١٣٠- (٦) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا قبر الميت أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما: المنكر،
_________________
(١) وجه هذا التلازم أن الكشف عن ذلك العذاب يؤدي جهلة العامة إلى ترك التدافن خوفًا عليهم منه، ويؤدي الخاصة إلى اختلاط عقولهم، وانخلاع قلوبهم من تصور ذلك الهول العظيم، فلا يقربون جيفة ميت، أي لفقدان العقول، وانخلاغ القلوب. وبهذا التفصيل الذي ذكرته يندفع ما قيل: كيف يليق بمؤمن أن يترك الدفن المأمور به حذرًا من عذاب القبر؟ بل يلزمه أن يعتقد أن الله إذا أراد تعذيب أحد عذبه ولو في بطن الحيتان وحواصل الطيور – انتهى. (أن يسمعكم) من الإسماع مفعول ثان على تضمين سألته. (من عذاب القبر) من تبعيضية أو زائدة (الذي أسمع منه) أي الذي أسمعه من القبر. وقيل: أي مثل الذي أسمعه، مفعول ثان ليسمع (من عذاب النار) قدم عذاب النار في الذكر مع أن عذاب القبر مقدم في الوجود؛ لكونه أشد وأبقى وأعظم وأقوى. (من الفتن) جمع فتنة وهي الامتحان، وتستعمل في المكر والبلاء وهو تعميم بعد تخصيص (ما ظهر منها وما بطن) بدل من الفتن، وهو عبارة عن شمولها؛ لأن الفتنة لا تخلو منهما، أي ما جهر وما أسر. وقيل: ما يجري على ظاهر الإنسان وما يكون في القلب من الشرك، والرياء والحسد، وغير ذلك من مذمومًات الخواطر التي تجر إلى عذاب القبر، أو إلى عذاب النار (من فتنة الدجال) خص فإنه أكبر الفتن حيث يجر إلى الكفر المفضي إلى العذاب المخلد. (رواه مسلم) في صفة النار، وأخرجه أيضًا أحمد.
(٢) قوله: (إذا قبر الميت) أي دفن وهو قيد غالبي، وإلا فالسؤال يشمل الأموات جميعها (أزرقان) أعينهما. زاد الطبراني: أعينهما مثل قدور النحاس، وأنيابهما مثل صياصي البقر، وأصواتهما مثل الرعد. ونحوه لعبد الرزاق من مرسل عمرو بن دينار، وزاد: يحفران بأنيابهما، ويطأان في أشعارهما، معهما مرزبة لو اجتمع أهل منى لم يقلوها. وإنما يبعثهما الله على هذه الصفة لما في هذه الأوصاف من الهول والوحشة، ويكون خوفهما على الكفار أشد فيتحيروا في الجواب، وأما المؤمنون فلهم في ذلك ابتلاء فيثبتهم الله. (المنكر) مفعول من أنكر بمعنى نكر إذا لم يعرف أحدًا.
[ ٢٢٥ ]
وللآخر النكير، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: هو عبد الله ورسوله، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله. فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعًا في سبعين، ثم ينور له فيه، ثم يقال له: نم. فيقول: أرجع إلى أهلي فأخبرهم. فيقولان: نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك. وإن كان منافقًا قال: سمعت الناس يقولون قولًا فقلت مثله، لا أدري. فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك، فيقال للأرض: التئمي عليه، فتلتئم عليه، فتختلف أضلاعه،
_________________
(١) (النكير) فعيل بمعنى مفعول من نكر بالكسر إذا لم يعرفه أحد، فكلاهما ضد المعروف، سميا بهما؛ لأن الميت لم يعرفهما، ولم ير صورة مثل صورتهما. قال بعض الفقهاء: إن اسم السائلين للمذنب منكر ونكير، واسم السائلين للمطيع مبشر وبشير. (فيقولان قد كنا نعلم أنك تقول هذا) أي الإقرار بالوحدانية والرسالة، وعلمهما بذلك إما بإخبار الله إياهما بذلك، أو بمشاهدتهما في جنبيه أثر السعادة، وشعار نور الإيمان والعبادة، كما يدل عليه رواية ابن حبان: فإذا كان مؤمنًا كانت الصلاة عند رأسه، والزكاة عن يمينه، والصوم عن شماله، وفعل المعروف من قبل رجليه، فيقال له: اجلس فيجلس – الحديث. (يفسح) مجهول مخفف، وقيل: مشدد أي يوسع. (ذراعًا) أي بذراع الدنيا المعروف عند المخاطبين. قال الطيبي: أصله يفسح قبره مقدار سبعين ذراعًا، فجعل القبر ظرفًا للسبعين وأسند الفعل إلى السبعين مبالغة. (في سبعين) أي في عرض سبعين ذراعًا، يعني طوله وعرضه كذلك. قيل: المراد به الكثرة، ولذا ورد في بعض الروايات "مد بصره" ويمكن أن يختلف باختلاف الأشخاص في الأعمال. (ثم ينور له فيه) أي في قبره، وفي رواية ابن حبان: وينور له كالقمر ليلة البدر. (فيقول) أي الميت (أرجع) أي أريد الرجوع كذا قيل. والأظهر أن الاستفهام مقدر، (فأخبرهم) أي بأن حالي طيب ليفرحوا بذلك. (كنومة العروس) بفتح العين، وهو يطلق على الذكر والأنثى في أول اجتماعهما، وقد يقال للذكر، العريس. (الذي لا يوقظه) صفة العروس (إلا أحب أهله إليه) وهو الزواج. قال المظهر: عبارة عن عزته وتعظيمه عند أهله يأتيه غداة ليلة زفافه من هو أحب وأعطف فيوقظه على الرفق واللطف. (حتى يبعثه الله) ليس هذا من مقول الملكين بل من كلامه - ﷺ -، و"حتى" متعلق بمحذوف أي ينام طيب العيش حتى يبعثه الله. وقيل: يحتمل أن يتعلق حتى بنم على سبيل الالتفات من الخطاب إلى الغيبة (يقولون قولًا) هو أن محمد رسول الله - ﷺ - (فقلت مثله) أي مثل قولهم (لا أدري) أي أنه نبي في الحقيقة أم لا. وهو استئناف، وقيل: في محل النصب على الحال. (فيقال للأرض) أي أرض القبر (التئمي) أي انضمي واجتمعي، يعني ضيقي عليه، وهو على حقيقة الخطاب الا أنه تخيل لتعذيبه وعصره. (فتختلف أضلاعه) بفتح الهمزة جمع ضلع وهو عظم الجنب، أي تزول عن الهيئة المستوية التي كانت عليها من شدة التئامها عليه، وشدة
[ ٢٢٦ ]
فلا يزال فيها معذبًا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك» . رواه الترمذي.
١٣١- (٧) وعن البراء بن عازب عن رسول الله - ﷺ - قال: «يأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام. فيقولان: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله - ﷺ -. فيقولان له: وما يدريك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت. فذلك قوله: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت﴾ الآية. قال: فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة، فيفتح. قال: فيأتيه من روحه وطيبها، ويفسح له فيها مد بصره. وأما الكافر فذكر موته قال: ويعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. فيقولان له: ما دينك؟
_________________
(١) الضغطة، وانعصار أعضائه، وتجاوز جنبيه من كل جنب إلى جنب آخر (فلا يزال فيها) أي في الأرض، أو في تلك الحالة (رواه الترمذي) وقال: حسن غريب، وأخرجه ابن حبان في صحيحه، والطبراني في الأوسط باختلاف في اللفظ.
(٢) قوله: (يأتيه) أي المؤمن (ما هذا الرجل) أي ما وصف هذا الرجل أرسول هو أو ما اعتقادك فيه؟ أو "ما" بمعنى "من" (وما يدريك) أي أي شيء أعلمك وأخبرك بما تقول من الربوبية والإسلام والرسالة؟ (كتاب الله) أي القرآن (فآمنت به) أي بالقرآن أو بالنبي أنه حق (وصدقت) أي وصدقته بما قال، أو صدقت بما في القرآن فوجدت فيه آيات دالة على أن ربي ورب المخلوقات واحد وهو الله، وأن لا دين مرضيًا عند الله غير الإسلام وأن محمدًا رسول الله (فذلك) أي جريان لسانه بالجواب المذكور هو التثبيت الذي تضمنه قوله تعالى: ﴿يثبت الله﴾ [٢٧:١٤] إلخ (أن صدق) "أن" مفسرة للنداء؛ لأنه في معنى القول (فأفرشوه) بهمزة القطع أي أبسطوا له فراشًا (وألبسوه) بهمزة القطع أي أعطوه لباسًا (من الجنة) أي من حللها (وافتحوا له بابًا) أي حقيقة (فيفتح) قال الشيخ الألباني: لم أجد هذه اللفظة في المسند، وأبي داود، وإن كان السياق يدل عليها (من روحها) أي بعض روحهاو "الروح" بالفتح الراحة ونسيم الريح والمراد شيء منها، ولم يؤت بهذا التعبير إلا ليفيد أنه مما لا يقادر قدره، ولا يوصف كنهه. وقيل: "من" زائدة على مذهب الأخفش. (ويفسح له فيها) أي في تربته وهي قبره (مد بصره) المعنى أنه يرفع عنه الحجاب فيرى ما يمكنه أن يراه. قيل نصب "مد" على الظرف أي مداه وهي الغاية التي ينتهي إليها البصر. قال القاري: والأصوب أن نصبه على المصدر، أي فسحًا قدر مد بصره (فذكر موته) أي حال موت الكافر وشدته (هاه هاه) بسكون الهاء فيهما بعد الألف، كلمة يقولها المتحير الذي لايقدر من حيرته للخوف أو لعدم الفصاحة أن يستعمل لسانه في فيه (لا أدرى) هذا كأنه بيان وتفسير
[ ٢٢٧ ]
فيقول: هاه هاه لا أدري. فيقولان: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. فينادي مناد من السماء أن كذب فأفرشوه من النار، وألبسوه من النار، وافتحوا له بابًا إلى النار، قال: فيأتيه من حرها وسمومها. قال: ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ثم يقيض له أعمى أصم معه مرزبة من حديد لو ضرب بها جبل لصار ترابًا، فيضربه بها ضربة يسمعها ما بين المشرق والمغرب إلا الثقلين، فيصير ترابًا ثم يعاد فيه الروح» . رواه أحمد وأبوداود.
١٣٢- (٨) وعن عثمان أنه كان إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته، فقيل له: تذكر الجنة والنار فلا تبكي،
_________________
(١) لقوله: هاه هاه، فالمعنى لا أدري شيئًا ما، أولا أدري ما أجيب به (ما هذا الرجل) يعني ما تقول في حقه أنبي أم لا؟ (أن كذب) أي هذا الكافر في قوله: لا أدري؛ لأن دين الله تعالى ونبوة محمد - ﷺ - كان ظاهرًا في مشارق الأرض ومغاربها، بل جحد نبوته بالقول أو بالاعتقاد بناءً على أن كفره جهل أو عناد، قاله القاري (من حرها) أي من حر النار وهو تأثيرها (وسمومها) فتح السين، وهي الريح الحارة (ثم يقيض) أي يسلط ويوكل (أعمى) أي زبانية لا عين له كيلا يرحم عليه، وهو يحتمل أن يكون لا عين له لأجله، أو كناية عن عدم نظره إليه (أصم) أي لا يسمع صوت بكائه واستغاثته فيرق له (مرزبة) بكسر الميم، قال القاري: المسموع في الحديث تشديد الباء، وأهل اللغة يخففونها، وهي المطرقة الكبيرة التي تكون للحداد. وقال في القاموس: الإرزبة والمرزبة مشددتان، أو الأولى فقط، عصية من حديد (فيضربه بها) أي بالمرزبة (يسمعها) أي صوتها وحسها (ثم يعاد فيه الروح) قال ابن حجر: معلوم استمرار العذاب عليه في قبره فيحتمل أنها إذا أعيدت تضرب أخرى فيصير ترابًا، ثم يعاد فيه الروح، وهكذا، ويحتمل أن تلك الإعادة لا تتكرر، وأن عذابه يكون بغير ذلك، وهو ظاهر الحديث، وقال ابن الملك: يعني لا ينقطع عنه العذاب بموته، بل تعاد فيه الروح بعد موته ليزداد عذابًا. والحديث نص في أن الكافر غير المنافق أيضًا يسئل في القبر، خلافا لابن عبد البر، والسيوطي، ومن وافقهما. (رواه أحمد وأبوداود) في السنة، وأخرجه أيضًا النسائي، وابن ماجة مختصرًا. والبيهقي، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد. والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين. قال المنذري في الترغيب بعد ذكر الحديث من رواية الإمام أحمد: هذا حديث حسن، رواته محتج بهم في الصحيح، وهو مشهور بالمنهال بن عمرو عن زاذان عن البراء، كذا قال أبوموسى الأصبهاني. والمنهال وثقة ابن معين والعجلى، روى له البخاري حديثًا واحدًا، ولزاذان في كتاب مسلم حديثان.
(٢) قوله: (على قبر) أي على رأس قبر، أو عنده (حتى يبل) بضم الباء الموحدة، أي بكاءه يعني دموعه (لحيته) بالنصب على المفعولية، أي يجعلها مبلولة من الدموع (فلا تبكي) أي من خوف النار، واشتياق الجنة
[ ٢٢٨ ]
وتبكي من هذا؟ فقال: إن رسول الله - ﷺ - قال: «إن القبر أول منزل من منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه. قال: وقال رسول الله - ﷺ -: ما رأيت منظرًا قط إلا والقبر أفظع منه» . رواه الترمذي، وابن ماجه. وقال الترمذي: هذا حديث غريب.
١٣٣- (٩) وعنه قال: «كان النبي - ﷺ - إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه، فقال: استغفروا لأخيكم ثم سلوا له بالتثبيت،
_________________
(١) (وتبكي من هذا) أي من القبر، أي من أجل خوفه، قيل: إنما كان يبكي عثمان وإن كان من جملة المشهود لهم بالجنة؛ لأنه لا يلزم من التبشير بالجنة عدم عذاب القبر، بل ولا عدم عذاب النار مطلقًا مع احتمال أن يكون التبشير مقيدًا بقيد معلوم أو مبهم، ويمكن أن ينسى البشارة حينئذٍ لشدة الفظاعة، ويمكن أن يكون خوفًا من ضغطة القبر كما يدل عليه حديث سعد الدال على أنه لم يخلص منه كل سعيد إلا الأنبياء، ذكره القاري. (إن القبر أول منزل) أي فهو أقرب شيء إلى الإنسان، وأيضًا شدته أمارة للشدائد كلها. (من منازل الآخرة) ومنها عرصة القيامة عند العرض، ومنها الوقوف عند الميزان، ومنها المرور على الصراط، ومنها الجنة أو النار. (فإن نجا منه) أي من عذاب القبر (فما بعده) أي من المنازل (أيسر منه) أي أسهل وأهون؛ لأنه يفسح للناجي من عذاب القبر في قبره مد بصره، وينور له، ويفرش له من بسط الجنة، ويلبس من حللها، ويفتح له باب إلى الجنة فيأتيه من روحها وطيبها، وكل هذه الأمور مقدمة لتيسير بقية منازل الآخرة. (وإن لم ينج منه) أي لم يخلص من عذاب القبر، ولم يكفر ذنوبه، وبقي عليه شيء مما يستحق العذاب به (فما بعده أشد منه)؛ لأن النار أشد العذاب، فما يحصل للميت في القبر عنوان ما سيصير إليه. (قال) أي عثمان (وقال رسول الله - ﷺ -: ما رأيت) أي في الدنيا (منظرًا) أي موضعًا ينظر إليه (إلا والقبر أفظع منه) من فظع بالضم ككرم، أي أشد وأشنع وأنكر من ذلك المنظر. قيل: المستثنى جملة حالية من منظر، وهو موصوف حذفت صفته، أي ما رأيت منظرًا فظيعًا على حالة من أحوال الفظاعة قط إلا في حالة كون القبر أقبح منه، فالاستثناء مفرغ. قال السندهي: وحيث خص بمنظر الدنيا اندفع ما يتوهم أن هذا ينافي قوله: فما بعده أشد منه. على أنه يمكن الجواب إذا عمم بأنه أفظع من جهة الوحشة والوحدة، وغيره أشد عذابًا منه، فلا إشكال (رواه الترمذي) في أوائل الزهد (وابن ماجه) في الزهد (وقال الترمذي: هذا حديث غريب) وفي نسخ الترمذي الموجودة عندنا "حديث حسن غريب"، قال المنذري في الترغيب: زاد رزين فيه مما لم أره شيء من نسخ الترمذي. قال الهانئي (مولى عثمان راوي الحديث عنه): وسمعت عثمان ينشد على قبر: فإن نتج منها نج من ذي عظيمة وإلا فإني لا إخالك ناجيًا والحديث أخرجه الحاكم أيضًا وقال: صحيح الإسناد.
(٢) قوله: (وقف عليه) أي وقف هو وأصحابه عند قبره (استغفروا لأخيكم) أي في الإسلام (ثم سلوا له بالتثبيت)
[ ٢٢٩ ]
فإنه الآن يسئل» . رواه أبوداود.
١٣٤- (١٠) وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ليسلط على الكافر في قبره تسعة وتسعون تنينًا، تنهسه وتلدغه حتى تقوم الساعة، لو أن تنينًا منها نفخ في الأرض ما أنبتت خضرًا» . رواه الدارمي، وروى الترمذي نحوه، وقال: سبعون بدل تسعة وتسعون.
_________________
(١) أي اطلبوا له منه أن يثبت لسانه وجنانه لجواب الملكين. وعدى بالباء؛ لأنه ضمن السؤال معنى الدعاء، أي ادعوا له بدعاء التثبيت، يعني قولوا: ثبته الله بالقول الثابت، أو اللهم ثبته بالقول الثابت. وهو كلمة الشهادة عند منكر ونكير (فإنه الآن يسئل) أي يسأله الملكان منكر ونكير، فهو أحوج إلى الدعاء. وفي الحديث دليل على مشروعية الاستغفار للميت عند الفراغ من دفنه، وسؤال التثبيت له، وأن دعاء الأحياء ينفع الأموات، وليس فيه دلالة على التلقين عند الدفن كما هو المعتاد في الشافعية، وليس فيه حديث مرفوع صحيح، وأما ما روي في ذلك من حديث أبي أمامة فهو ضعيف لا يقوم به حجة، عزاه الهيثمي للطبراني، وقال: فيه جماعة لم أعرفهم. وأما قوله - ﷺ -: «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله»، فالمراد عند الموت لا عند دفن المبت. (رواه أبوداود) في الجنائز وسكت عليه هو والمنذري، وقال العزيزي: إسناده حسن. وأخرجه أيضًا الحاكم، وقال: صحيح. وأقره الدهبي.
(٢) قوله: (تسعة وتسعون) الوقوف على فائدة تخصيص العدد إنما يحصل بالوحي، ويتلقى من قبل الرسول - ﷺ -، ولا مجال فيه للعقل (تنينًا) بكسر التاء والنون المشددة، وهي حية عظيمة كثيرة السم، وهذا محمول على الحقيقة، واستحالة ذلك بطريق العقول سبيل من لا خلاق له في الدين، عصمنا الله من عثرة العقل، وفتنة الصدر. (تنهسه) بفتح السين المهملة (وتلدغه) بفتح الدال كلاهما من باب فتح. قيل: النهس واللدغ بمعنى واحد جمع بينهما تأكيدًا (لو أن تنينًا منها نفخ في الأرض) أي لو وصل ريح فمه وحرارته إلى الأرض (ما أنبتت) الأرض (خضرًا) بفتح الخاء وكسر الضاد، أي نباتًا أخضر (رواه الدارمي) أي بهذا اللفظ في الرقاق من طريق دراج أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري، وأخرجه أيضًا أحمد، وأبويعلى، والطبراني في الكبير، وعبد بن حميد، وابن حبان في صحيحه، وسعيد بن منصور في سننه. (وروى الترمذي نحوه) أي بالمعنى من حديث طويل في صفة القيامة من أبواب الزهد، وقال: غريب. قال المنذري: رواه الترمذي والبيهقي كلاهما من طريق عبيد الله بن الوليد الوصافي وهو واهٍ. (وقال سبعون) تنينًا (بدل) بالنصب ظرف (تسعة وتسعون) بالرفع على الحكاية. قيل في وجه الجمع بين العددين: أن الأول للمتبوعين من الكفار، والثاني للتابعين، أو أن سبعين عند العرب للعدد الكثير جدًا، أي للمبالغة لا للتحديد فحينئذٍ لا تنافي الأولى؛ لأنها مجملة وتلك مبينة لها. وقيل: يحتمل أن يكون باختلاف أحوالهم. قلت: رواية الترمذي ضعيفة جدًا كما عرفت، فلا حاجة إلى تكلف الجمع.
[ ٢٣٠ ]