمكة قديمًا، وهاجرت هي وزوجها إلى الحبشة الهجرة الثانية، ومات زوجها هناك، واسمه السكران بن عمرو، فتزوجها رسول الله - ﷺ - ودخل بها مكة، وذلك بعد موت خديجة، وقبل أن يعقد عائشة، وهاجرت إلى المدينة. قالوا: لما أسنت هم النبي - ﷺ - بطلاقها فوهبت يومها لعائشة. وتوفيت سنة (٥٥) على الصحيح، لها أحاديث، انفرد البخاري بحديث. (فدبغنا مسكها) بفتح الميم أي: جلدها، وسمى به لأنه يمسك ما فيه من الماء وغيره. (ثم مازلنا) بكسر الزاى. (ننبذ فيه) بكسر الباء من ضرب أي: ننقع فيه التمر وغيره، يعني نعمل فيه نبيذًا من تمر وغيره. (حتى صار شنًا) بفتح الشين المعجمة وتشديد النون أي: قربة خلقة. (رواه البخاري) في النذور، وأخرجه أيضًا أحمد، والنسائي في الفراغ.
(٣) قوله: (عن لبابة) بضم اللام وتخفيف الموحدتين. (بنت الحارث) بن حزن الهلالية أم الفضل زوج العباس بن عبد المطلب، وأم ستة من بنيه، وأخت ميمونة أم المؤمنين لأبويها. قال ابن عبد البر: يقال: إنها أول امرأة أسلمت بعد خديجة، وكانت من المنجبات، وكان النبي - ﷺ - يزورها. لها ثلاثون حديثًا، اتفقا على حديث، وانفرد كل منهما بحديث. ماتت بعد زوجها العباس في خلافة عثمان. (في حجر رسول الله) بكسر الحاء وتفتح وتضم. (فبال على ثوبه) أي: إزاره - ﷺ -. (إلبس) بفتح الباء أمر من سمع. (ثوبًا) آخر. (وأعطني إزارك) أي: المتلوث بالبول. (إنما يغسل من بول الأنثى، وينضح من بول الذكر) الحديث حجة صريحة في الفرق بين بول الصبي وبول الصبية، وأن
[ ٢ / ١٩٩ ]
رواه أحمد، وأبوداود، وابن ماجه.
٥٠٤- (١٢) وفي رواية لأبي داود، والنسائي، عن أبي السمح، قال: «يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام»
_________________
(١) بول الصبي يكفي فيه النضح بالماء، ولا حاجة فيه للغسل، وأن بول الصبية لا يكفي فيه النضح والرش بل لا بد من غسله، وهو أصح المذاهب في ذلك وأقواها، وذلك قبل أن يأكلا الطعام كما قيده به قتادة راوي حديث علي، وقد ذكرنا لفظه. وعند ابن حبان في صحيحه، وابن أبي شيبة في مصنفه عن ابن شهاب: مضت السنة أن يرش بول من لم يأكل الطعام من الصبيان. والمراد بالنضح كما قاله النووي في شرح مسلم: هو أن الشيء الذي أصابه البول يغمر ويكاثر بالماء مكاثرة لا تبلغ جريان الماء وتردده وتقاطره، بخلاف المكاثرة في غيره، فإنه يشترط أن تكون بحيث يجري عليها بعض الماء ويتقاطر من المحل، وإن لم يشترط عصره، وهذا هو الصحيح المختار، وهو قول إمام الحرمين والمحققين كذا في سبل السلام (ج١:ص٥٤) . (رواه أحمد) (ج٦:ص٣٣٩) . (وأبوداود) وسكت عليه هو والمنذري. (وابن ماجه) وأخرجه أيضًا ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والطبراني والكجي في سننه والبيهقي والطحاوي.
(٢) قوله: (وفي رواية لأبي داود، والنسائي عن أبي السمح) هو مولى رسول الله - ﷺ - وخادمه. قيل: اسمه إياد، بكسر الهمزة وتخفيف الياء تحتها نقطتان، وقيل: اسمه كنيته، صحابي، له حديث واحد، قطعه النسائي في موضعين: أي: في باب ذكر الاستتار عند الاغتسال، وفي باب بول الجارية. قال ابن عبد البر يقال: إنه ضل فلا يدري أين مات قال ميرك: قوله: والنسائي بالرفع، عطف على ابن ماجه. قال القاري: وفي سائر النسخ المصححة بالجر وهو الظاهر، لكن إنما يصح الجر لو كان للنسائي روايتان كما لا يخفى، فحينئذٍ لو كانت الرواية الأخرى له كأحمد وغيره من المذكورين فكان للمصنف أن يذكره معهم أولًا أيضًا كما ذكر أباداود مرتين، وإن كان النسائي ليس له إلا رواية واحدة كالرواية الثانية لأبي داود فيتعين الرفع، لكن لا بالعطف على ابن ماجه لوجود الفصل بالأجنبي، بل على أنه مبتدأ خبره كذلك، كما قيل في قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابؤون﴾ [٦٩:٥] بالرفع والله أعلم - انتهى. قلت: عبارة المصنف بظاهرها توهم أن للنسائي روايتين كأبي داود، إحداهما عن لبابة، والأخرى عن أبي السمح، والأمر ليس كذلك، فإن حديث لبابة لم يروه النسائي، فالأحسن أن يقول: وروى أبوداود أيضًا والنسائي عن أبي السمح، الخ. والحديث أخرجه أيضًا البزار وابن ماجه وابن خزيمة والبغوي والحاكم وصححه، وسكت عنه أبوداود والمنذري، وقال البخاري: حديث حسن، ولفظه عند أبي داود: قال كنت أخدم النبي - ﷺ - فكان إذا أراد أن يغتسل قال: ولني قفاك فأوليه قفاي بأستره به فأتى بحسن أو حسين ﵄ فبال على صدره يعني موضعه من الثياب فجئت أغسله، فقال: (يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام) أي: الرضيع. ففي حديث علي عند أحمد والترمذي وابن ماجه: أن النبي - ﷺ - قال في بول الرضيع: ينضح بول الغلام
[ ٢ / ٢٠٠ ]
٥٠٥- (١٣) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا وطئ أحدكم بنعله الأذى، فإن التراب له طهور» .
_________________
(١) الحديث. فهذا تقييد للفظ اللام بكونه رضيعًا، وهكذا يكون تقييدًا للفظ الصبي والصغير والذكر الواردة في بقية الأحاديث. وحديث أبي السمح يبين أن المراد بالنضح في حديث لبابة هو الرش. ويرد كغيره من أحاديث الباب على من لم يفرق بين بول الرضيع وبول الجارية إتباعًا للقياس على بول الشيخ. وفي صنيعهم هذا تقديم للقياس على النص ورد للسنن الصحيحة الصريحة. قال ابن القيم: والفرق بين الصبي والصبية من ثلاثة أوجه: أحدها: كثرة حمل الرجال والنساء للذكر فتعم البلوى ببوله فيشق عليه غسله. والثاني: أن بوله لا ينزل في مكان واحد بل ينزل متفرقًا ههنا وههنا، فيشق غسل ما أصابه كله بخلاف بول الأنثى. الثالث: أن بول الأنثى أخبث وأنتن من بول الذكر، وسببه حرارة الذكر، ورطوبة الأنثى، فالحرارة تخفف من نتن البول، وتذيب منها ما يحصل مع الرطوبة، وهذه المعاني مؤثرة يحسن اعتبارها في الفرق - انتهى. وذكر الشافعي في الفرق وجها آخر كما رواه ابن ماجه في سننه، والحق فيه وفي مثله التعبد والإتباع، والسؤال عن الحكم خارج عن ذلك، فالواجب على الفقيه أن يتبع أمر رسول الله - ﷺ - حيث وجده، ولا يضرب له الأمثال.
(٢) قوله: (إذا وطئ) بكسر الطاء أي: مسح وداس. (أحدكم بنعله) وفي معناه الخف. (الأذى) أي: النجاسة رطبة كانت أو يابسة، متجسدة أو غير متجسدة. (فإن التراب) أي: بعد المكان الموطؤ. (له) أي: لنعل أحدكم. (طهور) وفي رواية: إذا وطئ الأذى بخفيه فطورهما التراب. والحديث يدل بإطلاقه على أنه إذا أصابت النجاسة النعل فطهارته بالمسح والدلك، سواء كانت ذات جرم كالعذرة أو غير ذات جرم كالبول، وسواء كانت رطبة أو جافة، ويؤيده ما رواه أبوداود وغيره عن أبي سعيد الخدري قال: بينما رسول الله - ﷺ - يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه - الحديث. وفيه: إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر، فإن رأي في نعليه قذرًا أو أذى فليمسحه وليصل فيهما. وأعلم أن الحديثين قد خالف ظاهرهما أبوحنيفة، فإن مذهبه أن النعل لا يطهر بالمسح إلا بالغسل، ولأجل هذين الحديثين وما في معناهما ترك الحنفية مذهبه في هذا الباب، واختاروا مذهب أبي يوسف، ومذهبه أن النعل يطهر بالدلك إذا أصابته نجاسة لها جرم، رطبة كانت أو جافة أما إذا لم تكن لها جرم فلا يطهر إلا بالغسل. والفتوى عند الحنفية على قول أبي يوسف، ففي البحر الرائق (ج١:ص٢٢٣): وعلى قوله: أكثر المشائخ. وفي النهائية والعناية والخلاصة: وعليه الفتوى. وفي فتح القدير: وهو المختار لعموم البلوى، ولإطلاق الحديث - انتهى. وفي فتاوى قاضي خان: وعليه الفتوى لعموم البلوى. قال شيخنا في أبكار المنن (ص٤٦) هذان الحديثان بإطلاقهما حجتان على أبي يوسف أيضًا أي: كما أنهما
[ ٢ / ٢٠١ ]
رواه أبوداود، ولابن ماجه معناه.
٥٠٦- (١٤) وعن أم سلمة، قالت لها امرأة: «إني أطيل ذيلي، وأمشي
_________________
(١) حجتان على أبي حنيفة، لأن إطلاقهما يدل على أنه لا فرق بين أن تكون النجاسة ذات جرم أو لم تكن، كما أن إطلاقهما يدل على أنه لا فرق بين أن تكون النجاسة رطبة أو جافة، وهو أي: أبويوسف يقول بالفرق بين الرقيقة والكثيفة، وإن لم يقل بالفرق بين الرطب واليابس. وأما ما قالوا في توجيه الفرق بينهما عنده: أنه مفاد بقوله: طهور أي: مزيل، ونحن نعلم أن النعل إذا تشرب البول لا يزيله المسح، فإطلاقه مصروف إلى ما يقبل الإزالة بالمسح. فقد رده العلامة ابن الهمام في فتح القدير (ص٧٦) بأنه لا يخفى ما فيه، إذ معنى طهور مطهر. واعتبر ذلك شرعًا بالمسح المصرح في الحديث وكما لا يزيل ما تشربه من الرقيق كذلك لا يزيل ما تشرب من الكثيف حالة الرطوبة، والحاصل فيه بعد إزالة الجرم كالحاصل قبل الدلك في الرقيق، فإنه لا يشرب إلا ما في استعداده قبوله وقد يصيبه من الكثيفة الرطبة مقدار كثير يشربه من رطوبته مقدار ما يشربه من بعض الرقيق - انتهى. والحاصل أن النعل أو الخف إذا أصابته نجاسة يطهر بالدلك كثيفة كانت أو رقيقة، رطبة كانت أو يابسة، لإطلاق الحديثين وهو الحق، وما ذهب إليه الإمام أبوحنيفة وأبويوسف ليس بصواب - انتهى. (رواه أبوداود) من طريق أبي المغيرة، والوليد بن مزيد، وعمر بن عبد الواحد عن الأوزاعي قال: أنبئت أن سعيد بن أبي سعيد المقبري حدث عن أبيه، عن أبي هريرة، وفيه مجهول كما ترى، لأن الأوزاعي لم يسم شيخه. ولعل الرجل الذي أبهمه هو محمد بن عجلان في الطريق الآتي، فروى أبوداود أيضًا من طريق محمد بن كثير الصنعاني، عن الأوزاعي، عن ابن عجلان عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - بمعناه، ومحمد بن كثير وإن ضعف لكنه تابعه على هذا أبوالمغيرة، والوليد، وعمر كما تقدم، وكلهم ثقات، وابن عجلان وإن ضعفه بعضهم لكن الأكثرين على توثيقه. والحديث أخرجه أيضًا ابن السكن وابن حبان في صحيحه، والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم، والبيهقي والطحاوي. قال النووي في الخلاصة: رواه أبوداود بإسناد صحيح - انتهى. وقال ابن الهمام: حديث أبي هريرة حسن لم يطعن فيه. كذا في المرقاة (ج١:ص٣٥٦) وقد اعترف بحسن إسناد حديث أبي هريرة هذا النيموي أيضًا. قلت: وله شاهدان بمعناه عند أبي داود وغيره من حديث عائشة، ومن حديث أبي سعيد. وتقدم ذكر لفظ حديث أبي سعيد. (ولابن ماجه معناه) ولفظه: قيل: يارسول الله! إنا نريد المسجد فنطأ الطريق النجسة، فقال رسول الله - ﷺ -: يطهر بعضها بعضًا. قال في الزوائد: إسناده ضعيف، فإن إبراهيم بن إسماعيل اليشكري مجهول الحال، قال الذهبي: وشيخه إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة مما اتفقوا على ضعفه.
(٢) قوله: (إني أطيل) من الإطالة (ذيلي) بفتح الذال المعجمة، هو طرف الثوب الذي يلي الأرض وإن
[ ٢ / ٢٠٢ ]
في المكان القذر، قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «يطهر ما بعده» . رواه مالك، وأحمد، والترمذي، وأبوداود، والدارمي وقالا: المرأة أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف.
_________________
(١) لم يمسها. (في المكان القذر) بفتح فكسر، النجس، أي: في مكان ذي قذر. (قال رسول الله - ﷺ -) في جواب مثل هذا السؤال. (يطهره) أي: الذيل. (ما بعده) في محل الرفع فاعل يطهر، أي: المكان الذي بعد المكان القذر بزوال ما يتثبت بالذيل من القذر، سواء كان المكان القذر رطبًا أو يابسًا، والنجاسة متجسدة أو غير متجسدة، فلا حاجة إلى الغسل لإطلاق الحديث. وهذا يدل على عدم الفرق بين الذيل للمرأة، والخف والنعل للرجل، وهو الحق، ويؤيد ذلك الحديث الأول من الفصل الثالث من هذا الباب. قال الشيخ ولي الله الدهلوي في المسوى شرح المؤطا تحت حديث أم سلمة هذا: إن أصاب الذيل نجاسة الطريق ثم مر بمكان آخر، واختلط به طين الطريق، وغبار الأرض، وتراب ذلك المكان، ويبست النجاسة المتعلقة، فيطهر الذيل المنجس بالتناثر أو الفرك، وذلك معفو عنه عن الشارع بسبب الحرج والضيق، كما أن غسل العضو والثوب من دم الجراحة معفو عنه عند المالكية، وكما أن النجاسة الرطبة التي أصابت الخف تزيل بالدلك، ويطهر الخف عند الحنفية والمالكية بسبب الحرج، وكما أن الماء الواقع المستنقع في الطريق وإن وقع فيه النجاسة معفو عنه عند المالكية بسبب الحرج، وإني لا أجد الفرق بين الثوب الذي أصابه دم الجراحة والثوب الذي أصابه الماء المستنقع النجس، وبين الذيل الذي تعلقت به نجاسة رطبة، ثم اختلط به غبار الأرض وترابها وطين الطريق، فتناثرت به النجاسة أو زالت بالفرك فإن حكمها واحد، وما قال البغوي: إن الحديث محمول على النجاسة اليابسة التي أصابت الثوب ثم تناثرت بعد ذلك ففيه نطر، لأن النجاسة التي تتعلق بالذيل في المشى في المكان القذر تكون رطبة في غالب الأحوال، وهو معلوم بالقطع في عادة الناس، فإخراج الشيء الذي تحقق وجوده قطعًا أو غالبًا عن عادته الأصلية بعيد. وأما طين الشارع يطهره ما بعده، ففيه نوع من التوسع في الكلام، لأن المقام يقتضي أن يقال: هو معفو عنه، أو لا بأس به، لكن عدل عنه إلى إسناد التطهير إلى شيء لا يصلح أن يكون مطهرًا للنجاسة، فعلم أنه معفو عنه، وهذا أبلغ من الأول -انتهى. (رواه مالك، وأحمد، والترمذي، وأبوداود والدارمي) وأخرجه أيضًا الشافعي، وابن ماجه، وسكت عنه أبوداود والمنذري. وقال القاضي أبوبكر بن العربي: هذا الحديث مما رواه مالك فصح وإن كان غيره لم يره صحيحا- انتهى. والعلة على ما قيل جهالة المرأة التي روت هذا الحديث عن أم سلمة وهي مدفوعة كما سيأتي. (وقالا) أي: أبوداود والدارمي. (المرأة) أي: السائلة الراوية للحديث. (أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف) وكذا قال ابن ماجه، وهي تابعية صغيرة مقبولة اسمها حميدة على ما في التقريب. واختيار مالك حديثها وإخراجه في موطئه يدل أيضًا على أنها غير مجهولة، لأنه أعرف الناس بأهل المدينة وأشدهم احتياطًا في الرواية عنهم، والقول قول من عرف.
[ ٢ / ٢٠٣ ]
٥٠٧- (١٥) وعن المقدام بن معديكرب، قال: «نهى رسول الله - ﷺ - عن لبس جلود السباع والركوب عليها» . رواه أبوداود، والنسائي.
٥٠٨- (١٦) وعن أبي المليح بن أسامة، عن أبيه، عن النبي - ﷺ - «نهى عن جلود السباع» . رواه أحمد، وأبوداود، والنسائي، وزاد الترمذي، والدارمي: أن تفترش.
_________________
(١) قوله: (نهى عن لبس جلود السباع) بضم اللام، فإنه مصدر لبس يلبس كعلم يعلم، بخلاف فتح اللام فإنه مصدر لبس يلبس كضرب يضرب بمعنى خلط. (والركوب عليها) أي: عن القعود عليها. وفيه وفي حديث أبي المليح الآتي دليل على أنه لا يجوز الانتفاع بجلود السباع من اللبس والركوب، وقيل: قبل الدباغ لأنها نجسة، أو مطلقًا إن قيل بعدم طهارة الشعر بالدبغ بناء على أن الدباغ لا يؤثر في الشعر ولا يغيره عن حاله. وإن قيل بطهارته، فالنهي عنها لكونها من دأب الجبابرة وأهل الخيلاء والسرف وعمل المترفهين. وقد استدل بعضهم بحديث المقدام هذا وما في معناه على أن الدباغ لا يطهر جلود السباع، بناء على أنه مخصص للأحاديث القاضية بأن الدباغ مطهر على العموم. قال الشوكاني: وهذا الاستدلال غير ظاهر، لأن غاية ما فيه مجرد النهي عن الركوب عليها وافتراشها. ولا ملازمة بين ذلك وبين النجاسة، كما لا ملازمة بين النهي عن الذهب والحرير ونجاستهما فلا معارضة، بل يحكم بالطهارة بالدباغ مع منع الركوب عليها ونحوه، مع أنه يمكن أن يقال: أن النهي عن جلود السباع أعم من وجه من الأحاديث القاضية بأن الدباغ مطهر على العموم لشمولها لما كان مدبوغًا من جلود السباغ وما كان غير مدبوغ - انتهى. (رواه أبوداود) في اللباس في قصة طويلة وسكت عنه. وفيه بقية بن الوليد عن بحير بن سعد. وبقية صدوق كثير التدليس. وروى أحمد (ج١:ص١٣٢) طرفًا من تلك القصة من حديث بقية عن بحير، وقد صرح فيه بقية بالتحديث. (والنسائي) في الفرع مختصرًا من غير ذكر القصة.
(٢) قوله: (وعن أبي المليح) بفتح الميم وكسر اللام. (بن أسامة) بن عمير أو عامر بن حنيف بن ناجية الهذلي. قيل: اسم أبي المليح عامر، وقيل: زيد، وقيل: زياد، ثقة من أوساط التابعين. مات سنة (٩٨) وقيل: سنة (١٠٨) وقيل: بعد ذلك. روى عن جماعة من الصحابة. (عن أبيه) أي: أسامة بن عمير الهذلي البصري، صحابي، له سبعة أحاديث، روى عنه ابنه أبوالمليح فقط، تفرد عنه. (نهى) وفي بعض النسخ: أنه نهي. (عن جلود السباع) أي: عن الانتفاع بها من اللبس والقعود ونحوهما لما فيه من التكبر، أو لأن الشعر نجس لا يقبل الدباغ. (رواه أحمد وأبوداود) في اللباس وسكت عنه. (والنسائي) في الفرع. (وزاد الترمذي) في اللباس. (والدارمي) في الأضاحي، يعني رويا هذا الحديث وزادا فيه (أن تفترش) أي: تبسط ويجلس عليها. قال الترمذي: لا نعلم أحدًا قال: عن أبي المليح
[ ٢ / ٢٠٤ ]
٥٠٩- (١٧) وعن أبي المليح، أنه كره ثمن جلود السباع. رواه
٥١٠- (١٨) وعن عبد الله بن عكيم، قال: أتانا كتاب رسول الله - ﷺ -: «أن لا تنتفعوا من الميتة
بإهاب ولا عصب» .
_________________
(١) عن أبيه، غير سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، ثم أخرجه الترمذي من حديث شعبة، عن يزيد الرشك، عن أبي المليح، عن النبي - ﷺ - مرسلًا، وقال: وهذا أصح. ونقل المنذري كلام الترمذي هذا وأقره، ونظر بعضهم في كلام الترمذي بأن شعبة وإن كان أحفظ وأتقن من سعيد بن أبي عروبة، لكن ابن أبي عروبة لم يتفرد بروايته موصولًا بل تابعه عليه يحيى بن سعيد عن قتادة عند الدارمي، ويؤيده أيضًا أن البيهقي (ج١:ص٢١) أخرجه من طريق يزيد بن هارون عن شعبة عن يزيد الرشك موصولًا، وقال: رواه غيره عن شعبة عن يزيد عن أبي المليح مرسلًا دون ذكر أبيه - انتهى.
(٢) قوله: (وعن أبي المليح أنه) أي: أن رسول الله - ﷺ -. (كره ثمن جلود السباع) أي: بيعها وشراءها، قاله ابن الملك. قال المظهر: ذلك قبل الدباغ لنجاستها أما بعده فلا كراهة (رواه) أي: مرسلًا من غير ذكر عن أبيه، وههنا بياض، وألحق به "الترمذي" قال الطيبي: رواه في كتاب اللباس من جامعه، وسنده وجيه، وكذا قال السيد جمال الدين. وقال الجزري: هذا الأثر سنده جيد. رواه الترمذي في اللباس من جامعه ولفظه: أنه كره، الخ. والظاهر أنهم أرادوا الرواية المرسلة التي حكم الترمذي بكونها أصح من الموصولة، لكن لفظها عنده عن أبي المليح عن النبي - ﷺ -: أنه نهى عن جلود السباع، أي: بلفظ "نهى" مكان "كره" وبدون لفظ "ثمن" ولم نقف على من خرج هذه الرواية المرسلة باللفظ الذي ذكره المصنف نقلًا عن المصابيح مع عدم مناسبتها لكتاب الطهارة.
(٣) قوله: (وعن عبد الله بن عكيم) بضم العين وفتح الكاف مصغرًا، يكنى أبا معبد الجهني، مخضرم، ثقة، أدرك زمن النبي - ﷺ -، ولا تعرف له روية ولا رواية، وقد خرجه غير واحد في عداد الصحابة، والصحيح أنه تابعي من كبار التابعين، سمع كتاب النبي - ﷺ - إلى جهنية، مات في إمرة الحجاج. (أن لا تنتفعوا) أن هذه مفسرة أو مخففة. (ولا عصب) بفتحتين أطناب مفاصل الحيوان، وفي بعض كتب اللغة أطناب منتشرة في الجسم كله، وبها تكون الحركة والحس. ونهى عن الانتفاع به لأن عصب الميتة نجس لأن فيه حياة بدليل تألمه بالقطع. والحديث قد تمسك به من قال: أن الدباغ لا يطهر شيئًا من الجلود، فلا ينتفع من الميتة بشيء، سواء دبغ جلدها أو لم يدبغ. وزعم أنه ناسخ للأحاديث القاضية بطهارة جلد الميتة بالدباغ لما ورد في رواية الشافعي وأحمد، وأبي داود: قبل موته بشهر، وفي رواية، بشهر أو شهرين، فصار متأخرًا. والجمهور على خلافه، وأجابوا عن هذا الحديث بأجوبة، محصلها: الإرسال
[ ٢ / ٢٠٥ ]
رواه الترمذي، وأبوداود، والنسائي، وابن ماجه.
٥١١- (١٩) وعن عائشة، ﵂، «أن رسول الله - ﷺ - أمر أن يستمتع بجلود الميتة إذا دبغت» . رواه مالك وأبوداود.
_________________
(١) لعدم سماع عبد الله بن عكيم من النبي - ﷺ -، ثم الانقطاع لعدم سماع عبد الرحمن بن أبي ليلى من عبد الله بن عكيم. ثم الاضطراب في سنده، فإنه قال تارة: عن كتاب النبي - ﷺ -. وتارة: عن مشيخة من جهنية. وتارة: عمن قرأ الكتاب. ثم الاضطراب في متنه، فرواه الأكثر من غير تقييد، ومنهم من رواه بتقييد شهر، أو شهرين، أو أربعين يومًا أو ثلاثة أيام. ثم الترجيح بالمعارضة لأن حديث الدباغ أكثر وأصح، لأنه روى في تطهير الدباغ خمسة عشر حديثًا، منها ما اتفق الشيخان. ثم القول بأن الإهاب كما تقدم من القاموس، اسم لما لم يدبغ في أحد القولين. وقال النضر بن شميل: الإهاب لما لم يدبغ، وبعد الدبغ يقال له: شن، وقربة، وبه جزم الجوهري، فلما احتمل الأمرين وورد الحديثان في صورة المتعارضين جمعنا بينهما بأنه نهى عن الانتفاع بالإهاب مالم يدبغ، فإذا دبغ لم يسم إهابًا، فلا يدخل تحت النهي، وهو حسن. وقد بسط تلك الأجوبة الحافظ في التلخيص (ص١٧) والشوكاني في النيل (ج١:ص٦١) والأمير اليماني في السبل (ج١:ص٤٢، ٤١) فارجع إلى هذه الكتب. (رواه الترمذي) وقال: حديث حسن. قيل: في تحسينه نظر لما في سنده من الاضطراب والإرسال والانقطاع. قال صاحب الإمام: تضعيف من ضعفه ليس من قبل الرجال فإنهم كلهم ثقات، وإنما ينبغي أن يحمل الضعف على الاضطراب. وقد حكى الخلال أن أحمد توقف في حديث ابن عكيم لما رأى تزلزل الرواة فيه. وقال بعضهم: رجع عنه كما ذكره الترمذي. (وأبوداود) وقال: قال النضر بن شميل: يسمى إهابًا مالم يدبغ، فإذا دبغ لا يقال له إهاب، إنما يسمى شنًا وقربة. (والنسائي) وقال: أصح ما في هذا الباب في جلود الميتة إذا دبغت حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة. (وابن ماجه) وأخرجه أيضًا الشافعي، وأحمد، والبخاري في تاريخه، والدارقطني، والبيهقي، وابن حبان.
(٢) قوله: (أمر) أي: أذن ورخص. (أن يستمتع) على بناء المفعول. (بجلود الميتة) الحديث بإطلاقه يرد على من خص الاستمتاع بها بالأشياء اليابسة، وبالماء من بين سائر المائعات. (إذا دبغت) فيه رد صريح على من أباح الاستمتاع بجلود الميتة وإن لم تدبغ، متمسكا بالروايات المطلقة. (رواه مالك) في كتاب الصيد من مؤطاه. (وأبوداود) في اللباس وسكت عنه، وأخرجه أيضًا أحمد والنسائي وابن ماجه وابن حبان كلهم من طريق محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن أمه، عن عائشة. قال المنذري: أم محمد بن عبد الرحمن لم تنسب ولم تسم. قلت: أم محمد هذه قال الحافظ في التقريب: إنها مقبولة، وذكرها ابن حبان في الثقات، واختيار مالك حديثها وإخراجه في مؤطاه يدل على صحته عنده، لأنه أعرف الناس بأهل المدينة وأشدهم احتياطا في الرواية عنهم.
[ ٢ / ٢٠٦ ]
٥١٢- (٢٠) وعن ميمونة، قالت: «مر على النبي - ﷺ - رجال من قريش يجرون شاة لهم مثل الحمار، فقال لهم رسول الله - ﷺ -: لو أخذتم إهابها. قالوا: إنها ميتة. فقال رسول الله - ﷺ -: يطهرها الماء والقرظ» . رواه أحمد وأبوداود.
٥١٣- (٢١) وعن سلمة بن المحبق، قال: «إن رسول الله - ﷺ - جاء في غزوة تبوك على أهل بيت، فإذا قربة معلقة، فسأل الماء، فقالوا: يا رسول الله! إنها ميتة فقال: دباغها
_________________
(١) قوله: (يجرون) بضم الجيم يسحبون. (شاة) أي: ميتة. (مثل الحمار) أي: مثل جره، أوفي كونها ميتة منتفخة. (لو أخذتم إهابها) قيل كلمة لو للتمني بمعنى ليت، يعني ليتكم أخذتم. وقيل: كلمة شرط حذف جوابها، أي: لكان حسنًا، أو لحل لكم الانتفاع به بعد الدباغ. (يطهرها الماء والقرظ) بفتحتين، ورق السلم يعني يطهرها خلط القرظ بالماء ودباغة الجلد به. قال الخطابي: القرظ شجر يدبغ به الأهب، وهو لما فيه من العفوصة والقبض ينشف البلة، ويذهب الرخاوة ويخفف الجلد ويصلحه ويطيبه، فكل شيء عمل عمل القرظ كان حكمه في التطهير حكمه - انتهى. وقال النووي: يجوز الدباغ بكل شيء ينشف فضلات الجلد، ويطيبه ويمنع من ورود الفساد عليه كالشث، والقرظ، وقشور الرمان، وغير ذلك من الأدوية الطاهرة، ولا يحصل بالشمس إلا عند الحنفية. ولا بالتراب، والرماد والملح على الأصح - انتهى. والحديث دليل على وجوب استعمال الماء في أثناء الدباغ أو بعد الدباغ لإزالة الدرن ووضر الدبغ. وحمله بعضهم على الندب أو على الطهارة الكاملة لعدم اشتراط الماء في الدبغ عنده، وهو خلاف الظاهر. (رواه أحمد) (ج٦:ص٣٣٦) . (وأبوداود) وسكت عنه هو والمنذري، وأخرجه أيضًا النسائي والدارقطني وابن حبان، وصححه ابن السكن والحاكم.
(٢) قوله: (وعن سلمة) بفتح اللام. (بن المحبق) بضم الميم وفتح الحاء المهملة وكسر الموحدة المشددة وتفتح. قال في جامع الأصول: المحبق بتشديد الباء المكسورة، وأصحاب الحديث يفتحونها - انتهى. وقال في تهذيب التهذيب (ج٤:ص١٥٨): قال العسكري في التصحيف عن أحمد بن عبد العزيز الجوهري: قال ما سمعت ابن شبة وغيره إلا بكسر الباء، قال العسكري: فقلت: إن أصحاب الحديث كلهم يفتحون الباء، فقال: أيش المحبق في اللغة؟ قلت: المضرط. فقال: هل يستحسن أحد أن يسمى ابنه المضرط؟ وإنما سماه المضرط تفاؤلًا بأنه يضرط أعداءه كما سموا عمرو بن هند مضرط الحجارة - انتهى. وقيل: هو سلمة بن ربيعة بن المحبق، وأنه نسب إلى جده، جزم به ابن حبان. واسم المحبق صخر بن عبيد. وسلمة هذا يكنى أبا سنان الهذلي البصري، صحابي، له اثنا عشر حديثًا، روى عنه ابنه سنان وغيره. (في غزوة تبوك) موضع بين الشام ووادي القرى، والمشهور فيه عدم الصرف للعلمية والتأنيث باعتبار البقعة، ومن صرفها أراد الموضع. (قربة معلقة) أي: فيها ماء وهي مدبوغة. (إنها) أي: القربة. (ميتة) أي: جلد ميتة دبغ. (دباغها) بكسر
[ ٢ / ٢٠٧ ]
طهورها» . رواه أحمد وأبوداود.