الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
١٨٥٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا لَسَرَّنِي أَنْ لَا يَمُرَّ عَلَيَّ ثَلَاثُ لَيَالٍ وَعِنْدِي مِنْهُ شَيْءٌ إِلَّا شَيْءٌ أَرْصُدُهُ لِدَيْنٍ» "، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) بَابُ الْإِنْفَاقِ وَكَرَاهِيَةِ الْإِمْسَاكِ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
(٢) (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ أُحُدٍ) بِضَمَّتَيْنِ جَبَلٌ مَعْرُوفٌ بِالْمَدِينَةِ (ذَهَبًا) تَمْيِيزٌ (لَسَرَّنِي) أَيْ: أَعْجَبَنِي وَجَعَلَنِي فِي سُرُورٍ («أَنْ لَا يَمُرَّ عَلَيَّ ثَلَاثُ لَيَالٍ وَعِنْدِي مِنْهُ شَيْءٌ») قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْوَاوُ فِيهِ لِلْحَالِ، يَعْنِي لَسَرَّنِي عَدَمُ مُرُورِ ثَلَاثِ لَيَالٍ وَالْحَالُ أَنْ يَكُونَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْهُ عِنْدِي، وَالنَّفْيُ فِي الْحَقِيقَةِ رَاجِعٌ إِلَى الْحَالِ (إِلَّا شَيْءٌ) قَالَ الطِّيبِيُّ: وَجْهُ الرَّفْعِ أَنَّ قَوْلَهُ شَيْءٌ فِي حَيِّزِ النَّفْيِ، أَيْ: لَسَرَّنِي أَنْ لَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ إِلَّا شَيْءٌ (أُرْصِدُهُ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيْ: أَحْفَظُهُ وَأُعِدُّهُ (لِدَيْنٍ) أَيْ: لِأَدَاءِ دَيْنٍ كَانَ عَلَيَّ، لِأَنَّ أَدَاءَ الدَّيْنِ مُقَدَّمٌ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَكَثِيرٌ مِنْ جَهَلَةِ الْعَوَامِّ وَظَلَمَةِ الطَّغَامِ يَعْمَلُونَ الْخَيْرَاتِ وَالْمَبَرَّاتِ وَالْعِمَارَاتِ وَعَلَيْهِمْ حُقُوقُ الْخَلْقِ وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيْهَا، وَكَثِيرٌ مِنَ الْمُتَصَوِّفَةِ غَيْرِ الْعَارِفَةِ يَجْتَهِدُونَ فِي الرِّيَاضَاتِ وَتَكْثِيرِ الطَّاعَاتِ وَالْعِبَادَاتِ وَمَا يَقُومُونَ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنَ الدِّيَانَاتِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
[ ٤ / ١٣١٨ ]
١٨٦٠ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا» "، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ) أَيْ: أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: مَا مِنْ يَوْمٍ) مَا نَافِيَةٌ وَمِنْ زَائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ الِاسْتِغْرَاقِ، وَالْمَعْنَى لَيْسَ يَوْمٌ («يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ») صِفَةُ يَوْمٍ (إِلَّا مَلِكَانِ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (يَنْزِلَانِ) أَيْ: فِيهِ، وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ مَعَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا فِي مَحَلِّ الْخَبَرِ وَهُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ مَحْذُوفٍ، أَيْ: عَلَى وَجْهٍ إِلَّا هَذَا الْوَجْهُ؛ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ (فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا) أَيْ: لِمَنْ أَنْفَقَ مَالَهُ فِي الْخَيْرَاتِ («اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا») أَيْ: مِنْ مَحَلِّهِ فِي مَحَلِّهِ، وَأُطْلِقَ مُبَالَغَةً فِي مَدْحِ الْإِنْفَاقِ (خَلَفًا) أَيْ: عِوَضًا عَظِيمًا وَهُوَ الْعِوَضُ الصَّالِحُ أَوْ عِوَضًا فِي الدُّنْيَا وَبَدَلًا فِي الْعُقْبَى لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩] (وَيَقُولُ الْآخَرُ) لِلْآخَرِ الَّذِي لَمْ يُنْفِقْ فِي مَرْضَاةِ الْمَوْلَى («اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا») أَيْ: عَنْ خَيْرِهِ لِغَيْرِهِ (تَلَفًا) أَيْ: لِمَالِهِ حِسًّا أَوْ مَعْنًى، وَفِي إِيرَادِهِ بِلَفْظِ الْإِعْطَاءِ مُشَاكَلَةٌ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٤ / ١٣١٩ ]
١٨٦١ - وَعَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «أَنَفِقِي وَلَا تُحْصِي فَيُحْصِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ، وَلَا تُوعِي فَيُوعِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ، ارْضَخِي مَا اسْتَطَعْتِ» "، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَسْمَاءَ) بِنْتِ الصِّدِّيقِ الْأَكْبَرِ (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: أَنَفِقِي) أَيْ: فِي مَرْضَاةِ اللَّهِ - تَعَالَى - («وَلَا تُحْصِي») أَيْ لَا تُبْقِي شَيْئًا لِلِادِّخَارِ، فَإِنَّ مَنْ أَبْقَى شَيْئًا أَحْصَاهُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَلَا تَعُدِّي مَا أَنْفَقْتِهِ فَتَسْتَكْثِرِيهِ فَيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِانْقِطَاعِ إِنْفَاقِكِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ («فَيُحْصِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ») بِالنَّصْبِ جَوَابًا لِلنَّفْيِ أَيْ: فَيُقِلَّ الرِّزْقَ عَلَيْكِ بِقَطْعِ الْبَرَكَةِ وَيَجْعَلَهُ كَالشَّيْءِ الْمَعْدُودِ، أَوْ فَيُحَاسِبَكِ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَأَصْلُ الْإِحْصَاءِ الْإِحَاطَةُ بِالشَّيْءِ حَصْرًا وَعَدَدًا، وَالْمُرَادُ هُنَا عَدُّ الشَّيْءِ لِلْقِنْيَةِ وَالِادِّخَارِ لِلِاعْتِدَادِ وَتَرْكِ الْإِنْفَاقِ مِنْهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ اهـ. فَقَوْلُهُ فِي " «فَيُحْصِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ» " مِنْ بَابِ الْمُشَاكَلَةِ أَوْ عَلَى طَرِيقِ التَّجْرِيدِ («وَلَا تُوعِي فَيُوعِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ») الْإِيعَاءُ حِفْظُ الشَّيْءِ فِي الْوِعَاءِ أَيْ: لَا تَمْنَعِي فَضْلَ الْمَالِ عَنِ الْفَقِيرِ فَيَمْنَعَ اللَّهُ عَنْكِ فَضْلَهُ وَيَسُدَّ عَلَيْكِ بَابَ الْمَزِيدِ (ارْضَخِي) بِفَتْحِ الضَّادِ الرَّضْخُ: الْعَطِيَّةُ الْقَلِيلَةُ أَيْ: أَعْطِي (مَا اسْتَطَعْتِ) أَيْ: مَا قَدَرْتِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا وَأَنْفِقِي شَيْئًا وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا وَلَا تَجْعَلِيهِ حَقِيرًا، فَإِنَّهُ رُبَّمَا يَكُونُ عِنْدَ اللَّهِ كَثِيرًا وَفِي مِيزَانِ الْقَبُولِ كَبِيرًا، قَالَ - تَعَالَى ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]، قَالَ - ﷿ - ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] وَقَالَ - جَلَّ عَظَمَتُهُ - ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَإِنَّمَا أَمَرَهَا - ﷺ - بِالرَّضْخِ لِمَا عَرَفَ مِنْ حَالِهَا أَنَّهَا لَا تَقْدِرُ تَتَصَرَّفُ فِي مَالِهَا وَلَا فِي مَالِ زَوْجِهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِ إِلَّا فِي الشَّيْءِ الْيَسِيرِ الَّذِي جَرَتِ الْعَادَةُ فِيهِ بِالتَّسَامُحِ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ كَالْكِسْرَةِ وَالتَّمْرَةِ، وَبِالطَّعَامِ الَّذِي يَفْضُلُ فِي الْبَيْتِ وَلَا يَصْلُحُ لِلِادِّخَارِ لِتَسَارُعِ الْفَسَادِ إِلَيْهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٤ / ١٣١٩ ]
١٨٦٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - أَنْفِقْ يَا ابْنَ آدَمَ أُنْفِقْ عَلَيْكَ» "، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - أَنْفِقْ يَا ابْنَ آدَمَ») أَيْ: مِمَّا يَنْفَدُ («أُنْفِقْ عَلَيْكَ») مِمَّا لَا يَنْفَدُ، إِيمَاءً إِلَى قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦] وَالْمَعْنَى أَنْفِقِ الْأَمْوَالَ الْفَانِيَةَ فِي الدُّنْيَا لِتُدْرِكَ الْأَحْوَالَ الْعَالِيَةَ فِي الْعُقْبَى، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَعْطِ النَّاسَ مَا رَزَقْتُكَ حَتَّى أَنْ أَرْزُقَكَ أَيْ: فِي الدُّنْيَا وَالْعُقْبَى، إِشَارَةً إِلَى قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩] (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٤ / ١٣١٩ ]
١٨٦٣ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «يَا ابْنَ آدَمَ إِنْ تَبْذُلِ الْفَضْلَ خَيْرٌ لَكَ، وَإِنْ تُمْسِكْهُ شَرٌّ لَكَ، وَلَا تُلَامُ عَلَى كَفَافٍ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ» "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «يَا ابْنَ آدَمَ إِنْ تَبْذُلِ الْفَضْلَ») أَيْ: إِنْفَاقَ الزِّيَادَةِ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ وَالْكَفَافِ، فَإِنْ مَصْدَرِيَّةٌ مَعَ مَدْخُولِهَا مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (خَيْرٌ لَكَ) أَيْ فِي الدُّنْيَا وَالْأُخْرَى، وَفِي التَّعْبِيرِ بِالْفَضْلِ دُونَ مُطْلَقِ الْمَالِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُضَيِّعَ الْمَالَ، فَفِي الْخَبَرِ " «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ» "، وَقَدْ «جَاءَ رَجُلٌ بِمِثْلِ الْبَيْضَةِ مَنْ ذَهَبَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ خُذْهَا فَهِيَ لِلصَّدَقَةِ وَمَا أَمْلِكُ غَيْرَهَا، فَأَعْرَضَ عَنْهُ - ﵇ - إِلَى أَنْ أَعَادَ عَلَيْهِ الْقَوْلَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَخَذَهَا وَرَمَاهُ بِهَا رَمْيَةً لَوْ أَصَابَتْهُ لَأَوْجَعَتْهُ، ثُمَّ قَالَ: " يَأْتِي أَحَدُكُمْ بِمَا يَمْلِكُ فَيَقُولُ هَذِهِ صَدَقَةٌ ثُمَّ يَقْعُدُ يَتَكَفَّفُ وُجُوهَ النَّاسِ، خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى» " وَالْمُرَادُ إِمَّا غِنًى مَالِيٌّ فَضْلًا عَمَّا أَعْطَاهُ، وَإِمَّا غِنًى قَلْبِيٌّ مُتَّكِلٌ عَلَى فَضْلِ مَوْلَاهُ، وَلِهَذَا لَمَّا تَصَدَّقَ أَبُو بَكْرٍ بِجَمِيعِ مَالِهِ قَرَّرَهُ - ﷺ - لِمَا عَرَفَ مِنْ كَمَالِ حَالِهِ، وَأَرَادَ عُمَرُ ذَلِكَ فَأَمَرَهُ بِإِمْسَاكِ بَعْضِ مَالِهِ (وَإِنْ تُمْسِكْهُ) أَيْ: ذَلِكَ الْفَضْلَ وَتَمْنَعْهُ (شَرٌّ لَكَ) أَيْ: عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ النَّاسِ («وَلَا تُلَامُ عَلَى كَفَافٍ») بِالْفَتْحِ وَهُوَ مِنَ الرِّزْقِ الْقُوتُ وَهُوَ مَا كَفَّ عَنِ النَّاسِ وَأَغْنَى عَنْهُمْ، وَالْمَعْنَى: لَا تُذَمُّ عَلَى حِفْظِهِ وَإِمْسَاكِهِ أَوْ عَلَى تَحْصِيلِهِ وَكَسْبِهِ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّكَ إِنْ حَفِظْتَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ تَتَصَدَّقْ بِمَا فَضَلَ عَنْكَ فَأَنْتَ مَذْمُومٌ وَبَخِيلٌ وَمَلُومٌ (وَابْدَأْ) أَيِ: ابْتَدِئْ فِي إِعْطَاءِ الزَّائِدِ عَلَى قَدْرِ الْكَفَافِ (بِمَنْ تَعُولُ) أَيْ: بِمَنْ تُمَوِّنُهُ وَيَلْزَمُكَ نَفَقَتُهُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ مِنْهُ قَوْلَهُ " «وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ» " مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ.
[ ٤ / ١٣٢٠ ]
١٨٦٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُنَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ قَدِ اضْطُرَّتْ أَيْدِيهِمَا إِلَى ثُدُيِّهِمَا وَتَرَاقِيهِمَا، فَجَعَلَ الْمُتَصَدِّقُ كُلَّمَا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ انْبَسَطَتْ عَنْهُ، وَجَعَلَ الْبَخِيلُ كُلَّمَا هَمَّ بِصَدَقَةٍ قَلَصَتْ وَأَخَذَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ بِمَكَانِهَا» "، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ») أَيْ: صِفَتُهُمَا («كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُنَّتَانِ») بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ أَيْ: وِقَايَتَانِ (مِنْ حَدِيدٍ) وَيُرْوَى بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَكَذَا فِي شَرْحِ السُّنَّةِ رُوِيَ بِهَا، وَقِيلَ: الصَّحِيحُ هَاهُنَا النُّونُ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّ الدِّرْعَ لَا يُسَمَّى الْجُبَّةَ بِالْبَاءِ، كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَيَرُدُّهُ قَوْلُ بَعْضِ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّهُ بِالنُّونِ تَصْحِيفٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْجُنَّةُ بِالضَّمِّ مَا اسْتَتَرْتَ بِهِ مِنْ سِلَاحٍ، وَالْمُرَادُ هُنَا دِرْعَانِ شُبِّهَ بِهِمَا صِفَتَا الْبُخْلِ وَالتَّصَدُّقِ اللَّتَانِ جُبِلَ الْإِنْسَانُ عَلَيْهِمَا كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعَالَى - ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ [الحشر: ٩] وَرُوِيَ جُبَّتَانِ بِالْبَاءِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ؛ إِذْ لَمْ يُعْهَدْ جُبَّةُ حَدِيدٍ، وَلِمَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: " عَلَيْهِمَا دِرْعَانِ " وَلِقَوْلِهِ " كُلُّ حَلْقَةٍ بِمَكَانِهَا "، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُرَادَ بِالْجُنَّتَانِ الْوَاقِيَتَانِ اللَّتَانِ يَشْمَلَانِ الدِّرْعَيْنِ (قَدِ اضْطُرَّتْ أَيْدِيهُمَا) بِضَمِّ الطَّاءِ أَيْ: شُدَّتْ وَعُصِرَتْ وَضُمَّتْ وَأُلْصِقَتْ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ الطَّاءِ وَنَصْبِ أَيْدِيهِمَا عَلَى أَنَّ ضَمِيرَ الْفِعْلِ إِلَى جِنْسِ الْجُنَّةِ الْمَفْهُومِ مِنَ التَّثْنِيَةِ (إِلَى ثُدْيِهِمَا) بِضَمِّ الثَّاءِ وَسُكُونِ الدَّالِ جَمْعُ الثَّدِيِّ بِفَتْحِ الثَّاءِ وَيُكْسَرُ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ، وَالثَّدِيُّ خَاصٌّ بِالْمَرْأَةِ أَوْ عَامٌّ؛ كَذَا فِي الْقَامُوسِ، وَيَعْنِي بِهِمَا جَنْبَيِ الصَّدْرِ (وَتَرَاقِيهِمَا) بِفَتْحِ التَّاءِ جَمْعُ التَّرْقُوَةِ وَهُوَ أَسْفَلُ الْكَتِفِ وَفَوْقَ الصَّدْرِ (فَجَعَلَ الْمُتَصَدِّقُ) أَيْ: طَفِقَ وَشَرَعَ وَأَرَادَ («كُلَّمَا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ») أَيْ: هَمَّ يَتَصَدَّقُ (انْبَسَطَتْ) أَيْ: تَوَسَّعَتْ جُنَّتُهُ (عَنْهُ) أَيْ: عَنِ الْمُتَصَدِّقِ («وَجَعَلَ الْبَخِيلُ كُلَّمَا هَمَّ بِصَدَقَةٍ») أَيْ: قَصَدَ إِلَيْهَا وَعَزَمَ إِلَيْهَا (قَلَصَتْ) بِفَتْحِ اللَّامِ أَيِ: انْضَمَّتْ وَالْتَصَقَتْ جُنَّتُهُ عَلَيْهِ (وَأَخَذَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ) بِسُكُونِ اللَّامِ وَفَتْحِهَا (بِمَكَانِهَا) اشْتَدَّتْ وَالْتَصَقَتِ الْحِلَقُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ وَالْيَاءُ زَائِدَةٌ أَيْ: ضَاقَتْ غَايَةَ التَّضْيِيقِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْجَوَادَ إِذَا هَمَّ بِالصَّدَقَةِ اتَّسَعَ لِذَلِكَ صَدْرُهُ وَطَاوَعَتْهُ يَدَاهُ فَامْتَدَّتَا بِالْعَطَاءِ، وَالْبَخِيلَ يَضِيقُ صَدْرُهُ وَتَنْقَبِضُ يَدَاهُ عَنِ الْإِنْفَاقِ، فَجَعَلَ بِمَعْنَى طَفِقَ، وَكُلَّمَا تَصَدَّقَ يَدُلُّ عَلَى خَبَرِهِ أَيْ: طَفِقَ السَّخِيُّ يَتَّسِعُ صَدْرُهُ؛ كَذَا حَقَّقَهُ الطِّيبِيُّ، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ السَّخِيَّ إِذَا هَمَّ بِخَيْرٍ سَهُلَ عَلَيْهِ، وَالْبَخِيلُ عَكْسُهُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٤ / ١٣٢٠ ]
١٨٦٥ - وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «اتَّقُوا الظُّلْمَ؛ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الشُّحَّ؛ فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ» "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «اتَّقُوا الظُّلْمَ») أَيِ: الْمُشْتَمِلَ عَلَى الشُّحِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَخْلَاقِ الدَّنِيَّةِ وَالْأَفْعَالِ الرَّدِيَّةِ («فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»)، قَالَ الطِّيبِيُّ: مَحْمُولٌ عَلَى ظَاهِرِهِ، فَيَكُونُ الظُّلْمُ ظُلُمَاتٍ عَلَى صَاحِبِهِ لَا يَهْتَدِي بِسَبَبِهَا، كَمَا أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، أَوِ الْمُرَادُ بِهَا الشَّدَائِدُ كَمَا فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٦٣] أَيْ: شَدَائِدِهِمَا («وَاتَّقُوا الشُّحَّ») أَيِ: الْبُخْلَ الَّذِي هُوَ نَوْعٌ مِنَ الظُّلْمِ، وَقِيلَ: الشُّحُّ بُخْلُ الرَّجُلِ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ، وَالْبُخْلُ هُوَ الْمَنْعُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، وَقِيلَ: الْبُخْلُ يَكُونُ فِي الْمَالِ وَالشُّحُّ يَكُونُ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ مِنْ مَعْرُوفٍ أَوْ طَاعَةٍ فَهُوَ أَشَدُّ مَنْعًا مِنَ الْبُخْلِ، وَقِيلَ: الشُّحُّ بُخْلٌ مَعَ الْحِرْصِ، وَهُوَ أَنْسَبُ، وَأُفْرِدَ الشُّحُّ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ أَعْظَمُ أَنْوَاعِ الظُّلْمِ، فَإِنَّهُ مَنْشَأُ الْمَفَاسِدِ الْعَظِيمَةِ وَنَتِيجَةُ مَحَبَّةِ الدُّنْيَا الذَّمِيمَةِ، قَالَ - تَعَالَى - ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] («فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ») فَدَاؤُهُ قَدِيمٌ وَبَلَاؤُهُ عَظِيمٌ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هَلَاكُهُمْ كَوْنُهُمْ مُعَذَّبِينَ بِهِ وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي الدُّنْيَا وَأَنْ يَكُونَ فِي الْعُقْبَى («حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ») قِيلَ: إِنَّمَا كَانَ الشُّحُّ سَبَبًا لِذَلِكَ لِأَنَّ فِي بَذْلِ الْمَالِ وَمُوَاسَاةِ الْإِخْوَانِ التَّحَابَّ وَالتَّوَاصُلَ، وَفِي الْإِمْسَاكِ وَالشُّحِّ التَّهَاجُرَ وَالتَّقَاطُعَ، وَذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى التَّشَاجُرِ وَالتَّعَادِي مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ وَاسْتِبَاحَةِ الْمَحَارِمِ مِنَ الْفُرُوجِ وَالْأَعْرَاضِ وَفِي الْأَمْوَالِ وَغَيْرِهَا (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ٤ / ١٣٢١ ]
١٨٦٦ - وَعَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «فَإِنَّهُ يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يَمْشِي الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ فَلَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا، يَقُولُ الرَّجُلُ: لَوْ جِئْتَ بِالْأَمْسِ لَقَبِلْتُهَا، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَلَا حَاجَةَ لِي بِهَا» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: تَصَدَّقُوا) أَيِ: اغْتَنِمُوا التَّصَدُّقَ عِنْدَ وُجُودِ الْمَالِ وَعِنْدَ حُصُولِ مَنْ يَقْبَلُهُ، وَاقْبَلُوا مِنَّةَ الْفَقِيرِ فِي أَخْذِهِ مِنْكُمْ، فَالْمَعْنَى تَصَدَّقُوا قَبْلَ أَنْ لَا تَتَصَدَّقُوا، عَلَى سَنَنِ «حُجُّوا قَبْلَ أَنْ لَا تَحُجُّوا» (فَإِنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنَ (يَأْتِي عَلَيْكُمْ) أَيْ عَلَى بَعْضِكُمْ («زَمَانٌ يَمْشِي الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ») أَيْ: يَذْهَبُ بِهَا («فَلَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا») قِيلَ: هُوَ زَمَانُ الْمَهْدِيِّ وَنُزُولِ عِيسَى - ﵊ - وَقِيلَ: زَمَانُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ كَمَا وَرَدَ: " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ الْمَالُ وَيَفِيضَ حَتَّى يُخْرِجَ الرَّجُلُ زَكَاةَ مَالِهِ فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهَا» (يَقُولُ الرَّجُلُ) أَيِ: الْفَقِيرُ، وَالْمَعْنَى كُلُّ رَجُلٍ عُرِضَتْ عَلَيْهِ وَكَانَ مِنْ قَبْلُ مُسْتَحِقًّا لَهَا (لَوْ جِئْتَ بِهَا) أَيْ: بِالصَّدَقَةِ (بِالْأَمْسِ) أَيْ: قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ الزَّمَنِ الْمَاضِي حَالَ فَقْرِي (لَقَبِلْتُهَا فَأَمَّا الْيَوْمَ) أَيِ: الْآنَ (فَلَا حَاجَةَ لِي بِهَا) وَهُوَ إِمَّا مِنْ غِنَاهُ الصُّورِيِّ مِنْ إِصَابَةِ الْمَالِ أَوْ لِغِنَاهُ الْمَعْنَوِيِّ مِنْ حُصُولِ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَوُصُولِ الْكَمَالِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَعْنِي يَصِيرُ النَّاسُ كُلُّهُمْ أَغْنِيَاءَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ رَاغِبِينَ فِي الْآخِرَةِ وَتَارِكِينَ لِلدُّنْيَا يَقْنَعُونَ بِقُوتِ يَوْمٍ وَلَا يَدَّخِرُونَ الْمَالَ لِلْمَآلِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٤ / ١٣٢١ ]
١٨٦٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ قَالَ: " أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى
وَلَا تُمْهِلَ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ قُلْتَ لِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الصَّدَقَةِ) أَيْ أَنْوَاعِهَا (أَعْظَمُ أَجْرًا؟) أَيْ: أَجْزَلُ ثَوَابًا وَأَكْمَلُ مَآبًا (قَالَ: أَنْ تَصَدَّقَ) بِتَخْفِيفِ الصَّادِ عَلَى حَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ، وَقِيلَ بِتَشْدِيدِهَا عَلَى الْإِبْدَالِ وَالْإِدْغَامِ («وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ») وَالْمَعْنَى أَفْضَلُهَا صَدَقَتُكَ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ، أَيْ: وَهُوَ أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ فِي حَالِ صِحَّتِكَ وَاخْتِصَاصِ الْمَالِ بِكَ وَشُحِّ نَفْسِكَ، وَذَلِكَ أَشَدُّ مُرَاغَمَةً لِنَفْسِكَ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: قَوْلُهُ شَحِيحٌ تَأْكِيدٌ وَبَيَانٌ لِلصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ فِي حَالِ صِحَّتِهِ يَكُونُ شَحِيحًا (تَخْشَى الْفَقْرَ) خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أَوْ حَالٌ بَعْدَ حَالٍ أَوِ اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ، أَيْ: تَقُولُ فِي نَفْسِكَ لَا تُتْلِفْ مَالَكَ كَيْلَا تَصِيرَ فَقِيرًا فَتَحْتَاجَ إِلَى النَّاسِ (وَتَأْمُلُ الْغِنَى)
[ ٤ / ١٣٢١ ]
بِضَمِّ الْمِيمِ بِمَعْنَى تَطْمَعُ وَتَرْجُو أَيْ: وَتَقُولُ اتْرُكْ مَالَكَ فِي بَيْتِكَ لِتَكُونَ غَنِيًّا وَيَكُونَ لَكَ عِزٌّ عِنْدَ النَّاسِ بِسَبَبِ غِنَاكَ (وَلَا تُمْهِلَ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى أَنْ تَصَدَّقَ وَيَجُوزُ الْجَزْمُ عَلَى أَنَّ لَا لِلنَّهْيِ أَيْ: وَلَا تُؤَخِّرِ الصَّدَقَةَ أَوْ وَلَا تُمْهِلْ نَفْسَكَ («حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ») وَالْمُرَادُ أَنْ تَقْرُبَ الرُّوحُ بُلُوغَ الْحُلْقُومِ (قُلْتَ) لِوَرَثَتِكَ (وَلِفُلَانٍ) أَيْ: لِأَجْلِ فُلَانٍ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْمُوصَى لَهُ (كَذَا) إِشَارَةٌ إِلَى الْمُوصَى بِهِ (وَلِفُلَانٍ) أَيْ: لِغَيْرِهِ (كَذَا) أَيْ مِنَ الْمَالِ بِالْوَصِيَّةِ، وَالتَّكْرِيرُ يُفِيدُ التَّكْثِيرَ، وَالْجُمْلَةُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ أَوْصَيْتُ لِفُلَانٍ كَذَا فَيَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ بِكَذَا، وَالْمَعْنَى أَنَّكَ حِينَئِذٍ تَصْرِفُ الْمَالَ إِلَى الْخَيْرَاتِ (وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ) قِيلَ: جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ أَيْ: وَقَدْ صَارَ الْمَالُ الَّذِي تَتَصَرَّفُ فِيهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ ثُلُثَاهُ حَقًّا لِلْوَارِثِ وَأَنْتَ تَتَصَدَّقُ بِجَمِيعِهِ فَكَيْفَ يُقْبَلُ مِنْكَ؟ وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قِيلَ: إِشَارَةٌ إِلَى الْمَنْعِ عَنِ الْوَصِيَّةِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْوَارِثِ أَيْ: وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ الْوَارِثِ اهـ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: مَعْنَاهُ وَكَانَ، أَيْ: عِنْدَكُمْ لِفُلَانٍ كَذَا مِنَ الْمَالِ فَيَكُونُ الذَّمُّ عَلَى الْإِمْهَالِ إِلَى تِلْكَ الْحَالِ، فَإِنَّ فِعْلَ الْخَيْرِ فِي حَالِ الصِّحَّةِ عَمَلُ أَرْبَابِ الْكَمَالِ، وَرَدُّ الْحُقُوقِ لَا يَنْبَغِي فِيهِ الْإِهْمَالُ لِأَنَّ الْخَطَرَ كَثِيرٌ فِي الْمَالِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ صَدْرُ هَذَا الْحَدِيثِ، وَالْحَدِيثُ الثَّانِي فِي الْفَصْلِ الثَّانِي (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٤ / ١٣٢٢ ]
١٨٦٨ - «وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَهُوَ جَالِسٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: " هُمُ الْأَخْسَرُونَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ "، فَقُلْتُ: فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، مَنْ هُمْ؟ قَالَ: " هُمُ الْأَكْثَرُونَ أَمْوَالًا، إِلَّا مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، وَقَلِيلٌ مَا هُمْ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ) أَيْ: وَصَلْتُ إِلَيْهِ (- ﷺ - وَهُوَ جَالِسٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا رَآنِي) وَهُوَ مِمَّنِ اخْتَارَ الْفَقْرَ عَلَى الْغِنَى (قَالَ) تَقْوِيَةً لِقَلْبِهِ وَتَسْلِيَةً لِنَفْسِهِ وَتَجْلِيَةً لِرُوحِهِ وَتَحْلِيَةً لِسِرِّهِ (هُمُ الْأَخْسَرُونَ) أَيِ: الْأَكْثَرُونَ تِجَارَةً فِي الْمَالِ هُمُ الْأَكْثَرُونَ خَسَارَةً فِي الْمَآلِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هُمْ ضَمِيرٌ لِغَيْرِ مَذْكُورٍ، لَكِنْ يَأْتِي تَفْسِيرُهُ وَهُوَ قَوْلُهُ: هُمُ الْأَكْثَرُونَ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ بِقَوْلِهِ: هُمْ ضَمِيرٌ مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ خَبَرُهُ وَهُوَ الْأَخْسَرُونَ (وَرَبِّ الْكَعْبَةِ) قَسَمٌ يُنَاسِبُ الْمَقَامَ (فَقُلْتُ: فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي) بِفَتْحِ الْفَاءِ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ لِأَنَّهُ مَاضٍ، خَبَرٌ بِمَعْنَى الدُّعَاءِ، وَيُحْتَمَلُ كَسْرُ الْفَاءِ وَالْقَصْرُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ أَيْ: يَفْدِيكَ أَبِي وَأُمِّي وَهُمَا أَعَزُّ الْأَشْيَاءِ عِنْدِي (مَنْ هُمْ) فِيهِ لَطَافَةٌ لَا تَخْفَى، وَالْمَعْنَى مَنِ الْأَخْسَرُونَ الَّذِينَ أَجْمَلْتَهُمْ («قَالَ: هُمُ الْأَكْثَرُونَ أَمْوَالًا») لَعَلَّ جَمْعَ التَّمْيِيزِ لِإِرَادَةِ الْأَنْوَاعِ أَوْ لِمُقَابَلَةِ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ أَيِ: الْأَخْسَرُونَ مَالًا هُمُ الْأَكْثَرُونَ مَالًا، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَعْنِي مَنْ كَانَ مَالُهُ أَكْثَرَ خُسْرَانُهُ أَكْثَرُ («إِلَّا مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا») هَكَذَا فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ أَيْ: إِلَّا مَنْ أَشَارَ بِيَدَيْهِ إِلَى الْجَوَانِبِ فِي صَرْفِ مَالِهِ إِلَى الْخَيْرَاتِ، وَلَعَلَّ التَّثْلِيثَ إِشَارَةٌ إِلَى الْيَمِينِ وَالْيَسَارِ وَالْأَمَامِ لَكِنَّ قَوْلَهُ («مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ») يَأْبَى عَنْ ذَلِكَ ظَاهِرًا فَإِنَّهُ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ " هَكَذَا " فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالثَّلَاثِ الْجَمْعَ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَرَاتِبِ الْجَمْعِ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: إِلَّا مَنْ تَصَدَّقَ بِهِ مِنْ جَوَانِبِهِ الْأَرْبَعِ عَلَى الْمُحْتَاجِينَ أَيْ: فَلَيْسَ مِنَ الْخَاسِرِينَ بَلْ مِنَ الْفَائِزِينَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِالثَّلَاثِ الْقُدَّامُ وَالْخَلْفُ وَأَحَدُ الْجَانِبَيْنِ، وَعَلَى نُسْخَةِ التَّثْنِيَةِ فَالْمُرَادُ بِهَا التَّكْرِيرُ وَالتَّكْثِيرُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: يُقَالُ: قَالَ بِيَدِهِ أَيْ: أَشَارَ، وَقَالَ بِيَدِهِ أَيْ: أَخَذَ، وَقَالَ بِرِجْلِهِ أَيْ: ضَرَبَ، وَقَالَ بِالْمَاءِ عَلَى يَدَيْهِ أَيْ: صَبَّهُ، وَقَالَ بِثَوْبِهِ أَيْ: رَفَعَهُ، فَيُطْلِقُونَ الْقَوْلَ عَلَى جَمِيعِ الْأَفْعَالِ اتِّسَاعًا، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ بِمَعْنَى أَشَارَ بِيَدِهِ إِشَارَةً مِثْلَ هَذِهِ الْإِشَارَةِ وَ(مِنْ) بَيَانُ الْإِشَارَةِ، وَالْأَظْهَرُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْفِعْلِ لِمَجِيءِ " عَنْ " وَالتَّقْدِيرُ: مُبْتَدِأً مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وَمُجَاوِزًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ (وَقَلِيلٌ مَا هُمْ) هُمْ مُبْتَدَأٌ وَقَلِيلٌ خَبَرُهُ وَمَا زَائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلْقِلَّةِ أَيِ: الْمُسْتَثْنَوْنَ قَلِيلٌ أَوْ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ قَلِيلٌ، وَهُوَ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص: ٢٤] وَإِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] وَإِشَارَةٌ إِلَى أَفْضَلِيَّةِ الْفَقْرِ لِأَنَّهُ طَرِيقٌ أَسْلَمُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٤ / ١٣٢٢ ]
الْفَصْلُ الثَّانِي
١٨٦٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ - ﷺ -: " السَّخِيُّ قَرِيبٌ مِنَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْجَنَّةِ قَرِيبٌ مِنَ النَّاسِ بَعِيدٌ مِنَ النَّارِ، وَالْبَخِيلُ بَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ بَعِيدٌ مِنَ الْجَنَّةِ بَعِيدٌ مِنَ النَّاسِ قَرِيبٌ مِنَ النَّارِ، وَلَجَاهِلٌ سَخِيٌّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ عَابِدٍ بَخِيلٍ ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّانِي
(٢) (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: السَّخِيُّ) وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَ رِضَا الْمَوْلَى فِي بَذْلِهِ عَلَى الْغِنَى (قَرِيبٌ مِنَ اللَّهِ) أَيْ: رَحْمَتِهِ كَذَا قِيلَ، أَوْ قَرِيبٌ مِنْهُ فِي التَّخَلُّقِ بِصِفَةِ الْكَرَمِ (قَرِيبٌ مِنَ الْجَنَّةِ) يَصْرِفُ الْمَالَ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ وَيُوجِبُ لَهُ حُسْنَ الْمَآلِ (قَرِيبٌ مِنَ النَّاسِ) بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْفُقَرَاءِ وَفِي الْحَقِيقَةِ هُمُ النَّاسُ، أَوْ بِالسَّخَاوَةِ إِلَى الْخَاصِّ وَالْعَامِّ أَوْ لِأَنَّ السَّخِيَّ يُحِبُّهُ جَمِيعُ النَّاسِ وَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ لِبَعْضِهِمْ نَفْعٌ مِنْ سَخَاوَتِهِ كَمَحَبَّةِ الْعَادِلِ (بَعِيدٌ عَنِ النَّارِ) لِأَنَّ السَّخِيَّ لَمْ يَرْتَضِ بِأَخْذِ مَالِ الْحَرَامِ وَصَرْفِهِ فِي غَيْرِ الْمَقَاصِدِ الْعِظَامِ وَإِلَّا سَيَكُونُ مُسْرِفًا، وَلِذَا قِيلَ: لَا خَيْرَ فِي سَرَفٍ وَلَا سَرَفَ فِي خَيْرٍ (وَالْبَخِيلُ) وَهُوَ الَّذِي لَا يُؤَدِّي الْوَاجِبَ عَلَيْهِ (بَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ بَعِيدٌ مِنَ الْجَنَّةِ بَعِيدٌ مِنَ النَّاسِ قَرِيبٌ مِنَ النَّارِ) وَتَبِينُ الْأَشْيَاءُ بِأَضْدَادِهَا (وَلَجَاهِلٌ سَخِيٌّ) أَرَادَ بِهِ ضِدَّ الْعَابِدِ وَهُوَ مَنْ يُؤَدِّي الْفَرَائِضَ دُونَ النَّوَافِلِ لِأَنَّ تَرْكَ الدُّنْيَا رَأَسُ كُلِّ عِبَادَةٍ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ عَنْهُ بِالْجَاهِلِ لِأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ جَاهِلًا غَيْرَ عَالِمٍ بِمَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ وُجُوبَ عَيْنٍ («أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ عَابِدٍ») أَيْ: كَثِيرِ النَّوَافِلِ سَوَاءٌ يَكُونُ عَالِمًا أَمْ لَا (بَخِيلٍ)، لِأَنَّ حُبَّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ، وَأَيْضًا الْبَخِيلُ الشَّرْعِيُّ هُوَ مَنْ تَرَكَ الْوَاجِبَ الشَّرْعِيَّ الْمَالِيَّ، وَالسَّخِيُّ ضِدُّهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ قَامَ بِالْفَرَائِضِ وَتَرَكَ النَّوَافِلَ أَفْضَلُ مِمَّنْ قَامَ بِالنَّوَافِلِ وَتَرَكَ الْفَرَائِضَ، وَأَكْثَرُ النَّاسِ مُبْتَلَوْنَ بِهَذَا الْبَلَاءِ، وَلِذَا قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: إِنَّمَا حُرِمُوا الْوُصُولَ بِتَضْيِيعِ الْأُصُولِ، وَهَذَا الَّذِي قَرَّرْنَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الطِّيبِيِّ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ جَاهِلًا غَيْرَ عَابِدٍ أَحَبُّ مِنْ عَالِمٍ عَابِدٍ رِعَايَةً لِلْمُطَابَقَةِ، فَيَا لَهَا مِنْ حَسَنَةٍ غَطَّتْ خَصْلَتَيْنِ ذَمِيمَتَيْنِ، وَيَا لَهَا مِنْ سَيِّئَةٍ غَطَّتْ خَصْلَتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ كَرِيمَتَيْنِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وَقَالَ: غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَإِلَّا مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ مُحَمَّدٍ هُوَ الْوَارِقِيُّ الْكُوفِيُّ يُكَنَّى أَبَا الْحَسَنِ، ضَعَّفَهُ الْأَئِمَّةُ وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ مَتْرُوكٌ.
[ ٤ / ١٣٢٣ ]
١٨٧٠ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «لَأَنْ يَتَصَدَّقَ الْمَرْءُ فِي حَيَاتِهِ بِدِرْهَمٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمِائَةٍ عِنْدِ مَوْتِهِ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «لَأَنْ يَتَصَدَّقَ الْمَرْءُ») أَيْ: لَتَصَدُّقُهُ (فِي حَيَاتِهِ) أَيْ: صِحَّتِهِ (بِدِرْهَمٍ) أَيْ: مَثَلًا، وَقَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: أَرَادَ التَّقْلِيلَ («خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمِائَةٍ») أَيْ: مَثَلًا، وَقَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِمَالِهِ بَدَلَ مِائَةٍ، وَالْمُرَادُ التَّكْثِيرُ، وَالْمَعْنَى بِمَالِهِ كُلِّهِ، وَهُوَ أَبْلَغُ فِي مَقَامِ كَمَالِهِ سَوَاءٌ حُمِلَ الدِّرْهَمُ عَلَى حَقِيقَتِهِ أَوْ عَلَى التَّمْثِيلِ فِي قِلَّتِهِ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ أَنَّهُ جَاءَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِمَالِهِ فَإِنَّهُ تَحْرِيفٌ، فَلَيْسَ فِي مَحَلِّهِ (عِنْدَ مَوْتِهِ) أَيِ: احْتِضَارِ مَوْتِهِ فَكَأَنَّهُ مَيِّتٌ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَوِ الْمُرَادُ أَنَّ تَصَدُّقَهُ فِي حَالِ حَيَاتِهِ وَلَوْ قَلِيلًا خَيْرٌ مِنْ تَصَدُّقِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ وَقْتَ مَمَاتِهِ وَلَوْ كَثِيرًا (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
[ ٤ / ١٣٢٣ ]
١٨٧١ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «مَثَلُ الَّذِي يَتَصَدَّقُ عِنْدَ مَوْتِهِ أَوْ يُعْتِقُ كَالَّذِي يُهْدِي إِذَا شَبِعَ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: مَثَلُ الَّذِي يَتَصَدَّقُ عِنْدَ مَوْتِهِ) أَيِ: احْتِضَارِهِ (أَوْ يُعْتِقُ) أَيْ: عِنْدَ مَوْتِهِ وَفِي مَعْنَاهُ عِنْدَ مَوْتِ مَمْلُوكِهِ (كَالَّذِي يُهْدِي إِذَا شَبِعَ) كَسَمِنَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: فِي هَذَا الْإِهْدَاءِ نَوْعُ اسْتِخْفَافٍ بِالْمُهْدَى إِلَيْهِ اهـ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ مَرْتَبَةٌ نَاقِصَةٌ لِأَنَّ التَّصَدُّقَ وَالْإِعْتَاقَ حَالَ الصِّحَّةِ أَفْضَلُ كَمَا أَنَّ السَّخَاوَةَ عِنْدَ الْمَجَاعَةِ أَكْمَلُ (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ) .
[ ٤ / ١٣٢٣ ]
١٨٧٢ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «خَصْلَتَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي مُؤْمِنٍ؛ الْبُخْلُ وَسُوءُ الْخُلُقِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «خَصْلَتَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي مُؤْمِنٍ») أَيْ: كَامِلٍ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: خَبَرٌ مَوْصُوفٌ وَالْمُبْتَدَأُ (الْبُخْلُ) بِضَمِّ الْبَاءِ وَسُكُونِ الْخَاءِ وَبِفَتْحِهَا (وَسُوءُ الْخُلُقِ) بِضَمِّهَا وَسُكُونِ الثَّانِي أَيْ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَجْتَمِعَا فِيهِ، أَوِ الْمُرَادُ بُلُوغُ النِّهَايَةِ فِيهِمَا بِحَيْثُ لَا يَنْفَكُّ عَنْهُمَا وَلَا يَنْفَكَّانِ عَنْهُ، فَأَمَّا مَنْ فِيهِ بَعْضُ هَذَا أَوْ بَعْضُ ذَلِكَ أَوْ يَنْفَكُّ عَنْهُ فِي بَعْضٍ فَإِنَّهُ بِمَعْزِلٍ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: خَصْلَتَانِ مُبْتَدَأٌ سَوَّغَهُ إِبْدَالُ الْمَعْرِفَةِ مِنْهُ فِي قَوْلِهِ الْبُخْلُ وَسُوءُ الْخُلُقِ وَالْخَبَرُ لَا يَجْتَمِعَانِ اهـ. وَإِغْلَاقُهُ لَا يَخْفَى، وَالظَّاهِرُ أَنَّ لَا يَجْتَمِعَانِ صِفَةٌ مُخَصِّصَةٌ مُسَوِّغَةٌ لِكَوْنِ الْمُبْتَدَأِ نَكِرَةً، وَالْخَبَرُ قَوْلُهُ: «الْبُخْلُ وَسُوءُ الْخُلُقِ» (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وَقَالَ: غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ صَدَقَةَ بْنِ مُوسَى اهـ. وَصَدَقَةُ بْنُ مُوسَى ضَعِيفٌ؛ ذَكَرَهُ مِيرَكُ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ النَّسَائِيِّ " «لَا يَجْتَمِعُ الشُّحُّ وَالْإِيمَانُ فِي قَلْبِ عَبْدٍ أَبَدًا» "، فَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ سُوءُ الْخُلُقِ عَلَى مَا يُخَالِفُ الْإِيمَانَ، فَإِنَّ الْخُلُقَ الْحَسَنَ هُوَ مَا بِهِ امْتِثَالُ الْأَوَامِرِ وَاجْتِنَابُ النَّوَاهِي.
[ ٤ / ١٣٢٤ ]
١٨٧٣ - وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ خِبٌّ وَلَا بَخِيلٌ وَلَا مَنَّانٌ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ) أَيْ: دُخُولًا أَوَّلِيًّا (خِبٌّ) بِفَتْحِ الْخَاءِ وَيُكْسَرُ أَيْ: خَدَّاعٌ يُفْسِدُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْخِدَاعِ (وَلَا بَخِيلٌ) يَمْنَعُ الْوَاجِبَ مِنَ الْمَالِ (وَلَا مَنَّانٌ) مِنَ الْمِنَّةِ أَيْ: يَمُنُّ عَلَى الْفُقَرَاءِ بَعْدَ الْعَطَاءِ، أَوْ مِنَ الْمَنِّ بِمَعْنَى الْقَطْعِ لِمَا يَجِبُ أَنْ يُوصَلَ، وَقِيلَ: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَعَ هَذِهِ الصِّفَةِ حَتَّى يُجْعَلَ طَاهِرًا مِنْهَا إِمَّا بِالتَّوْبَةِ عَنْهَا فِي الدُّنْيَا أَوْ بِالْعُقُوبَةِ بِقَدْرِهَا تَمْحِيصًا فِي الْعُقْبَى أَوْ بِالْعَفْوِ عَنْهُ تَفَضُّلًا وَإِحْسَانًا، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى - ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ [الأعراف: ٤٣] (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
[ ٤ / ١٣٢٤ ]
١٨٧٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «شَرُّ مَا فِي الرَّجُلِ شُحٌّ هَالِعٌ وَجُبْنٌ خَالِعٌ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ " «لَا يَجْتَمِعُ الشُّحُّ وَالْإِيمَانُ» " فِي كِتَابِ الْجِهَادِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «شَرُّ مَا فِي الرَّجُلِ») مِنَ الْخِصَالِ الذَّمِيمَةِ («شُحٌّ هَالِعٌ») أَيْ: جَازِعٌ يَحْمِلُ عَلَى الْحِرْصِ عَلَى تَحْصِيلِ الْمَالِ وَالْجَزَعِ عَلَى ذَهَابِهِ كَمَا قَالَ - تَعَالَى - ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا - إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا - وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ١٩ - ٢١] وَقِيلَ: الشُّحُّ أَبْلَغُ مِنَ الْبُخْلِ لِأَنَّ الْبُخْلَ مَنْعُ مَا وَجَبَ بَذْلُهُ مِنَ الْمَالِ، وَالشُّحَّ مَنْعُ كُلِّ وَاجِبٍ مِنَ الْمَالِ وَالْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ («وَجُبْنٌ خَالِعٌ») أَيْ: شَدِيدٌ كَأَنَّهُ يَخْلَعُ قَلْبَهُ مِنْ شِدَّةِ خَوْفِهِ مِنَ الْمُحَارَبَةِ مَعَ الْكُفَّارِ وَيَمْنَعُهُ مِنَ الدُّخُولِ فِي عَمَلِ الْأَبْرَارِ، وَخُصَّ الرَّجُلُ إِمَّا لِأَنَّهُمَا مَمْدُوحَانِ لِلنِّسَاءِ فِي نَوْعٍ مِنْهُمَا أَوْ لِأَنَّ مَذَمَّةَ الرِّجَالِ بِهِمَا فَوْقَ مَذَمَّةِ النِّسَاءِ بِهِمَا (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) أَيْ: مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُلَيٍّ بِضَمِّ الْعَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ الْحَافِظُ مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرٍ: وَهُوَ إِسْنَادٌ مُتَّصِلٌ (وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ " «لَا يَجْتَمِعُ الشُّحُّ وَالْإِيمَانُ» ") أَيِ: الْكَامِلُ، أَوْ أُرِيدَ بِهِمَا الزَّجْرُ وَالتَّهْدِيدُ (فِي كِتَابِ الْجِهَادِ) لَمْ يَظْهَرْ وَجْهُ تَحْوِيلِهِ عَنْ مَحَلِّهِ الْأَسْبَقِ الْأَلْيَقِ (إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -) .
[ ٤ / ١٣٢٤ ]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
١٨٧٥ - «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ بَعْضَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - ﷺ - قُلْنَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: أَيُّنَا أَسْرَعُ بِكَ لُحُوقًا؟ قَالَ: " أَطْوَلُكُنَّ يَدًا "، فَأَخَذُوا قَصَبَةً يَذْرَعُونَهَا، وَكَانَتْ سَوْدَةُ أَطْوَلَهُنَّ يَدًا، فَعَلِمْنَا بَعْدُ أَنَّمَا كَانَ طُولُ يَدِهَا الصَّدَقَةَ، وَكَانَتْ أَسْرَعَنَا لُحُوقًا بِهِ زَيْنَبُ، وَكَانَتْ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «أَسْرَعُكُنَّ لُحُوقًا بِي أَطْوَلُكُنَّ يَدًا ". قَالَتْ: وَكَانَتْ يَتَطَاوَلْنَ أَيَّتُهُنَّ أَطْوَلُ يَدًا؟ قَالَتْ: فَكَانَتْ أَطْوَلَنَا يَدًا زَيْنَبُ ; لِأَنَّهَا كَانَتْ تَعْمَلُ بِيَدِهَا وَتَتَصَدَّقُ» .
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّالِثُ
(٢) (عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أَنَّ بَعْضَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - ﷺ -) وَرَضِيَ عَنْهُنَّ («قُلْنَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: أَيُّنَا أَسْرَعُ بِكَ لُحُوقًا») أَيْ: بِالْمَوْتِ بَعْدَكَ، وَمِنْهُ «قَوْلُهُ - ﷺ - لِفَاطِمَةَ: " إِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِي لُحُوقًا بِي» " فَضَحِكَتْ (قَالَ: «أَطْوَلُكُنَّ يَدًا») أَيْ: أَكْثَرُكُنَّ صَدَقَةً وَأَعْظَمُكُنَّ إِحْسَانًا، فَإِنَّ الْيَدَ تُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهَا الْمِنَّةُ وَالنِّعْمَةُ وَالْإِحْسَانُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ - ﵊ -: " «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ لِفَاجِرٍ عَلَيَّ يَدًا يُحِبُّهُ قَلْبِي» " وَكَذَا قَوْلُ الشَّاطِبِيِّ: - إِلَيْكَ يَدًى مِنْكَ الْأَيَادِي تُمِدُّهَا (فَأَخَذُوا) الظَّاهِرُ فَأَخَذْنَ وَعُدِلَ إِلَى أَخَذُوا تَعْظِيمًا كَمَا فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢] وَقَوْلِ الشَّاعِرِ: - وَإِنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَالشَّاهِدُ الثَّانِي أَظْهَرُ كَمَا لَا يَخْفَى لِأَنَّ مُسَوِّغَ ذَلِكَ التَّغْلِيبُ لِلْجِنْسِ الْأَشْرَفِ وَلَا تَغْلِيبَ هُنَا لِأَنَّ الْكُلَّ نِسْوَةٌ («قَصَبَةً يَذْرَعُونَهَا») أَيْ: وَيَقِيسُونَ أَيْدِيَهُنَّ بِهَا بِنَاءً عَلَى فَهْمِهِنَّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْيَدِ الْجَارِحَةُ («وَكَانَتْ سَوْدَةُ أَطْوَلَهُنَّ يَدًا») أَيْ: فِي الْحِسِّ (فَعَلِمْنَا بَعْدُ) أَيْ: بَعْدَ هَذَا حِينَ مَاتَتْ زَيْنَبُ أَوَّلًا وَكَانَتْ أَكْثَرَهُنَّ صَدَقَةً (أَنَّمَا كَانَ) بِالْفَتْحِ (طُولُ يَدِهَا) بِالرَّفْعِ (الصَّدَقَةَ) بِالنَّصْبِ كَذَا فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، وَعَكَسَ الْعَسْقَلَانِيُّ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: فَهِمْنَا أَوَّلًا ظَاهِرَهُ وَلَمَّا فَطِنَّا بِمَحَبَّتِهَا الصَّدَقَةَ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِالْيَدِ إِلَّا الْعَطَاءَ اهـ. وَفِيهِ تَأَمُّلٌ (وَكَانَتْ) الْوَاوُ لِلْحَالِ («أَسْرَعَنَا لُحُوقًا بِهِ زَيْنَبُ») كَذَا فِي نُسْخَةٍ قَالَ مِيرَكُ: وَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ هُنَا بَعْدَ قَوْلِهِ لُحُوقًا بِهِ زِيَادَةُ لَفْظِ زَيْنَبَ مُلْحَقًا، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّ فِي عَامَّةِ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ وَقَعَ بِحَذْفِهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِهِ اهـ. وَهُوَ يُوهِمُ أَنَّ سَوْدَةَ كَانَتْ أَسْرَعَ لُحُوقًا بِالنَّبِيِّ - ﷺ - وَهَذَا وَهْمٌ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ كَانَتْ سَوْدَةُ أَطْوَلَهُنَّ جَارِحَةً، وَالصَّوَابُ مَا ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّهَا زَيْنَبُ، فَالصَّحِيحُ تَقْدِيرُ زَيْنَبَ أَوْ وُجُودُهُ، قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ فِي الْحَدِيثِ اخْتِصَارًا أَوِ اكْتِفَاءًا لِشُهْرَةِ الْقِصَّةِ لِزَيْنَبَ، أَوْ يُؤَوَّلَ الْكَلَامُ بِأَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ إِلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنَّهَا أَوَّلُ مَنْ يَلْحَقُ بِهِ وَكَانَتْ كَثِيرَةَ الصَّدَقَةِ، قُلْتُ: الْأَوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ؛ كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِيِّ، وَأَنْتَ عَرَفْتَ أَنَّ هَذَا اخْتِصَارُ مَحَلٍّ فَالْأَوْلَى أَنَّ الْأَخِيرَيْنِ أَحَقُّ وَالثَّالِثَ أَدَقُّ (وَكَانَتْ) أَيْ: زَيْنَبُ (تُحِبُّ الصَّدَقَةَ) أَيْ: إِعْطَاءَهَا، وَكَانَتْ لَهَا صِنَاعَةٌ وَاكْتِسَابُ مَعِيشَةٍ بِالْيَدِ وَهَذَا مَعْنًى آخَرُ لِلْيَدِ، فَأَطْوَلُكُنَّ يَدًا بِمَعْنَى أَفْضَلُكُنَّ يَدًا؛ حَيْثُ إِنَّهَا تَأْكُلُ مِنْ كَسْبِ يَدِهَا وَتَتَصَدَّقُ بِيَدِهَا مِنْ كَدِّ يَدِهَا (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ) أَيْ: (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «أَسْرَعُكُنَّ لُحُوقًا بِي أَطْوَلُكُنَّ يَدًا») وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ طُولَ الْحَيَاةِ كَانَ فِي حَيَاتِهِ أَفْضَلَ، وَأَمَّا بَعْدَ مَوْتِهِ فَالْمَوْتُ أَكْمَلُ، لِهَذَا قَالَ بِلَالٌ: - غَدًا نَلْقَى الْأَحِبَّةْ مُحَمَّدًا وَحِزْبَهْ (قَالَتْ) أَيْ: عَائِشَةُ (فَكَانَتْ) أَيْ: جَمَاعَةُ النِّسَاءِ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ (يَتَطَاوَلْنَ) أَيْ: يَتَقَايَسْنَ أَطْوَالَ أَيْدِيهِنَّ (أَيَّتُهُنَّ) بِالضَّمِّ (أَطْوَلَ يَدًا) قَالَ الطِّيبِيُّ - ﵀ -: النَّصْبُ عَلَى أَنَّهُ حَالٌ أَوْ مَفْعُولٌ بِهِ، أَيْ: يَتَطَاوَلْنَ نَاظِرَاتٍ أَيَّتُهُنَّ، قِيلَ: وَجْهُ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْحَاضِرَاتِ كَانَتْ بَعْضَ أَزْوَاجِهِ، وَأَنَّ سَوْدَةَ تُوُفِّيَتْ قَبْلَ عَائِشَةَ فِي سَنَةِ أَرْبَعَةٍ وَخَمْسِينَ، وَعَائِشَةُ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ أَوْ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ، وَوَجْهُ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَنَّ الْحَاضِرَاتِ جَمِيعُهُنَّ، وَأَنَّ زَيْنَبَ تُوُفِّيَتْ فِي سَنَةِ عِشْرِينَ قَبْلَ جَمِيعِ الْأَزْوَاجِ اهـ. وَفِيهِ مُنَاقَشَةٌ لَا تَخْفَى (قَالَتْ) أَيْ: عَائِشَةُ (كَانَتْ) وَفِي نُسْخَةٍ بِالْوَاوِ أَيْ: ظَهَرَتْ («أَطْوَلَنَا يَدًا») أَيْ: بِالصَّدَقَةِ (زَيْنَبُ) وَكَانَتِ امْرَأَةً قَصِيرَةً؛ ذَكَرَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ (لِأَنَّهَا كَانَتْ تَعْمَلُ بِيَدِهَا وَتَتَصَدَّقُ) أَيْ: تَدْبُغُ الْجُلُودَ بِيَدِهَا ثُمَّ تَبِيعُهَا وَتَتَصَدَّقُ بِثَمَنِهَا، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ طُولَ الْيَدِ كِنَايَةٌ عَنْ قِصَرِ الطَّمَعِ وَكَفِّ النَّفْسِ الْمُتَعَدِّي، قَالَ الطِّيبِيُّ: تَعْلِيلٌ بِمَنْزِلَةِ الْبَيَانِ لِقَوْلِهَا يَتَطَاوَلْنَ وَأَنَّ الْمُرَادَ الْمَعْنَوِيُّ لَا الصُّورِيُّ.
[ ٤ / ١٣٢٥ ]
١٨٧٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " «قَالَ رَجُلٌ: لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى سَارِقٍ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى سَارِقٍ، لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ زَانِيَةٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ، لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ غَنِيٍّ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى غَنِيٍّ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى سَارِقٍ وَزَانِيَةٍ وَغَنِيٍّ، فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ عَلَى سَارِقٍ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سَرِقَتِهِ، وَأَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا، وَأَمَّا الْغَنِيُّ فَلَعَلَّهُ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقَ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: قَالَ رَجُلٌ) أَيْ: مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فِي نَفْسِهِ أَوْ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ أَوْ فِي نِدَائِهِ حَالَ دُعَائِهِ (لَأَتَصَدَّقَنَّ) أَيِ: اللَّيْلَةَ (بِصَدَقَةٍ) أَيْ: عَظِيمَةٍ وَاقِعَةٍ مَوْقِعَهَا لِيَتَعَلَّقَ بِهَا قَبُولٌ عَظِيمٌ (فَخَرَجَ) أَيْ: مِنْ بَيْتِهِ (بِصَدَقَتِهِ) أَيِ: الَّتِي نَوَى بِهَا لِيُعْطِيَهَا مُسْتَحِقَّهَا (فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ) مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْلَمَ بِهِ أَنَّهُ سَارِقٌ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ لَهَا، فَأَذَاعَ السَّارِقُ بِأَنَّهُ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ (فَأَصْبَحُوا) أَيِ: النَّاسُ (يَتَحَدَّثُونَ) بَعْضُهُمْ مِنَ السَّارِقِ أَوْ بِإِلْهَامِ الْخَالِقِ، وَالْمَعْنَى فَصَارَ النَّاسُ مُتَحَدِّثِينَ، أَوْ مَعْنَاهُ دَخَلُوا فِي الصَّبَاحِ حَالَ كَوْنِهِمْ قَائِلِينَ تَعَجُّبًا أَوْ إِنْكَارًا (تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ) ظَرْفٌ (عَلَى سَارِقٍ) نَائِبُ الْفَاعِلِ أَوْ هُوَ («بِصَدَقَةٍ فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى سَارِقٍ») أَيْ: عَلَى تَصَدُّقِي عَلَى سَارِقٍ، قَالَ الطِّيبِيُّ: لَمَّا جَزَمَ بِوَضْعِهَا فِي مَوْضِعِهَا كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ تَنْكِيرُ بِصَدَقَةٍ جُوزِيَ بِوَضْعِهَا فِي يَدِ سَارِقٍ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَشَكَرَهُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَصَدَّقْ عَلَى مَنْ هُوَ أَسْوَأُ حَالًا مِنْهُ، وَقِيلَ: هُوَ تَعَجُّبٌ مِنْ فِعْلِ نَفْسِهِ كَمَا تَعَجَّبُوا مِنْ فِعْلِهِ، فَذُكِرَ الْحَمْدُ فِي مَوْضِعِ التَّعَجُّبِ كَمَا يُذْكَرُ التَّسْبِيحُ فِي مَوْضِعِهِ («لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ») أَيْ: أُخْرَى لَعَلَّهَا تَقَعُ فِي مَحَلِّهَا («فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ زَانِيَةٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ») أَيْ: تَعَجُّبًا أَوْ إِنْكَارًا («تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ، لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ غَنِيٍّ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ») أَيِ: اللَّيْلَةَ كَمَا فِي نُسْخَةٍ («عَلَى غَنِيٍّ، قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى سَارِقٍ وَزَانِيَةٍ وَغَنِيٍّ») فَذَلِكَ فَذْلَكَةٌ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى حَمْدِهِ - تَعَالَى - وَثَنَائِهِ تَفْوِيضًا وَتَسْلِيمًا لِقَضَائِهِ فَجُوزِيَ عَلَى ذَلِكَ الْمَقَامِ بِتَمَامِ نِظَامِ الْمَرَامِ (فَأُتِيَ) فَأُرِيَ فِي الْمَنَامِ (فَقِيلَ لَهُ) أَيْ: صَدَقَاتُكَ مَقْبُولَةٌ، وَكُلُّهَا فِي مَوَاضِعِهَا مَوْضُوعَةٌ («أَمَّا صَدَقَتُكَ عَلَى سَارِقٍ») فَلَا تَخْلُوا عَنْ مَثُوبَةٍ مُتَضَمِّنَةٍ لِحِكْمَةٍ («فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سَرِقَتِهِ») إِمَّا مُطْلَقًا أَوْ مُدَّةَ الِاكْتِفَاءِ («وَأَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا») وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الْغَالِبَ فِي السَّارِقِ وَالزَّانِيَةِ أَنَّهُمَا يَرْتَكِبَانِ الْمَعْصِيَةَ لِلْحَاجَةِ وَهُوَ أَحَدُ مَعَانِي مَا وَرَدَ: كَادَ الْفَقْرُ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا («وَأَمَّا الْغَنِيُّ فَلَعَلَّهُ يَعْتَبِرُ») أَيْ: يَتَّعِظُ وَيَتَذَكَّرُ («فَيُنْفِقَ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ») اعْلَمْ أَنَّهُ إِذَا دَفَعَ الزَّكَاةَ لِمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ فَقِيرًا ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ غَنِيٌّ لَا يُعِيدُهَا، خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ، وَلَكِنْ لَا يَسْتَرِدُّ مَا أَدَّاهُ، وَهَلْ يَطِيبُ لِلْقَابِضِ إِذَا ظَهَرَ الْحَالُ؟ لَا رِوَايَةَ فِيهِ وَاخْتُلِفَ فِيهِ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنْ لَا يَطِيبَ يَتَصَدَّقُ، وَقِيلَ يَرُدُّهُ لِلْمُعْطِي عَلَى وَجْهِ التَّمْلِيكِ لِيُعِيدَ الْأَدَاءَ لِأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ ظَهَرَ خَطَؤُهُ بِيَقِينٍ مَعَ إِمْكَانِ الْوُقُوفِ عَلَى الصَّوَابِ فَصَارَ كَمَا لَوْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ أَوْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ نَجِسٌ، وَلَهُمَا مَا رَوَى الْبُخَارِيُّ «عَنْ مَعْنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَنَا وَأَبِي وَجَدِّي، وَخَطَبَ عَلَيَّ فَأَنْكَحَنِي، وَخَاصَمْتُ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبِي يَزِيدُ أَخْرَجَ دَنَانِيرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَجِئْتُ فَأَخَذْتُهَا فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا إِيَّاكَ أَرَدْتُ، فَخَاصَمْتُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: " يَا يَزِيدُ لَكَ مَا نَوَيْتَ وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ» " اهـ. وَهُوَ وَإِنْ كَانَ وَاقِعَةَ حَالٍ يَجُوزُ فِيهَا كَوْنُ تِلْكَ الصَّدَقَةِ كَانَتْ نَفْلًا لَكِنَّ عُمُومَ لَفْظِ مَا فِي قَوْلِهِ - ﵊ -: " «لَكَ مَا نَوَيْتَ» " يُفِيدُ الْمَطْلُوبَ، كَذَا حَقَّقَهُ ابْنُ الْهُمَامِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ) أَيْ: وَلِمُسْلِمٍ مَعْنَاهُ.
[ ٤ / ١٣٢٦ ]
١٨٧٧ - وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: " «بَيْنَا رَجُلٌ بِفَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ فَسَمِعَ صَوْتًا فِي سَحَابَةٍ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ، فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ فَأَفْرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ، فَإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشِّرَاجِ قَدِ اسْتَوْعَبَتْ ذَلِكَ الْمَاءَ كُلَّهُ، فَتَتَبَّعَ الْمَاءَ فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الْمَاءَ بِمِسْحَاتِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: فُلَانٌ؛ الِاسْمُ الَّذِي سَمِعَ فِي السَّحَابَةِ فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ لِمَ تَسْأَلُنِي عَنِ اسْمِي، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ صَوْتًا فِي السَّحَابِ الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ وَيَقُولُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ لِاسْمِكَ فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا؟ قَالَ: أَمَّا إِذَا قُلْتَ هَذَا فَإِنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ وَآكُلُ أَنَا وَعِيَالِي ثُلُثًا وَأَرُدُّ فِيهَا ثُلُثَهُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: بَيْنَا) بِإِشْبَاعِ الْفَتْحَةِ أَلِفًا أَيْ: بَيْنَ أَوْقَاتٍ (رَجُلٌ بِفَلَاةٍ) أَيْ: بِصَحْرَاءَ وَاسِعَةٍ («مِنَ الْأَرْضِ فَسَمِعَ صَوْتًا فِي سَحَابَةٍ: اسْقِ») بِقَطْعِ هَمْزٍ وَوَصْلِهِ (حَدِيقَةَ فُلَانٍ) وَهِيَ بُسْتَانٌ يَدُورُ عَلَيْهِ حَائِطٌ، وَفُلَانٌ كِنَايَةٌ مِنْهُ - ﵊ - عَنِ اسْمِ صَاحِبِ الْحَدِيقَةِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ صَرِيحًا (فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ) أَيْ: تَبَعَّدَ عَنْ مَقْصِدِهِ (فَأَفْرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ) وَهِيَ أَرْضٌ ذَاتُ حِجَارَةٍ سُودٍ (فَإِذَا شَرْجَةٌ) بِسُكُونِ الرَّاءِ مَسِيلُ الْمَاءِ إِلَى السَّهْلِ مِنَ الْأَرْضِ (مِنْ تِلْكَ الشِّرَاجِ) بِكَسْرِ الشِّينِ أَيِ: الْوَاقِعَةِ فِي تِلْكَ الْحَرَّةِ (قَدِ اسْتَوْعَبَتْ) أَيْ: بِالْأَخْذِ (ذَلِكَ الْمَاءَ) أَيِ: النَّازِلَ مِنَ السَّحَابِ الْوَاقِعَ فِي الْحَرَّةِ (كُلَّهُ) تَأْكِيدٌ (فَتَتَبَّعَ) أَيْ: ذَلِكَ الرَّجُلُ (الْمَاءَ) أَيْ: أَثَرَهُ («فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الْمَاءَ») أَيْ: مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ مِنْ حَدِيقَتِهِ (بِمِسْحَاتِهِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَهِيَ الْمِجْرَفَةُ مِنَ الْحَدِيدِ أَوْ غَيْرِهِ (فَقَالَ) أَيِ: الرَّجُلُ (لَهُ) أَيْ: لِصَاحِبِ الْحَدِيقَةِ (يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا اسْمُكُ؟) أَيِ: الْمَخْصُوصُ (قَالَ: فُلَانٌ؛ الِاسْمُ) بِالرَّفْعِ وَقِيلَ بِالنَّصْبِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ صَرَّحَ بِاسْمِهِ لَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَنَّى عَنْهُ بِفُلَانٍ ثُمَّ فَسَّرَ بِقَوْلِهِ: الِاسْمُ (الَّذِي سَمِعَ فِي السَّحَابَةِ) وَلَعَلَّ الْعُدُولَ عَنِ التَّصْرِيحِ إِلَى الْكِنَايَةِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ مَعْرِفَةَ الْأَسْمَاءِ الْمُبْهَمَةِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ لَيْسَتْ مِنَ الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ (فَقَالَ لَهُ) أَيْ لِلرَّجُلِ («يَا عَبْدَ اللَّهِ لِمَ تَسْأَلُنِي عَنِ اسْمِي؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ صَوْتًا فِي السَّحَابِ الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ وَيَقُولُ») أَيْ: ذَلِكَ الصَّوْتُ يَعْنِي صَاحِبَهُ لِلسَّحَابِ، وَفِي نُسْخَةٍ يَقُولُ («اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ لِاسْمِكَ») قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ: قُلْتُ أَنَا فُلَانٌ لِاسْمِكَ الْمَخْصُوصِ وَبَدَلِهِ، فَإِنَّ الْهَاتِفَ صَرَّحَ بِالِاسْمِ، وَالْكِنَايَةُ مِنَ السَّامِعِ (فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا؟) أَيْ: فِي حَدِيقَتِكَ مِنَ الْخَيْرِ حَتَّى تَسْتَحِقَّ هَذِهِ الْكَرَامَةَ (قَالَ: أَمَّا) بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ (إِذْ قُلْتَ) وَفِي نُسْخَةٍ إِذَا قُلْتَ («هَذَا فَإِنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا») أَيْ: مِنْ زَرْعِ الْحَدِيقَةِ وَثَمَرِهَا («فَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ») بِضَمَّتَيْنِ وَسُكُونِ الثَّانِي («وَآكُلُ أَنَا وَعِيالِي ثُلُثًا وَأَرُدُّ فِيهَا») أَيْ: وَأَصْرِفُ فِي الْحَدِيقَةِ لِلزِّرَاعَةِ وَالْعِمَارَةِ (ثُلُثَهُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ٤ / ١٣٢٧ ]
١٨٧٨ - وَعَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: " «إِنَّ ثَلَاثَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَبْرَصَ وَأَقْرَعَ وَأَعْمَى، فَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكًا، فَأَتَى الْأَبْرَصَ فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: لَوْنٌ حَسَنٌ وَجِلْدٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي الَّذِي قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ "، قَالَ: " فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ قَذَرُهُ وَأُعْطِيَ لَوْنًا حَسَنًا وَجِلْدًا حَسَنًا
قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْإِبِلُ أَوْ قَالَ الْبَقَرُ " - شَكَّ إِسْحَاقُ - إِلَّا أَنَّ الْأَبْرَصَ أَوِ الْأَقْرَعَ قَالَ أَحَدُهُمَا: الْإِبِلُ وَقَالَ الْآخَرُ: الْبَقَرُ، قَالَ: " فَأُعْطِيَ نَاقَةً عُشَرَاءَ، فَقَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا "، قَالَ: " فَأَتَى الْأَقْرَعُ فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: شَعَرٌ حَسَنٌ وَيَذْهَبُ عَنِّي هَذَا الَّذِي قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ "، قَالَ: " فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ "، قَالَ: " وَأُعْطِيَ شَعَرًا حَسَنًا، قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْبَقَرُ، فَأُعْطِيَ بَقَرَةً حَامِلًا، قَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا "، قَالَ: " فَأَتَى الْأَعْمَى فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: أَنْ يَرُدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي فَأُبْصِرَ بِهِ النَّاسَ "، قَالَ: " فَمَسَحَهُ فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ بَصَرَهُ، قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْغَنَمُ، فَأُعْطِيَ شَاةً وَالِدًا، فَأُنْتِجَ هَذَانِ وَوَلَّدَ هَذَا، فَكَانَ لِهَذَا وَادٍ مِنِ الْإِبِلِ وَلِهَذَا وَادٍ مِنَ الْبَقَرِ وَلِهَذَا وَادٍ مِنَ الْغَنَمِ "، قَالَ: " ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الْأَبْرَصَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ قَدِ انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي فَلَا بَلَاغَ لِيَ الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ
أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الْحَسَنَ وَالْجِلْدَ الْحَسَنَ وَالْمَالَ بَعِيرًا أَتَبَلَّغُ بِهِ فِي سَفَرِي، فَقَالَ: الْحُقُوقُ كَثِيرَةٌ، فَقَالَ: إِنَّهُ كَأَنِّي أَعْرِفُكَ، أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ فَقِيرًا فَأَعْطَاكَ اللَّهُ مَالًا؟ فَقَالَ: إِنَّمَا وَرِثْتُ هَذَا الْمَالَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ " قَالَ: " وَأَتَى الْأَقْرَعَ فِي صُورَتِهِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِهَذَا وَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا رَدَّ عَلَى هَذَا، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ " قَالَ: " وَأَتَى الْأَعْمَى فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ وَابْنُ سَبِيلٍ انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي فَلَا بَلَاغَ لِيَ الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ شَاةً أَتَبَلَّغُ بِهَا فِي سَفَرِي، فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي فَخُذْ مَا شِئْتَ وَدَعْ مَا شِئْتَ فَوَاللَّهِ لَا أَجْهَدُكَ الْيَوْمَ بِشَيْءٍ أَخَذْتَهُ لِلَّهِ، فَقَالَ: أَمْسِكْ مَالَكَ فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ، فَقَدْ رَضِيَ عَنْكَ وَسَخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «إِنَّ ثَلَاثَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَبْرَصَ وَأَقْرَعَ وَأَعْمَى») مَنْصُوبَاتٌ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ مِنْ " ثَلَاثَةً " («فَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ») أَيْ: يَمْتَحِنَهُمْ لِيَعْرِفُوا أَنْفُسَهُمْ أَيْ: لِيَعْرِفَهُمُ النَّاسُ أَوْ لِيَعْلَمَ - تَعَالَى - أَحْوَالَهُمْ عِلْمَ ظُهُورٍ كَمَا يَعْلَمُهَا عِلْمَ بُطُونٍ، قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ خَبَرُ إِنَّ عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُ دُخُولَ الْفَاءِ فِي خَبَرِهَا، وَمَنْ لَمْ يُجَوِّزْ قَدَّرَ الْخَبَرَ أَيْ: فِيمَا أَقُصُّ عَلَيْكُمْ، فَقَوْلُهُ فَأَرَادَ تَفْسِيرٌ لِلْمُجْمَلِ، وَلَوْ رُفِعَ " أَبْرَصَ " وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ بِالْخَبَرِيَّةِ تَعَيَّنَ لِلتَّفْسِيرِ اهـ. يَعْنِي أَنَّ رَفْعَهَا بِتَقْدِيرِ أَحَدِهِمْ أَبْرَصَ أَوْ مِنْهُمْ أَبْرَصُ («فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكًا») أَيْ: فِي صُورَةِ رَجُلٍ مِسْكِينٍ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الْآتِي فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ («فَأَتَى الْأَبْرَصَ فَقَالَ») أَيِ: الْمَلَكُ («أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ») أَيْ: مِنَ الْأَحْوَالِ (قَالَ: لَوْنٌ حَسَنٌ) كَالْبَيَاضِ (وَجِلْدٌ حَسَنٌ) أَيْ نَاعِمٌ طَرِيٌّ (وَيَذْهَبُ عَنِّي) بِالرَّفْعِ كَقَوْلِهِ أَحْضُرُ الْوَغَى، وَفِي نُسْخَةٍ عَلَيَّ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: يَزُولُ عَنِّي («الَّذِي قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ») بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: كَرِهُوا مُخَالَطَتِي مِنْ أَجْلِهِ وَهُوَ الْبَرَصُ (قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ (فَمَسَحَهُ) أَيِ: الْمَلَكُ («فَذَهَبَ عَنْهُ قَذَرُهُ») بِفَتْحَتَيْنِ («وَأُعْطِيَ لَوْنًا حَسَنًا وَجِلْدًا حَسَنًا، قَالَ»)
[ ٤ / ١٣٢٧ ]
أَيِ: الْمَلَكُ («فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْإِبِلُ أَوْ قَالَ الْبَقَرُ» - شَكَّ إِسْحَاقُ -) قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَحَدُ رُوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ، أَقُولُ: وَالْإِبِلُ أَرْجَحُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ الْآتِي فَأَعْطِنِي نَاقَةً بِصِيغَةِ الْجَزْمِ («إِلَّا أَنَّ الْأَبْرَصَ أَوِ الْأَقْرَعَ») اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الشَّكِّ («قَالَ أَحَدُهَا: الْإِبِلُ، وَقَالَ الْأَخَرُ: الْبَقَرُ») أَيْ: لَمْ يَشُكَّ إِسْحَاقُ فِي هَذَا بَلْ فِي التَّعْيِينِ؛ قَالَهُ الطِّيبِيُّ (قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ (فَأُعْطِيَ) أَيْ: طَالَبُ الْإِبِلِ لَا الْأَبْرَصُ كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ حَجَرٍ (نَاقَةً عُشَرَاءَ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَفَتْحِ الشِّينِ وَالْمَدِّ: الَّتِي أَتَى عَلَى حَمْلِهَا عَشَرَةُ أَشْهُرٍ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى الْحَامِلِ مُطْلَقًا (فَقَالَ) أَيِ: الْمَلَكُ («بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا، قَالَ: فَأَتَى الْأَقْرَعَ فَقَالَ أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: شَعَرٌ حَسَنٌ») بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَتُسَكَّنُ («وَيَذْهَبُ عَنِّي الَّذِي قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ، قَالَ: فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ، قَالَ: وَأُعْطِيَ شَعَرًا حَسَنًا، فَقَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْبَقَرُ، فَأُعْطِيَ بَقَرَةً حَامِلًا، قَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا، قَالَ: فَأَتَى الْأَعْمَى فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: أَنْ يَرُدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي فَأُبْصِرَ») بِالنَّصْبِ وَالرَّفْعِ («بِهِ النَّاسَ، قَالَ: فَمَسَحَهُ فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ بَصَرَهُ، قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْغَنَمُ، فَأُعْطِيَ شَاةً وَالِدًا») قِيلَ: هِيَ الَّتِي عُرِفَ مِنْهَا كَثْرَةُ النِّتَاجِ وَقِيلَ: الْحَامِلُ (فَأُنْتِجَ) بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ مِنِ الْإِنْتَاجِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: هَكَذَا الرِّوَايَةُ وَمَعْنَاهُ تَوَلِّي الْوِلَادَةِ وَالْمَشْهُورُ نَتَجَ وَالنَّاتِجُ لِلْإِبِلِ كَالْقَابِلَةِ لِلنِّسَاءِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيِ: اسْتَوْلَدَ النَّاقَةَ وَالْبَقَرَةَ (هَذَانِ) أَيِ: الْأَبْرَصُ وَالْأَقْرَعُ (وَوَلَّدَ) فِعْلٌ مَاضٍ مَعْلُومٌ مِنَ التَّوْلِيدِ بِمَعْنَى الْإِنْتَاجِ (هَذَا) أَيِ: الْأَعْمَى (فَكَانَ لِهَذَا) أَيْ: لِلْأَبْرَصِ («وَادٍ مِنِ الْإِبِلِ وَلِهَذَا») أَيْ: لِلْأَقْرَعِ («وَادٍ مِنَ الْبَقَرِ وَلِهَذَا») أَيْ: لِلْأَعْمَى («وَادٍ مِنَ الْغَنَمِ قَالَ») أَيِ: النَّبِيُّ - ﷺ - (ثُمَّ أَنَّهُ) أَيِ: الْمَلَكَ («أَتَى الْأَبْرَصَ فِي صُورَتِهِ») أَيِ: الَّتِي جَاءَ الْأَبْرَصَ عَلَيْهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ (وَهَيْئَتِهِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ رَاجِعًا إِلَى الْأَبْرَصِ لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ حَالَهُ وَيَرْحَمُ عَلَيْهِ بِمَالِهِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ فِي الْحُجَّةِ عَلَيْهِ حَيْثُ جَاءَهُ فِي صُورَتِهِ الَّتِي تَسَبَّبَ فِي جَمَالِهِ وَحُصُولِ كَثْرَةِ مَالِهِ (فَقَالَ) أَيْ: لَهُ (رَجُلٌ مِسْكِينٌ) أَيْ: أَنَا (قَدِ انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ) أَيِ: الْأَسْبَابُ (فِي سَفَرِي) قَالَ الطِّيبِيُّ: الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ، قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: فِيهِ تَأَمُّلٌ لِأَنَّ الْمَعْنَى لَا يُسَاعِدُ التَّعْدِيَةَ، وَالْأَصْوَبُ أَنْ يُقَالَ بِالْبَاءِ بِمَعْنَى مِنْ كَمَا فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] اهـ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْبَاءَ لِلسَّبَبِيَّةِ وَالْمُلَابَسَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦] وَالْحِبَالُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ جَمْعُ الْحَبْلِ وَهُوَ الْعَهْدُ وَالزَّمَانُ وَالْوَسِيلَةُ وَكُلُّ مَا تَرْجُو فِيهِ خَيْرًا أَوْ فَرَجًا أَوْ تَسْتَدْفِعُ بِهِ ضَرَرًا وَالْحَبْلُ هَاهُنَا السَّبَبُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: انْقَطَعَتْ بِيَ الْأَسْبَابُ، وَفِي شَرْحِ الشَّيْخِ ابْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ أَيِ: الْأَسْبَابُ الَّتِي يَقْطَعُهَا فِي طَلَبِ الرِّزْقِ، وَلِبَعْضِ رُوَاةِ مُسْلِمٍ " الْحِيَالُ " بِالْمُهْمَلَةِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ جَمْعُ حِيلَةٍ أَيْ: لَمْ تَبْقَ لِيَ حِيلَةٌ، ذَكَرَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ " الْجِبَالُ " بِالْجِيمِ وَهُوَ جَمْعُ جَبَلٍ أَيْ: طَالَ سَفَرِي وَقَعَدْتُ عَنْ بُلُوغِ حَاجَتِي (فَلَا بَلَاغَ) أَيْ: كِفَايَةً (لِيَ الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ) أَيْ: إِيجَادًا وَإِمْدَادًا (ثُمَّ بِكَ) أَيْ: سَبَبًا وَإِسْعَادًا وَفِيهِ مِنْ حُسْنِ الْأَدَبِ مَا لَا يَخْفَى حَيْثُ لَمْ يَقُلْ وَبِكَ، وَثُمَّ لِتَرَاخِي الرُّتْبَةِ وَالتَّنَزُّلِ فِي الْمَرْتَبَةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَمْثَالُ ذَلِكَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لَيْسَتْ إِخْبَارًا بَلْ مِنْ مَعَارِيضِ الْكَلَامِ كَقَوْلِ إِبْرَاهِيمَ: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] اهـ. وَكَقَوْلِهِمْ:
[ ٤ / ١٣٢٨ ]
" ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ [ص: ٢٣] " الْآيَةَ (أَسْأَلُكَ) أَيْ: مُقْسِمًا عَلَيْكَ أَوْ مُتَوَسِّلًا إِلَيْكَ («بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الْحَسَنَ وَالْجِلْدَ الْحَسَنَ وَالْمَالَ») أَيِ: الْإِبِلَ (بَعِيرًا) مَفْعُولُ أَسْأَلُكَ أَيْ: أَطْلُبُ مِنْكَ بَعِيرًا («أَتَبَلَّغُ بِهِ فِي سَفَرِي») أَيْ إِلَى مَقْصُودِي أَوْ وَطَنِي («فَقَالَ: الْحُقُوقُ كَثِيرَةٌ») أَيْ: حُقُوقُ الْمَالِ كَثِيرَةٌ عَلَيَّ وَلَمْ أَقْدِرْ عَلَى أَدَائِهَا أَوْ حُقُوقُ الْمُسْتَحِقِّينَ كَثِيرَةٌ فَلَمْ يَحْصُلْ لَكَ الْبَعِيرُ، وَقَدْ أَرَادَ بِهِ دَفْعَهُ وَهُوَ غَيْرُ صَادِقٍ فِيهِ (فَقَالَ: إِنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنُ (كَأَنِّي أَعْرِفُكَ) وَنُكْتَةُ التَّشْبِيهِ الْمُغَالَطَةُ لِتَمَكُّنِهِ الْمُكَابَرَةَ («أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ»؟) أَيْ: قَدْ كُنْتَ أَبْرَصَ (يَقْذَرُكَ النَّاسُ) بِفَتْحِ الذَّالِ أَيْ: يَكْرَهُونَكَ وَيَسْتَقْذِرُونَكَ وَهُوَ حَالٌ كَقَوْلِهِ (فَقِيرًا) أَوْ هَذَا خَبَرٌ ثَانٍ وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِقَوْلِهِ (فَأَعْطَاكَ اللَّهُ) أَيْ: مَالًا أَوْ جَمَالًا وَمَالًا («فَقَالَ: إِنَّمَا وَرِثْتُ هَذَا الْمَالَ كَابِرًا») حَالٌ (عَنْ كَابِرٍ) أَيْ: كَبِيرًا أَخْذًا عَنْ كَبِيرٍ أَوْ كَبِيرًا بَعْدَ كَبِيرٍ وَالْمَعْنَى حَالَ كَوْنِي أَكْبَرَ قَوْمِي سِنًّا وَرِيَاسَةً وَنَسَبًا وَأَخْذًا عَنْ آبَائِيَ الَّذِينَ هُمْ كَذَلِكَ حَسَبًا، وَنِعْمَ مَنْ قَالَ مِنْ أَرْبَابِ الْحَالِ: -
كَأَنَّ الْفَتَى لَمْ يَعْرَ يَوْمًا إِذَا اكْتَسَى وَلَمْ يَكُ صُعْلُوكًا إِذَا مَا تَمَوَّلَا
وَهَذَا مِنْ بَابِ الِاكْتِفَاءِ فِي الْجَوَابِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ عُرْفًا مِنَ التَّكْذِيبِ فِي شَيْءٍ تَكْذِيبَهُ فِي آخَرَ (فَقَالَ) أَيِ: الْمَلَكُ («لَهُ إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا») أَوْرَدَ بِصِيغَةِ الْمَاضِي لِأَنَّهُ أَرَادَ الْمُبَالَغَةَ فِي الدُّعَاءِ عَلَيْهِ كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي وَوَجْهُهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَقِيلَ: ذَكَرَ (إِنْ) دُونَ (إِذَا) مَعَ أَنَّ كَذِبَهُ كَانَ مَقْطُوعًا بِهِ عِنْدَ الْمَلَكِ لِقَصْدِ التَّوْبِيخِ وَتَصْوِيرِ أَنَّ الْكَذِبَ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ يَجِبُ أَلَّا يَكُونَ إِلَّا عَلَى مُجَرَّدِ الْفَرْضِ وَالتَّقْدِيرِ اهـ. وَفِيهِ مَا فِيهِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ عَدَلَ عَنْ " إِذَا كَذَبْتَ " إِلَى قَوْلِهِ " إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا " بِصِيغَةِ الْمَاضِيِ وَبِالْوَصْفِ الدَّالِّ عَلَى الْمُتَّصِفِ بِالْكَذِبِ غَالِبًا لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ مِثْلَ هَذَا يَسْتَحِقُّ الدُّعَاءَ عَلَيْهِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ تَكُونَ إِنْ بِمَعْنَى إِذَا كَمَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] («فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ») مِنَ الْبَرَصِ وَالْفَاقَةِ أَيْ: جَعَلَكَ حَقِيرًا فَقِيرًا («قَالَ: وَأَتَى الْأَقْرَعَ فِي صُورَتِهِ») لَمْ يَقُلْ هُنَا وَهَيْئَتِهِ اخْتِصَارًا أَوِ اكْتِفَاءً («فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِهَذَا») أَيْ: لِهَذَاكَ («وَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا رَدَّ عَلَى هَذَا، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ») قَالَ مِيرَكُ: فَإِنْ قُلْتَ لِمَ دَخَلَ الْفَاءُ فِي الْجَزَاءِ وَهُوَ فِعْلٌ مَاضٍ قُلْتُ هُوَ دُعَاءٌ اهـ. أَيْ: هَذَا فِي مَعْنَى الدُّعَاءِ فَلِذَا جَازَ دُخُولُ الْفَاءِ وَإِنْ جُعِلَ خَبَرًا يَكُونُ التَّقْدِيرُ فَقَدْ صَيَّرَكَ اللَّهُ («قَالَ: وَأَتَى الْأَعْمَى فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ وَابْنُ سَبِيلٍ») أَيْ: مُسَافِرٌ («انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي فَلَا بَلَاغَ لِيَ الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ أَسْأَلُكَ بِالَّذِي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ شَاةً أَتَبَلَّغُ بِهَا فِي سَفَرِي، فَقَالَ») اعْتِرَافًا وَتَحَدُّثًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ («قَدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي فَخُذْ مَا شِئْتَ وَدَعْ مَا شِئْتَ فَوَاللَّهِ لَا أَجْهَدُكَ») بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْهَاءِ وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْهَاءِ أَيْ: لَا أَسْتَفْرِغُ طَاقَتِي (الْيَوْمَ بِشَيْءٍ) أَيْ: بِمَنْعِ شَيْءٍ (أَخَذْتَهُ لِلَّهِ - تَعَالَى -) كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى لَا يُنَاسِبُ الْمَقَامَ بَلِ الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ مَعْنَاهُ لَا أَشُقَّ عَلَيْكَ فِي رَدِّ شَيْءٍ تَطْلُبُهُ مِنِّي أَوْ تَأْخُذُهُ مِنْ مَالِي كَمَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ عَنِ الْقَاضِي عِيَاضٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، ذَكَرَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ («قَالَ: أَمْسِكْ مَالَكَ؛ فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ») أَيْ: أَنْتَ وَرَفِيقَاكَ وَالْمَعْنَى اخْتُبِرْتُمْ، هَلْ تَذْكُرُونَ سُوءَ حَالَتِكُمْ وَشِدَّةَ خِدْمَتِكُمْ أَوَّلًا وَتَشْكُرُونَ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ عَلَيْكُمْ آخِرًا؟ («فَقَدْ رَضِيَ عَنْكَ وَسَخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ») بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ فِيهِمَا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٤ / ١٣٢٩ ]
١٨٧٩ - «وَعَنْ أُمِّ مُجَيْدٍ قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْمِسْكِينَ لِيَقِفُ عَلَى بَابِي حَتَّى أَسْتَحْيِيَ فَلَا أَجِدُ فِي بَيْتِي مَا أَدْفَعُ فِي يَدِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " ادْفَعِي فِي يَدِهِ وَلَوْ ظِلْفًا مُحْرَقًا» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أُمِّ مُجَيْدٍ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الْجِيمِ اسْمُهَا حَوَّاءُ بِنْتُ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ (قَالَتْ: «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْمِسْكِينَ») أَيْ: جِنْسَهُ وَيُحْتَمَلُ الْعَهْدُ (لَيَقِفُ عَلَى بَابِي) أَيْ: وَيَسْأَلُ شَيْئًا مِنِّي وَيُكَرِّرُ سُؤَالَهُ عَنِّي (حَتَّى أَسْتَحْيِيَ) وَلِأَجْلِ أَنَّ الْوُقُوفَ عَلَى بَابٍ يَفْتَحُ بَابَ الْحَيَاءِ وَبِسَيْفِ الْحَيَاءِ يُحْرَمُ أَخْذَ الْعَطَاءِ كَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا مِنَ الْفُقَرَاءِ يَسْأَلُ عَلَى الْأَبْوَابِ وَيَقُولُ: يَا فَتَّاحُ يَا رَزَّاقُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقِفَ عَلَى الْبَابِ («فَلَا أَجِدُ فِي بَيْتِي مَا أَدْفَعُ») أَيْ: شَيْئًا أَضَعُ (فِي يَدِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - ادْفَعِي فِي يَدِهِ) أَيْ: لَا تَرُدِّيهِ خَائِبًا (وَلَوْ ظِلْفًا) أَيْ: وَلَوْ كَانَ مَا يُدْفَعُ بِهِ ظِلْفًا وَهُوَ لِلْبَقَرِ وَالشَّاةِ وَالظَّبْيِ، وَشِبْهَهُ بِمَنْزِلَةِ الْقِدَمِ مِنًّا يَعْنِي شَيْئًا يَسِيرًا، وَقَوْلُهُ (مُحْرَقًا) مُبَالَغَةً (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) .
[ ٤ / ١٣٣٠ ]
١٨٨٠ - «وَعَنْ مَوْلًى لِعُثْمَانَ قَالَ: أُهْدِيَ لِأُمِّ سَلَمَةَ بُضْعَةٌ مِنْ لَحْمٍ، وَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُعْجِبُهُ اللَّحْمُ فَقَالَتْ لِلْخَادِمِ: ضَعِيهِ فِي الْبَيْتِ لَعَلَّ النَّبِيَّ - ﷺ - يَأْكُلُهُ، فَوَضَعَتْهُ فِي كَوَّةِ الْبَيْتِ، وَجَاءَ سَائِلٌ فَقَامَ عَلَى الْبَابِ فَقَالَ: تَصَدَّقُوا بَارَكَ اللَّهُ فِيكُمْ، فَقَالُوا: بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ، فَذَهَبَ السَّائِلُ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - قَالَ: " يَا أَمَّ سَلَمَةَ هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ أَطْعَمُهُ " فَقَالَتْ: نَعَمْ، قَالَتْ لِلْخَادِمِ: اذْهَبِي فَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - بِذَلِكِ اللَّحْمِ، فَذَهَبَتْ فَلَمْ تَجِدْ فِي الْكَوَّةِ إِلَّا قِطْعَةَ مَرْوَةٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: " فَإِنَّ ذَلِكَ اللَّحْمَ عَادَ مَرْوَةً لِمَا لَمْ تُعْطُوهُ السَّائِلَ " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ» .
_________________
(١) (وَعَنْ مَوْلًى لِعُثْمَانٍ قَالَ: أُهْدِيَ لِأُمِّ سَلَمَةَ بُضْعَةٌ) بِضَمِّ الْبَاءِ وَتُكْسَرُ أَيْ: قِطْعَةٌ (مِنْ لَحْمٍ) وَهِيَ مَطْبُوخَةٌ («وَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُعْجِبُهُ اللَّحْمُ») جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ (فَقَالَتْ لِلْخَادِمِ) وَهُوَ وَاحِدُ الْخَدَمِ يَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى لِجَرْيِهِ مَجْرَى الْأَسْمَاءِ وَهُوَ هُنَا أُنْثَى لِقَوْلِهِ (ضَعِيهِ) أَيِ: اللَّحْمَ («فِي الْبَيْتِ لَعَلَّ النَّبِيَّ - ﷺ - يَأْكُلُهُ، فَوَضَعَتْهُ») أَيِ: الْخَادِمُ (فِي كَوَّةِ الْبَيْتِ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَتُضَمُّ أَيْ: فِي ثُقْبِهِ وَطَاقِهِ («وَجَاءَ سَائِلٌ فَقَامَ عَلَى الْبَابِ فَقَالَ») أَيِ: السَّائِلُ (تَصَدَّقُوا) أَيْ: يَا أَهْلَ الْبَيْتِ («بَارَكَ اللَّهُ فِيكُمْ، فَقَالُوا: بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ») فِيهِ تَعْرِيضٌ بِالسُّؤَالِ بِلَفْظِ الدُّعَاءِ مِنَ السَّائِلِ وَالتَّعْرِيضُ بِهِمَا مِنَ الْمَسْئُولِ («فَذَهَبَ السَّائِلُ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ: يَا أَمَّ سَلَمَةَ هَلْ عِنْدَكُمْ») فِيهِ تَعْظِيمٌ أَوْ تَغْلِيبٌ أَوِ الْتِفَاتٌ وَالِاسْتِفْهَامُ مُقَدَّرٌ أَيْ: أَعِنْدَكُمْ (شَيْءٌ أَطْعَمُهُ؟) أَيْ: آكُلُهُ («فَقَالَتْ: نَعَمْ، قَالَتْ لِلْخَادِمِ: اذْهَبِي فَأْتِي») أَيْ: فَهَاتِي (رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - بِذَلِكِ اللَّحْمِ) بِكَسْرِ الْكَافِ وَيُفْتَحُ («فَذَهَبَتْ فَلَمْ تَجِدْ فِي الْكَوَّةِ إِلَّا قِطْعَةَ مَرْوَةٍ») بِسُكُونِ الرَّاءِ أَيْ: حَجَرٌ أَبْيَضُ بَرَّاقٌ، وَقِيلَ: هِيَ مَا يَقْدَحُ مِنْهُ النَّارُ («فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: فَإِنَّ ذَلِكِ اللَّحْمَ») بِكَسْرِ الْكَافِ وَفَتْحِهَا (عَادَ) أَيْ: صَارَ (مَرْوَةً لِمَا) بِكَسْرِ اللَّامِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ، وَبِفَتْحِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ (لَمْ تُعْطُوهُ) أَيْ: مِنْهُ (السَّائِلَ) (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ) .
[ ٤ / ١٣٣٠ ]
١٨٨١ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: " «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ النَّاسِ مَنْزِلًا؟ " قِيلَ: نَعَمْ، قَالَ: " الَّذِي يُسْأَلُ بِاللَّهِ وَلَا يُعْطِي بِهِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ النَّاسِ مَنْزِلًا» ") أَيْ: مَرْتَبَةً عِنْدَ اللَّهِ (قِيلَ: نَعَمْ) أَيْ: قَالُوا: بَلَى " قَالَ: «الَّذِي يُسْأَلُ بِاللَّهِ» " عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ " وَلَا يُعْطِي " بِصِيغَةِ الْمَعْلُومِ " بِهِ " أَيْ: بِاللَّهِ أَوْ بِهَذَا السُّؤَالِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْبَاءُ كَالْبَاءِ فِي كَتَبْتُ بِالْقَلَمِ أَيْ: يُسْأَلُ بِوَاسِطَةِ ذِكْرِ اللَّهِ أَوْ لِلْقَسَمِ وَالِاسْتِعْطَافِ أَيْ: بِقَوْلِ السَّائِلِ أَعْطَوْنِي شَيْئًا بِحَقِّ اللَّهِ، وَهَذَا مُشْكِلٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ السَّائِلُ مُتَّهَمًا بِحَقِّ اللَّهِ وَيُظَنُّ أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ مُقْسِمًا عَلَيْهِ بِاللَّهِ اسْتِعْطَافًا إِلَيْهِ وَحَمْلًا لَهُ عَلَى الْإِعْطَاءِ، بِأَنْ يُقَالَ لَهُ بِحَقِّ اللَّهِ أَعْطِنِي كَذَا لِلَّهِ وَلَا يُعْطِي مَعَ ذَلِكَ شَيْئًا، أَيْ: وَالصُّورَةُ أَنَّهُ مَعَ قُدْرَةِ عِلْمِ اضْطِرَارِ السَّائِلِ إِلَى مَا سَأَلَهُ، وَعَلَى هَذَا حُمِلَ قَوْلُ الْحَلِيمِيِّ أَخْذًا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ: إِنَّ رَدَّ السَّائِلِ بِوَجْهِ اللَّهِ كَبِيرَةٌ اهـ. وَفِي نُسْخَةٍ يَسْأَلُ بِصِيغَةِ الْمَعْلُومِ فَيُقَدَّرُ الَّذِي فِي قَوْلِهِ وَلَا يُعْطِي بِهِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
[ ٤ / ١٣٣٠ ]
١٨٨٢ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ عَلَى عُثْمَانَ فَأَذِنَ لَهُ وَبِيَدِهِ عَصَاهُ فَقَالَ عُثْمَانُ: يَا كَعْبُ إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ تُوُفِّيَ وَتَرَكَ مَالًا فَمَا تَرَى فِيهِ؟ فَقَالَ: إِنْ كَانَ يَصِلُ فِيهِ حَقَّ اللَّهِ فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ، فَرَفَعَ أَبُو ذَرٍّ عَصَاهُ فَضَرَبَ كَعْبًا وَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: " «مَا أُحِبُّ لَوْ أَنَّ لِي هَذَا الْجَبَلَ ذَهَبًا أُنْفِقُهُ وَيُتَقَبَّلُ مِنِّي أَذَرُ خَلْفِي مِنْهُ سِتَّ أَوَاقِيَّ» " أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ يَا عُثْمَانُ أَسَمِعْتَهُ؟ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالَ: نَعَمْ. رَوَاهُ أَحْمَدُ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ عَلَى عُثْمَانَ) أَيْ: لِلدُّخُولِ (فَأَذِنَ لَهُ وَبِيَدِهِ عَصَاهُ) الْوَاوُ لِلْحَالِ وَالضَّمِيرُ لِأَبِي ذَرٍّ (فَقَالَ عُثْمَانُ: يَا كَعْبُ) أَيْ: كَعْبُ الْأَحْبَارِ (إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ) أَيِ: ابْنَ عَوْفٍ (تُوُفِّيَ وَتَرَكَ مَالًا) أَيْ: كَثِيرًا بِحَيْثُ جَاءَ رُبُعُ ثَمَنِهِ ثَمَانِينَ أَلْفَ دِينَارٍ (فَمَا تَرَى فِيهِ؟) أَيْ: فَمَا تَقُولُ فِي حَقِّ الْمَالِ أَوْ صَاحِبِهِ؟ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَالْمَعْنَى هَلْ تَضُرُّ كَثْرَةُ مَالِهِ فِي نَقْصِ كَمَالِهِ؟ (فَقَالَ) أَيْ: كَعْبٌ (إِنْ كَانَ) شَرْطِيَّةٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مُخَفَّفَةً (يَصِلُ فِيهِ) أَيْ: مَالِهِ وَوَقَعَ فِي أَصْلِ ابْنِ حَجَرٍ فِيهَا فَقَالَ: أَيْ: فِي الْأَمْوَالِ الَّتِي تَرَكَهَا (حَقَّ اللَّهِ فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ) أَيْ: لَا كَرَاهَةَ فِيهِ وَلَا نَقْصَ لَهُ (فَرَفَعَ أَبُو ذَرٍّ عَصَاهُ فَضَرَبَ) أَيْ: بِهَا (كَعْبًا) ضَرْبَ تَأْدِيبٍ حَمْلًا عَلَى التَّهْذِيبِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَضْرِبُهُ وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِكَنْزٍ بَعْدَ إِخْرَاجِ حَقِّ اللَّهِ مِنْهُ، أُجِيبَ بِأَنَّهُ إِنَّمَا ضَرَبَهُ لِأَنَّهُ نَفَى الْبَأْسَ بِالْكُلِّيَّةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُحَاسَبُ وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ بَعْدَ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ أَيْ: بِخَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمَقَامَ الْأَعْلَى هُوَ صَرْفُ الْمَالِ فِي مَرْضَاةِ الْمَوْلَى كَمَا هُوَ طَرِيقُ أَكْثَرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَصْفِيَاءِ، إِلَّا أَنَّ فِيهِ إِشْكَالًا وَهُوَ أَنَّ كَعْبًا أَشَارَ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى إِجْمَالًا بِقَوْلِهِ لَا بَأْسَ فَإِنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِي الرُّخْصَةِ دُونَ الْعَزِيمَةِ، وَمَعَ هَذَا لَا يَظْهَرُ وَجْهُ الْإِهَانَةِ لَا سِيَّمَا فِي حَضْرَةِ الْخَلِيفَةِ، وَلَعَلَّ أَبَا ذَرٍّ غَلَتْ عَلَيْهِ الْجَذْبَةُ الْمُؤَدِّيَةُ إِلَى الضَّرْبَةِ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ أَرَادَ بِلَا بَأْسٍ نَفْيَ الْحُرْمَةِ أَوِ الْكَرَاهَةِ كَمَا هُوَ اصْطِلَاحُ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَلَعَلَّ هَذَا الْفِعْلَ وَأَمْثَالَهُ مِمَّا صَدَرَ عَنْهُ فِي جَذْبِهِ حَالَةَ أَمْرِ عُثْمَانَ بَعْدَ ذَلِكَ بِإِخْرَاجِهِ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى رَبْزَةَ حَتَّى تُوفِيَ بِهَا - ﵄ - (وَقَالَ) أَيْ: أَبُو ذَرٍّ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: " «مَا أُحِبُّ لَوْ أَنَّ لِي هَذَا الْجَبَلَ» ") لَعَلَّهُ جَبَلُ أُحُدٍ أَوْ غَيْرُهُ أَوْ أَرَادَ الْجِنْسَ " ذَهَبًا أُنْفِقُهُ " حَالٌ " «وَيُتَقَبَّلُ مِنِّي أَذَرُ» " مَفْعُولُ أُحِبُّ عَلَى حَذْفِ أَنْ وَرَفْعِ الْفِعْلِ؛ قَالَهُ الطِّيبِيُّ أَيْ: أُحِبُّ أَنْ أَتْرُكَ " خَلْفِي مِنْهُ سِتَّ أَوَاقِيَّ " بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَيَجُوزُ تَخْفِيفُهَا وَحَذْفُهَا، وَلَعَلَّهُ: أُحِبُّ أَنْ أَتْرُكَ أَقَلَّ مِنْ هَذَا الْمِقْدَارِ لِلتَّجْهِيزِ وَالتَّكْفِينِ أَوْ لِدَيْنٍ غَائِبٍ " أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ " أَيْ: أُقْسِمُ بِهِ عَلَيْكَ (يَا عُثْمَانُ أَسَمِعْتَهُ) أَيْ: هَذَا الْحَدِيثَ (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) ظَرْفٌ لِأَنْشُدُكَ أَوْ لِأَسَمِعْتَهُ (قَالَ: نَعَمْ) وَحَاصِلُهُ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ كَانَ قَائِلًا بِأَنَّ الْفَقِيرَ الصَّابِرَ أَفْضَلُ، عَلَى مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: إِنَّ الْغَنِيَّ الشَّاكِرَ هُوَ الْأَفْضَلُ، وَأَدِلَّةُ الْأَوَّلِينَ أَظْهَرُ وَالتَّسْلِيمُ أَسْلَمُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (رَوَاهُ أَحْمَدُ) وَكَانَ قِيَاسُ دَأْبِ الْمُصَنِّفِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِقَوْلِهِ رَوَاهُمَا أَحْمَدُ.
[ ٤ / ١٣٣١ ]
١٨٨٣ - «وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ - ﷺ - بِالْمَدِينَةِ الْعَصْرَ، فَسَلَّمَ ثُمَّ قَامَ مُسْرِعًا فَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ إِلَى بَعْضِ حُجَرِ نِسَائِهِ، فَفَزِعَ النَّاسُ مِنْ سُرْعَتِهِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ، فَرَأَى أَنَّهُمْ قَدْ عَجِبُوا مِنْ سُرْعَتِهِ، قَالَ: " ذَكَرْتُ شَيْئًا مِنْ تِبْرٍ عِنْدَنَا فَكَرِهْتُ أَنْ يَحْبِسَنِي فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ قَالَ: " «كُنْتُ خَلَّفْتُ فِي الْبَيْتِ تِبْرًا مِنَ الصَّدَقَةِ فَكَرِهْتُ أَنْ أُبَيِّتَهُ» ".
_________________
(١) (وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: «صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ - ﷺ - بِالْمَدِينَةِ الْعَصْرَ فَسَلَّمَ ثُمَّ قَامَ مُسْرِعًا فَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ») أَيْ: مُتَوَجِّهًا (إِلَى بَعْضِ حُجَرِ نِسَائِهِ) بِضَمِّ الْحَاءِ وَفَتْحِ الْجِيمِ جَمْعُ حُجْرَةٍ («فَفَزِعَ النَّاسُ مِنْ سُرْعَتِهِ») أَيْ: مِنْ أَجْلِ إِسْرَاعِهِ (فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ) أَيْ: فَرَجَعَ عَلَيْهِمْ وَاطَّلَعَ عَلَى مَا لَدَيْهِمْ («فَرَأَى أَنَّهُمْ قَدْ عَجِبُوا مِنْ سُرْعَتِهِ») يَعْنِي وَفَزِعُوا مِنْ حَالَتِهِ " قَالَ: «ذَكَرْتُ شَيْئًا مِنْ تِبْرٍ عِنْدَنَا فَكَرِهْتُ أَنْ يَحْبِسَنِي») أَيْ: يَمْنَعَنِي تَأْخِيرُ قِسْمَتِهِ عَنْ مَقَامِ الزُّلْفَى وَيُلْهِيَنِي عَنِ الْحُضُورِ عِنْدَ الْمَوْلَى كَمَا فِي حَدِيثِ أَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ " فَأَمَرْتُ " أَيْ: أَهْلَ الْبَيْتِ " بِقِسْمَتِهِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ قَالَ: كُنْتُ خَلَّفْتُ " بِتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ: تَرَكْتُ خَلْفِي " فِي الْبَيْتِ تِبْرًا مِنَ الصَّدَقَةِ فَكَرِهْتُ أَنْ أُبَيِّتَهُ " بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ أَيْ: أَتْرُكَهُ حَتَّى يَدْخُلَ عَلَيْهِ اللَّيْلُ.
[ ٤ / ١٣٣١ ]
١٨٨٤ - «وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - عِنْدِي فِي مَرَضِي سِتَّةُ دَنَانِيرَ أَوْ سَبْعَةٌ فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ أُفَرِّقَهَا، فَشَغَلَنِي وَجَعُ نَبِيِّ اللَّهِ - ﷺ - ثُمَّ سَأَلَنِي عَنْهَا مَا فَعَلَتِ السِّتَّةُ أَوِ السَّبْعَةُ؟ قُلْتُ: لَا وَاللَّهِ لَقَدْ شَغَلَنِي وَجَعُكَ، فَدَعَا بِهَا ثُمَّ وَضَعَهَا فِي كَفِّهِ فَقَالَ: " مَا ظَنُّ نَبِيِّ اللَّهِ لَوْ لَقِيَ اللَّهَ - ﷿ - وَهَذِهِ عِنْدَهُ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: «كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - عِنْدِي فِي مَرَضِهِ سِتَّةُ دَنَانِيرَ أَوْ سَبْعَةٌ») بِالتَّنْوِينِ وَتَرْكِهِ («فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ أُفَرِّقَهَا») بِالتَّشْدِيدِ («فَشَغَلَنِي وَجَعُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -») أَيْ: عَنْ تَفْرِيقِهَا (ثُمَّ سَأَلَنِي عَنْهَا) أَيْ: قَائِلًا " «مَا فَعَلَتِ السِّتَّةُ أَوِ السَّبْعَةُ» " بِالرَّفْعِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِذَا رُوِيَ بِالنَّصْبِ كَانَ " فَعَلْتِ " عَلَى خِطَابِ عَائِشَةَ اهـ. وَالتَّقْدِيرُ مَا فَعَلْتِ بِالسِّتَّةِ أَوِ السَّبْعَةِ؟ يَعْنِي هَلْ فَرَّقْتِهَا أَوْ مَا فَرَّقْتِهَا (قَالَتْ: لَا وَاللَّهِ) أَيْ: مَا فَرَّقْتُهَا، وَلَعَلَّ وَجْهَ الْقَسَمِ تَحْقِيقُ التَّقْصِيرِ لِيَكُونَ سَبَبًا لِقَبُولِ الْعُذْرِ («لَقَدْ كَانَ شَغَلَنِي وَجَعُكَ») أَيْ: عَنْ تَفْرِيقِهَا " فَدَعَا بِهَا ثُمَّ وَضَعَهَا فِي كَفِّهِ فَقَالَ: «مَا ظَنُّ نَبِيِّ اللَّهِ» " وَفِي نُسْخَةٍ بِالْإِضَافَةِ " لَوْ لَقِيَ اللَّهَ - ﷿ - وَهَذِهِ " أَيِ: الدَّنَانِيرُ " عِنْدَهُ " أَيْ: ثَابِتَةٌ وَبَاقِيَةٌ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: هَذِهِ مُنَافِيَةٌ لِحَالِ النُّبُوَّةِ اهـ. يَعْنِي لِكَمَالِهَا (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
[ ٤ / ١٣٣٢ ]
١٨٨٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - دَخَلَ عَلَى بِلَالٍ وَعِنْدَهُ صُبْرَةٌ مِنْ تَمْرٍ فَقَالَ: " مَا هَذَا يَا بِلَالُ؟ " قَالَ: شَيْءٌ ادَّخَرْتُهُ لِغَدٍ، فَقَالَ: " أَمَا تَخْشَى أَنْ تَرَى لَهُ غَدًا بُخَارًا فِي جَهَنَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ أَنْفِقْ بِلَالُ وَلَا تَخْشَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إِقْلَالًا» ".
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - دَخَلَ عَلَى بِلَالٍ وَعِنْدَهُ صُبْرَةٌ») بِضَمِّ الصَّادِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: كَوْمَةٌ («مِنْ تَمْرٍ فَقَالَ مَا هَذَا») أَيِ: التَّمْرُ " يَا بِلَالُ؟ قَالَ: شَيْءٌ ادَّخَرْتُهُ لِغَدٍ " أَيْ: لِحَاجَتِي فِي مُسْتَقْبَلٍ مِنَ الزَّمَانِ: " فَقَالَ: «أَمَا تَخْشَى أَنْ تَرَى لَهُ» " أَيْ: لِهَذَا الشَّيْءِ أَوِ التَّمْرِ غَدًا أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ " «بُخَارًا فِي نَارِ جَهَنَّمَ» " أَيْ: أَثَرًا يَصِلُ إِلَيْكَ فَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ قُرْبِهِ مِنْهَا " يَوْمَ الْقِيَامَةِ " أَيْ: جَمِيعُ زَمَانِهَا أَوْ هُوَ تَأْكِيدٌ لِغَدٍ " أَنْفِقْ بِلَالُ " أَيْ: يَا بِلَالُ " وَلَا تَخْشَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إِقْلَالًا " أَيْ: فَقْرًا وَاعِدًا مَا، وَهَذَا أَمْرٌ إِلَى تَحْصِيلِ مَقَامِ الْكَمَالِ وَإِلَّا فَقَدْ جَوَّزَ ادِّخَارَ الْمَالِ سَنَةً لِلْعِيَالِ وَكَذَا لِضُعَفَاءِ الْأَحْوَالِ، قِيلَ: وَمَا أَحْسَنَ مَوْقِعَ ذِي الْعَرْشِ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَيْ: أَتَخْشَى أَنْ يُضَيِّعَ مِثْلَكَ مَنْ هُوَ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ؟ اهـ. أَوْ ذُو الْعَرْشِ كِنَايَةٌ عَنِ الرَّحْمَنِ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] أَيْ: أَتَخَافُ أَنْ يُخَيِّبَ أَمَلَكَ وَيُقَلِّلَ رِزْقَكَ مَنْ رَحْمَتُهُ عَمَّتْ أَهْلَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَالْمُؤْمِنَ وَالْكَافِرَ وَالطُّيُورَ وَالدَّوَابَّ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ مُرَاعَاةُ السَّجْعِ أَنْ يُوقَفَ عَلَى إِقْلَالًا بِالْإِسْكَانِ أَوْ يُقَالَ يَا بِلَالًا لِلِازْدِوَاجِ كَمَا قِيلَ الْغَدَايَا وَالْعَشَايَا، أَقُولُ: هَذَا مِنَ التَّكَلُّفِ فِي السَّجْعِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِي الشَّرْعِ.
[ ٤ / ١٣٣٢ ]
١٨٨٦ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «السَّخَاءُ شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ فَمَنْ كَانَ سَخِيًّا أَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْهَا فَلَمْ يَتْرُكْهُ الْغُصْنُ حَتَّى يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَالشُّحُّ شَجَرَةٌ فِي النَّارِ فَمَنْ كَانَ شَحِيحًا أَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْهَا فَلَمْ يَتْرُكْهُ الْغُصْنُ حَتَّى يُدْخِلَهُ النَّارَ» " رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «السَّخَاءُ شَجَرَةٌ») أَيْ: كَشَجَرَةٍ (فِي الْجَنَّةِ) لَعَلَّ شَبَهَهُ بِهَا فِي عَظَمَتِهَا وَكَوْنِهَا ذَاتَ أَغْصَانٍ وَشُعَبٍ كَثِيرَةٍ اهـ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ صِفَةُ السَّخَاءِ مُصَوَّرَةً شَجَرَةً فِي الْجَنَّةِ، وَقِيلَ: جِنْسُ الشَّجَرَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ نَوْعَانِ مُتَعَارَفٌ وَهِيَ شَجَرَةُ السَّخَاءِ الثَّابِتِ أَصْلُهَا فِي الْجَنَّةِ وَفَرْعُهَا فِي الدُّنْيَا، فَمَنْ أَخَذَ بَغُضْنٍ مِنْهَا فِي الدُّنْيَا أَوْصَلَهُ إِلَى أَصْلِ الْجَنَّةِ فِي الْعُقْبَى كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: " «فَمَنْ كَانَ سَخِيًّا» " أَيْ: فِي عِلْمِ اللَّهِ أَوْ فِي الدُّنْيَا " «أَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْهَا» " أَيْ: بِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ السَّخَاءِ " «فَلَمْ يَتْرُكْهُ الْغُصْنُ» " أَيْ: وَلَوْ آخِرَ الْأَمْرِ («حَتَّى يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَالشُّحُّ») أَيِ: الْبُخْلُ " «شَجَرَةٌ فِي النَّارِ فَمَنْ كَانَ شَحِيحًا أَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْهَا فَلَمْ يَتْرُكْهُ الْغُصْنُ حَتَّى يُدْخِلَهُ النَّارَ» " أَيْ: أَوَّلًا " رَوَاهُمَا " أَيْ: هَذَا الْحَدِيثَ وَالَّذِي قَبْلَهُ " الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ ".
[ ٤ / ١٣٣٢ ]
١٨٨٧ - وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «بَادِرُوا بِالصَّدَقَةِ فَإِنَّ الْبَلَاءَ لَا يَتَخَطَّاهَا» " رَوَاهُ رَزِينٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَلِيٍّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " بَادِرُوا ") أَيِ: الْمَوْتَ أَوِ الْمَرَضَ أَوْ غَيْرَكُمْ " بِالصَّدَقَةِ " أَيْ: بِإِعْطَائِهَا لِلْمُسْتَحِقَّةِ " فَإِنَّ الْبَلَاءَ لَا يَتَخَطَّاهَا " أَيْ: لَا يَتَجَاوَزُهَا بَلْ يَقِفُ دُونَهَا أَوْ يَرْجِعُ عَنْهَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: تَعْلِيلٌ لِلْأَمْرِ بِالْمُبَادَرَةِ وَهُوَ تَمْثِيلٌ، قِيلَ: جُعِلَتِ الصَّدَقَةُ وَالْبَلَاءُ كَفَرَسَيْ رِهَانٍ فَأَيُّهُمَا سَبَقَ لَمْ يَلْحَقْهُ الْآخَرُ وَلَمْ يُخَطِّهِ، وَالتَّخَطِّي تَفَعُّلٌ مِنَ الْخَطْوِ اهـ. وَفِيهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا تَدْفَعُ الصَّدَقَةُ الْبَلَاءَ الْوَاقِعَ وَهُوَ خِلَافُ إِطْلَاقِ مَا وَرَدَ مِنْ أَنَّ الصَّدَقَةَ تَدْفَعُ الْبَلَاءَ، وَلِذَا قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالْأَوْلَى أَنَّهُ جَعَلَ الصَّدَقَةَ سِتْرًا وَحِجَابًا بَيْنَ يَدَيِ الْمُتَصَدِّقِ وَلَا يَتَخَطَّاهَا الْبَلَاءُ حَتَّى يَصِلَ إِلَيْهِ (رَوَاهُ رَزِينٌ) .
[ ٤ / ١٣٣٣ ]