٧٣- (١١) عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - جاءه رجل فقال: «إني أحدث نفسي بالشيء لأن أكون حممة أحب إلي من أن أتكلم به. قال: الحمد لله الذي رد أمره إلى الوسوسة،
_________________
(١) في الجواب: إن النبي - ﷺ - لم يخبر عنهم أنهم لا يفعلون ذلك، وإنما أخبر عن اليأس الذي استشعر بالشيطان عنهم أن يعودوا في طاعته لما رآى من كثرتهم وعزتهم واجتماعهم وقوتهم، لكنه وقع ذلك مع يأسه منه، فلا تضاد بين هذا الحديث وبين القضية التي ذكرت، يعني أن قصده - ﷺ - بسياق هذا الحديث هو الإخبار عن بلوغ أمر المسلمين ودولتهم حدًا أيس الشيطان أن يقع الارتداد بعده، وليس غرضه - ﵊ - الإخبار من عدم وقوع الارتداد البتة. قال صاحب اللمعات: وفيه بُعد أيضًا لأن الظاهر من يأسه هو عدم الوقوع، فهو كناية عنه. قال: ويمكن أن يقال: إن معني الحديث: أن الشيطان أيس من أن يستبدل دين الإسلام، وينهدم أساس الدين، ويظهر الإشراك ويستمر، ويسير الأمر كما كان من قبل، ولا ينافيه ارتداد من ارتد بل لو عبد الأصنام أيضًا لم يضر في المقصود. (ولكن في التحريش) خبر لمبتدأ محذوف، أي هو في التحريش، أو ظرف لمقدر أي يسعى في التحريش (بينهم) أي في إغراء بعضهم على بعض، والتحريض بالشر بين الناس من قبل وخصومة، فهو لإيذائهم بالمرصاد. قيل: ولعله - ﷺ - أخبر عما جرى فيما بعده من التحريش الذي وقع بين أصحابه، أي لكن الشيطان غير آيس من إغراء المؤمنين الساكنين فيها وحملهم على الفتن، بل له مطمع في ذلك، وكان كما أخبر فكان معجزة له - ﷺ -. (رواه مسلم) في صفة القيامة، وأخرجه أيضًا أحمد، والترمذي في أبواب البر والصلة.
(٢) قوله: (إني أحدث نفسي) أي أكلمها بالسر أي توسوسني (بالشيء) هو في قوة النكرة معنى وإن كان معرفة لفظًا؛ لأن "ال" فيه للجنس مثل قول الشاعر: ولقد أمر على اللئيم يسبني والجملة الاسمية بعده صفة له، وهي قوله: (لأن أكون حممة) بضم ففتح أي فحما (أحب إلي من أن أتكلم به) أي أحدث نفسي بشيء لكوني حممة أحب إلي من التكلم بذلك الشيء من غاية قبحه لتعلقه بالخوض في ذات الله تعالى، وما لا يليق به سبحانه من تجسيم وتشبيه وتعطيل ونحوها، واللام للقسم أو للابتداء (قال) - ﷺ - (الحمد لله) شكرًا لما أنعم الله عليه وعلى أمته (الذي رد أمره إلى الوسوسة) قال القاري: الضمير فيه يحتمل أن يكون للشيطان وإن لم يجر له ذكر لدلالة السياق عليه، ويحتمل أن يكون للرجل، والأمر يحتمل أن يكون واحد الأوامر وأن يكون بمعنى الشأن، يعني كان
[ ١٥١ ]
رواه أبو داود.
٧٤- (١٢) وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن للشيطان لمة بابن آدم، وللملك لمة، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله
_________________
(١) الشيطان يأمر الناس بالكفر قبل هذا، وأما الآن فلا سبيل له إليهم سوى الوسوسة، ولا بأس بها مع العلم بأنها قبيحة والتعوذ بالله منها، أو المعنى: الحمد لله الذي رد شأن هذا الرجل من الكفر إلى الوسوسة، وهي معفوة - انتهى. (رواه أبوداود) في الأدب، وأخرجه أيضًا أحمد والنسائي وابن أبي شيبه، وصححه ابن حبان.
(٢) قوله: (إن للشيطان) أي إبليس أو بعض جنده (لمة) أي قربًا أي وساوس، يوصلها إلى قلب العبد المكلف بحيث يقربه إلى المعاصي، واللمة بفتح اللام وشدة الميم من الإلمام ومعناه النزول والقرب والإصابة، والمراد بها ما يقع في القلب بواسطة الشيطان من خطرات الشر (بابن آدم) أي بهذا الجنس، فالمراد به الإنسان (وللملك لمة) المراد بها ما يقع في القلب من خطرات الخير، ولمة الشيطان تسمى وسوسة ولمة الملك إلهامًا (فأما لمة الشيطان) أي وسوسته (فإبعاد) أي منه (بالشر) كالكفر والفسق والظلم (وتكذيب بالحق) أي في حق الله أو حق الخلق، أو بالأمر الثابت كالتوحيد والنبوة والبعث والقيامة والجنة والنار. قال المناوي: كان القياس مقابلة الشر بالخير أو الحق بالباطل، لكنه أتى بما يدل على أن كل ما جر إلى الشر باطل أو إلى الخير حق، فأثبت كلا ضمنيًا (فإيعاد بالخير) كالصلاة والصوم (وتصديق بالحق) ككتب الله ورسله، والإيعاد في اللمتين من باب الإفعال، والوعيد في الاشتقاق كالوعد، إلا أن الإيعاد اختص بالشر عرفًا، يقال: أوعد إذا وعد بالشر، إلا أنه استعمله في الخير للازدواج والأمر من عن الاشتباه بذكر الخير بعده. قال القاري: إن هذا التفصيل عند الإطلاق كما قال الشاعر: وإني وإن أوعدته أو وعدته لملخف إيعادي ومنجز موعدي وأما عند التقييد فالأولى أن يقال بالتجريد فيهما أو بأصل اللغة، واختيار الزيادة لاختيار المبالغة - انتهى. وقال الشاه ولي الله الدهلوي: الحاصل أن صورة تأثير الملائكة في نشأة الخواطر الأنس والرغبة في الخير، وتأثير الشياطين فيها الوحشة وقلق النفس والرغبة في الشر (فمن وجد) أي في نفسه أو أدرك وعرف (ذلك) أي لمة الملك على تأويل الإلمام أو المذكور (فليعلم أنه من الله) أي منة جسيمة ونعمة عظيمة واصلة إليه ونازلة عليه، إذ أمر الملك بأن يلهمه، أو فليعلم أنه مما يحبه الله ويرضاه (فليحمد الله) أي على هذه النعمة الجليلة حيث أهله لهداية الملك ودلالته على ذلك الخير (ومن وجد الأخرى) أي لمة الشيطان، ولم يصرح به كراهة لتوالي ذكره على اللسان، أو استهجانًاَ لذكره (فليتعوذ بالله
[ ١٥٢ ]
من الشيطان الرجيم ثم قرأ: ﴿الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء﴾، رواه الترمذي. وقال هذا حديث غريب.
_________________
(١) من الشيطان الرجيم) وليخالفه، وفيه إيماء إلى أن الكل من الله، وإنما الشيطان عبد مسخر أعطي له التسليط على بعض أفراد الإنسان كما قال الله تعالى: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ [١٥: ٤٢]، وإنما لم يقل هنا فليعلم أنه من الله تأدبًا معه، إذ لا يضاف إليه إلا الخير (ثم قرأ) أي النبي - ﷺ - استشهادًا: ﴿الشيطان يعدكم الفقر﴾ أي يخوفكم به ﴿ويأمركم بالفحشاء﴾ أي البخل والحرص وسائر المعاصي، والمعنى الشيطان يعدكم الفقر ليمنعكم عن الإنفاق في وجوه الخيرات، ويخوفكم الحاجة لكم أو لأولادكم في ثاني الحال سيما في كبر السن وكثرة العيال، ويأمركم بالفحشاء أي المعاصي، وهذا الوعد والأمر هما المرادان في الحديث (رواه الترمذي) في تفسير البقرة، وأخرجه أيضًا النسائي في التفسير، وابن حبان في صحيحه، وابن أبي حاتم، كلهم من طريق هناد بن السري عن أبي الأحوص عن عطاء بن السائب عن مرة الهمداني عن ابن مسعود. قال العزيزي: قال الشيخ: حديث صحيح (وقال هذا حديث غريب) وفي النسخ الموجودة للترمذي عندنا هذا حديث حسن غريب، وكذلك نقله الحافظ ابن كثير في تفسيره، والمناوي في الفيض عن الترمذي، فلعل نسخ السنن مختلفة، ويعني الترمذي بقوله غريب أنه تفرد أبو الأحوص سلام بن سليم برفعه في روايته عن عطاء بن السائب عن مرة الهمداني عن ابن مسعود، لكن قال الحافظ ابن كثير بعد نقل قول الترمذي: "لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث أبي الأحوص": كذا قال الترمذي وقد رواه أبوبكر بن مردويه في تفسيره عن محمد بن أحمد عن محمد بن عبد الله بن مسعود مرفوعًا نحوه، لكن رواه مسعر عن عطاء بن السائب عن أبي الأحوص عوف بن مالك بن نضلة عن ابن مسعود فجعله من قوله - انتهى. قال الألباني: وسند الحديث عندي ضعيف؛ لأن فيه عطاء بن السائب وقد اختلط - انتهى. وتعريف الغرابة وتفصيل أنواعها بالنظر إلى السند والمتن مذكور في أصول الحديث. وقد استشكلوا اجتماع الغرابة والحسن بأن الترمذي اعتبر في الحسن تعدد الطرق كما صرح به في كتاب العلل، فكيف يكون غريبا؟ وأجيب بأن اعتبار تعدد الطرق في الحسن ليس على الإطلاق بل في قسم منه، وحيث حكم باجتماع الحسن والغرابة المراد قسم آخر. وقال بعضهم: أشار بذلك إلى اختلاف الطرق بأن جاء في بعض الطرق غريبًا وفي بعضها حسنًا. وقيل: حذف منه حرف أو فيشك الترمذي ويتردد في أنه غريب أو حسن لعدم معرفة جزمًا. وقيل: المراد بالحسن ههنا ليس معناه الاصطلاحي بل اللغوي بمعنى ما يميل إليه الطبع، وهذا القول بعيد جدًا، قاله الشيخ عبد الحق الدهلوي في مقدمة شرحه للمشكاة. وقال الحافظ في شرح النخبة: الجواب (أي عن هذا الإشكال) أن الترمذي لم يعرف الحسن مطلقًا، وإنما عرف بنوع خاص منه وقع في كتابه، وهو ما يقول فيه حسن من غير صفة أخرى، وذلك أنه يقول في بعض الأحاديث حسن وفي بعضها صحيح وفي بعضها غريب وفي بعضها حسن غريب وفي بعضها صحيح غريب وفي بعضها حسن صحيح غريب، وتعريفه إنما
[ ١٥٣ ]
٧٥- (١٣) وعن أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ - قال: «لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: هذا خلق الله الخلق فمن خلق الله؟ فإذا قالوا ذلك فقولوا: الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، ثم ليتفل عن يساره ثلاثًا، وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم»،
_________________
(١) وقع على الأول فقط، وعبارته ترشد إلى ذلك حيث قال في آخر كتابه: وما قلنا في كتابنا حديث حسن إنما أردنا به حسن إسناده عندنا، إذ كل حديث يروي لا يكون رواية متهمًا بكذب، ويروى من غير وجه نحو ذلك، ولا يكون شاذًا فهو عندنا حديث حسن. فعرف بهذا أنه إنما عرف الذي يقول فيه حسن فقط، أما ما يقول فيه حسن صحيح، أو حسن غريب، أو حسن صحيح غريب فلم يعرج على تعريف ما يقول فيه صحيح فقط أو غريب فقط، وكأنه ترك ذلك استغناء لشهرته عند أهل الفن، واقتصر على تعريف ما يقول في كتابه حسن فقط إما لغموضه، وإما لأنه اصطلاح جديد ولذلك قيده بقوله "عندنا"، ولم ينسبه إلى أهل الحديث كما فعل الخطابي - انتهى. وقال شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية في فتوى له: الذين طعنوا على الترمذي لم يفهموا مراده في كثير مما قاله فإن أهل الحديث قد يقولون هذا الحديث غريب أي من هذا الوجه، وقد يصرحون بذلك فيقولون غريب من هذا الوجه فيكون الحديث عندهم صحيحًا معروفًا من طريق واحد، فإذا روي من طريق آخر كان غريبًا من ذلك الوجه وإن كان المتن صحيحًا معروفًا، فالترمذي إذا قال: حسن غريب، قد يعني به أنه غريب من ذلك الطريق لكن المتن له شواهد صار بها من جملة الحسن - انتهى.
(٢) قوله: (لا يزال الناس يتساءلون) أي لا ينقطعون عن سؤال بعضهم بعضًا في أشياء (حتى يقال هذا خلق الله الخلق فمن خلق الله) تقدم الكلام فيه، وقيل: المراد بالتساؤل حكاية النفس وحديثها ووسوستها، وهذا هو الظاهر من التفل والاستعاذة، ويؤيد الأول قوله: (فإذا قالوا ذلك فقولوا الله أحد) يعني قولوا في رد هذه المقالة أو الوسوسة: الله تعالى ليس مخلوقًا بل هو أحد والأحد هو الذي لا ثاني له ولا مثل له في الذات والصفة. (الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد) تقدم شرحه. قال الطيبي: الصفات الثلاث منبهة على أن الله تعالى لا يجوز أن يكون مخلوقًا، أما أحد فمعناه الذي لا ثاني له ولا مثل، فإذا جعل مخلوقًا لم يكن أحدًا على الإطلاق؛ لأن خالقه أولى بالأحدية، والصمد هو السيد الذي يرجع الناس في أمورهم وحوائجهم إليه فيكون ذلك الخالق أولى منه، ولم يولد تصريح في النفي، ولم يلد ولم يكن له كفوًا أحد يناديان بأنه إذا لم يكن له كفو وهو المساوي والولد الذي هو دونه في الإلهية فأحرى بأن لا يكون فوقه أحد - انتهى. (ثم ليتفل) بسكون اللام الأولى وتكسر وبضم الفاء وتكسر أي لييصق أحدكم أو هذا الرجل يعني الموسوس (عن يساره) كرامة لليمين، وقيل: اللمة الشيطانية عن يسار القلب والرحمانية عن يمينه. (ثلاثًا) أي ليلق البزاق من الفم ثلاث مرات، وهو عبارة عن كراهة الشيء والنفور عنه مراغمة للشيطان وتبعيدًا له. (وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم) الاستعاذة طلب المعونة من الله تعالى في دفع الشيطان. وفي الحديث استجاب التعوذ من الشيطان
[ ١٥٤ ]
رواه أبو داود، وسنذكر حديث عمرو بن الأحوص في باب خطبة يوم النحر إن شاءالله تعالى.