الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٧٩ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - («كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) قَالَ: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧]») رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) بَابُ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ هَذَا نَوْعُ تَخْصِيصٍ بَعْدَ تَعْمِيمٍ، أَوْ ذِكْرُ جُزْئِيٍّ بَعْدَ الْكُلِّيِّ اهْتِمَامًا بِهِ، وَاعْتِنَاءً بِاتِّصَافِهِ لِمَا وَقَعَ فِيهِ مِنَ الِاخْتِلَافِ النَّاشِئِ عَنِ التَّحَيُّرِ فِي هَذَا الْأَمْرِ الَّذِي هُوَ عَظِيمُ الشَّأْنِ بَيْنَ أَهْلِ الْإِيمَانِ، وَالْقَدَرُ: بِالْفَتْحِ، وَتُسَكَّنُ مَا يُقَدِّرُهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْقَضَايَا. قَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: الْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ فَرْضٌ لَازِمٌ، وَهُوَ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَالِقُ أَعْمَالِ الْعِبَادِ خَيْرِهَا، وَشَرِّهَا، وَكَتَبَهَا فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ قَبْلَ أَنْ خَلَقَهُمْ، وَالْكُلُّ بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، وَإِرَادَتِهِ، وَمَشِيئَتِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ يَرْضَى الْإِيمَانَ وَالطَّاعَةَ، وَوَعَدَ عَلَيْهِمَا الثَّوَابَ، وَلَا يَرْضَى الْكُفْرَ وَالْمَعْصِيَةَ وَأَوْعَدَ عَلَيْهِمَا الْعِقَابَ. وَالْقَدَرُ: سِرٌّ مِنْ أَسْرَارِ اللَّهِ تَعَالَى لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهَا مَلَكًا مُقَرَّبًا، وَلَا نَبِيًّا مُرْسَلًا، وَلَا يَجُوزُ الْخَوْضُ فِيهِ، وَالْبَحْثُ عَنْهُ بِطَرِيقِ الْعَقْلِ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْخَلْقَ فَجَعَلَهُمْ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةً خَلَقَهُمْ لِلنَّعِيمِ فَضْلًا، وَفِرْقَةً لِلْجَحِيمِ عَدْلًا، وَسَأَلَ رَجُلٌ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فَقَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الْقَدَرِ؟ قَالَ: طَرِيقٌ مُظْلِمٌ لَا تَسْلُكْهُ، وَأَعَادَ السُّؤَالَ فَقَالَ: بَحْرٌ عَمِيقٌ لَا تَلِجْهُ، فَأَعَادَ السُّؤَالَ فَقَالَ: سِرُّ اللَّهِ قَدْ خَفِيَ عَلَيْكَ فَلَا تَفْتِشْهُ، وَلِلَّهِ دَرُّ مَنْ قَالَ: تَبَارَكَ مَنْ أَجْرَى الْأُمُورَ بِحُكْمِهِ كَمَا شَاءَ لَا ظُلْمًا أَرَادَ، وَلَا هَضْمًا فَمَا لَكَ شَيْءٌ غَيْرُ مَا اللَّهُ شَاءَهُ فَإِنْ شِئْتَ طِبْ نَفْسًا وَإِنْ شِئْتَ مُتْ كَظْمًا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
(٢) (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو): ﵄ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ): جَمْعُ مِقْدَارٍ، وَهُوَ الشَّيْءُ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ قَدْرُ الشَّيْءِ، وَكَمِّيَّتُهُ كَالْمِكْيَالِ، وَالْمِيزَانِ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الْقَدَرِ نَفْسِهِ، وَهُوَ الْكَمِّيَّةُ، وَالْكَيْفِيَّةُ (قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ، وَالْأَرْضَ): وَمَعْنَى كَتَبَ اللَّهُ؛ أَجْرَى اللَّهُ الْقَلَمَ عَلَى اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ بِإِيجَادِ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ التَّعَلُّقِ، وَأَثْبَتَ فِيهِ مَقَادِيرَ الْخَلْقِ مَا كَانَ، وَمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى الْأَبَدِ عَلَى وَفْقِ مَا تَعَلَّقَتْ بِهِ إِرَادَتُهُ أَزَلًا كَإِثْبَاتِ الْكَاتِبِ مَا فِي ذِهْنِهِ بِقَلَمِهِ عَلَى لَوْحِهِ، وَقِيلَ: أَمَرَ اللَّهُ الْقَلَمَ أَنْ يُثْبِتَ فِي اللَّوْحِ مَا سَيُوجَدُ مِنَ الْخَلَائِقِ ذَاتًا وَصِفَةً، وَفِعْلًا، وَخَيْرًا، وَشَرًّا عَلَى مَا تَعَلَّقَتْ بِهِ إِرَادَتُهُ، وَحِكْمَةُ ذَلِكَ إِطْلَاعُ الْمَلَائِكَةِ عَلَى مَا سَيَقَعُ لِيَزْدَادُوا بِوُقُوعِهِ إِيمَانًا، وَتَصْدِيقًا، وَيَعْلَمُوا مَنْ يَسْتَحِقُّ الْمَدْحَ وَالذَّمَّ فَيَعْرِفُوا لِكُلٍّ مَرْتَبَتَهُ، أَوْ قَدَّرَ وَعَيَّنَ مَقَادِيرَهُمْ تَعْيِينًا بَتًّا لَا يَتَأَتَّى خِلَافُهُ بِالنِّسْبَةِ لِمَا فِي عِلْمِهِ الْقَدِيمِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِأُمِّ الْكِتَابِ، أَوْ مُعَلَّقًا كَأَنْ يَكْتُبَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ فُلَانٌ يَعِيشُ عِشْرِينَ سَنَةً إِنْ حَجَّ، وَخَمْسَةَ عَشَرَ إِنْ لَمْ يَحُجَّ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَقْبَلُ الْمَحْوَ وَالْإِثْبَاتَ الْمَذْكُورَيْنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩] أَيِ: الَّتِي لَا مَحْوَ فِيهَا، وَلَا إِثْبَاتَ فَلَا يَقَعُ فِيهِمَا إِلَّا مَا يُوَافِقُ مَا أَبْرَمَ
[ ١ / ١٤٧ ]
فِيهَا. كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَفِي كَلَامِهِ خَفَاءٌ إِذِ الْمُعَلَّقُ، وَالْمُبْرَمُ كُلٌّ مِنْهُمَا مُثْبَتٌ فِي اللَّوْحِ غَيْرُ قَابِلٍ لِلْمَحْوِ، نَعَمِ الْمُعَلَّقُ فِي الْحَقِيقَةِ مُبْرَمٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلْمِهِ تَعَالَى، فَتَعْبِيرُهُ بِالْمَحْوِ إِنَّمَا هُوَ مِنَ التَّرْدِيدِ الْوَاقِعِ فِي اللَّوْحِ إِلَى تَحْقِيقِ الْأَمْرِ الْمُبْرَمِ الْمُبْهَمِ الَّذِي هُوَ مَعْلُومٌ فِي أُمِّ الْكِتَابِ، أَوْ مَحْوُ أَحَدِ الشِّقَّيْنِ الَّذِي لَيْسَ فِي عِلْمِهِ تَعَالَى، فَتَأَمَّلْ فَإِنَّهُ دَقِيقٌ، وَبِالتَّحْقِيقِ حَقِيقٌ. (وَقَوْلُهُ: (بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ): مَعْنَاهُ طُولُ الْأَمَدِ مَا بَيْنَ التَّقْدِيرِ، وَالْخَلْقِ مِنَ الْمُدَدِ، أَوْ تَقْدِيرُهُ بِبُرْهَةٍ مِنَ الدَّهْرِ الَّذِي يَوْمٌ مِنْهُ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ، وَهُوَ الزَّمَانُ، أَوْ مِنَ الزَّمَانِ نَفْسِهِ. فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ يُحْمَلُ عَلَى الزَّمَانِ، وَلَمْ يُخْلَقِ الزَّمَانُ، وَلَا مَا يَتَحَدَّدُ بِهِ مِنَ الْأَيَّامِ، وَالشُّهُورِ، وَالسِّنِينَ؟ قُلْتُ: يُحْمَلُ الزَّمَانُ حِينَئِذٍ عَلَى مِقْدَارِ حَرَكَةِ الْفَلَكِ الْأَعْظَمِ الَّذِي هُوَ الْعَرْشُ، وَهُوَ مَوْجُودٌ حِينَئِذٍ بِدَلِيلِ أَنَّهُ (قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ - ﷺ - (وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ): وَفِي الْمَصَابِيحِ: وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ يَعْنِي كَانَ عَرْشُ اللَّهِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ، وَالْأَرْضَ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ، وَالْمَاءُ عَلَى مَتْنِ الرِّيحِ، وَالرِّيحُ عَلَى الْقُدْرَةِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَرْشَ، وَالْمَاءَ كَانَا مَخْلُوقَيْنِ قَبْلَ خَلْقِهِمَا، وَقِيلَ ذَلِكَ الْمَاءُ هُوَ الْقَلَمُ، وَقِيلَ: فِيهِ دَلِيلٌ لِمَنْ زَعَمَ أَنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي الْعَالَمِ الْمَاءُ، وَإِنَّمَا أَوْجَدَ سَائِرَ الْأَجْسَامِ مِنْهُ تَارَةً بِالتَّلْطِيفِ، وَتَارَةً بِالتَّكْثِيفِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ فِي أَوَّلِ الْمَخْلُوقَاتِ، وَحَاصِلُهَا كَمَا بَيَّنْتُهَا فِي شَرْحِ شَمَائِلِ التِّرْمِذِيِّ أَنَّ أَوَّلَهَا النُّورُ الَّذِي خُلِقَ مِنْهُ - ﵊ -، ثُمَّ الْمَاءُ، ثُمَّ الْعَرْشُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ١ / ١٤٨ ]
٨٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: («كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ حَتَّى الْعَجْزُ، وَالْكَيْسُ») رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ): ﵄ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ): (كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ): بِفَتْحِ الدَّالِ أَيْ: بِمِقْدَارٍ مُرَتَّبٍ مَكْتُوبٍ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ قَبْلَ أَنْ يُوجَدَ فِي الْخَارِجِ عَلَى حَسَبِ مَا اقْتَضَتْهُ الْحِكْمَةُ (حَتَّى الْعَجْزُ، وَالْكَيْسُ): بِفَتْحِ الْكَافِ وَرُوِيَ بِرَفْعِهَا عَطْفًا عَلَى كُلِّ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ حُذِفَ خَبَرُهُ أَيْ: حَتَّى الْعَجْزُ، وَالْكَيْسُ كَذَلِكَ أَيْ: كَائِنَانِ بِقَدَرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَبِجَرِّهِمَا عَطْفًا عَلَى شَيْءٍ. قِيلَ: وَالْأَوْجَهُ أَنْ يَكُونَ حَتَّى هُنَا جَارَّةٌ بِمَعْنَى إِلَى لِأَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ يَقْتَضِي الْغَايَةَ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ اكْتِسَابَ الْعِبَادِ، وَأَفْعَالَهُمْ كُلَّهَا بِتَقْدِيرِ خَالِقِهِمْ حَتَّى الْكَيْسُ الَّذِي يَتَوَسَّلُ صَاحِبُهُ بِهِ إِلَى الْبُغْيَةِ، وَالْعَجْزُ الَّذِي يَتَأَخَّرُ بِهِ عَنْهَا، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنَ الْعَجْزِ هُنَا عَدَمُ الْقُدْرَةِ، أَوْ تَرْكُ مَا يَجِبُ فِعْلُهُ، وَالتَّسْوِيفُ بِهِ، وَالتَّأْخِيرُ عَنْ وَقْتِهِ، أَوِ الْعَجْزُ عَنِ الطَّاعَةِ، وَالْكَيْسُ ضِدُّ الْعَجْزِ، وَهُوَ النَّشَاطُ، وَالْحِذْقُ بِالْأُمُورِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْعَاجِزَ قَدْ قُدِّرَ عَجْزُهُ، وَالْكَيِّسُ قَدْ قُدِّرَ كَيْسُهُ، وَقِيلَ: الْكَيْسُ هُوَ كَمَالُ الْعَقْلِ، وَشِدَّةُ مَعْرِفَةِ الْأُمُورِ، وَتَمْيِيزُ مَا فِيهِ النَّفْعُ مِمَّا فِيهِ الضُّرُّ، وَالْعَجْزُ مُقَابِلُهُ، وَقِيلَ: قُوبِلَ الْكَيْسُ بِالْعَجْزِ عَلَى الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ الْمُقَابِلَ الْحَقِيقِيَّ لِلْكَيْسِ الْبَلَادَةُ، وَلِلْعَجْزِ الْقُوَّةُ، وَفَائِدَةُ هَذَا الْأُسْلُوبِ تَقْيِيدُ كُلٍّ مِنَ اللَّفْظَيْنِ. مِمَّا يُقَابِلُ الْآخَرَ كَأَنَّهُ قِيلَ: حَتَّى الْكَيْسُ، وَالْقُوَّةُ، وَالْعَجْزُ، وَالْبَلَادَةُ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ تَعَالَى، فَهُوَ رَدٌّ عَلَى مَنْ أَثْبَتَ الْقُدْرَةَ، وَالِاخْتِيَارَ لِلْعِبَادِ؛ لِأَنَّ مَصْدَرَ الْفِعْلِ الدَّاعِيَةُ، وَمَنْشَؤُهَا الْقَلْبُ الْمَوْصُوفُ بِالْكَيَاسَةِ وَالْبَلَادَةِ، ثُمَّ الْقُوَّةِ، وَالضَّعْفِ، وَمَكَانُهَا الْأَعْضَاءُ، وَالْجَوَارِحُ، وَإِذَا كَانَ الْكُلُّ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ فَأَيُّ شَيْءٍ يَخْرُجُ مِنْهُمَا، وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الْكَيْسُ جَوْدَةُ الْقَرِيحَةِ، وَإِنَّمَا قُوبِلَ بِالْعَجْزِ؛ لِأَنَّهُ الْخَصْلَةُ الَّتِي تُفْضِي بِصَاحِبِهَا إِلَى الْجَلَادَةِ، وَإِتْيَانِ الْأُمُورِ مِنْ أَبْوَابِهَا، وَذَلِكَ نَقِيضُ الْعَجْزِ، وَالْعَجْزُ هُنَا عَدَمُ الْقُدْرَةِ. وَقَالَ الْمُظْهِرُ: يَعْنِي أَنَّ مَنْ كَانَ عَاجِزًا وَضَعِيفًا فِي الْجُثَّةِ، أَوِ الرَّأْيِ، وَالتَّمْيِيزِ، أَوْ نَاقِصَ الْخِلْقَةِ لَا تُعَيِّرْهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَخَلْقِهِ إِيَّاهُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ، وَمَنْ كَانَ كَامِلَ الْعَقْلِ بَصِيرًا بِالْأُمُورِ تَامَّ الْجُثَّةِ، فَهُوَ أَيْضًا بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِقُوَّتِهِ، وَقُدْرَتِهِ، فَإِنَّهُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. قِيلَ الْوَجْهُ مَا ذَكَرَهُ التُّورِبِشْتِيُّ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ): وَكَذَا أَحْمَدُ.
[ ١ / ١٤٨ ]
٨١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: («احْتَجَّ آدَمُ، وَمُوسَى عِنْدَ رَبِّهِمَا، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى؟ قَالَ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَأَسْكَنَكَ فِي جَنَّتِهِ، ثُمَّ أَهَبَطْتَ النَّاسَ بِخَطِيئَتِكَ إِلَى الْأَرْضِ؟ قَالَ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ، وَأَعْطَاكَ الْأَلْوَاحَ فِيهَا تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ، وَقَرَّبَكَ نَجِيًّا، فَبِكَمْ وَجَدَتِ اللَّهِ كَتَبَ التَّوْرَاةَ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ قَالَ مُوسَى: بِأَرْبَعِينَ عَامًا. قَالَ آدَمُ: فَهَلْ وَجَدْتَ فِيهَا ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَفَتَلُومُنِي عَلَى أَنْ عَمِلْتُ عَمَلًا كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيَّ أَنْ أَعْمَلَهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - (فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى») . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ): ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (احْتَجَّ) أَيْ: تَحَاجَّ (آدَمُ، وَمُوسَى) أَيْ طَلَبَ كُلٌّ مِنْهُمَا الْحُجَّةَ مِنْ صَاحِبِهِ عَلَى مَا يَقُولُ. قِيلَ: هَذِهِ الْمُحَاجَّةُ كَانَتْ رُوحَانِيَّةً فِي عَالَمِ الْغَيْبِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ (عِنْدَ رَبِّهِمَا) أَيْ: عِنْدَ تَجَلِّيهِ تَعَالَى عَلَيْهِمَا حَالَ تَفَاوُضِهِمَا، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ جُسْمَانِيَّةً بِأَنْ أَحْيَاهُمَا، أَوْ أَحْيَا آدَمَ فِي حَيَاةِ مُوسَى، وَاجْتَمَعَا فِي حَضَائِرِ الْقُدْسِ، كَمَا ثَبَتَ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ أَنَّهُ - ﵊ - اجْتَمَعَ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ، أَوْ لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ يُصَلُّونَ. (فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى) أَيْ: غَلَبَهُ فِي الْحُجَّةِ بِأَنْ أَلْزَمَهُ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُسْتَقِلًّا فِيمَا صَدَرَ عَنْهُ مُتَمَكِّنًا مِنْ تَرْكِهِ، بَلْ كَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا فَاللَّوْمُ بَعْدَ زَوَالِ التَّكْلِيفِ، وَالتَّوْبَةِ، وَالْعَفْوِ عَنْهُ لَا سِيَّمَا مِمَّنْ شَاهَدَ سِرَّ اللَّهِ مِنْ وَرَاءِ الْأَسْتَارِ فِي الْقَدَرِ الْمَحْتُومِ مِمَّا لَا يُحَسُّ عَقْلًا، وَأَمَّا مَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ شَرْعًا مِنَ الْحُدُودِ، وَالتَّعْزِيرِ فَحُسْنُهُ مِنَ الشَّارِعِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى غَرَضٍ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ فَائِدَةٌ (قَالَ مُوسَى): إِلَخْ جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ بِمَعْنَى مَا قَبْلَهَا (أَنْتَ آدَمُ الَّذِي خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ) أَيْ: قُدْرَتِهِ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ إِكْرَامًا، وَتَشْرِيفًا لَهُ، وَأَنَّهُ خُلِقَ إِبْدَاعًا مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةِ أَبٍ، وَأُمٍّ، وَالْقِيَاسُ خَلَقَهُ لِيَعُودَ الضَّمِيرُ عَلَى الْمَوْصُولِ حَتَّى يَصِحَّ وُقُوعُ الْجُمْلَةِ صِلَةً، فَالْتَفَتَ تَلَذُّذًا بِخِطَابِ الْأَبِ الْحَائِزِ هَذَا الشَّرَفِ الْأَكْبَرِ، قِيلَ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لُغَةٌ كَقَوْلِ عَلِيٍّ ﵁: أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَةَ (وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ): الْإِضَافَةُ لِلتَّشْرِيفِ، وَالتَّخْصِيصِ أَيْ: مِنَ الرُّوحِ الَّذِي هُوَ مَخْلُوقٌ، وَلَا يَدَ لِأَحَدٍ فِيهِ، وَلَا يَخْفَى مَا فِي الْحَدِيثِ مِنَ الْإِشَارَةِ إِلَى مَا فِي الْقُرْآنِ (وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ) أَيْ: أَمَرَهُمْ أَنْ يَسْجُدُوا لَكَ، أَوْ إِلَيْكَ تَعْظِيمًا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ سُجُودُهُمْ لَهُ انْحِنَاءً لَا خُرُورًا عَلَى الذَّقَنِ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أُمِرُوا بِأَنْ يَأْتَمُّوا بِهِ فَسَجَدَ، وَسَجَدُوا لِلَّهِ، فَالتَّقْدِيرُ أَمَرَهُمْ بِأَنْ يَسْجُدُوا لِلَّهِ لِأَجْلِ سُجُودِكَ إِيَّاهُ، أَوِ اللَّامُ لِلتَّوْقِيتِ. وَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: خَضَعُوا لَهُ، وَأَقَرُّوا بِفَضْلِهِ، فَالسَّجْدَةُ لُغَوِيَّةٌ. بِمَعْنَى الِانْقِيَادِ (وَأَسْكَنَكَ) أَيْ: جَعَلَكَ سَاكِنًا، أَوْ جَعَلَ لَكَ سُكْنَى (فِي جَنَّتِهِ): الْخَاصَّةِ بِهِ، وَفِيهِ رَدٌّ لَفْظًا وَمَعْنًى عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ حَيْثُ قَالُوا فِي بُسْتَانٍ مِنْ بَسَاتِينِ الدُّنْيَا (ثُمَّ أَهْبَطْتَ النَّاسَ بِخَطِيئَتِكَ) أَيِ: الَّتِي صَدَرَتْ مِنْكَ غَيْرَ لَائِقَةٍ بِعُلُوِّ مَقَامِكَ، وَهِيَ أَكْلُكَ مِنَ الشَّجَرَةِ، وَإِنْ كَانَ نِسْيَانًا، أَوْ خَطَأً فِي الِاجْتِهَادِ؛ لِأَنَّ الْكُمَّلَ يُعَاتَبُونَ، وَيُؤَاخَذُونَ بِمَا لَا يُؤَاخَذُ بِهِ غَيْرُهُمْ، فَإِنَّ حَسَنَاتِ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ أَيْ: صِرْتَ سَبَبًا لِإِهْبَاطِهِمْ وَإِنْزَالِهِمْ، وَإِسْقَاطِهِمْ، فَهُمْ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مَوْجُودِينَ لَكِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى شَرَفِ الْوُجُودِ فَكَأَنَّهُ جَعَلَهُمْ مُهْبَطِينَ مِنْهَا (إِلَى الْأَرْضِ): مُتَعَلِّقٌ بِأَهْبَطْتَ يَعْنِي: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْعَمَ عَلَيْكَ بِهَذِهِ النِّعَمِ الْجَلِيلَةِ، وَأَنْتَ عَصَيْتَهُ بِأَكْلِ الشَّجَرَةِ حَتَّى أُخْرِجْتَ مِنَ الْجَنَّةِ بِسَبَبِهَا، وَبَقِيَ أَوْلَادُكَ فِي دَارِ الْمَشَقَّةِ وَالْبَلْوَى وَالِابْتِلَاءِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِالْفَقْرِ وَالْمَرَضِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَوِ اسْتَمَرُّوا فِي الْجَنَّةِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ كَانُوا فِي غَايَةٍ مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي لَا نَعِيمَ فَوْقَهُ، وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يُخِلُّ بِالْأَدَبِ مَعَ الْأَبِ؛ لِأَنَّ مَقَامَ الِاحْتِجَاجِ يُسَامَحُ فِيهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ. (قَالَ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ) أَيِ: اخْتَارَكَ (اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ): بِالْجَمْعِ لِإِرَادَةِ الْأَنْوَاعِ، أَوْ بِالْإِفْرَادِ لِإِرَادَةِ الْجِنْسِ كَمَا قُرِئَ بِالْوَجْهَيْنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤] وَالْجُمْهُورُ عَلَى الْجَمْعِ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا
[ ١ / ١٤٩ ]
يَنْفِي رِسَالَةَ آدَمَ؛ لِأَنَّ كُلًّا ذَكَرَ مَا هُوَ الْأَشْرَفُ مِنْ صِفَاتِ صَاحِبِهِ، وَتَخْصِيصُ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ لَا يَنْفِي مَا عَدَاهُ مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ اصْطَفَاهُ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الرِّسَالَةِ وَالتَّكْلِيمِ، وَاخْتُصَّ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ كَلَامَ اللَّهِ الْقَدِيمَ أَحَدٌ فِي الْأَرْضِ غَيْرُهُ، وَفِيهِ تَلْمِيحٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] (وَبِكَلَامِهِ) أَيْ: بِتَكْلِيمِهِ إِيَّاكَ (وَأَعْطَاكَ الْأَلْوَاحَ): وَهِيَ أَلْوَاحُ التَّوْرَاةِ (فِيهَا تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ) أَيْ: بَيَانُهُ عَلَى وَجْهِ الْمُبَالَغَةِ؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ الْحَرْفِ تَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ الْمَعْنَى، وَالْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافِيَّةٌ مُبَيِّنَةٌ، أَوْ صِفَةٌ أَيِ: الْأَلْوَاحُ الَّتِي فِيهَا إِظْهَارُ كُلِّ شَيْءٍ مِمَّا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي أَمْرِ الدِّينِ مِنَ الْإِخْبَارِ بِالْغُيُوبِ وَالْقَصَصِ، وَالْمَوَاعِظِ، وَالْعَقَائِدِ، وَالْحَلَالِ، وَالْحَرَامِ، وَالْحُدُودِ، وَالْأَحْكَامِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَهَذَا مُسْتَمَدٌّ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥] (وَقَرَّبَكَ نَجِيًّا): النَّجِيُّ: الْمُنَاجَى يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِدُ وَالْجَمْعُ، وَهُوَ مَنْ يَجْرِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ كَلَامٌ فِي السِّرِّ. أَيْ: وَكَلَّمَكَ اللَّهُ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةِ مَلَكٍ، أَوِ الْمَعْنَى وَخَصَّكَ بِالنَّجْوَى كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢] حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ أَوِ الْمَفْعُولِ. (فَبِكَمْ): مُمَيِّزُهُ مَحْذُوفٌ أَيْ: فَبِكَمْ زَمَانًا، أَوْ فَبِأَيِّ زَمَانٍ (وَجَدْتَ اللَّهَ) أَيْ: عَلِمْتَهُ، أَوْ صَادَفْتَ حُكْمَهُ (كَتَبَ التَّوْرَاةَ) أَيْ: أَمَرَ بِكَتْبِ التَّوْرَاةِ فِي الْأَلْوَاحِ لِمَا سَبَقَ أَنَّ مَا فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ كُتِبَ قَبْلَ ذَلِكَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ): عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ (قَالَ مُوسَى: بِأَرْبَعِينَ عَامًا): الْمُرَادُ مِنْهُ التَّحْدِيدُ، أَوِ التَّكْثِيرُ (قَالَ آدَمُ: فَهَلْ وَجَدْتَ فِيهَا) أَيْ: فِي التَّوْرَاةِ، وَقَرَأْتَ، وَعَلِمْتَ مَضْمُونَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ﴾ [طه: ١٢١]: أَيْ بِمُخَالَفَةِ أَمْرِهِ ﴿فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١] أَيْ: فَخَرَجَ بِالْعِصْيَانِ مِنْ أَنْ يَكُونَ رَاشِدًا فِي فِعْلِهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ لَفْظَهُ بِهَذَا التَّرْكِيبِ بَلْ مَعْنَاهُ بِالْعِبْرِيَّةِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهَذَا مِنْهُ فِي غَايَةِ التَّوَاضُعِ لِلَّهِ، وَإِذْعَانٌ لِمَا جَاءَ عَنِ اللَّهِ، وَلَهُ تَعَالَى أَنْ يُخَاطِبَ عَبِيدَهُ، وَيَصِفَهُمْ بِمَا يَشَاءُ؛ إِذِ الْمَعْصِيَةُ وَالْغَوَايَةُ يُطْلَقَانِ عَلَى مُطْلَقِ الْمُخَالَفَةِ، وَلَوْ مَعَ النِّسْيَانِ كَمَا هُنَا، فَإِنَّ آدَمَ لَمْ يَتَعَمَّدِ الْأَكْلَ مِنَ الشَّجَرَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا بَلْ تَأَوَّلَ، أَوْ نَسِيَ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ [طه: ١١٥] وَمَعَ ذَلِكَ وَصَفَهُ رَبُّهُ بِأَنَّهُ عَصَى وَغَوَى إِقَامَةً لِنَامُوسِ الرُّبُوبِيَّةِ عَلَيْهِ لَا لِيَتَأَسَّى بِهِ النَّاسُ فِي وَصْفِهِ بِذَلِكَ لِعِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا، فَلَمْ يُوصَفْ بِذَلِكَ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّهُ يُوهِمُ الْعَامَّةَ وُقُوعَ مَعْصِيَةٍ مِنْهُ - ﵊ -. (قَالَ) أَيْ: مُوسَى (نَعَمْ. قَالَ) أَيْ: آدَمُ (أَفَتَلُومُنِي) أَيْ: أَتَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ هَذَا فَتَلُومُنِي (عَلَى أَنْ عَمِلْتُ عَمَلًا كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيَّ) أَيْ: فِي الْأَلْوَاحِ (أَنْ أَعْمَلَهُ): بَدَلٌ مِنْ ضَمِيرِ كَتَبَهُ الْمَنْصُوبِ (قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟) . قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: لَيْسَ مَعْنَى قَوْلِ آدَمَ: كَتَبَهُ اللَّهُ أَلْزَمَهُ إِيَّايَ، وَأَوْجَبَهُ عَلَيَّ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِي تَنَاوُلِ الشَّجَرَةِ كَسْبٌ وَاخْتِيَارٌ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَثْبَتَهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ قَبْلَ كَوْنِي، وَحَكَمَ بِأَنَّهُ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ، فَهَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَصْدُرَ عَنْ خِلَافِ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى؟ فَكَيْفَ تَغْفُلُ عَنِ الْعِلْمِ السَّابِقِ، وَتَذْكُرُ الْكَسْبَ الَّذِي هُوَ السَّبَبُ، وَتَنْسَى الْأَصْلَ الَّذِي هُوَ الْقَدَرُ، وَأَنْتَ مِمَّنِ اصْطَفَاكَ اللَّهُ، وَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الَّذِينَ يُشَاهِدُونَ سِرَّ اللَّهِ مِنْ وَرَاءِ الْأَسْتَارِ؟ وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ تَشْتَمِلُ عَلَى مَعَانٍ مُحَرِّرَةٍ لِدَعْوَى آدَمَ ﵊ مُقَرِّرَةٌ لِحُجَّتِهِ. مِنْهَا: أَنَّ هَذِهِ الْمُحَاجَّةَ لَمْ تَكُنْ فِي عَالَمِ الْأَسْبَابِ الَّذِي لَا يَجُوزُ فِيهِ قَطْعُ النَّظَرِ عَنِ الْوَسَائِطِ وَالِاكْتِسَابِ، بَلْ فِي عَالَمِ الْعُلْوِيِّ عِنْدَ مُلْتَقَى الْأَرْوَاحِ
[ ١ / ١٥٠ ]
وَمِنْهَا: أَنَّ آدَمَ - ﵊ - احْتَجَّ بِذَلِكَ بَعْدَ انْدِفَاعِ مَوَاجِبِ الْكَسْبِ مِنْهُ، وَارْتِفَاعِ أَحْكَامِ التَّكْلِيفِ عَنْهُ. وَمِنْهَا: أَنَّ اللَّائِمَةَ كَانَتْ بَعْدَ سُقُوطِ الذَّنْبِ وَمُوجِبِ الْمَغْفِرَةِ. قِيلَ: مَذْهَبُ أَهْلِ الْجَبْرِ إِثْبَاتُ التَّقْدِيرِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَنَفْيُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْعَبْدِ أَصْلًا، وَالْمُعْتَزِلَةُ عَلَى خِلَافِهِ، وَكِلَاهُمَا عَلَى شَرَفِ جُرُفٍ هَارٍ، وَالطَّرِيقُ الْمُسْتَقِيمُ الْقَصْدُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ إِذْ لَا يَجُوزُ إِسْقَاطُ الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ الْقَدْرُ، وَلَا إِبْطَالُ الْكَسْبِ الَّذِي هُوَ السَّبَبُ. (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى): لِامْتِنَاعِ رَدِّ عِلْمَ اللَّهِ فِي حَقِّهِ حَيْثُ أَخْبَرَ بِهِ عَنْهُ إِنَّمَا خَلَقَهُ لِلْأَرْضِ، وَأَنَّهُ لَا يَتْرُكُهُ فِي الْجَنَّةِ بَلْ إِنَّهُ يَنْقُلُهُ مِنْهَا إِلَى الْأَرْضِ لِيَكُونَ خَلِيفَتَهُ تَعَالَى فِيهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: إِعَادَتُهُ فَذْلَكَةٌ لِلتَّفْصِيلِ تَثْبِيتًا لِلْأَنْفُسِ عَلَى هَذَا الِاعْتِقَادِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ قَوْلَهُ: فَحَجَّ أَوَّلًا تَحْرِيرٌ لِلدَّعْوَى، وَثَانِيًا إِثْبَاتٌ لَهَا، فَالْفَاءُ فِي الْأَوَّلِ لِلْعَطْفِ، وَفِي الْأَخِيرِ لِلنَّتِيجَةِ اهـ. وَهُمَا مُتَغَايِرَانِ فِي الْمَعْنَى. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ١ / ١٥١ ]
٨٢ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: («إِنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكًا بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: فَيَكْتُبُ عَمَلَهُ، وَأَجَلَهُ، وَرِزْقَهُ، وَشَقِيٌّ، أَوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرَهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ يَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ، وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا. وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا») . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ): ﵁ (قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ): الْأَوْلَى أَنْ تُجْعَلَ هَذِهِ الْجُمْلَةُ اعْتِرَاضِيَّةً لَا حَالِيَّةً لِتَعُمَّ الْأَحْوَالَ كُلَّهَا، وَأَنْ يَكُونَ مِنْ عَادَتِهِ ذَلِكَ فَمَا أَحْسَنَ مَوْقِعَهُ هَاهُنَا. وَمَعْنَاهُ الصَّادِقُ فِي جَمِيعِ أَفْعَالِهِ حَتَّى قَبْلَ النُّبُوَّةِ لِمَا كَانَ مَشْهُورًا فِيمَا بَيْنَهُمْ بِمُحَمَّدٍ الْأَمِينِ. الْمَصْدُوقُ فِي جَمِيعِ مَا أَتَاهُ مِنَ الْوَحْيِ الْكَرِيمِ صَدَّقَهُ زِيدُ رَاسَتْ كَفَتْ بَاوَزِيدَ. قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ: (فَصَدَقَنِي) . وَقَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ («صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ»)، وَقَالَ عَلِيٌّ ﵁ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ: «سَلِ الْجَارِيَةَ تَصْدُقَكَ»، وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ. كَذَا قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَا قِيلَ: إِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا تَأْكِيدٌ إِذْ يَلْزَمُ مِنْ أَحَدِهِمَا الْآخَرُ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُخَصَّ بِهِ. (إِنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ): بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ فَتَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ التَّحْدِيثِ، وَيَجُوزُ فَتْحُهَا أَيْ: مَادَّةُ خَلْقِ أَحَدِكُمْ، أَوْ مَا يُخْلَقُ مِنْهُ أَحَدُكُمْ (يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ) أَيْ: يُقَرَّرُ وَيُحْرَزُ فِي رَحِمِهَا. وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِالْجَمْعِ مُكْثُ النُّطْفَةِ فِي الرَّحِمِ (أَرْبَعِينَ يَوْمًا): يَتَخَمَّرُ فِيهَا حَتَّى يَتَهَيَّأَ لِلْخَلْقِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّ النُّطْفَةَ إِذَا وَقَعَتْ فِي الرَّحِمِ فَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَ مِنْهَا بَشَرًا طَارَتْ فِي بَشَرَةِ الْمَرْأَةِ تَحْتَ كُلِّ ظُفُرٍ وَشَعْرٍ، ثُمَّ تَمْكُثُ أَرْبَعِينَ لَيْلَةٍ، ثُمَّ تَنْزِلُ دَمًا فِي الرَّحِمِ فَذَلِكَ جَمْعُهَا، وَالصَّحَابَةُ أَعْلَمُ النَّاسِ بِتَفْسِيرِ مَا سَمِعُوهُ، وَأَحَقُّهُمْ بِتَأْوِيلِهِ، وَأَكْثَرُهُمُ احْتِيَاطًا، فَلَيْسَ لِمَنْ بَعْدِهِمْ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ. قَالَ ابنُ حَجَرٍ: وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَغَيْرُهُ، وَصَحَّ تَفْسِيرُ الْجَمْعِ بِمَعْنًى آخَرَ، وَهُوَ تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ - ﵊ -: («إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَرَادَ خَلْقَ عَبْدٍ فَجَامَعَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ طَارَ مَاؤُهُ فِي كُلِّ عِرْقٍ وَعُضْوٍ مِنْهَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ السَّابِعِ جَمَعَهُ اللَّهُ، ثُمَّ أَحْضَرَهُ كُلَّ عِرْقٍ لَهُ دُونَ آدَمَ ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: ٨]»، وَيَشْهَدُ لِهَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ - ﵊ - لِمَنْ قَالَ لَهُ: وَلَدَتِ امْرَأَتِي غُلَامًا أَسْوَدَ: («لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ») . وَأَصْلُ النُّطْفَةِ الْمَاءُ الْقَلِيلُ؛ سُمِّيَ بِهَا الْمَنِيُّ لِقِلَّتِهِ، وَقِيلَ لِنَطَافَتِهِ أَيْ: سَيَلَانِهِ لِأَنَّهُ يَنْطُفُ نَطْفًا أَيْ: يَسِيلُ. قَالَ الصُّوفِيَّةُ: خُصُوصِيَّةُ الْأَرْبَعِينَ لِمُوَافَقَتِهِ تَخْمِيرَ طِينَةِ آدَمَ، وَمِيقَاتِ مُوسَى، ثُمَّ إِنَّهُ يُعْجَنُ النُّطْفَةُ بِتُرَابِ قَبْرِهِ كَمَا وَرَدَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ [طه: ٥٥] أَنَّ الْمَلَكَ يَأْخُذُ مِنْ تُرَابِ مَدْفَنِهِ فَيُبَدِّدُهَا عَلَى النُّطْفَةِ، وَلِكَوْنِهِ سُلَالَةً مِنَ الطِّينِ جَاءَ مُخْتَلِفَ الْأَلْوَانِ وَالْأَخْلَاقِ حَسَبَ اخْتِلَافِ أَجْزَاءِ الطِّينِ، بَلْ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْمُرَّكَبَاتِ مِنَ الطِّينِ فِيهِ حِرْصُ النَّمْلَةِ، وَالْفَأْرَةِ، وَشَهْوَةُ الْعُصْفُورِ، وَغَضَبُ الْفَهْدِ، وَكِبْرُ النَّمِرِ، وَبُخْلُ الْكَلْبِ، وَشَرَهُ الْخِنْزِيرِ، وَحِقْدُ الْحَيَّةِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ ذَمَائِمِ الصِّفَاتِ، وَفِيهِ شَجَاعَةُ الْأَسَدِ، وَسَخَاوَةُ الدِّيكِ، وَقَنَاعَةُ
[ ١ / ١٥١ ]
الْبُومِ، وَحِلْمُ الْجَمَلِ، وَتَوَاضَعُ الْهِرَّةِ، وَوَفَاءُ الْكَلْبِ، وَبُكُورُ الْغُرَابِ، وَهِمَّةُ الْبَازِي، وَنَحْوُهَا مِنْ مَحَاسِنَ الْأَخْلَاقِ. (نُطْفَةً): حَالٌ مِنْ فَاعِلِ يُجْمَعُ (ثُمَّ يَكُونُ) أَيْ: خَلْقُ أَحَدِكُمْ (عَلَقَةً) أَيْ: دَمًا غَلِيظًا جَامِدًا. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ أَيْ: ثُمَّ عَقِبَ هَذِهِ الْأَرْبَعِينَ يَكُونُ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ الَّذِي اجْتَمَعَتْ فِيهِ النُّطْفَةُ عَلَقَةً، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ قَوْلَهُ: يَكُونُ بِمَعْنَى يَصِيرُ، وَالضَّمِيرُ إِلَى مَا جُمِعَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ نُطْفَةً، وَقِيلَ: يَصِيرُ خَلْقُهُ عَلَقَةً لِأَنَّهَا إِذْ ذَاكَ تَعَلَّقَ بِالرَّحِمِ اهـ. وَفِيهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ الصَّيْرُورَةَ فِي أَرْبَعِينَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَالظَّاهِرُ أَنْ يُقَدِّرَ، وَيَبْقَى، أَوْ يَمْكُثَ (مِثْلَ ذَلِكَ): إِشَارَةٌ إِلَى مَحْذُوفٍ أَيْ: مِثْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ يَعْنِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا (ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً) أَيْ: قِطْعَةَ لَحْمٍ قَدْرَ مَا يُمْضَغُ (مِثْلَ ذَلِكَ): وَيَظْهَرُ التَّصْوِيرُ فِي هَذِهِ الْأَرْبَعِينَ. قَالَ: الْمُظْهِرُ فِي هَذَا التَّحْوِيلِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى خَلْقِهِ فِي لَمْحَةٍ فَوَائِدُ وَعِبَرٌ. مِنْهَا: أَنَّهُ لَوْ خَلَقَهُ دَفْعَةً لَشَقَّ عَلَى الْأُمِّ لِعَدَمِ اعْتِيَادِهَا، وَرُبَّمَا تَظُنُّ عِلَّةً، فَجُعِلَ أَوَّلًا نُطْفَةً لِتَعْتَادَهَا مُدَّةً، وَهَكَذَا إِلَى الْوِلَادَةِ. وَمِنْهَا: إِظْهَارُ قُدْرَتِهِ، وَنِعْمَتِهِ لِيَعْبُدُوهُ، وَيَشْكُرُوهُ حَيْثُ قَلَبَهُمْ مِنْ تِلْكَ الْأَطْوَارِ إِلَى كَوْنِهِمْ إِنْسَانًا حَسَنَ الصُّورَةِ مُتَحَلِّيًا بِالْعَقْلِ، وَالشَّهَامَةِ. وَمِنْهَا: إِرْشَادُ النَّاسِ، وَتَنْبِيهُهُمْ عَلَى كَمَالِ قُدْرَتِهِ عَلَى الْحَشْرِ؛ لِأَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى خَلْقِ الْإِنْسَانِ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ. ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ، ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُهَيَّأَةٍ لِنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ يَقْدِرُ عَلَى حَشْرِهِ، وَنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ. قُلْتُ: وَمِنْهَا: بَلْ أَظْهَرُهَا تَعْلِيمُ الْعِبَادِ فِي تَدْرِيجِ الْأُمُورِ، وَعَدَمِ تَعْجِيلِهِمْ فِيهَا، فَإِنَّهُ تَعَالَى مَعَ كَمَالِ قُدْرَتِهِ، وَقُوَّتِهِ عَلَى خَلْقِهِ دُفْعَةً حَيْثُ خَلَقَهُ مُدَرَّجًا فَإِنَّ الْإِنْسَانَ أَوْلَى بِهِ التَّأَنِّي فِي فِعْلِهِ كَمَا قَالُوا مِثْلَ هَذِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤] فَحَصَلَتِ الْمُطَابَقَةُ وَالْمُنَاسَبَةُ، وَالْمُوَافَقَةُ بَيْنَ الْآيَاتِ الْآفَاقِيَّةِ، وَالدَّلَالَاتِ الْأَنْفُسِيَّةِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] . وَمِنْهَا تَنْبِيهُهُمْ، وَتَفْهِيمُهُمْ أَصْلَهُمْ وَفَرْعَهُمْ فَلَا يَغْتَرُّوا بِقُوَّةِ أَبْدَانِهِمْ، وَأَعْضَائِهِمْ، وَحَوَاسِّهِمْ، وَيَعْرِفُوا أَنَّهَا كُلَّهَا عَطَايَا، وَهَدَايَا، بَلْ عَلَى وَجْهِ الْعَارِيَةِ مَوْجُودَةٌ عِنْدَهُمْ لِيَنْظُرُوا فِي مَبْدَئِهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥] وَفِي الْحَدِيثِ: «مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ» (ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ إِلَيْهِ) أَيْ: إِلَى خَلْقِ أَحَدِكُمْ، أَوْ إِلَى أَحَدِكُمْ يَعْنِي فِي الطَّوْرِ الرَّابِعِ حِينَ مَا يَتَكَامَلُ بَيَانُهُ، وَيَتَشَكَّلُ أَعْضَاؤُهُ (مَلَكًا): وَفِي الْأَرْبَعِينَ: ثُمَّ يُرْسِلُ إِلَيْهِ الْمَلَكَ، وَالْمُرَادُ بِالْإِرْسَالِ أَمْرُهُ بِهَا، وَالتَّصَرُّفُ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ مُوَكَّلٌ بِالرَّحِمِ حِينَ كَانَ نُطْفَةً، أَوْ ذَاكَ مَلَكٌ آخَرُ غَيْرُ مَلَكِ الْحِفْظِ.
فَإِنْ قُلْتَ: قَدْ وَرَدَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ بِرِوَايَةِ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ خِلَافُ ابْنِ مَسْعُودٍ كَمَا فِي الْمَشَارِقِ، «أَنَّهُ إِذَا مَرَّ بِالنُّطْفَةِ ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً بَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا فَصَوَّرَهَا، وَخَلَقَ سَمْعَهَا، وَبَصَرَهَا، وَجِلْدَهَا، وَعِظَامَهَا، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ فَيَقْضِي رَبُّكَ مَا شَاءَ، ثُمَّ يَكْتُبُ أَجَلَهُ وَرِزْقَهُ»، فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ التَّصْوِيرَ بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ الْأُولَى، وَهُوَ مُنَافٍ لِهَذِهِ الرِّوَايَةِ. فَجَوَابُهُ: أَنَّ لِتَصَرُّفِ الْمَلَكِ أَوْقَاتًا. أَحَدُهَا: حِينَ يَكُونُ نُطْفَةً، ثُمَّ يَنْقَلِبُ عَلَقَةً، وَهُوَ أَوَّلُ عِلْمِ الْمَلَكِ بِأَنَّهُ وَلَدٌ، وَذَلِكَ عَقِيبَ الْأَرْبَعِينَ الْأُولَى، وَحِينَئِذٍ يَبْعَثُ إِلَيْهِ رَبُّهُ يَكْتُبُ رِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ، وَعَمَلَهُ، وَخِلْقَتَهُ، وَصُورَتَهُ، ثُمَّ يَتَصَرَّفُ فِيهِ لِتَصْوِيرِهِ، وَخَلْقِ أَعْضَائِهِ، وَذَلِكَ فِي الْأَرْبَعِينَ الثَّالِثَةِ، ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، فَالْمُرَادُ بِتَصْوِيرِهَا بَعْدَهُ أَنَّهُ يَكْتُبُ ذَلِكَ، ثُمَّ يَفْعَلُهُ فِي وَقْتٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ التَّصْوِيرَ الْأَوَّلَ بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ الْأُولَى غَيْرُ مَوْجُودٍ عَادَةً، كَذَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ، وَقَدِ اسْتَفَاضَ بَيْنَ النِّسَاءِ أَنَّ النُّطْفَةَ إِذَا قُدِّرَتْ ذَكَرًا تَتَصَوَّرُ بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ الْأُولَى بِحَيْثُ يُشَاهَدُ مِنْهُ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى السَّوْأَةَ، فَتُحْمَلُ رِوَايَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى الْبَنَاتِ، أَوِ الْغَالِبِ. (بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ) أَيْ: بِكِتَابَتِهَا، وَكُلُّ قَضِيَّةٍ تُسَمَّى كَلِمَةٌ قَوْلًا كَانَ، أَوْ فِعْلًا (فَيَكْتُبُ عَمَلَهُ): مِنَ الْخَيْرِ، وَالشَّرِّ (وَأَجَلَهُ): مُدَّةَ حَيَاتِهِ، أَوِ انْتِهَاءَ عُمُرِهِ (وَرِزْقَهُ): يَعْنِي أَنَّهُ قَلِيلٌ أَوْ
[ ١ / ١٥٢ ]
كَثِيرٌ، وَغَيْرُهُمَا مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ حَلَالًا كَانَ أَوْ حَرَامًا مَأْكُولًا أَوْ غَيْرَهُ، فَيُعَيَّنُ لَهُ، وَيُنْقَشُ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مَكْتُوبَةً فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ مَا يَلِيقُ بِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَالْأَعْمَارِ، وَالْأَرْزَاقِ حَسَبِ مَا اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ، وَسَبَقَتْ كَلِمَتُهُ، فَمَنْ وَجَدَهُ مُسْتَعِدًّا لِقَبُولِ الْحَقِّ، وَاتِّبَاعِهِ، وَرَآهُ أَهْلًا لِلْخَيْرِ، وَأَسْبَابَ الصَّلَاحِ مُتَوَجِّهًا إِلَيْهِ أَثْبَتَهُ فِي عِدَادِ السُّعَدَاءِ، وَمَنْ وَجَدَهُ مُتَجَافِيًا قَاسِيَ الْقَلْبِ مُتَأَبِّيًا عَنِ الْحَقِّ أَثْبَتَهُ فِي دِيوَانِ الْأَشْقِيَاءِ، وَكَتَبَ مَا يَتَوَقَّعُ مِنْهُ مِنَ الشُّرُورِ وَالْمَعَاصِي، هَذَا إِذَا لَمْ يَعْلَمْ مِنْ حَالِهِ مَا يَقْتَضِي تَغَيُّرَ ذَلِكَ، وَإِنْ عَلِمَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا كَتَبَ لَهُ أَوَائِلَ أَمْرِهِ، وَأَوَاخِرَهُ، وَحَكَمَ عَلَيْهِ حَسَبَ مَا يَتِمُّ بِهِ عَمَلُهُ، فَإِنَّ مِلَاكَ الْعَمَلِ خَوَاتِيمُهُ، وَهُوَ الَّذِي يَسْبِقُ إِلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِكَتْبِهِ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ إِظْهَارُهُ لِلْمَلَكِ، وَإِلَّا فَقَضَاؤُهُ سَابِقٌ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ مُجَاهِدُ: يَكْتُبُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ فِي وَرَقَةٍ، وَتُعَلَّقُ فِي عُنُقِهِ بِحَيْثُ لَا يَرَاهَا النَّاسُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكُلُّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣] قَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: أَرَادَ بِالطَّائِرِ مَا قَضَى عَلَيْهِ أَنَّهُ عَامِلُهُ، وَهُوَ صَائِرٌ إِلَيْهِ مِنْ سَعَادَةٍ أَوْ شَقَاوَةٍ، وَخَصَّ الْعُنُقَ لِأَنَّهُ مَوْضِعَ الْقِلَادَةِ وَالْأَطْوَاقِ. قُلْتُ: وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الذِّمَّةِ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ فِي ذِمَّتِهِ أَنْ يَفْعَلَهَا، وَلَا يَقْدِرَ أَنْ يَنْفَكَّ عَنْهَا، وَقِيلَ: يُؤْمَرُ بِكِتَابَةِ الْأَحْكَامِ الْمُقَدَّرَةِ لَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ، أَوْ بَطْنِ كَفِّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْكِتَابَةَ الَّتِي فِي أُمِّ الْكِتَابِ تَعُمُّ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا، وَهَذَا مَا يُخَصُّ بِهِ كُلُّ إِنْسَانٍ؛ إِذْ لِكُلٍّ كِتَابَةٌ سَابِقَةٌ، وَهِيَ مَا فِي اللَّوْحِ، وَلَاحِقَةٌ تُكْتَبُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَمُتَوَسِّطَةٌ أُشِيرَ إِلَيْهَا فِي الْحَدِيثِ، وَفِي أَصْلِ الْأَرْبَعِينَ يُكْتَبُ رِزْقُهُ، وَأَجَلُهُ، وَعَمَلُهُ، وَشَقِيٌّ، أَوْ سَعِيدٌ، وَهُوَ بَدَلُ كُلٍّ مِنْ قَوْلِهِ أَرْبَعُ إِذِ الْمُضَافُ مُقَدَّرٌ فِيهِ، وَيُرْوَى يَكْتُبُ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ. (وَشَقِيٌّ): خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: يَكْتُبُ هُوَ شَقِيٌّ (أَوْ سَعِيدٌ): قِيلَ: كَانَ مِنْ حَقِّ الظَّاهِرِ أَنْ يُقَالَ: وَيَكْتُبُ سَعَادَتَهُ وَشَقَاوَتَهُ، فَعَدَلَ إِمَّا حِكَايَةً لِصُورَةِ مَا يَكْتُبُهُ الْمَلَكُ؛ لِأَنَّهُ يَكْتُبُ أَشَقِيٌّ، أَوْ سَعِيدٌ، وَالتَّقْدِيرُ أَنَّهُ شَقِيٌّ، أَوْ سَعِيدٌ، فَعَدَلَ لِأَنَّ الْكَلَامَ مَسُوقٌ إِلَيْهِمَا، وَالتَّفْصِيلُ وَهُوَ قَوْلَهُ: فَوَالَّذِي إِلَخْ وَارِدٌ عَلَيْهِمَا، وَالسَّعَادَةُ مُعَاوَنَةُ الْأُمُورِ الْإِلَهِيَّةِ لِلْإِنْسَانِ عَلَى نَيْلِ الْخَيْرَاتِ، وَتُضَادُّهَا الشَّقَاوَةُ، وَهِيَ إِمَّا قَلْبِيَّةٌ، أَوْ بَدَنِيَّةٌ، أَوْ مَا حَوْلَ الْبَدَنِ فَالْقَلْبِيَّةُ هِي الْمَعَارِفُ، وَالْحِكَمُ وَالْكَمَالَاتُ الْعِلْمِيَّةُ، وَالْعَمَلِيَّةُ الْقَلْبِيَّةُ، وَالْخُلُقِيَّةُ، وَالْبَدَنِيَّةُ، الصِّحَّةُ وَالْقُوَّةُ، وَاللَّذَّاتُ الْجُسْمَانِيَّةُ، وَمَا حَوْلَ الْبَدَنِ مِنَ الْأَمْوَالِ، وَالْأَسْبَابِ، وَقَدَّمَ الشَّقَاوَةَ لِيُعْلَمَ أَنَّ الشَّرَّ كَالْخَيْرِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَتَقْدِيرُهُ رَدًّا عَلَى الثَّنَوِيَّةِ الْمُثْبِتِينَ شَرِيكًا فَاعِلًا لِلشَّرِّ لِأَنَّهُمْ طَلَبُوا الْحِكْمَةَ فِي أَفْعَالِ اللَّهِ فَقَالُوا: مُدَبِّرُ الْعَالَمِ لَوْ كَانَ وَاحِدًا لَمْ يَخُصَّ هَذَا بِأَنْوَاعِ الْخَيْرَاتِ وَالصِّحَّةِ وَالْغِنَى، وَذَلِكَ بِأَصْنَافِ الشُّرُورِ، فَرَدَّ عَلَيْهِمُ الرَّبُّ بِقَوْلِهِ: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣] وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ الشَّاعِرِ:
كَمْ مِنْ أَدِيبٍ فَطِنٍ عَالِمٍ مُسْتَكْمِلِ الْعَقْلِ مُقِلٍّ عَدِيمِ
وَكَمْ جَهُولٍ مُكْثِرٍ مَالَهُ ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
وَتَحْقِيقُ هَذَا الْمَقَامِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ لِلَّهِ صِفَتَيْ لُطْفٍ وَقَهْرٍ، وَالْحِكْمَةُ تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمُلْكُ سِيَّمَا مُلْكُ الْمُلُوكِ كَذَلِكَ، إِذْ كُلٌّ مِنْهُمَا مِنْ أَوْصَافِ الْكَمَالِ، وَلَا يَقُومُ أَحَدُهُمَا مَقَامَ الْآخَرِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ كُلٌّ مِنْهُمَا إِلَّا بِوُجُودِ الْآخَرِ، كَمَا لَا تَتَبَيَّنُ اللَّذَّةُ إِلَّا بِالْأَلَمِ، وَبِضِدِّهَا تَتَبَيَّنُ الْأَشْيَاءُ، وَلَا بُدَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ مَظْهَرٍ، فَالسُّعَدَاءُ، وَأَعْمَالُهُمْ مَظَاهِرُ اللُّطْفِ، وَفَائِدَةُ بِعْثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْكُتُبِ تَرْجِعُ إِلَيْهِمْ ﴿إِنَّمَا أَنْتِ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ [النازعات: ٤٥] كَمَا أَنَّ فَائِدَةَ نُورِ الشَّمْسِ لِأَهْلِ الْبَصَرِ، وَالْأَشْقِيَاءُ وَأَفْعَالُهُمْ مَظَاهِرُ الْقَهْرِ، وَفَائِدَةُ الْبِعْثَةِ لَهُمْ إِلْزَامُ الْحُجَّةِ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ، وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ نَعْيٌ عَلَيْهِمْ بِالشَّقَاوَةِ (ثُمَّ يُنْفَخُ): عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ مَعْلُومٌ (فِيهِ الرُّوحُ): بِالْوَجْهَيْنِ أَيْ: ثُمَّ بَعْدَ هَذَا الْبَعْثُ لَا قَبْلَهُ، وَعَكْسُ ذَلِكَ الْوَاقِعُ فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ الْمُرَادُ بِهِ تَرْتِيبُ الْأَخْبَارِ فَقَطْ عَلَى أَنَّ
[ ١ / ١٥٣ ]
رِوَايَةُ الشَّيْخَيْنِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى غَيْرِهَا. كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، لَكِنْ وَقَعَ فِي الْأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ بِلَفْظِ: فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ إِلَخْ. وَنُسِبَ إِلَى الشَّيْخَيْنِ فَتَأَمَّلْ، فَلَعَلَّهُمَا لَهُمَا رِوَايَتَانِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ): الْقَسَمُ لِإِفَادَةِ التَّحْقِيقِ، وَتَأْكِيدِ التَّصْدِيقِ أَيْ: إِذَا كَانَ الشَّقَاوَةُ، وَالسَّعَادَةُ مَكْتُوبَةً فَوَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، وَلِيَعْلَمَ فِي أَمْرِ الْقَضَاءِ أَنَّ الْكَسْبَ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْحَقِيقَةِ (إِنَّ أَحَدَكُمْ): وَلَفَظُ الْمَصَابِيحِ: فَإِنَّ الرَّجُلَ أَيِ: الشَّخْصَ (لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ): فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِالرَّفْعِ لَا لِأَنَّ مَا النَّافِيَةُ كَافَّةٌ عَنِ الْعَمَلِ، بَلْ لِأَنَّ الْمَعْنَى عَلَى حِكَايَةِ حَالِ الرَّجُلِ لَا الْإِخْبَارُ عَنِ الْمُسْتَقْبَلِ. كَذَا قَالَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ. وَقَالَ الْمُظْهِرُ: حَتَّى هِيَ النَّاصِبَةُ، وَمَا نَافِيَةٌ. وَلَفْظَةُ: يَكُونُ مَنْصُوبَةٌ بِحَتَّى، وَمَا غَيْرُ مَانِعَةٍ لَهَا مِنَ الْعَمَلِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْأَوْجَهُ أَنَّهَا عَاطِفَةٌ، وَيَكُونُ بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ (بَيْنَهُ، وَبَيْنَهَا) أَيْ: بَيْنَ الرَّجُلِ، وَبَيْنَ الْجَنَّةِ (إِلَّا ذِرَاعٌ): تَمْثِيلٌ لِغَايَةِ قُرْبِهَا (فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ): ضُمِّنَ مَعْنَى يَغْلِبُ، وَلِذَا عُدِّيَ بِعَلَى، وَإِلَّا فَهُوَ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ أَيْ: يَغْلِبُ عَلَيْهِ كِتَابُ الشَّقَاوَةِ، وَالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ، وَالْكِتَابُ بِمَعْنَى الْمَكْتُوبِ أَيِ: الْمُقَدَّرُ، أَوِ التَّقْدِيرُ أَيِ: التَّقْدِيرُ الْأَزَلِيُّ، وَالْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ يَدُلُّ عَلَى حُصُولِ السَّبْقِ بِلَا مُهْلَةٍ. («فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا»): فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ دُخُولَ النَّارِ لَا يَكُونُ بِمُجَرَّدِ تَعَلُّقِ الْعِلْمِ الْإِلَهِيِّ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ ظُهُورِ الْعَمَلِ الْمَخْلُوقِيِّ فَلَا يَكُونُ جَبْرًا مَحْضًا، وَلَا قَدَرًا بَحْتًا، وَهَذَا مِمَّا سَنَحَ لِي، وَقِيلَ: لِأَنَّ بَذْرَ الشَّقَاوَةِ، وَالسَّعَادَةِ قَدِ اخْتَفَى فِي الْأَطْوَارِ الْإِنْسَانِيَّةِ لَا يَبْرُزُ إِلَّا إِذَا انْتَهَى إِلَى الْغَايَةِ الْإِيمَانِيَّةِ، أَوِ الطُّغْيَانِيَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَإِنَّ أَحَدَكُمْ) أَيِ: الْآخَرَ (لِيَعْمَلَ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ): مِنَ الْكُفْرِ، وَالْمَعَاصِي (حَتَّى مَا يَكُونُ): بِالْوَجْهَيْنِ (بَيْنَهُ، وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ): قِيلَ: فِيهِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ أَمَارَاتٌ لَا مُوجِبَاتٌ، وَأَنَّ مَصِيرَهَا إِلَى مَا جَرَى بِهِ الْمَقَادِيرُ فِي الْبِدَايَةِ (فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ): بِأَنْ يَسْتَغْفِرَ، وَيَتُوبَ (فَيَدْخُلُهَا): أَقُولُ: فِي الْحَدِيثِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ السَّالِكَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَغْتَرَّ بِأَعْمَالِهِ الْحَسَنَةِ، وَيَجْتَنِبَ الْعُجْبَ، وَالتَّكَبُّرَ، وَالْأَخْلَاقَ السَّيِّئَةَ، وَيَكُونُ بَيْنَ الْخَوْفِ، وَالرَّجَاءِ، وَمُسَّلِمًا بِالرِّضَا تَحْتَ حُكْمِ الْقَضَاءِ، وَكَذَا إِذَا صَدَرَتْ مِنْهُ الْأَعْمَالُ السَّيِّئَةُ فَلَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ تَعَالَى الطَّيِّبَةِ، فَإِنَّهَا إِذَا بَدَتْ عَيْنُ الْعِنَايَةِ أَلْحَقَتِ الْآخِرَةَ بِالسَّابِقَةِ، وَكَذَا الْحَالُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَجْزِ فِي الْأَعْمَالِ فَلَا يُحْكَمُ لِأَحَدٍ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالدَّرَجَاتِ، وَإِنْ عَمِلَ مَا عَمِلَ مِنَ الطَّاعَاتِ، أَوْ ظَهَرَ عَلَيْهِ مِنْ خَوَارِقَ الْعَادَاتِ، وَلَا يَجْزِمْ فِي حَقِّ أَحَدٍ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَالْعُقُوبَاتِ، وَلَوْ صَدَرَ مِنْهُ جَمِيعُ السَّيِّئَاتِ، وَالْمَظَالِمِ، وَالتَّبِعَاتِ، فَإِنَّ الْعِبَرَ بِخَوَاتِيمَ الْحَالَاتِ، وَلَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا غَيْرُ عَالِمِ الْغَيْبِ، وَالشَّهَادَاتِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مَا يَجْرِي فِي الْعَالَمِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَالْكُفْرِ، وَالسَّعَادَةِ، وَالشَّقَاوَةِ مِنَ الْكُلِّيَّاتِ، وَالْجُزْئِيَّاتِ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ، وَإِيجَادِهِ، إِذْ لَا مُؤَثِّرَ فِي الْوُجُودِ إِلَّا اللَّهُ الْمُتَعَالِي عَنِ الشَّرِيكِ ذَاتًا وَصِفَةً، وَفِعْلًا، يَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ لَا عِلَّةَ لِفِعْلِهِ، وَلَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ، وَلَا مَجَالَ لِلْعَقْلِ فِي تَحْسِينِ الْأَفْعَالِ وَتَقْبِيحِهَا، بَلْ يَحْسُنُ صُدُورُهَا كُلُّهَا عَنْهُ، وَالِاسْتِقْلَالُ لِلْعَبْدِ فِي الْأَفْعَالِ وَالْمَدْحِ وَالذَّمِّ بِاعْتِبَارِ الْمَحَلِّيَّةِ لَا بِاعْتِبَارِ الْفَاعِلِيَّةِ كَمَا يُمْدَحُ الشَّيْءُ بِحُسْنِهِ وَالثَّوَابِ، وَالْعِقَابِ كَسَائِرِ الْأُمُورِ الْعَادِيَّةِ، فَإِنَّ اللَّهَ أَجْرَى عَادَتَهُ بِأَنْ يُوجِدَ الْأَسْبَابَ أَوَّلًا، ثُمَّ يُوجِدُ الْمُسَبِّبَاتُ عَقِيبَهَا، فَكُلٌّ مِنْهُمَا صَادِرٌ عَنْهُ ابْتِدَاءً، وَأَمَّا الْبِعْثَةُ، وَالتَّكْلِيفُ فَلِأَنَّ اللَّهَ يَجِبُ اتِّصَافَهُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَالْوَعْدِ، وَالْوَعِيدِ، وَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ مُظْهِرٍ كَمَا كَانَ كَذَلِكَ فِي جَمِيعِ الصِّفَاتِ فَكَلَّفَ الْعِبَادَ بِهِمَا، وَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْوَعْدَ وَالْوَعِيدَ إِظْهَارًا لِمُقْتَضَى سُلْطَتِهِ كَمَا قَالَ: كُنْتُ كَنْزًا مَخْفِيًّا فَأَرَدْتُ أَنْ أُعْرَفَ فَخَلَقْتُ الْخَلْقَ لِأَنْ أُعْرَفَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ١ / ١٥٤ ]
٨٣ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ») . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ سَهْلِ بْنَ سَعْدٍ) أَيِ: السَّاعِدِيِّ الْأَنْصَارِيِّ يُكَنَّى أَبَا الْعَبَّاسِ، وَكَانَ اسْمُهُ حَزْنًا فَسَمَّاهُ النَّبِيُّ - ﷺ - سَهْلًا، وَمَاتَ النَّبِيُّ - ﷺ -، وَلَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَمَاتَ سَهْلٌ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِينَ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ. رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ الْعَبَّاسُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَأَبُو حَازِمٍ. (﵁) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (إِنَّ الْعَبْدَ) أَيُّ عَبْدٍ مِنْ عَبِيدِ اللَّهِ (لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ) أَيْ: ظَاهِرًا، وَصُورَةً، أَوْ أَوَّلًا، أَوْ فِي نَظَرِ الْخَلْقِ (وَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ)
[ ١ / ١٥٤ ]
أَيْ: بَاطِنًا، وَمَعْنًى، أَوْ آخِرًا، أَوْ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْوَاوُ حَالِيَّةٌ، وَإِنَّ مَكْسُورَةٌ بَعْدَهَا (وَيَعْمَلُ) أَيْ: عَبْدٌ آخَرُ (عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ) أَيِ: اعْتِبَارُهَا (بِالْخَوَاتِيمِ) أَيْ:. مِمَّا يَخْتِمُ عَلَيْهِ أَمْرُ عَمَلَهَا، وَهُوَ تَذْيِيلٌ لِمَا قَبْلَهُ مُشْتَمِلٌ عَلَى حَاصِلِهِ، فَرُبَّ كَافِرٍ مُتَعَنِّدٍ يُسْلِمُ فِي آخِرِ عُمُرِهِ، وَرُبَّ مُسْلِمٍ مُتَعَبِّدٍ يَكْفُرُ فِي غَايَةِ أَمْرِهِ. قِيلَ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ حَثٌّ عَلَى مُوَاظَبَةِ الطَّاعَاتِ، وَمُحَافَظَةِ الْأَوْقَاتِ عَنِ الْمَعَاصِي، وَالسَّيِّئَاتِ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ آخِرَ عَمَلِهِ، وَفِيهِ زَجْرٌ عَنِ الْعُجْبِ فَإِنَّ الْعَبْدَ لَا يَدْرِي مَاذَا يُصِيبُهُ فِي الْعَاقِبَةِ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الشَّهَادَةُ لِأَحَدٍ بِالْجَنَّةِ، وَلَا بِالنَّارِ، وَقِيلَ، وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّهُ تَعَالَى يَتَصَرَّفُ فِي مُلْكِهِ كَيْفَ يَشَاءُ، وَكُلُّ ذَلِكَ عَدْلٌ، وَصَوَابٌ، وَلَا اعْتِرَاضَ، بَلْ لَا نَجَاةَ إِلَّا بِالتَّسْلِيمِ لِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدَرِهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ١ / ١٥٥ ]
٨٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «دُعِيَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِلَى جِنَازَةِ صَبِيٍّ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ طُوبَى لِهَذَا عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ، لَمْ يَعْمَلِ السُّوءُ، وَلَمْ يُدْرِكْهُ. فَقَالَ: (أَوَ غَيْرُ ذَلِكِ يَا عَائِشَةُ) إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ لِلْجَنَّةِ أَهْلًا خَلَقَهُمْ لَهَا، وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ، وَخَلَقَ لِلنَّارِ أَهْلًا، خَلَقَهُمْ لَهَا، وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ») رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَائِشَة ﵂): هِيَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَأُمُّهَا أُمُّ رُومَانَ بِنْتُ عَامِرِ بْنِ عُوَيْمِرٍ، خَطَبَهَا النَّبِيُّ - ﷺ -، وَتَزَوَّجَهَا بِمَكَّةَ فِي شَهْرِ شَوَّالَ سَنَةِ عَشْرٍ مِنَ النُّبُوَّةِ، وَقَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَأَعْرَسَ بِهَا بِالْمَدِينَةِ فِي شَوَّالَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ عَلَى رَأْسِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَلَهَا تِسْعُ سِنِينَ، وَبَقِيَتْ مَعَهُ تِسْعَ سِنِينَ، وَمَاتَ عَنْهَا وَلَهَا ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَلَمْ يَتَزَوَّجْ بِكْرًا غَيْرَهَا، كَانَتْ فَقِيهَةً عَالِمَةً فَصِيحَةً فَاضِلَةً، كَثِيرَةَ الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، عَارِفَةً بِأَيَّامِ الْعَرَبِ، وَأَشْعَارِهَا، رَوَى عَنْهَا جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَمَاتَتْ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ لِسَبْعَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَأَمَرَتْ أَنْ تُدْفَنَ لَيْلًا فَدُفِنَتْ بِالْبَقِيعِ، وَصَلَّى عَلَيْهَا أَبُو هُرَيْرَةَ، وَكَانَ يَوْمَئِذٍ خَلِيفَةَ مَرْوَانَ عَلَى الْمَدِينَةِ فِي أَيَّامِ مُعَاوِيَةَ، مَرْوِيَّاتُهَا أَلْفٌ وَمِائَتَا حَدِيثٍ، وَعَشْرَةُ أَحَادِيثَ. (قَالَتْ: دُعِيَ): مَجْهُولٌ (رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -) أَيْ: لِلصَّلَاةِ (إِلَى جِنَازَةِ صَبِيٍّ): بِفَتْحِ الْجِيمِ، وَتُكْسَرُ (مِنَ الْأَنْصَارِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ طُوبَى لِهَذَا): طُوبَى فُعْلَى مَنْ طَابَ يَطِيبُ قُلِبَتِ الْيَاءُ وَاوًا، وَكُسِرْتِ الْبَاءُ فِي بِيضٍ جَمْعُ أَبْيَضَ إِبْقَاءً لِلْأَصْلِ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾ [الرعد: ٢٩] مَعْنَاهُ فَرَحٌ، وَقُرَّةُ عَيْنٍ لَهُمْ، وَقِيلَ الْحَسَنُ، وَقِيلَ خَيْرٌ وَكَرَامَةٌ لَهُمْ، وَقِيلَ اسْمُ الْجَنَّةِ بِالْحَبَشِيَّةِ، وَقِيلَ اسْمُهَا بِالْهِنْدِيَّةِ، وَقِيلَ اسْمُ شَجَرٍ فِي الْجَنَّةِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ أُصِيبُ خَيْرًا عَلَى الْكِنَايَةِ؛ لِأَنَّ إِصَابَةَ الْخَيْرِ مُسْتَلْزِمَةٌ لِطِيبِ الْعَيْشِ؛ وَلِأَنَّهُ يُقَالُ فِي حَقِّ الْمُصِيبِ طُوبَى لَكَ فَأُطْلِقَ اللَّازِمُ عَلَى الْمَلْزُومِ، وَقِيلَ طُوبَى تَأْنِيثُ أَطْيَبُ أَيِ: الرَّاحَةُ، وَطِيبُ الْعَيْشِ حَاصِلٌ لِهَذَا الصَّبِيِّ (هُوَ عُصْفُورٌ) أَيْ: طَيْرٌ صَغِيرٌ (مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ) أَيْ: هُوَ مِثْلُهَا مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لَا ذَنْبَ عَلَيْهِ، وَيَنْزِلُ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ يَشَاءُ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: شَبَّهَتْهُ بِالْعُصْفُورِ كَمَا هُوَ صَغِيرٌ أَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ مِنَ الطُّيُورِ، وَأَمَّا لِكَوْنِهِ - خَالِيًا مِنَ الذُّنُوبِ مِنْ عَدَمِ كَوْنِهِ مُكَلَّفًا اهـ. وَالْأَظْهَرُ الثَّانِي، فَهُوَ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ بَابِ التَّشْبِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا عُصْفُورَ فِي الْجَنَّةِ، فَمَمْنُوعٌ لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: («إِنَّ فِي الْجَنَّةِ طَيْرًا كَأَمْثَالِ الْبُخْتِ تَأْتِي الرَّجُلَ فَيُصِيبُ مِنْهَا، ثُمَّ تَذْهَبُ كَأَنَّ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهَا شَيْءٌ») . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢١] وَأَمَّا مَا ذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ حَدِيثِ: " «إِنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي أَجْوَافِ طُيُورٍ خُضْرٍ» "، وَخَبَرُ: نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ أَيْ: رُوحُهُ طَائِرٌ تَعَلَّقَ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ فَلَيْسَ يَصْلُحُ سَنَدًا لِلْمَنْعِ كَمَا لَا يَخْفَى. (لَمْ يَعْمَلِ السُّوءَ): بِضَمِّ السِّينِ، وَيَجُوزُ فَتْحُهُ أَيِ: الذَّنْبُ. قَالَ الْمُظْهِرُ أَيْ: لَمْ يَعْمَلْ ذَنْبًا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ اللَّهِ، وَأَمَّا حُقُوقُ الْعِبَادِ كَإِتْلَافِ مَالِ مُسْلِمٍ وَقَتْلِ نَفْسٍ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ الْغُرْمُ، وَالدِّيَةُ، وَإِذَا سَرَقَ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْمَالُ، وَلَا تُقْطَعُ يَدُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ. قُلْتُ: لَا تُسَمَّى هَذِهِ الْأَفْعَالُ مِنْهُ ذُنُوبًا فَتَأَمَّلْ. (وَلَمْ يُدْرِكْ) أَيْ: وَلَمْ يَلْحَقْهُ السُّوءُ فَيَكُونُ تَأْكِيدًا، أَوْ لَمْ يُدْرِكْ هُوَ السُّوءَ أَيْ: وَقْتَهُ لِمَوْتِهِ. قِيلَ: التَّكْلِيفُ فَضْلًا عَنْ عَمَلِهِ، وَالتَّأْسِيسُ أَوْلَى
[ ١ / ١٥٥ ]
وَمَعَ إِفَادَةِ الْمُبَالَغَةِ أَحْرَى (فَقَالَ: أَوَ غَيْرُ ذَلِكِ): بِفَتْحِ الْوَاوِ، وَضَمِّ الرَّاءِ، وَكَسْرِ الْكَافِ هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ مِنَ الرِّوَايَاتِ، وَالتَّقْدِيرُ: أَتَعْتَقِدِينَ مَا قُلْتُ، وَالْحَقُّ غَيْرُ ذَلِكَ، وَهُوَ عَدَمُ الْجَزْمِ بِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَالْوَاوُ لِلْحَالِ. وَفِي الْفَائِقِ: الْهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهَامِ أَيِ: الْإِنْكَارِيِّ، وَالْوَاوُ عَاطِفَةٌ عَلَى مَحْذُوفٍ، وَغَيْرُ مَرْفُوعٍ بِضَمِيرٍ تَقْدِيرُهُ، أَوْ وَقَعَ هَذَا، وَيُحْتَمَلُ غَيْرُ ذَلِكَ. قِيلَ: وَرُوِيَ أَوْ بِسُكُونِ الْوَاوِ الَّتِي لِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ أَيِ: الْوَاقِعُ هَذَا، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ. وَقِيلَ التَّقْدِيرُ، أَوْ هُوَ غَيْرُ ذَلِكَ. وَرُوِيَ بِنَصْبِ (غَيْرَ) أَيْ: أَوْ يَكُونُ غَيْرَ ذَلِكَ، أَوِ التَّقْدِيرُ، أَوْ غَيْرُ مَا قُلْتَ. وَقِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ (أَوْ) . بِمَعْنَى (بَلْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] أَيْ: بَلْ غَيْرُ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ، أَوْ يَحْتَمِلُ غَيْرُ ذَلِكَ، وَكَأَنَّهُ - ﵊ - لَمْ يَرْتَضِ قَوْلَهَا لِمَا فِيهِ مِنَ الْحُكْمِ بِالْجَزْمِ بِتَعْيِينِ إِيمَانِ أَبَوَيِ الصَّبِيِّ، أَوْ أَحَدِهِمَا إِذْ هُوَ تَبَعٌ لَهُمَا، وَمَرْجِعُ مَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ إِلَى هَذَا؛ لِأَنَّهُ لِلْإِنْكَارِ لِلْجَزْمِ، وَتَقْرِيرٌ لِعَدَمِ التَّعْيِينِ. قُلْتُ: وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ أَوْلَادَ الْكُفَّارِ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، بَلْ إِنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: («يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ لِلْجَنَّةِ أَهْلًا»): يَدْخُلُونَهَا، وَيَتَنَعَّمُونَ بِهَا (خَلَقَهُمْ): كَرَّرَهُ لِإِنَاطَةِ أَمْرٍ زَائِدٍ بِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ (وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ): وَالْجُمْلَةُ حَالٌ اهْتِمَامًا، قِيلَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ خَلْقُ الذَّرِّ فِي ظَهْرِ آدَمَ، وَاسْتَخْرَجَهَا ذُرِّيَّةً مِنْ صُلْبِ كُلِّ وَاحِدٍ إِلَى انْقِرَاضِ الْعَالَمِ، وَقِيلَ: عُيِّنَ فِي الْأَزَلِ مَنْ سَيَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ سَيَكُونُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَعَبَّرَ عَنِ الْأَزَلِ بِأَصْلَابِ الْآبَاءِ تَقْرِيبًا لِأَفْهَامِ الْعَامَّةِ (وَخَلَقَ لِلنَّارِ أَهْلًا): فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ لَا اعْتِرَاضَ فَإِنَّهُمْ أَهْلٌ لَهَا أَهْلِيَّةً لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا خَالِقُهَا (خَلَقَهُمْ لَهَا، وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ): وَإِنَّمَا يَظْهَرُ مِنْهُمْ مَنِ الْأَعْمَالِ مَا قُدِّرَ فِي الْأَزَلِ. قَالَ الْقَاضِي: فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ لَا لِأَجَلِ الْأَعْمَالِ، وَإِلَّا لَكَانَ ذَرَارِيُّ الْمُسْلِمِينَ، وَالْكَافِرِينَ لَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَلَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، بَلِ الْمُوجِبُ هُوَ اللُّطْفُ الرَّبَّانِيُّ، وَالْخِذْلَانُ الْإِلَهِيُّ الْمُقَدَّرُ لَهُمْ، وَهُمْ فِي الْأَصْلَابِ، فَالْوَاجِبُ التَّوَقُّفُ، وَعَدَمُ الْجَزْمِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: أَجْمَعَ مَنْ يَعْتَدُّ بِهِ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْ أَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَتَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ بَعْضٌ لِهَذَا الْحَدِيثِ، وَأَجَابُوا عَنْهُ بِأَنَّهُ لَعَلَّهُ نَهَاهَا عَنِ الْمُسَارَعَةِ إِلَى الْقَطْعِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهَا دَلِيلٌ قَاطِعٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ - ﵊ - قَالَ هَذَا قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ أَطْفَالَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَنَّةِ. اهـ.
وَالْأَصَحُّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَرْتَضِ هَذَا الْقَوْلَ مِنْهَا لِمَا فِيهِ مِنَ الْحُكْمِ بِالْغَيْبِ، وَالْجَزْمِ بِإِيمَانِ أَصْلِ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهَا أَشَارَتْ إِلَى طِفْلٍ مُعَيَّنٍ، فَالْحُكْمُ عَلَى شَخْصٍ مُعَيَّنٍ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَا يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ وُرُودِ النَّصِّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ، وَقَدْ يُقَالُ التَّبَعِيَّةُ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ، وَحُكْمُهَا مِنْ أُمُورِ الْآخِرَةِ فَفِيهِ إِرْشَادٌ لِلْأُمَّةِ إِلَى التَّوَقُّفِ فِي الْأُمُورِ الْمُبْهَمَةِ، وَالسُّكُوتِ عَمَّا لَا عِلْمَ لَهُمْ بِهِ، وَحُسْنُ الْأَدَبِ بَيْنَ يَدَيْ عَلَّامِ الْغُيُوبِ. قَالَ ابنُ حَجَرٍ: وَلَعَلَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ مَا نَزَلَ عَلَيْهِ فِي وِلْدَانِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكُفَّارِ إِذْ هُمْ فِي الْجَنَّةِ إِجْمَاعًا فِي الْأَوَّلِ، وَعَلَى الْأَصَحِّ فِي الثَّانِي. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ١ / ١٥٦ ]
٨٥ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: («مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ، وَمَقْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ) . قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا، وَنَدَعُ الْعَمَلَ؟ قَالَ، اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ؟ أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَسَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ الشَّقَاوَةِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى - وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: ٥ - ٦] الْآيَةَ») . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁): هُوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يُكَنَّى أَبَا الْحَسَنِ، وَأَبَا تُرَابٍ، الْقُرَشِيِّ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الذُّكُورِ فِي أَكْثَرِ الْأَقْوَالِ، وَمِنَ الصِّبْيَانِ فِي جَمِيعِهَا. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي سِنِّهِ يَوْمَئِذٍ فَقِيلَ: كَانَ لَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَقِيلَ: ثَمَانِ سِنِينَ، وَقِيلَ: عَشْرُ سِنِينَ، شَهِدَ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا غَيْرَ تَبُوكَ فَإِنَّهُ خَلَّفَهُ فِي أَهْلِهِ، وَفِيهَا قَالَ لَهُ: («أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى؟») . كَانَ آدَمَ شَدِيدَ الْأُدْمَةِ، عَظِيمَ الْعَيْنَيْنِ، أَقْرَبَ إِلَى الْقِصَرِ مِنَ الطُّولِ ذَا بَطْنٍ كَثِيرَ الشَّعْرِ عَرِيضَ اللِّحْيَةِ أَصْلَعَ أَبْيَضَ الرَّأْسِ، وَاللِّحْيَةِ، اسْتُخْلِفَ يَوْمَ قَتْلِ عُثْمَانَ
[ ١ / ١٥٦ ]
وَهُوَ يَوْمُ الْجُمْعَةِ لِثَمَانِ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، وَضَرَبَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُلْجِمٍ الْمُرَادِيُّ بِالْكُوفَةِ صَبِيحَةَ الْجُمْعَةِ لِسَبْعَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ، وَمَاتَ بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ مِنْ ضَرْبَتِهِ، وَغَسَّلَهُ ابْنَاهُ الْحَسَنُ، وَالْحُسَيْنُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، وَصَلَّى عَلَيْهِ الْحَسَنُ، وَدُفِنَ سَحَرًا، وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ أَرْبَعَ سِنِينَ، وَتِسْعَةَ أَشْهُرٍ وَأَيَّامًا، رَوَى عَنْهُ بَنُوهُ الْحَسَنُ، وَالْحُسَيْنُ، وَمُحَمَّدٌ، وَخَلَائِقُ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ): مِنْ: مَزِيدَةٌ لِاسْتِغْرَاقِ النَّفْيِ (إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ): الْوَاوُ لِلْحَالِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ مُفَرَّغٌ أَيْ: مَا وُجِدَ أَحَدٌ مِنْكُمْ فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ إِلَّا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَيْ: إِلَّا وَقَدْ قُدِّرَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ (وَمَقْعَدُهُ): الْوَاوُ بِمَعْنَى (أَوْ) بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: أَفَلَا نَتَّكِلُ، وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِلَفْظِ أَوْ كَذَا حَرَّرَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ أَيْ: مَوْضِعُ قُعُودِهِ. (مِنَ الْجَنَّةِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: كُنِّيَ عَنْ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ بِاسْتِقْرَارِهِ فِيهَا، وَظَاهِرُ الْكَلَامِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ أَحَدٍ مَقْعَدٌ مِنَ النَّارِ، وَمَقْعَدٌ مِنَ الْجَنَّةِ، وَهَذَا وَإِنْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ يَعْنِي فِي عَذَابِ الْقَبْرِ. رَوَاهُ أَنَسٌ لَكِنَّ التَّفْصِيلَ الْآتِيَ يَأْبَى حَمْلَهُ عَلَى ذَلِكَ، فَيَجِبُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْوَاوَ بِمَعْنَى أَوْ. قَالَ الْمُظْهِرُ: قَدْ وَرَدَ هَذَا الْحَدِيثُ بِلَفْظِ الْوَاوِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، وَلَيْسَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ إِلَّا بِلَفْظِ أَوْ («قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا»): الْمُقَدَّرِ لَنَا فِي الْأَزَلِ. قِيلَ: الْفَاءُ فِي جَوَابِ الشَّرْطِ أَيْ: إِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَمَا ذَكَرْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نَعْتَمِدُ عَلَى مَا كُتِبَ لَنَا فِي الْأَزَلِ (وَنَدَعُ الْعَمَلَ؟) أَيْ: نَتْرُكُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي إِتْعَابِ أَنْفُسِنَا بِالْأَعْمَالِ لِأَنَّ قَضَايَاهُ لَا تَتَغَيَّرُ، فَلَمْ يُرَخِّصْ ﵇ فِي ذَلِكَ الِاتِّكَالِ، وَتَرْكِ الْأَعْمَالِ حَيْثُ («قَالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ»): بَلْ أَمَرَهُمْ بِالْتِزَامِ مَا يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ مِنَ امْتِثَالِ أَمْرِ مَوْلَاهُ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ عَاجِلًا، وَتَفْوِيضِ الْأَمْرِ إِلَيْهِ بِحُكْمِ الرُّبُوبِيَّةِ آجِلًا، وَأَعْلَمَهُمْ بِأَنَّ هَاهُنَا أَمْرَيْنِ لَا يُبْطِلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ: بَاطِنٌ، وَهُوَ حُكْمُ الرُّبُوبِيَّةِ، وَظَاهِرٌ، وَهُوَ سِمَةُ الْعُبُودِيَّةِ، فَأَمَرَ بِكِلَيْهِمَا لِيَتَعَلَّقَ الْخَوْفُ بِالْبَاطِنِ الْمُغَيَّبِ، وَالرَّجَاءُ بِالظَّاهِرِ الْبَادِي لِيَسْتَكْمِلَ الْعَبْدُ بِذَلِكَ صِفَاتَ الْإِيمَانِ، وَنُعُوتَ الْإِيقَانِ، وَمَرَاتِبَ الْإِحْسَانِ يَعْنِي: عَلَيْكُمْ بِالْتِزَامِ مَا أُمِرْتُمْ، وَاجْتِنَابِ مَا نُهِيتُمْ مِنَ التَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ بِمُقْتَضَى الْعُبُودِيَّةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالتَّصَرُّفَ فِي الْأُمُورِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَلَا تَجْعَلُوا الْأَعْمَالَ أَسْبَابًا لِلسَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ، بَلْ أَمَارَاتٌ لَهُمَا وَعَلَامَاتٌ، فَكُلٌّ مُوَفَّقٌ، وَمُهَيَّأٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ أَيْ: لِأَمْرٍ قُدِّرَ ذَلِكَ الْأَمْرُ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَالْفَاءُ فِي فَكُلٌّ لِلسَّبَبِيَّةِ، وَالتَّنْوِينُ عِوَضٌ عَنِ المُضَافِ إِلَيْهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَمْرَ الْمُبْهَمَ الَّذِي وَرَدَ عَلَيْهِ الْبَيَانُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - هُوَ أَنَّهُ بَيَّنَ أَنَّ الْقَدَرَ فِي حَقِّ الْعِبَادِ وَاقِعٌ عَلَى تَدْبِيرِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَذَلِكَ لَا يُبْطِلُ تَكْلِيفَهُمُ الْعَمَلَ بِحَقِّ الْعُبُودِيَّةِ، فَكُلٌّ مِنَ الخَلْقِ مُيَسَّرٌ لِمَا دُبِّرَ لَهُ فِي الْغَيْبِ فَيَسُوقُهُ الْعَمَلُ إِلَى مَا كُتِبَ لَهُ فِي الْأَزَلِ مِنْ سَعَادَةٍ، أَوْ شَقَاوَةٍ، فَمَعْنَى الْعَمَلِ التَّعَرُّضُ لِلثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَنَظِيرُهُ الرِّزْقُ الْمَقْسُومُ مَعَ الْأَمْرِ بِالْكَسْبِ، ثُمَّ فَصَّلَ - ﵊ - مَا أَجْمَلَهُ بِقَوْلِهِ: (أَمَّا مَنْ كَانَ) أَيْ: فِي عِلْمِ اللَّهِ، أَوْ كِتَابِهِ، أَوْ فِي آخِرِ أَمْرِهِ وَخَاتِمَةِ عَمَلِهِ (مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ) أَيِ: الْإِيمَانِ فِي الدُّنْيَا، وَالْجَنَّةِ فِي الْعُقْبَى (فَسَيُيَسَّرُ) أَيْ: يُسَهَّلُ، وَيُوَفَّقُ، وَيُهَيَّأُ (لِعَمَلِ السَّعَادَةِ) أَيْ: لِعَمَلِ أَهْلِهَا، (وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ): وَهُوَ ضِدُّ السَّعَادَةِ. وَفِي الْمَصَابِيحِ بِلَفْظِ الشِّقْوَةِ بِكَسْرِ الشِّينِ، وَهُوَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الشَّقَاوَةِ (فَسَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ الشَّقَاوَةِ) أَيْ: أَهْلِهَا مِنَ الْكَفَرَةِ، وَالْفَجَرَةِ (ثُمَّ قَرَأَ) أَيِ: النَّبِيُّ - ﷺ - اسْتِشْهَادًا، أَوِ اعْتِضَادًا ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾ [الليل: ٥] أَيْ: حَقَّ اللَّهِ مِنَ الْمَالِ، أَوِ الِامْتِثَالِ ﴿وَاتَّقَى﴾ [الليل: ٥] أَيْ: خَافَ مُخَالَفَتَهُ، أَوْ عُقُوبَتَهُ، وَاجْتَنَبَ مَعْصِيَتَهُ ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: ٦] أَيْ: بِكَلِمَةِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهَ
[ ١ / ١٥٧ ]
وَأُخِّرَ فِي الذَّكَرِ تَرَقِّيًا، أَوْ إِشَارَةً إِلَى حُسْنِ الْخَاتِمَةِ (الْآيَةَ) " لَا يَخْفَى أَنَّ الْحُسْنَى رَأْسُ آيَةٍ، فَالْمُرَادُ بَعْدَهَا مِنَ الْآيَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَا الْمُنَاسِبَةِ لَهَا، وَهِيَ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٧]: قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ أَيْ: فَسَنُهَيِّئُهُ لِلْخَلَّةِ الَّتِي تُؤَدِّي إِلَى يُسْرٍ، وَرَاحَةٍ كَدُخُولِ الْجَنَّةِ، ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ﴾ [الليل: ٨] أَيْ: مِمَّا أُمِرَ بِهِ ﴿وَاسْتَغْنَى﴾ [الليل: ٨]: بِشَهَوَاتِ الدُّنْيَا عَنْ نَعِيمِ الْعُقْبَى، ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: ٩] أَيْ: بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ١٠] أَيْ: لِلْخَلَّةِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى الْعُسْرِ وَالشِّدَّةِ كَدُخُولِ النَّارِ، وَفِي الْكَشَّافِ سَمَّى طَرِيقَ الْخَيْرِ بِالْيُسْرِ؛ لِأَنَّ عَاقِبَتَهُ الْيُسْرُ، وَطَرِيقَ الشَّرِّ بِالْعُسْرَى؛ لِأَنَّ عَاقِبَتَهُ الْعُسْرُ، وَفِي الْمَعَالِمِ فَسَنُيَسِّرُهُ أَيْ: نُهَيِّئُهُ فِي الدُّنْيَا لِلْيُسْرَى لِلْخَلَّةِ الْيُسْرَى، وَهُوَ الْعَمَلُ بِمَا يَرْضَاهُ، وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ بِالنَّفَقَةِ فِي الْخَيْرِ، وَاسْتَغْنَى عَنْ ثَوَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَرْغَبُ فِيهِ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ١٠] . أَيْ: سَنُهَيِّئُهُ لِلشَّرِّ بِأَنْ نُجْرِيَهُ عَلَى يَدَيْهِ حَتَّى يَعْمَلَ بِمَا لَا يُرْضِي اللَّهَ، وَيَسْتَوْجِبَ بِهِ النَّارَ. قَالَ مُقَاتِلٌ: يَعْسُرُ عَلَيْهِ بِأَنْ يَأْتِيَ خَيْرًا اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا فِي الْبَيْضَاوِيِّ غَيْرُ مُلَائِمٍ لِمَعْنَى الْحَدِيثِ؛ لِانْعِكَاسِهِ بِالْمَعْنَى الْمَقْصُودِ مِنْهُ، فَالْمَدَارُ عَلَى مَا فِي الْمَعَالِمِ، وَالْكَشَّافِ، لَكِنَّ السِّينَ فِي الْآيَةِ تُحْمَلُ عَلَى مُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ لَا عَلَى الِاسْتِقْبَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ١ / ١٥٨ ]
٨٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا، أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ، وَيُكَذِّبُهُ») مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: («كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَا مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، الْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالْأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الِاسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلَامُ، وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا، وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ، وَيُكَذِّبُهُ» ") .
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ): ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ) أَيْ: أَثْبَتَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ (عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ) أَيْ: نَصِيبَهُ (مِنَ الزِّنَا) بِالْقَصْرِ عَلَى الْأَفْصَحِ، وَمِنْ بَيَانِيَّةٌ، وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا حَالٌ مِنْ حَظَّهُ، وَجَعْلُهَا تَبْعِيضِيَّةً كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْحَظِّ مُقَدَّمَاتُ الزِّنَا مِنَ التَّمَنِّي، وَالتَّخَطِّي، وَالتَّكَلُّمِ لِأَجْلِهِ، وَالنَّظَرِ، وَاللَّمْسِ، وَالتَّخَلِّي، وَقِيلَ: أَثْبَتُ فِيهِ سَبَبَهُ، وَهُوَ الشَّهْوَةُ، وَالْمَيْلُ إِلَى النِّسَاءِ، وَخَلَقَ فِيهِ الْعَيْنَيْنِ، وَالْأُذُنَيْنِ، وَالْقَلْبَ، وَالْفَرْجَ، وَهِيَ الَّتِي تَجِدُ لَذَّةَ الزِّنَا، أَوِ الْمَعْنَى قَدَّرَ فِي الْأَزَلِ أَنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِ الزِّنَا فِي الْجُمْلَةِ (أَدْرَكَ) أَيْ: أَصَابَ ابْنُ آدَمَ، وَوَجَدَ (ذَلِكَ) أَيْ: مَا كَتَبَهُ اللَّهُ، وَقَدَّرَهُ، وَقَضَاهُ، أَوْ حَظَّهُ (لَا مَحَالَةَ) بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَيُضَمُّ أَيْ: لَا بُدَّ لَهُ، وَلَا فِرَاقَ، وَلَا احْتِيَالَ مِنْهُ، فَهُوَ وَاقِعٌ أَلْبَتَّةَ (فَزِنَا الْعَيْنِ) بِالْإِفْرَادِ؛ لِإِرَادَةِ الْجِنْسِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّثْنِيَةِ (النَّظَرُ) أَيْ: حَظُّهَا النَّظَرُ عَلَى قَصْدِ الشَّهْوَةِ فِيمَا لَا يَحِلُّ لَهُ، وَقَدْ وَرَدَ «النَّظَرُ سَهْمٌ مَسْمُومٌ مِنْ سِهَامِ إِبْلِيسَ»؛ لِأَنَّ النَّظَرَ قَدْ يَجُرُّ إِلَى الزِّنَا فَتَسْمِيَةُ مُقَدِّمَةِ الزِّنَا بِالزِّنَا مُبَالَغَةٌ، أَوْ إِطْلَاقٌ لِلْمُسَبِّبِ عَلَى السَّبَبِ («وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ») أَيِ: التَّكَلُّمُ عَلَى وَجْهِ الْحُرْمَةِ كَالْمُوَاعَدَةِ (وَالنَّفْسُ) أَيِ: الْقَلْبُ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ، وَلَعَلَّ النَّفْسَ إِذَا طَلَبَتْ تَبِعَهَا الْقَلْبُ (تَمَنَّى): بِحَذْفِ أَحَدِ التَّاءَيْنِ (وَتَشْتَهِي): لَعَلَّهُ عَدَلَ عَنْ سَنَنِ السَّابِقِ، لِإِفَادَةِ التَّجْدِيدِ أَيْ: زِنَا النَّفْسِ تَمَنِّيهَا، وَاشْتِهَاؤُهَا وُقُوعَ الزِّنَا الْحَقِيقِيَّ، وَالتَّمَنِّي أَعَمُّ مِنَ الِاشْتِهَاءِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي الْمُمْتَنِعَاتِ دُونَهُ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ التَّمَنِّيَ إِذَا اسْتَقَرَّ فِي الْبَاطِنِ، وَأَصَرَّ صَاحِبُهُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَدْفَعْهُ يُسَمَّى زِنَا، فَيَكُونُ مَعْصِيَةً، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ عُقُوبَةٌ، وَلَوْ لَمْ يَعْمَلْ فَتَأَمَّلْ. (وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ، وَيُكَذِّبُهُ) . قَالَ الطِّيبِيُّ: سَمَّى هَذِهِ الْأَشْيَاءَ بِاسْمِ الزِّنَا؛ لِأَنَّهَا مُقَدِّمَاتٌ مُؤْذِنَةٌ بِوُقُوعِهِ، وَنَسَبَ التَّصْدِيقَ، وَالتَّكْذِيبَ إِلَى الْفَرْجِ، لِأَنَّهُ مَنْشَؤُهُ، وَمَكَانُهُ أَيْ: يُصَدِّقُهُ بِالْإِتْيَانِ. مِمَّا هُوَ الْمُرَادُ مِنْهُ، وَيُكَذِّبُهُ بِالْكَفِّ عَنْهُ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: إِنْ فَعَلَ بِالْفَرْجِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ صَارَ الْفَرْجُ مُصَدِّقًا لِتِلْكَ الْأَعْضَاءِ، وَإِنْ تَرَكَ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ صَارَ الْفَرْجُ مُكَذِّبًا. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَإِنْ حَقَّقَ زِنَاهُ فَيُوقِعُ صَاحِبَهُ فِي تِلْكَ الْكَبِيرَةِ، وَإِنْ كَذَّبَهُ بِأَنْ لَا يَزْنِي فَيَسْتَمِرُّ زِنَا تِلْكَ الْأَعْضَاءِ عَلَى كَوْنِهَا صَغِيرَةً. أَقُولُ: الْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: وَالْفَرْجُ أَيْ: عَمَلُهُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ التَّمَنِّي، وَيُكَذِّبُهُ، وَهُوَ أَقْرَبُ لَفْظًا، وَأَنْسَبُ مَعْنًى، وَقِيلَ: مَعْنَى كُتِبَ أَنَّهُ أَثْبَتَ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِأَنْ خَلَقَ لَهُ الْحَوَاسَّ الَّتِي يَجِدُ بِهَا لَذَّةَ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَأَعْطَاهُ الْقُوَى الَّتِي بِهَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ، فَبِالْعَيْنَيْنِ، وَبِمَا رُكِّبَ فِيهِمَا مِنَ الْقُوَّةِ الْبَاصِرَةِ تَجِدُ لَذَّةَ النَّظَرِ، وَعَلَى هَذَا، وَلَيْسَ الْمَعْنَى أَنَّهُ أَلْجَأَهُ إِلَيْهِ، وَأَجْبَرَهُ عَلَيْهِ، بَلْ رَكَّزَ فِي جِبِلِّتِهِ حُبَّ الشَّهَوَاتِ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى بِرَحْمَتِهِ وَفَضْلِهِ يَعْصِمُ مَنْ يَشَاءُ كَذَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، وَقِيلَ هَذَا لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ فَإِنَّ الْخَوَاصَّ مَعْصُومُونَ عَنِ الزِّنَا، وَمُقَدِّمَاتِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَبْقَى عَلَى عُمُومِهِ بِأَنْ يُقَالَ: كَتَبَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ
[ ١ / ١٥٨ ]
صُدُورَ نَفْسِ الزِّنَا، فَمَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ عَنْهُ بِفَضْلِهِ صَدَرَ عَنْهُ مِنْ مُقَدِّمَاتِهِ الظَّاهِرَةِ، وَمَنْ عَصَمَهُ بِمَزِيدِ فَضْلِهِ، وَرَحْمَتِهِ عَنْ صُدُورِ مُقَدِّمَاتِهِ، وَهُمْ خَوَاصُّ عِبَادِهِ صَدَرَ عَنْهُ لَا مَحَالَةَ بِمُقْتَضَى الْجِبِلَّةِ مُقَدِّمَاتُهُ الْبَاطِنَةُ، وَهِيَ تَمَنِّي النَّفْسِ، وَاشْتِهَاؤُهَا اهَـ.
قُلْتُ: الْمُرَادُ بِالْمُقَدِّمَاتِ الْبَاطِنَةِ الْخَوَاطِرُ الذَّمِيمَةُ الَّتِي هِيَ غَيْرُ اخْتِيَارِيَّةٍ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ [يوسف: ٢٤] . (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ): وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
(وَفِي رِوَايَةٍ): أُخْرَى (لِمُسْلِمٍ قَالَ: (كُتِبَ): مَجْهُولٌ، وَقِيلَ مَعْلُومٌ (عَلَى ابْنِ آدَمَ) أَيْ: هَذَا الْجِنْسُ، أَوْ كُلُّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ، وَاسْتُثْنِيَ الْأَنْبِيَاءُ. (نَصِيبُهُ) أَيْ: حَظُّهُ، أَوْ مِقْدَارُ مَا قُدِّرَ لَهُ مِنَ الزِّنَا مُدْرِكٌ): بِالتَّنْوِينِ، وَيَجُوزُ الْإِضَافَةُ (ذَلِكَ): يَعْنِي هُوَ أَيِ: ابْنُ آدَمَ، وَأَصْلُهُ حَظَّهُ، وَنَصِيبَهُ، أَوْ نَصِيبَهُ الْمُقَدَّرَ يُدْرِكُهُ، وَيُصِيبُهُ (لَا مَحَالَةَ) أَيْ: لَا حَائِلَ بَيْنَهُ، وَبَيْنَهُ أَوْ لَا حِيلَةَ لَهُ فِي دَفْعِهِ فَلَا بُدَّ مِنْهُ إِذْ لَا حَذَرَ مِنَ الْقَدَرِ، وَلَا قَضَاءَ مَعَ الْقَضَاءِ. («الْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ»)؟ فَإِنَّهُ حَظُّهُمَا وَلَذَّتُهُمَا (وَالْأُذُنَانِ): بِضَمِّ الذَّالِ، وَتُسَكَّنُ (زِنَاهُمَا الِاسْتِمَاعُ) أَيْ: إِلَى كَلَامِ الزَّانِيَةِ أَوِ الْوَاسِطَةِ، فَهُوَ حَظُّهُمَا وَلَذَّتُهُمَا بِهِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ أَيْ: إِلَى صَوْتِ الْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ مُطْلَقًا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ عَوْرَةٌ، أَوْ بِشَرْطِ الْفِتْنَةِ بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ («وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلَامُ») أَيْ: مَعَ الْأَجْنَبِيَّةِ بِالْمُوَاعَدَةِ عَلَى الزِّنَا، أَوْ مَعَ مَنْ يَتَوَسَّلُ بِهِ إِلَيْهَا عَلَى وَجْهِ الْحَرَامِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ إِنْشَاءُ الشِّعْرِ، وَإِنْشَادُهُ فِيهَا («وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ»)، أَيِ: الْأَخْذُ، وَاللَّمْسُ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الْكِتَابَةُ إِلَيْهَا، وَرَمِيُ الْحَصَا عَلَيْهَا، وَنَحْوُهُمَا («وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا»): جَمْعُ خُطْوَةٍ، وَهِيَ مَا بَيْنَ الْقَدَمَيْنِ يَعْنِي زِنَاهُمَا نَقْلُ الْخُطَا أَيِ: الْمَشْيُ، أَوِ الرُّكُوبُ إِلَى مَا فِيهِ الزِّنَا («وَالْقَلْبُ يَهْوَى»): بِفَتْحِ الْوَاوِ أَيْ: يُحِبُّ، وَيَشْتَهِي (وَيَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ) أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنَ الْمُقَدِّمَاتِ أَيْ: مَا تَتَمَنَّاهُ النَّفْسُ، وَتَدْعُو إِلَيْهِ الْحَوَاسُّ، وَهُوَ الْجِمَاعُ. (الْفَرْجُ) أَيْ: يُوَافِقُهُ، وَيُطَابِقُهُ بِالْفِعْلِ (وَيُكَذِّبُهُ) أَيْ: بِالتَّرْكِ، وَالْكَفِّ عَنْهُ، فَإِنْ تَرَكَهُ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ فَيُثَابُ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَرَكَهُ اضْطِرَارًا لَا يُعَاقَبُ عَلَيْهِ فَقَطْ.
[ ١ / ١٥٩ ]
٨٧ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ - ﵄: «أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ مُزَيْنَةَ قَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ الْيَوْمَ، وَيَكْدَحُونَ فِيهِ؟ أَشِيءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ، وَمَضَى فِيهِمْ مِنْ قَدَرٍ سَبَقَ، أَوْ فِيمَا يَسْتَقْبِلُونَ بِهِ مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ، وَثَبَتَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ؟ فَقَالَ: لَا؟ بَلْ شَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ، وَمَضَى فِيهِمْ، وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ - ﷿ -: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا - فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٧ - ٨]») رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ): مُصَغَّرًا ﵄ يُكَنَّى أَبَا نُجَيْدٍ بِضَمِّ النُّونِ، وَفَتْحِ الْجِيمِ، وَسُكُونِ الْيَاءِ بَعْدَهَا دَالٌّ مُهْمَلَةٌ الْخُزَاعِيِّ الْكَعْبِيِّ، أَسْلَمَ عَامَ خَيْبَرَ سَكَنَ الْبَصْرَةَ إِلَى أَنْ مَاتَ بِهَا سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ، وَكَانَ مِنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ وَفُقَهَائِهِمْ أَسْلَمَ هُوَ وَأَبُوهُ، رَوَى عَنْهُ أَبُو رَجَاءٍ، وَمُطَرِّفُ، وَزُرَارَةَ بْنُ أَبِي أَوْفَى (أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ مُزَيْنَةَ): بِالتَّصْغِيرِ اسْمُ قَبِيلَةٍ (قَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ) أَيْ: أَخْبِرْنِي مِنْ إِطْلَاقِ اسْمِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبِّبِ لِأَنَّ مُشَاهَدَةَ الْأَشْيَاءِ طَرِيقٌ إِلَى الْإِخْبَارِ عَنْهَا، وَالْهَمْزَةُ فِيهِ مُقَرِّرَةٌ أَيْ: قَدْ رَأَيْتُ ذَلِكَ فَأَخْبِرْنِي بِهِ (مَا يَعْمَلُ النَّاسُ): مِنَ الْخَيْرِ، وَالشَّرِّ (الْيَوْمَ) أَيْ: فِي الدُّنْيَا (وَيَكْدَحُونَ لَهُ؟) أَيْ: يَسْعَوْنَ فِي تَحْصِيلِهِ بِجُهْدٍ وَكَدٍّ (أَشَيْءٌ): خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: أَهُوَ شَيْءٌ (قُضِيَ عَلَيْهِمْ): بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: قُدِّرَ فِعْلُهُ عَلَيْهِمْ (وَمَضَى فِيهِمْ): بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ أَيْ: نَفِدَ فِي حَقِّهِمْ (مِنْ قَدَرٍ سَبَقَ) أَيْ: فِي الْأَزَلِ، وَمِنْ إِمَّا بَيَانِيَّةُ الشَّيْءِ، وَيَكُونُ الْقَضَاءُ وَالْقَدَرُ شَيْئًا وَاحِدًا كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ، أَوْ عَلَى الْإِطْلَاقِ اللُّغَوِيِّ، وَإِمَّا تَعْلِيلِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَضَى، أَيْ: قُضِيَ عَلَيْهِمْ لِأَجْلِ قَدَرٍ سَبَقَ، وَإِمَّا ابْتِدَائِيَّةٌ أَيِ: الْقَضَاءُ نَشَأَ، وَابْتَدَأَ مِنْ خَلْقٍ مُقَدَّرٍ، فَيَكُونُ الْقَدَرُ سَابِقًا عَلَى الْقَضَاءِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْمُرَادُ بِالْقَدَرِ التَّقْدِيرُ، وَبِالْقَضَاءِ الْخَلْقُ
[ ١ / ١٥٩ ]
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢] فَالْقَضَاءُ وَالْقَدَرُ مُتَلَازِمَانِ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا، وَهُوَ الْقَدَرُ بِمَنْزِلَةِ الْأَسَاسِ، وَالْأَسَاسُ وَهُوَ الْقَضَاءُ بِمَنْزِلَةِ الْبِنَاءِ. وَقَالَ الرَّاغِبُ: الْقَضَاءُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى أَخَصُّ مِنَ الْقَدَرِ؛ لِأَنَّهُ الْفَصْلُ بَيْنَ التَّقْدِيرِ وَالْقَدَرِ، وَالْقَضَاءُ هُوَ الْفَصْلُ وَالْقَطْعُ، وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْقَدَرَ بِمَنْزِلَةِ الْمُعَدِّ لِلْكَيْلِ، وَالْقَضَاءُ بِمَنْزِلَةِ الْكَيْلِ، وَهَذَا لِمَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ لِعُمْرَ ﵄ لَمَّا أَرَادَ الْفِرَارَ مِنَ الطَّاعُونِ بِالشَّامِ: أَتَفِرُّ مِنَ الْقَضَاءِ؟ قَالَ: أَفِرُّ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ، تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الْقَدَرَ مَا لَمْ يَكُنْ قَضَاءً فَمَرْجُوٌّ أَنْ يَدْفَعَهُ اللَّهُ، فَأَمَّا إِذَا قُضِيَ فَلَا يَنْدَفِعُ، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٢١] وَقَوْلُهُ: حَتْمًا مَقْضِيًّا تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ صَارَ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ تَلَافِيهِ، وَهَذَا مُخَالَفَةٌ لِمَا نَقَلْنَاهُ عَنِ الْقَاضِي فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ ﵇. قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: الْقَدَرُ كَتَقْدِيرِ النَّقَّاشِ الصُّورَةَ فِي ذِهْنِهِ، وَالْقَضَاءُ كَرَسْمِهِ تِلْكَ الصُّورَةِ لِلتِّلْمِيذِ بِالْأُسْرُبِّ، وَوَضْعِ التِّلْمِيذِ الصِّبْغَ عَلَيْهَا مُتَّبِعًا لِرَسْمِ الْأُسْتَاذِ هُوَ الْكَسْبُ وَالِاخْتِيَارُ، وَالتِّلْمِيذُ فِي اخْتِيَارِهِ لَا يَخْرُجُ عَنْ رَسْمِ الْأُسْتَاذِ كَذَلِكَ الْعَبْدُ فِي اخْتِيَارِهِ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ عَنِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ. (أَوْ فِيمَا يَسْتَقْبِلُونَ بِهِ) .
قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: كَذَا وَقَعَ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ فِي أَصْلِ سَمَاعِنَا مِنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَهُوَ الْأَرْجَحُ مَعْنًى أَيْضًا، لَكِنْ وَقَعَ فِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ بِصِيغَةِ الْمَعْرُوفِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: كَذَا يَعْنِي، أَوْ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَكِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ، وَجَامِعِ الْأُصُولِ، وَوَقَعَ فِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ أَمْ فِيمَا يَسْتَقْبِلُونَ. قِيلَ: عَلَى كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ لَيْسَ السُّؤَالُ عَنْ تَعْيِينِ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ؛ لِأَنَّ جَوَابَهُ - ﵊ -، وَهُوَ قَوْلُهُ: (لَا) غَيْرُ مُطَابِقٍ لَهُ، فَنَقُولُ أَمْ مُنْقَطِعَةٌ، وَأَوْ بِمَعْنَى بَلْ، فَإِنَّ السَّائِلَ لَمَّا رَأَى أَنَّ الرُّسُلَ يَأْمُرُونَ أُمَمَهُمْ، وَيَنْهَوْنَ اعْتَقَدَ أَنَّ الْأَمْرَ أُنُفٌ كَمَا زَعَمَتِ الْمُعْتَزِلَةُ فَأَضْرَبَ عَنِ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ، وَالْهَمْزَةُ لِلتَّقْدِيرِ وَالْإِثْبَاتِ، فَلِذَلِكَ نَفَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مَا أَثْبَتَهُ وَقَرَّرَهُ، وَأَكَّدَهُ بِبَلْ، وَلَوْ كَانَ السُّؤَالُ عَنِ التَّعْيِينِ لَقَالَ السَّائِلُ أَشَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ أَمْ شَيْءٌ يَسْتَقْبِلُونَهُ؟ وَقِيلَ: كَانَ حَقُّ الْعِبَارَةِ أَشَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْنَا أَمْ شَيْءٌ نَسْتَقْبِلُهُ بِالتَّكَلُّمِ؟ فَغَيَّرَ الْعِبَارَةَ وَعَدَلَ عَنِ التَّكَلُّمِ إِلَى الْغَيْبَةِ، وَعَمَّمَ الْأُمَمَ كُلَّهَا، وَأَنْبِيَاءَهُمْ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى صِحَّةِ مَا قِيلَ مِنَ الْإِضْرَابِ، وَقِيلَ: وَهُوَ الْأَظْهَرُ أَنَّ الْمَعْنَى أَمْ شَيْءٌ لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِمْ فِي الْأَزَلِ، بَلْ هُوَ كَائِنٌ فِيمَا يَسْتَقْبِلُونَ مِنَ الزَّمَانِ فِيهِ يَتَوَجَّهُونَ إِلَى الْعَمَلِ، وَيَقْصِدُونَ مِنْ غَيْرِ سَبْقِ تَقْدِيرٍ قَبْلَ ذَلِكَ (مِمَّا أَتَاهُمْ) أَيْ: جَاءَهُمْ (بِهِ نَبِيُّهُمْ): الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ، وَلَفْظُ مِنْ فِيمَا أَتَاهُمْ بَيَانٌ لِمَا فِي قَوْلِهِ: مَا يَعْمَلُ النَّاسُ، أَوْ بَيَانٌ لِمَا فِي قَوْلِهِ: مَا يَسْتَقْبِلُونَ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى كَمَا قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ (وَثَبَتَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ): قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩] (فَقَالَ: لَا) أَيْ: لَا تَرَدُّدَ (بَلْ شَيْءٌ قُضِيَ) أَيْ: قُدِّرَ (عَلَيْهِمْ، وَمَضَى) أَيْ: سَبَقَ فِيهِمْ، وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ): إِشَارَةٌ إِلَى مَا ذَكَرَ أَنَّهُ قُضِيَ عَلَيْهِمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﷿: (وَنَفْسٍ): بِالْجَرِّ عَلَى الْحِكَايَةِ ﴿وَمَا سَوَّاهَا - فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا، وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٧ - ٨]: وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ مِنَ النَّبِيِّ، ﷺ بِالْآيَةِ أَنَّ أَلْهَمَهَا بِلَفْظِ الْمَاضِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا يَعْمَلُونَهُ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ قَدْ جَرَى فِي الْأَزَلِ، وَالْوَاوُ فِي (وَنَفْسٍ) لِلْقَسَمِ عَلَى الْمُقْسَمِ بِهِ، وَالْمُرَادُ نَفْسُ آدَمَ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فَالتَّنْوِينُ لِلتَّقْلِيلِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ جَمِيعُ النُّفُوسِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] فَالتَّنْوِينُ لِلتَّنْكِيرِ، وَمَا فِي (مَا سَوَّاهَا) . بِمَعْنَى مَنْ أَيْ: وَمَنْ خَلَقَهَا يَعْنِي بِهِ ذَاتَهُ تَعَالَى أَيْ: خَلَقَهَا عَلَى أَحْسَنِ صُورَةٍ، وَزَيَّنَهَا بِالْعَقْلِ وَالتَّمْيِيزِ، وَفِي الْحَدِيثِ: («اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا فَأَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا أَنْتَ وَلِيُّهَا، وَمَوْلَاهَا») . (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ١ / ١٦٠ ]
٨٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي رَجُلٌ شَابٌّ، وَأَنَا أَخَافُ عَلَى نَفْسِي الْعَنَتَ، وَلَا أَجِدُ مَا أَتَزَوَّجُ بِهِ النِّسَاءَ - كأَنَّهُ يَسْتَأْذِنُهُ فِي الِاخْتِصَاءِ - قَالَ: فَسَكَتَ عَنِّي، ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَسَكَتَ عَنِّي، ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - (يَا أَبَا هُرَيْرَةَ جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ، فَاخْتَصِ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ ذَرْ») رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ): ﵁ (قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَجُلٌ شَابٌّ) أَيْ: قَوِيُّ الشَّهْوَةِ (وَأَنَا أَخَافُ): قَالَ الشَّيْخُ: وَفِي الْبُخَارِيِّ: وَإِنِّي أَخَافُ (عَلَى نَفْسِي): بِفَتْحِ الْفَاءِ، وَتُسَكَّنُ (الْعَنَتَ): بِفَتْحَتَيْنِ أَيِ: الزِّنَا، أَوْ مُقَدِّمَاتِهِ، وَأَصْلُ الْعَنَتِ الْمَشَقَّةُ سُمِّيَ بِهِ الزِّنَا لِأَنَّهُ سَبَبُ الْعَذَابِ فِي الدُّنْيَا، وَالْعُقْبَى (وَلَا أَجِدُ) أَيْ: مِنَ الْمَالِ (مَا أَتَزَوَّجُ بِهِ النِّسَاءَ): أَرَادَ بِهِ الْجِنْسَ أَيْ: مِقْدَارُ مَا أَتَزَوَّجُ بِهِ امْرَأَةً، وَأُنْفِقُ عَلَيْهَا، فَإِذَا عَجَزَ عَنْ تَزَوُّجِ الْمَرْأَةِ فَالْعَجْزُ عَنْ شِرَاءِ الْجَارِيَةِ أَوْلَى («كَأَنَّهُ يَسْتَأْذِنُ فِي الِاخْتِصَاءِ»): بِالْمَدِّ أَيْ: قَطْعِ الْأُنْثَيَيْنِ، أَوْ سَلِّهِمَا، وَيُحْتَمَلُ قَطْعُ الذَّكَرِ أَيْضًا فَيَكُونُ الِاخْتِصَاءُ تَغْلِيبًا، هَذَا كَلَامُ الرَّاوِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: وَلَيْسَ هَذَا فِي الْبُخَارِيِّ (قَالَ) أَيْ: أَبُو هُرَيْرَةَ (فَسَكَتَ) أَيِ: النَّبِيُّ - ﷺ - (عَنِّي) أَيْ: عَنْ جَوَابِي (ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ) أَيِ: الْقَوْلَ (فَسَكَتَ عَنِّي): ثَانِيًا (ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ): لَعَلَّهُ يُجِيبُ (فَسَكَتَ عَنِّي): ثَالِثًا (ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ) أَيْ: إِلْحَاحًا، وَمُبَالَغَةً (فَقَالَ النَّبِيُّ): وَفِي نُسْخَةِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: («يَا أَبَا هُرَيْرَةَ جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ») أَيْ: مُلَاقٍ بِمَا تَفْعَلُهُ، وَتَقَولُهُ، وَيَجْرِي عَلَيْكَ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: جَفَّ الْقَلَمُ كِنَايَةٌ عَنْ جَرَيَانِ الْقَلَمِ بِالْمَقَادِيرِ وَإِمْضَائِهَا، وَالْفَرَاغِ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْفُرُوغَ بَعْدَ الشُّرُوعِ يَسْتَلْزِمُ جَفَافَ الْقَلَمِ عَنْ مِدَادِهِ، فَأُطْلِقَ اللَّازِمُ عَلَى الْمَلْزُومِ، وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْفَصَاحَةِ النَّبَوِيَّةِ (فَاخْتَصَّ): قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ فَاخْتَصِ بِتَخْفِيفِ الصَّادِ مِنَ الِاخْتِصَاءِ، وَقَدْ صَحَّفَهُ بَعْضُ أَهْلِ النَّقْلِ فَرَوَاهُ عَلَى مَا هُوَ فِي الْمَصَابِيحِ يَعْنِي فَاخْتَصِرْ بِزِيَادَةِ الرَّاءِ. قَالَ: وَلَا يَشْتَبِهُ ذَلِكَ إِلَّا عَلَى عَوَامِّ أَصْحَابِ النَّقْلِ، وَفِي شَرْحِ الطِّيبِيِّ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: الْحَدِيثُ فِي الْبُخَارِيِّ، وَكِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ، وَشَرْحِ السُّنَّةِ، وَبَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ كَمَا ذَكَرَهُ التُّورِبِشْتِيُّ (عَلَى ذَلِكَ: فِي مَوْضِعِ الْحَالِ يَعْنِي: إِذَا عَلِمْتَ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مُقَدَّرٌ فَاخْتَصِ حَالَ كَوْنِ فِعْلِكَ، وَتَرْكِكَ وَاقِعًا عَلَى مَا جَفَّ الْقَلَمُ (أَوْ ذَرْ) أَيِ: اتْرُكِ الِاخْتِصَاءَ، وَأَذْعِنْ، وَسَلِّمْ لِلْقَضَاءِ، وَأَوْ لِلتَّخْيِيرِ. قَالَ الْمُظْهِرُ أَيْ: مَا كَانَ، وَمَا يَكُونُ مُقَدَّرٌ فِي الْأَزَلِ فَلَا فَائِدَةَ فِي الِاخْتِصَاءِ، فَإِنْ شِئْتَ فَاخْتَصِ، وَإِنْ شِئْتَ فَاتْرُكْ، وَلَيْسَ هَذَا إِذْنًا فِي الِاخْتِصَاءِ، بَلْ تَوْبِيخٌ وَلَوْمٌ عَلَى الِاسْتِئْذَانِ فِي قَطْعِ عُضْوٍ بِلَا فَائِدَةٍ، وَقِيلَ: أَوْ لِلتَّسْوِيَةِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ مِنْ قَوْلِهِ: فَاخْتَصِرْ، أَوْ ذَرْ. بِمَعْنَى أَنَّ الِاخْتِصَارَ عَلَى التَّقْدِيرِ، وَالتَّسْلِيمَ لَهُ، وَتَرْكَهُ، وَالْإِعْرَاضَ عَنْهُ سَوَاءٌ. فَإِنَّ مَا قُدِّرَ لَكَ مِنْ خَيْرٍ، أَوْ شَرٍّ، فَهُوَ لَا مَحَالَةَ لَاقِيكَ، وَمَا لَا فَلَا. وَذُكِرَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الطَّاهِرَ دَعَا الْحُسَيْنَ بْنَ الْفَضْلِ فَقَالَ: أَشْكَلَ عَلَيَّ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]، وَقَوْلُ النَّبِيِّ - ﷺ -: («جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ») فَأَجَابَ: بِأَنَّهَا شُئُونٌ يُبْدِيهَا لَا شُئُونٌ يَبْتَدِئُ بِهَا فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ، وَقَبَّلَ رَأْسَهُ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
[ ١ / ١٦١ ]
٨٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلِّهَا بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ، يُصَرِّفُهُ كَيْفَ يَشَاءُ "، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو): ﵄ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ) أَيْ: هَذَا الْجِنْسَ، وَخُصَّ لِخُصُوصِيَّةِ قَابِلِيَّةِ التَّقْلِيبِ بِهِ، وَأُكِّدَ بِقَوْلِهِ (كُلَّهَا): لِيَشْمَلَ الْأَنْبِيَاءَ، وَالْأَوْلِيَاءَ، وَالْفَجَرَةَ، وَالْكَفَرَةَ مِنَ الْأَشْقِيَاءِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: لَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا يَتَنَزَّهُ السَّلَفُ عَنْ تَأْوِيلِهِ كَأَحَادِيثِ السَّمْعِ، وَالْبَصَرِ، وَالْيَدِ، وَمَا يُقَارِبُهَا فِي الصِّحَّةِ، وَالْوُضُوحِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُحْمَلُ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُشَبَّهَ بِمُسَمَّيَاتِ الْجِنْسِ، أَوْ يُحْمَلَ عَلَى مَعْنَى الِاتِّسَاعِ وَالْمَجَازِ، بَلْ يُعْتَقَدُ أَنَّهَا صِفَاتُ اللَّهِ لَا كَيْفِيَّةَ لَهَا، وَإِنَّمَا تَنَزَّهُوا عَنْ تَأْوِيلِ الْقَسَمِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ لَا يَلْتَئِمُ مَعَهُ، وَلَا يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهٍ يَرْتَضِيهِ الْعَقْلُ إِلَّا وَيَمْنَعَ مِنْهُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَأَمَّا مِثْلُ هَذَا الْحَدِيثِ
[ ١ / ١٦١ ]
فَلَيْسَ فِي الْحَقِيقَةِ مِنْ أَقْسَامِ الصِّفَاتِ، وَلَكِنْ أَلْفَاظٌ مُشَاكِلَةٌ لَهَا فِي وَضْعِ الِاسْمِ، فَوَجَبَ تَخْرِيجُهُ عَلَى وَجْهٍ يُنَاسِبُ نَسَقَ الْكَلَامَ. قِيلَ: الْمُتَشَابِهُ قِسْمَانِ. الْأَوَّلُ لَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ، وَلَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ كَالنَّفْسِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] وَالْمَجِيءِ فِي (جَاءَ رَبُّكَ) وَفَوَاتِحِ السُّوَرِ، وَالثَّانِي يَقْبَلُهُ ذَكَرَ شَيْخُ الشُّيُوخِ السَّهْرَوَرْدِيُّ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ أَخْبَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِالِاسْتِوَاءِ، وَالزَّوَالِ، وَالْيَدِ، وَالْقَدَمِ، وَالتَّعَجُّبِ، وَكُلُّ مَا وَرَدَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ دَلَائِلُ التَّوْحِيدِ فَلَا يُتَصَرَّفُ فِيهِ بِتَشْبِيهٍ، وَتَعْطِيلٍ. قِيلَ: هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْمُعَوَّلُ، وَعَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ، وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ شَرَطَ فِي التَّأَوِيلِ أَنَّ كُلَّ مَا يُؤَدِّي إِلَى تَعْظِيمِ اللَّهِ فَهُوَ جَائِزٌ، وَإِلَّا فَلَا. قَالَ ابنُ حَجَرٍ: أَكْثَرُ السَّلَفِ لِعَدَمِ ظُهُورِ أَهْلِ الْبِدَعِ فِي أَزْمِنَتِهِمْ يُفَوِّضُونَ عِلْمَهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مَعَ تَنْزِيهِهِ سُبْحَانَهُ عَنْ ظَاهِرِهَا الَّذِي لَا يَلِيقُ بِجَلَالِ ذَاتِهِ، وَأَكْثَرُ الْخَلَفِ يُؤَوِّلُونَهَا بِحَمْلِهَا عَلَى مَحَالٍّ تَلِيقُ بِذَلِكَ الْجَلَالِ الْأَقْدَسِ، وَالْكَمَالِ الْأَنْفَسِ لِاضْطِرَارِهِمْ إِلَى ذَلِكَ لِكَثْرَةِ أَهْلِ الزَّيْغِ وَالْبِدَعِ فِي أَزْمِنَتِهِمْ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: لَوْ بَقِيَ النَّاسُ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ لَمْ نُؤْمَرْ بِالِاشْتِغَالِ بِعِلْمِ الْكَلَامِ، وَأَمَّا الْآنَ فَقَدْ كَثُرَتِ الْبِدَعُ فَلَا سَبِيلَ إِلَى تَرْكِ أَمْوَاجِ الْفِتَنِ تَلْتَطِمُ، وَأَصْلُ هَذَا اخْتِلَافُهمْ فِي الْوَقْفِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧] فَالْأَكْثَرُونَ عَلَى الْوَقْفِ عَلَى الْجَلَالَةِ، وَالْأَقَلُّونَ عَلَى الْوَقْفِ عَلَى (الْعِلْمِ)، وَمِنْ أَجَلِّهِمُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَكَانَ يَقِفُ عَلَيْهِ، وَيَقُولُ حَمْلًا لِلنَّاسِ عَلَى سُؤَالِهِ، وَالْأَخْذِ عَنْهُ: أَنَا مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ رَفْعُ الْخِلَافِ بِأَنَّ الْمُتَشَابِهَ عَلَى قِسْمَيْنِ: مَا لَا يَقْبَلُ تَأْوِيلًا قَرِيبًا فَهَذَا مَحْمَلُ الْوَقْفِ الْأَوَّلِ، وَمَا يَقْبَلُهُ فَهَذَا مَحْمَلُ الثَّانِي، وَمِنْ ثَمَّ اخْتَارَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ قَبُولَ التَّأْوِيلِ إِنْ قَرُبَ مِنَ اللَّفْظِ، وَاحْتَمَلَهُ وَضْعًا، وَرَدَّهُ إِنْ بَعُدَ عَنْهُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ السَّلَفَ، وَالْخَلَفَ مُؤَوِّلُونَ لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى صَرْفِ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ، وَلَكِنَّ تَأْوِيلَ السَّلَفِ إِجْمَالِيٌّ لِتَفْوِيضِهِمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَتَأْوِيلَ الْخَلَفِ تَفْصِيلِيٌّ لِاضْطِرَارِهِمْ إِلَيْهِ لِكَثْرَةِ الْمُبْتَدِعِينَ. (بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ): بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَفَتْحِ الْبَاءِ هُوَ الْمَشْهُورُ، وَإِلَّا فَفِيهِ تِسْعُ لُغَاتٍ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْأُصْبُعُ مُثَلَّثُ الْهَمْزَةِ وَالْبَاءِ (مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ): إِطْلَاقُ الْأُصْبُعِ عَلَيْهِ تَعَالَى مَجَازٌ أَيْ: تَقْلِيبُ الْقُلُوبِ فِي قُدْرَتِهِ يَسِيرٌ، يَعْنِي أَنَّهُ تَعَالَى مُتَصَرِّفٌ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ وَغَيْرِهَا كَيْفَ شَاءَ لَا يَمْتَنِعُ مِنْهَا شَيْءٌ، وَلَا يَفُوتُهُ مَا أَرَادَهُ، كَمَا يَقُولُ: فُلَانٌ فِي قَبْضَتِي أَيْ: كَفِّي، لَا يُرَادُ أَنَّهُ فِي كَفِّهِ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُ تَحْتَ قُدْرَتِي، وَفُلَانٌ بَيْنَ أُصْبُعِي أُقَلِّبُهُ كَيْفَ شِئْتُ أَيْ: إِنَّهُ هَيِّنٌ عَلَيَّ قَهْرُهُ، وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ كَيْفَ شِئْتُ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِأُصْبُعَيْنِ صِفَتَا اللَّهِ، وَهُمَا صِفَةُ الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، فَبِصِفَةِ الْجَلَالِ يُلْهِمُهَا فُجُورَهَا، وَبِصِفَةِ الْإِكْرَامِ يُلْهِمُهَا تَقْوَاهَا. أَيْ: يُقَلِّبُهَا تَارَةً مِنْ فُجُورِهَا إِلَى تَقْوَاهَا، وَتَارَةً مِنْ تَقْوَاهَا إِلَى فُجُورِهَا. وَقِيلَ مَعْنَاهُ بَيْنَ أَثَرَيْنِ مِنْ آثَارِ رَحْمَتِهِ، وَقَهْرِهِ أَيْ: قَادِرٌ أَنْ يُقَلِّبُهَا مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ، وَالطَّاعَةِ، وَالْعِصْيَانِ. قَالَ الْقَاضِي: نَسَبَ تَقْلِيبَ الْقُلُوبِ إِلَيْهِ تَعَالَى إِشْعَارًا بِأَنَّهُ تَعَالَى تَوَلَّى بِذَاتِهِ أَمْرَ قُلُوبِهِمْ، وَلَمْ يَكِلْهُ إِلَى أَحَدٍ مِنْ مَلَائِكَتِهِ، وَخَصَّ الرَّحْمَنَ بِالذِّكْرِ إِيذَانًا بِأَنَّ ذَلِكَ التَّوَلِّيَ مَحْضُ رَحْمَتِهِ كَيْلَا يَطَّلِعَ أَحَدٌ غَيْرُهُ عَلَى سَرَائِرِهِمْ، وَلَا يَكْتُبُ عَلَيْهِمْ مَا فِي ضَمَائِرِهِمْ، وَقَوْلُهُ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ: بِالْوَصْفِ يَعْنِي كَمَا أَنَّ أَحَدَكُمْ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ؛ اللَّهُ تَعَالَى يَقْدِرُ عَلَى جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ دُفْعَةً وَاحِدَةً لَا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] قِيلَ: لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ التَّصَرُّفَ فِي الْقَلْبِ الْوَاحِدِ أَسْهَلُ بِالْقِيَاسِ إِلَيْهِ، إِذْ لَا صُعُوبَةَ بِالْقِيَاسِ إِلَيْهِ تَعَالَى، بَلْ ذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى الْعِبَادِ إِلَى مَا عَرَفُوهُ فِيمَا بَيْنَهُمْ. (يُصَرِّفُهُ) بِالتَّشْدِيدِ أَيْ: يُقَلِّبُ الْقَلْبَ الْوَاحِدَ، أَوْ جِنْسَ الْقَلْبِ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ بِتَأْنِيثِ الضَّمِيرِ أَيِ: الْقُلُوبَ، كَذَا ذَكَرَهُ الْعَيْنِيُّ، وَهُوَ تَحْقِيقٌ لِوَجْهِ الشَّبَهِ (كَيْفَ يَشَاءُ): حَالٌ عَلَى تَأْوِيلِ هَيِّنًا سَهْلًا لَا يَمْنَعُهُ مَانِعٌ، أَوْ مَصْدَرٌ أَيْ: تَقْلِيبًا سَرِيعًا سَهْلًا، وَفِي كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ، وَفِي مُسْلِمٍ حَيْثُ يَشَاءُ قَالَهُ الْعَيْنِيُّ. (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: [(اللَّهُمَّ): أَصْلُهُ يَا اللَّهُ فَحُذِفَ حَرْفُ النِّدَاءِ، وَعُوِّضَ عَنْهُ الْمِيمُ، وَلِذَا لَا يَجْتَمِعَانِ. وَقِيلَ:
[ ١ / ١٦٢ ]
أَصْلُهُ يَا اللَّهُ أَمِّنَا بِخَيْرٍ أَيِ: اقْصُدْنَا فَحُذِفَ مَا حُذِفَ اخْتِصَارًا، مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ: بِالْإِضَافَةِ صِفَةُ اللَّهُمَّ عِنْدَ الْمُبَرِّدِ وَالْأَخْفَشِ لِأَنَّ (يَا) لَا يَمْنَعُ مِنَ الْوَصْفِ فَكَذَا بَدَلُهَا، وَمُنَادَى بِرَأْسِهِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وَقَدْ حُذِفَ مِنْهُ النِّدَاءُ لِأَنَّ ضَمَّ الْمِيمِ لِلْجَلَالَةِ مَنَعَ وَصْفَهَا («صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ») أَيْ: إِلَيْهَا، أَوْ ضُمِّنَ مَعْنَى التَّثْبِيتِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَرَدَ: «اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» . قِيلَ، وَفِيهِ إِرْشَادٌ لِلْأُمَّةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ كُلِّ أَحَدٍ مِنَ الْعِبَادِ كَمَا أَنَّهُ مُفْتَقِرٌ إِلَيْهِ تَعَالَى فِي الْإِيجَادِ؟ لَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ سَاعَةً مِنَ الْإِمْدَادِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ١ / ١٦٣ ]
٩٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (- ﷺ -): «(مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟ ثُمَّ يَقُولُ: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠]» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ): ﵁ (قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: (مَا مِنْ مَوْلُودٍ) أَيْ: مِنَ الثَّقَلَيْنِ (إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ) قِيلَ: مَوْلُودٌ: مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ: يُولَدُ أَيْ: مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُوجَدُ عَلَى أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ إِلَّا عَلَى هَذَا الْأَمْرِ، وَالْفِطْرَةُ: تَدُلُّ عَلَى نَوْعٍ مِنَ الِابْتِدَاءِ وَالِاخْتِرَاعِ الَّذِي هُوَ مَعْنَى الْفِطْرَةِ كَالْجِلْسَةِ، وَاللَّامُ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَعْهُودٍ، وَهُوَ قَوْلُهُ: (فِطْرَةَ اللَّهِ) وَهِيَ الْإِيمَانُ إِذِ الْمُرَادُ بِأَقِمْ وَجْهَك لِلدِّينِ حَنِيفًا اثْبُتْ عَلَى إِيمَانِكَ الْقَدِيمِ الْوَاقِعِ مِنْكَ فِي عَالَمِ الذَّرِّ (يَوْمَ) أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ: الْمِلَّةَ بَدَلَ الْفِطْرَةِ؛ لِأَنَّ مَاصَدَقَهُمَا وَاحِدٌ. قَالَ تَعَالَى: ﴿دِينًا قَيِّمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [الأنعام: ١٦١] كَذَا ذَكَرَهُ ابنُ حَجَرٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمِلَّةَ أَخَصُّ مِنَ الدِّينِ، وَلِذَا قِيلَ بِاتِّحَادِ دِينِ الْأَنْبِيَاءِ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ وَالتَّوْحِيدُ، وَاخْتِلَافُ مِلَلِهِمْ لِاخْتِلَافِ شَرَائِعِهِمْ، وَفِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ: («خَلَقْتُ عِبَادِيَ حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَأَنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَأَضَلَّتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ»)، وَالْمَعْنَى مَا أَحَدٌ يُوَلَدُ إِلَّا عَلَى هَذَا الْأَمْرِ الَّذِي هُوَ تَمَكُّنُ النَّاسِ مِنَ الْهُدَى فِي أَصْلِ الْجِبِلَّةِ، وَالتَّهَيُّؤُ لِقَبُولِ الدِّينِ، فَلَوْ تُرِكَ عَلَى تَمَكُّنِهِ، وَتَهَيُّؤِهِ الْمَذْكُورَيْنِ لَاسْتَمَرَّ عَلَى الْهُدَى وَالدِّينِ، وَلَمْ يُفَارِقْهُ إِلَى غَيْرِهِ لِأَنَّ حُسْنَهُ رَكَزَ فِي النُّفُوسِ فَلَمْ يَقَعْ لَهَا عُدُولٌ عَنْهُ إِلَّا لِآفَةٍ بَشَرِيَّةٍ، أَوْ تَقْلِيدٍ لِلْغَيْرِ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٦] فَجَعَلَ الْهُدَى رَأْسَ الْمَالِ الْحَاصِلَ عِنْدَهُمْ، ثُمَّ عَرَّضُوهُ لِلزَّوَالِ بِبَذْلِهِ فِي أَخْذِهِمُ الضَّلَالَةَ الْبَعِيدَةَ عَنْهُمْ (فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ): بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ أَيْ: يُعْلِمَانِهِ الْيَهُودِيَّةَ، وَيَجْعَلَانِهِ يَهُودِيًّا (أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ): وَالْفَاءُ إِمَّا لِلتَّعْقِيبِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَإِمَّا لِلتَّسَبُّبِ أَيْ: إِذَا كَانَ كَذَا فَمَنْ تَغَيَّرَ كَانَ بِسَبَبِ أَبَوَيْهِ غَالِبًا (كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ): صِفَةُ الْمَصْدَرِ مَحْذُوفٌ، وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ أَيْ: يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ وِلَادَةً مِثْلَ نِتَاجِ الْبَهِيمَةِ، أَوْ يُغَيِّرَانِهِ تَغْيِيرًا كَتَغْيِيرِهِمُ الْبَهِيمَةَ، وَقِيلَ: حَالٌ أَيْ: مُشَبَّهًا شَبَّهَ وِلَادَتَهُ عَلَى الْفِطْرَةِ بِوِلَادَةِ الْبَهِيمَةِ السَّلِيمَةِ غَيْرَ أَنَّ السَّلَامَةَ حِسِّيَّةٌ، وَمَعْنَوِيَّةٌ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ الْأَفْعَالُ الثَّلَاثَةُ أَيْ: يُهَوِّدَانِهِ، وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ تَنَازَعَتْ فِي كَمَا تُنْتَجُ الْمُفِيدُ لِتَشْبِيهِ ذَلِكَ الْمَعْقُولِ بِهَذَا الْمَحْسُوسِ الْمُعَايَنِ لِيَتَّضِحَ بِهِ أَنَّ ظُهُورَهُ بَلَغَ فِي الْكَشْفِ، وَالْبَيَانِ مَبْلَغَ هَذَا الْمَحْسُوسِ الْمُشَاهَدِ فِي الْعَيَانِ، وَهُوَ يُرْوَى عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَعَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ يُقَالُ: نَتَجَ النَّاقَةَ يُنْتِجُهَا إِذَا تَوَلَّى نِتَاجَهَا حَتَّى وَضَعَتْ، فَهُوَ نَاتِجٌ، وَهُوَ لِلْبَهَائِمِ كَالْقَابِلَةِ لِلنِّسَاءِ، وَالْأَصْلُ نَتَجَهَا أَهْلُهَا وَلَدًا، وَلِذَا يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ فَإِذَا بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ الْأَوَّلِ قِيلَ نَتَجَتْ وَلَدًا إِذَا وَضَعَتْ، وَإِذَا وَضَعَتْ لِلثَّانِي قِيلَ: نَتَجَ الْوَلَدُ إِذَا وَضَعَتْهُ (بَهِيمَةً)، وَقِيلَ: مُصَغَّرَةً، وَنَصْبُهَا عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِتُنْتَجُ، وَالْأَوَّلُ أُقِيمَ مَقَامَ فَاعِلِهِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ بِتَقْدِيرِ كَوْنِ تُنْتَجُ مَجْهُولًا أَيْ: وُلِدَتْ فِي حَالِ كَوْنِهَا بَهِيمَةً، أَوْ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ إِذَا كَانَ مَعْرُوفًا مَنْ نَتَجَ إِذَا وُلِدَ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: تُنْتَجُ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ لَا غَيْرُ. (جَمْعَاءَ) أَيْ: سَلِيمَةَ الْأَعْضَاءِ كَامِلَتِهَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاجْتِمَاعِ سَلَامَةِ أَعْضَائِهَا مِنْ نَحْوِ جَدْعٍ، وَكَيٍّ (هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا)، أَيْ: فِي الْبَهِيمَةِ الْجَمْعَاءِ، وَالْمُرَادُ بِمَا الْجِنْسُ، وَتُحِسُّونَ بِضَمِّ التَّاءِ، وَكَسْرِ الْحَاءِ، وَقِيلَ:
[ ١ / ١٦٣ ]
بِفَتْحِ التَّاءِ، وَضَمِّ الْحَاءِ أَيْ: هَلْ تُدْرِكُونَ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ أَيْ: بَهِيمَةٌ سَلِيمَةٌ مَقُولًا فِي حَقِّهِ هَذَا الْقَوْلِ، وَفِيهِ نَوْعٌ مِنَ التَّأْكِيدِ يَعْنِي كُلُّ مَنْ نَظَرَ إِلَيْهَا قَالَ هَذَا الْقَوْلَ لِظُهُورِ سَلَامَتِهَا، وَقِيلَ هُوَ صِفَةٌ أُخْرَى بِتَقْدِيرِهِ مَقُولًا فِي حَقِّهَا (مِنْ جَدْعَاءَ؟): بِالْمُهْلَمَةِ أَيْ: مَقْطُوعَةُ الْأُذُنِ. وَفِي الْمَصَابِيحِ: حَتَّى تَكُونُوا أَنْتُمْ تَجْدَعُونَهَا. قِيلَ: تَخْصِيصُ الْجَدْعِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ تَصْمِيمَهُمْ عَلَى الْكُفْرِ إِنَّمَا كَانَ لِصَمِّهِمْ عَنِ الْحَقِّ. (ثُمَّ يَقُولُ): ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مِنْ بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ مِنْ كَلَامِ) أَبِي هُرَيْرَةَ أَدْرَجَهُ فِي الْحَدِيثِ بَيَّنَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ التِّرْمِذِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَلَفْظُهُ: ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] الْآيَةَ كَذَا قَالَهُ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ. أَقُولُ: وَكَذَا وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ الرَّازِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَفْظُهُ: ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] . أَخْرَجَهُ مِنْ كِتَابِ الْجَنَائِزِ. كَذَا حَقَّقَهُ مِيرَكُ شَاهْ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الظَّاهِرُ ثُمَّ قَرَأَ، فَعَدَلَ إِلَى الْقَوْلِ، وَأَتَى بِالْمُضَارِعِ لِحِكَايَةِ الْحَالِ اسْتِحْضَارًا كَأَنَّهُ يَسْمَعُ مِنْهُ - ﵊ - الْآنَ اهـ.
وَفِيهِ: أَنَّ الْعِلَّةَ الْمَذْكُورَةَ لَا تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ لِلْعُدُولِ إِلَى الْقَوْلِ، فَالْأَظْهَرُ مَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ: إِنَّ ظَاهِرَ السِّيَاقِ: ثُمَّ قَرَأَ فَعَدَلَ عَنْهُ لَفْظًا، إِشَارَةٌ فِيمَا يَظْهَرُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ اللَّفْظَ الْقُرْآنِيَّ فِي مَقَامِ الِاسْتِدْلَالِ لَا تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّ ذِكْرَهُ لِلِاسْتِدْلَالِ بِهِ صَارِفٌ لَهُ عَنِ الْقُرْآنِيَّةِ اهـ.
وَيُؤَيِّدُهُ تَرْكُ الِاسْتِعَاذَةِ فِي ابْتِدَائِهِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: (فِطْرَةَ اللَّهِ) أَيِ: الْزَمُوهَا، وَهِيَ مَا ذُكِرَ مِنَ الِاسْتِعْدَادِ لِلْمَعْرِفَةِ ﴿الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] أَيْ: خَلَقَهُمُ ابْتِدَاءً وَجَبَلَهُمْ عَلَيْهَا ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] أَيْ: فِيكُمْ مِنْ قَبُولِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ مُؤَوَّلٌ بِأَنَّهُ مِنْ شَأْنِهِ أَوِ الْغَالِبُ فِيهِ أَنَّهُ لَا يُبَدَّلُ، أَوْ يُقَالُ الْخَبَرُ بِمَعْنَى النَّهْيِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِخْبَارًا مَحْضًا لِحُصُولِ التَّبْدِيلِ، قَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ: هَذَا عِنْدَنَا حَيْثُ أَخَذَ اللَّهُ الْعَهْدَ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ فَقَالُوا: بَلَى. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذَا مَعْنًى حَسَنٌ، وَكَأَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِالْإِيمَانِ الْفِطْرِيِّ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا، إِنَّمَا يُعْتَبَرُ الْإِيمَانُ الشَّرْعِيُّ الْمُكْتَسَبُ بِالْإِرَادَةِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقُولُ: (فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ)، فِي حُكْمِ الدُّنْيَا، فَهُوَ مَعَ وُجُودِ الْإِيمَانِ الْفِطْرِيِّ فِيهِ مَحْكُومٌ لَهُ بِحُكْمِ أَبَوَيْهِ الْكَافِرَيْنِ. قِيلَ: وَتَلْخِيصُهُ أَنَّ الْعَالَمَ إِمَّا عَالَمُ الْغَيْبِ، وَإِمَّا عَالَمُ الشَّهَادَةِ، فَإِذَا نَزَلَ الْحَدِيثُ عَلَى عَالَمِ الْغَيْبِ أَشْكَلَ مَعْنَاهُ، وَإِذَا صُرِفَ إِلَى عَالَمِ الشَّهَادَةِ الَّذِي عَلَيْهِ مَبْنَى ظَاهِرِ الشَّرْعِ سَهُلَ تَعَاطِيهِ، وَتَحْرِيرُهُ: أَنَّ النَّاظِرَ إِذَا نَظَرَ إِلَى الْمَوْلُودِ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ عَالَمِ الْغَيْبِ، وَأَنَّهُ وُلِدَ عَلَى الْخِلْقَةِ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ النَّاسَ عَلَيْهَا مِنَ الْاسْتِعْدَادِ لِلْمَعْرِفَةِ، وَقَبُولِ الْحَقِّ، وَالتَّأَبِّي عَنِ الْبَاطِلِ، وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْخَطَأِ وَالصَّوَابِ، حَكَمَ بِأَنَّهُ إِنْ تُرِكَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَعْتَوِرْهُ مِنَ الْخَارِجِ مَا يَصُدُّهُ عَنِ النَّظَرِ الصَّحِيحِ مِنَ التَّقْلِيدِ وَالْإِلْفِ بِالْمَحْسُوسَاتِ، وَالِانْهِمَاكِ فِي الشَّهَوَاتِ اسْتَمَرَّ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ، وَلَمْ يَخْتَرْ عَلَيْهِ شَيْئًا، وَيَنْظُرْ مَا نُصِبَ مِنَ الدَّلَائِلِ عَلَى التَّوْحِيدِ، وَصِدْقِ الرَّسُولِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ نَظَرًا صَحِيحًا يُوَصِّلُهُ إِلَى الْحَقِّ، وَيَهْدِيهِ إِلَى - الرُّشْدِ، وَعَرَفَ الصَّوَابَ، وَاتَّبَعَ الْحَقَّ، وَدَخَلَ فِي الْمِلَّةِ الْحَنِيفِيَّةِ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى مَا سِوَاهَا، لَكِنْ يَصُدُّهُ عَنْ ذَلِكَ أَمْثَالُ هَذِهِ الْعَوَائِقِ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ: أُمُّ الْغُلَامِ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ، فَإِنَّ مُوسَى - ﵊ - نَظَرَ إِلَى عَالَمِ الشَّهَادَةِ، وَظَاهِرِ الشَّرْعِ فَأَنْكَرَ، وَالْخَضِرُ - ﵊ - نَظَرَ إِلَى عَالَمِ الْغَيْبِ، وَأَنَّهُ طُبِعَ كَافِرًا فَقَتَلَهُ، وَلِذَلِكَ اعْتَذَرَ الْخَضِرُ بِالْعِلْمِ الْخَفِيِّ الْغَائِبِ أَمْسَكَ مُوسَى - ﵊ - عَنِ الِاعْتِرَاضِ كَذَا قَالُوهُ، وَلَعَلَّ مَعْنَى أَنَّهُ طُبِعَ كَافِرًا أَيْ: خُلِقَ، وَقُدِّرَ، وَجُبِلَ أَنَّهُ لَوْ عَاشَ يَصِيرُ كَافِرًا؟ لِئَلَّا يُنَاقِضَهُ هَذَا الْحَدِيثُ. (ذَلِكَ)، أَيِ: التَّوْحِيدُ الَّذِي هُوَ مَعْنَى الْفِطْرَةِ هُوَ (الدِّينُ الْقَيِّمُ) أَيِ: الْمُسْتَقِيمُ الَّذِي لَا عِوَجَ لَهُ، وَلَا مَيْلَ إِلَى تَشْبِيهٍ وَتَعْطِيلٍ وَلَا قَدَرٍ، وَلَا جَبْرٍ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ١ / ١٦٤ ]
٩١ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ - ﵁ - قَالَ: «قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ (- ﷺ -) بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ، وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ») رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي مُوسَى) أَيِ: الْأَشْعَرِيِّ ﵁ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -): وَكَانَ إِذَا وَعَظَ قَامَ (بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ): وَالْكَلِمَةُ الْجُمْلَةُ الْمُفِيدَةُ أَيْ: مُتَفَوِّهًا بِخَمْسِ فُصُولٍ، وَقِيلَ قَامَ فِينَا كِنَايَةً عَنِ التَّذْكِيرِ أَيْ: خَطَبَنَا، وَذَكَّرَنَا بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلَهُ: فِينَا، وَبِخَمْسٍ إِمَّا حَالَانِ مُتَرَادِفَانِ، أَوْ مُتَدَاخِلَانِ. أَيْ: قَامَ خَطِيبًا مُذَكِّرًا لَنَا، وَإِمَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ فِينَا بِقَامَ عَلَى تَضْمِينِ قَامَ مَعْنَى خَطَبَ، وَيَكُونُ بِخَمْسٍ حَالًا، وَقَامَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ بِمَعْنَى الْقِيَامِ، وَهُنَاكَ وَجْهٌ ثَالِثٌ، وَهُوَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِخَمْسٍ بِقَامَ، وَيَكُونُ فِينَا بَيَانًا، كَأَنَّهُ لَمَّا قِيلَ قَامَ بِخَمْسٍ قِيلَ فِي حَقِّ مَنْ؟ فَقِيلَ: فِي حَقِّنَا، وَعَلَى هَذَا قَامَ بِمَعْنَى قَامَ بِالْأَمْرِ أَيْ: تَشَمَّرَ لَهُ أَيْ: قَامَ بِحِفْظِ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ فِينَا. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيُؤَيِّدُ الْحَقِيقَةَ حَدِيثُ: كَانَ - ﵊ - يَنْصَرِفُ إِلَيْنَا بَعْدَ الْعِشَاءِ فَيُحَدِّثُنَا قَائِمًا عَلَى رِجْلَيْهِ حَتَّى يُرَاوِحَ بَيْنَ قَدَمَيْهِ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ، وَفِيهِ أَنَّ كَوْنَ الْقِيَامِ حَقِيقَةً فِي بَعْضِ الْمَقَامِ لَا يَسْتَلْزِمُ اسْتِمْرَارَهُ فِي الْمَرَامِ. (فَقَالَ: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ): قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وَالسِّنَةُ: النُّعَاسُ، وَهُوَ نَوْمٌ خَفِيفٌ، أَوْ مُقَدِّمَةُ النَّوْمِ (وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ): نَفْيٌ لِلْجَوَازِ تَأْكِيدٌ لِنَفْيِ الْوُقُوعِ عَلَى سَبِيلِ التَّتْمِيمِ أَيْ: لَا يَكُونُ، وَلَا يَصِحُّ، وَلَا يَسْتَقِيمُ، وَلَا يُمْكِنُ لَهُ النَّوْمُ؛ لِأَنَّ النَّوْمَ أَخُو الْمَوْتِ؛ وَلِأَنَّ النَّوْمَ لِاسْتِرَاحَةِ الْقُوَى، وَاللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ، وَهَذِهِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْخَمْسِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ بِقَوْلِهِ: اعْتِرَاضٌ فَتَأَمَّلْ. وَالثَّالِثَةُ: هِيَ قَوْلُهُ: (يَخْفِضُ الْقِسْطَ، وَيَرْفَعُهُ): قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: فَسَّرَ بَعْضُهُمُ الْقِسْطَ بِالرِّزْقِ أَيْ يُقَتِّرُهُ، وَيُوَسِّعُهُ، وَعَبَّرَ بِهِ عَنِ الرِّزْقِ لِأَنَّهُ قِسْطُ كُلِّ مَخْلُوقٍ أَيْ: نَصِيبُهُ، وَفَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِالْمِيزَانِ، وَيُسَمَّى الْمِيزَانُ قِسْطًا لِمَا يَقَعُ بِهِ مِنَ الْمَعْدَلَةِ بِالْقِسْطِ أَيْ: فِي الْقِسْمَةِ وَغَيْرِهَا، وَهَذَا الْمَعْنَى أَوْلَى لِمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: يَرْفَعُ الْمِيزَانَ وَيَخْفِضُهُ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْمِيزَانِ مَا يُوزَنُ مِنْ أَرْزَاقِ الْعِبَادِ النَّازِلَةِ مِنْ عِنْدِهِ وَأَعْمَالِهِمُ الْمُرْتَفِعَةِ إِلَيْهِ يَعْنِي: فَيَخْفِضُهُ تَارَةً بِتَقْتِيرِ الرِّزْقِ، وَالْخُذْلَانِ بِالْمَعْصِيَةِ، وَيَرْفَعُهُ أُخْرَى بِتَوْسِيعِ الرِّزْقِ، وَالتَّوْفِيقِ لِلطَّاعَةِ. وَفِي الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ هُنَا، وَفِيمَا بَعْدَهُ تَضَادٌّ وَمُطَابَقَةٌ، وَهُمَا مُسْتَعَارَانِ مِنَ الْمَعَانِي مِنَ الْأَعْيَانِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ الْإِشَارَةَ إِلَى أَنَّهُ تَعَالَى كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ، وَأَنَّهُ يَحْكُمُ فِي خَلْقِهِ بِمِيزَانِ الْعَدْلِ، وَبَيَّنَ الْمَعْنَى بِمَا شُوهِدَ مِنْ وَزْنِ الْمِيزَانِ الَّذِي يَزِنُ فَيَخْفِضُ يَدَهُ، وَيَرْفَعُهَا. قِيلَ: وَهَذَا التَّأْوِيلُ يُنَاسِبُ قَوْلَهُ: وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ أَيْ: كَيْفَ يَجُوزُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَهُوَ الَّذِي يَتَصَرَّفُ أَبَدًا فِي مُلْكِهِ بِمِيزَانِ الْعَدْلِ. وَالرَّابِعَةُ: (يُرْفَعُ إِلَيْهِ): قَالَ الْقَاضِي أَيْ: إِلَى خَزَائِنِهِ كَمَا يُقَالُ حُمِلَ الْمَالُ إِلَى الْمَلِكِ (عَمَلُ اللَّيْلِ) أَيِ: الْمَعْمُولُ فِيهِ (قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ) أَيْ: قَبْلَ أَنْ يُؤْتَى - " بِعَمَلِ النَّهَارِ فَيُضْبَطُ إِلَى يَوْمِ الْجَزَاءِ، أَوْ يُعْرَضُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ هُوَ أَعْلَمُ بِهِ لِيَأْمُرَ مَلَائِكَتَهُ بِإِمْضَاءِ مَا قُضِيَ لِفَاعِلِهِ جَزَاءً عَلَى فِعْلِهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ يَقْبَلُ اللَّهُ أَعْمَالَ الْمُؤْمِنِينَ فَيَكُونَ عِبَارَةً عَنْ سُرْعَةِ الْإِجَابَةِ (وَعَمَلُ النَّهَارِ): عَطْفٌ عَلَى عَمَلِ اللَّيْلِ (قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ): إِشَارَةً إِلَى السُّرْعَةِ فِي الرَّفْعِ، وَالْعُرُوجُ إِلَى مَا فَوْقَ السَّمَاوَاتِ فَإِنَّهُ لَا فَاصِلَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّارِ، وَقِيلَ: قَبْلَ رَفْعِ عَمَلِ اللَّيْلِ، وَالْأَوَّلُ أَبْلَغُ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهُوَ بَيَانٌ لِمُسَارَعَةِ الْمَلَائِكَةِ الْمُوَكَّلِينَ بِرَفْعِ أَعْمَالِ النَّهَارِ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَاللَّيْلِ بَعْدَ الصُّبْحِ، وَأَنَّهُمْ يَقْطَعُونَ فِي هَذَا الزَّمَنِ الْقَلِيلِ تِلْكَ الْمَسَافَةَ الطَّوِيلَةَ الَّتِي تَزِيدُ عَلَى سَبْعَةِ آلَافِ سَنَةٍ عَلَى مَا رُوِيَ: أَنَّ مَسِيرَةَ مَا بَيْنَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ الدُّنْيَا خَمْسُمَائَةِ سَنَةٍ، وَمَا بَيْنَ كُلٍّ سَمَاءَيْنِ كَذَلِكَ، وَسُمْكَ كُلِّ سَمَاءٍ كَذَلِكَ، وَتَقْدِيرُ رَفَعَ فِي الْأَوَّلِ، وَرَفَعَ أَوْ فَعَلَ فِي الثَّانِي هُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الْآخَرُ: إِنَّ أَعْمَالَ النَّهَارِ تُرْفَعُ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ، وَأَعْمَالَ اللَّيْلِ تُرْفَعُ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَلَا يَقَعُ رَفْعُ عَمَلِ اللَّيْلِ إِلَّا بَعْدَ فِعْلٍ مِنْ عَمَلِ النَّهَارِ، وَأَمَّا رَفْعُ عَمَلِ النَّهَارِ فَيَقَعُ قَبْلَ فِعْلِ أَوْ رَفْعِ شَيْءٍ مِنْ عَمَلِ اللَّيْلِ؛ لِأَنَّ بَيْنَ ابْتِدَاءِ رَفْعِهَا، وَعَمَلِ اللَّيْلِ فَاصِلًا يَسَعُ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْقُدْرَةِ الْبَاهِرَةِ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ قَوْلَهُ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ يَتَعَيَّنُ فِيهِ تَقْدِيرُ رَفَعَ؛ وَلَا يَصِحُّ تَقْدِيرُ فَعَلَ فِيهِ، وَقَوْلُهُ: قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ يَصِحُّ فِيهِ كُلٌّ مِنْهُمَا، وَتَقْدِيرُ الْفِعْلِ أَبْلَغُ؛ لِأَنَّ الزَّمَنَ أَقْصَرُ، فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ لِتَعْلَمْ فَسَادَ مَا أَطْلَقَهُ بَعْضُ الشَّارِحِينَ اهـ. كَلَامَهُ.
[ ١ / ١٦٥ ]
وَالْخَامِسَةُ: (حِجَابُهُ النُّورُ) أَيِ: الْمَعْنَوِيُّ (لَوْ كَشَفَهُ): اسْتِئْنَافٌ جَوَابًا عَمَّنْ قَالَ: لَا نُشَاهِدُهُ أَيْ: لَوْ أَزَالَ الْحِجَابَ، وَرَفَعَهُ (لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ): بِضَمٍّ أَوَّلَيْهِ جَمْعُ سُبْحَةٍ بِالضَّمِّ أَيْ: أَنْوَارُ وَجْهِهِ، وَالْوَجْهُ الذَّاتُ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ التَّحْقِيقِ: هِيَ الْأَنْوَارُ الَّتِي إِذَا رَآهَا الرَّاءُونَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ سَبَّحُوا، وَهَلَّلُوا لِمَا يَرُوعُهُمْ مِنْ جَلَالِ اللَّهِ وَعَظَمَتِهِ؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ سُبْحَانَ اللَّهِ كَلِمَةُ تَعَجُّبٍ، وَتَعْجِيبٍ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ. وَقَالَ الْكَشَّافُ: فِيهَا مَعْنَى التَّعَجُّبِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُسَبَّحَ اللَّهُ فِي رُؤْيَةِ الْعَجَبِ مِنْ صَنَائِعِهِ، ثُمَّ كَثُرَ حَتَّى اسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ مُتَعَجَّبٍ مِنْهُ، وَقِيلَ: حِجَابُهُ النُّورُ أَيْ: حِجَابُهُ خِلَافُ الْحُجُبِ الْمَعْهُودَةِ، فَهُوَ مُحْتَجِبٌ عَنْ خَلْقِهِ بِأَنْوَارِ عِزِّهِ وَجَلَالِهِ، وَلَوْ كَشَفَ ذَلِكَ الْحِجَابَ، وَتَجَلَّى لِمَا وَرَاءَهُ مِنْ حَقَائِقِ الصِّفَاتِ وَعَظَمَةِ الذَّاتِ لَمْ يَبْقَ مَخْلُوقٌ إِلَّا احْتَرَقَ، وَأَصْلُ الْحِجَابِ السِّتْرُ الْحَائِلُ بَيْنَ الرَّائِي وَالْمَرْئِيِّ، وَهُوَ هَاهُنَا يَرْجِعُ إِلَى مَنْعِ الْأَبْصَارِ مِنَ الْإِصَابَةِ بِالرُّؤْيَةِ، فَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ مَنْعِ رُؤْيَتِهِ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا، أَوْ عَنِ الْإِحَاطَةِ بِذَاتِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْعُقْبَى، وَجُمْلَةُ لَوْ كَشَفَهُ إِلَخْ. اسْتِئْنَافِيَّةٌ مُبَيِّنَةٌ لِلْكَلَامِ السَّابِقِ كَأَنَّهُ قِيلَ: لِمَ خَصَّ حِجَابَهُ بِالنُّورِ، أَوْ لِمَ يَكْشِفُ ذَلِكَ الْحِجَابَ؟ فَأُجِيبُ: بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِ، أَوْ لَوْ كَشَفَهُ لَاحْتَرَقَ الْعَالَمُ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَ الْجُمَلَ السَّابِقَةَ فِعْلِيَّةً مُضَارِعِيَّةً لِإِفَادَةِ التَّجَدُّدِ مَعَ الِاسْتِمْرَارِ، وَأَمَّا هَذِهِ الْجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ فَتَدُلُّ عَلَى الثَّبَاتِ، وَالدَّوَامِ فِي هَذَا الْعَالَمِ، وَإِذَا صَفَتِ الْمُؤْمِنُونَ عَنِ الْكُدُورَاتِ الْبَشَرِيَّةِ فِي دَارِ الثَّوَابِ فَيَرَونَهُ بِلَا حِجَابٍ، كَمَا أَنَّ النَّبِيَّ - ﵊ - رَآهُ فِي الدُّنْيَا لِانْقِلَابِهِ نُورًا كَمَا قَالَ فِي الدُّعَاءِ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَفِي بَشَرِي نُورًا») إِلَى قَوْلِهِ: (وَاجْعَلْنِي نُورًا) (مَا انْتَهَى) أَيْ: وَصَلَ (إِلَيْهِ): الضَّمِيرُ لِمَا (بَصَرُهُ): تَعَالَى، وَقِيلَ: الضَّمِيرُ فِي بَصَرِهِ رَاجِعٌ إِلَى مَا، وَهُوَ مَوْصُولٌ مَفْعُولٌ بِهِ لَأَحْرَقَتْ، وَضَمِيرُ إِلَيْهِ رَاجِعٌ إِلَى وَجْهِهِ تَعَالَى، وَ(مِنْ خَلْقِهِ):] بَيَانٌ لِمَا، أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِأَحْرَقَتَ، وَالْمُرَادُ مِنْ خَلْقِهِ جَمِيعُ الْمَوْجُودَاتِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . قِيلَ: مَعْنَاهُ مَسْبُوكٌ مِنْ مَعْنَى آيَةِ الْكُرْسِيِّ، فَهُوَ سَيِّدُ الْأَحَادِيثِ كَمَا أَنَّهَا سَيِّدَةُ الْآيَاتِ.
[ ١ / ١٦٦ ]
٩٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (- ﷺ -): «يَدُ اللَّهِ مَلْأَى لَا تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُذْ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَبِيَدِهِ الْمِيزَانُ يَخْفِضُ، وَيَرْفَعُ») مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: («يَمِينُ اللَّهِ مَلْأَى - قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: مَلْآنُ - سَحَّاءُ لَا يُغِيضُهَا شَيْءٌ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ»)
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ): ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (يَدُ اللَّهِ): كِنَايَةٌ عَنْ مَحَلِّ عَطَائِهِ أَيْ: خَزَائِنُهُ (مَلْأَى): عَلَى زِنَةِ فَعْلَى، تَأْنِيثُ مَلْآنَ كِنَايَةٌ عَنْ كَثْرَةِ تِلْكَ النِّعْمَةِ وَعُمُومِهَا (لَا تَغِيضُهَا): بِالتَّأْنِيثِ، وَقِيلَ بِالْيَاءِ أَيْ: لَا تُنْقِصُهَا (نَفَقَةٌ) أَيْ: إِنْفَاقٌ. (سَحَّاءُ): بِالْمُهْمَلَتَيْنِ، وَالْمَدِّ مِنْ سَحَّ الْمَاءُ إِذَا سَالَ مِنْ فَوْقِ، وَمِنْ سَحَحْتُ الْمَاءَ أَيْ: صَبَبْتُهُ صِفَةٌ لِنَفَقَةٍ، أَوْ لِيَدٍ، وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَقَوْلُهُ: (اللَّيْلَ، وَالنَّهَارَ): مَنْصُوبَانِ عَلَى الظَّرْفِ أَيْ: دَائِمَةُ الصَّبِّ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ سَحًّا بِلَفْظِ الْمَصْدَرِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: سَحَّ اللَّيْلِ، وَالنَّهَارِ بِفَتْحِ الْحَاءِ، وَالْإِضَافَةِ قَالَهُ الْأَبْهَرِيُّ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهَا الْمُعْطِيَةُ عَنْ ظَهْرِ غِنًى؛ لِأَنَّ الْمَاءَ إِذَا انْصَبَّ مِنْ فَوْقٍ انْصَبَّ بِسُهُولَةٍ، وَإِلَى جَزَالَةِ عَطَايَاهُ؛ لِأَنَّ السَّحَّ يُسْتَعْمَلُ فِيمَا بَلَغَ وَارْتَفَعَ عَنِ الْقَطْرِ حَدِّ السَّيَلَانِ، وَإِلَى أَنَّهُ لَا مَانِعَ لِإِعْطَائِهِ لِأَنَّ الْمَاءَ إِذَا أَخَذَ فِي الِانْصِبَابِ لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يَرُدَّهُ (أَرَأَيْتُمْ): أَخْبِرُونِي، وَقِيلَ: أَعْلِمْتُمْ، وَأَبْصَرْتُمْ (مَا أَنْفَقَ): مَا مَصْدَرِيَّةٌ، أَيْ: إِنْفَاقُ اللَّهِ، وَقِيلَ: مَا مَوْصُولَةٌ مُتَضَمِّنَةٌ مَعْنَى الشَّرْطِ (مُذْ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ؟) أَيْ: مِنْ أَوَّلِ زَمَانِ خَلْقِ أَهْلِهِمَا (فَإِنَّهُ) أَيِ: الْإِنْفَاقُ (لَمْ يَغِضْ): بِفَتْحِ الْيَاءِ، وَكَسْرِ الْغَيْنِ لَمْ يُنْقِصْ (مَا فِي يَدِهِ): مَوْصُولَةُ مَفْعُولٍ أَيْ: فِي خَزَائِنِهِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: يَدُ اللَّهِ مَلْأَى أَيْ: نِعْمَتُهُ غَزِيرَةٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى («بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ») فَإِنَّ بَسْطَ الْيَدِ مَجَازٌ
[ ١ / ١٦٦ ]
عَنِ الْجُودِ، وَلَا قَصْدَ إِلَى إِثْبَاتِ يَدٍ وَلَا بَسْطٍ؛ كَذَا فِي الْكَشَّافِ. وَقَالَ الْمُظْهِرُ: يَدُ اللَّهِ أَيْ: خَزَائِنُ اللَّهِ. قِيلَ: إِطْلَاقُ الْيَدِ عَلَى الْخَزَائِنِ لِتَصَرُّفِهَا فِيهَا، وَالْمَعْنِيُّ بِالْخَزَائِنِ قَوْلُهُ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧] لِأَنَّهُ لَهُ الْقُدْرَةُ عَلَى إِيجَادِ الْمَعْدُومِ، وَلِذَلِكَ لَا يَنْقُصُ أَبَدًا، وَقَوْلُهُ: مَلْأَى وَلَا تَغِيضُهَا، وَسَحَّاءُ، وَأَرَأَيْتُمْ عَلَى تَأْوِيلِ الْقَوْلِ أَيْ: مَقُولٌ فِيهَا أَخْبَارٌ مُتَرَادِفَةٌ لِيَدِ اللَّهِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الثَّلَاثَةُ الْأَخِيرَةُ وَصْفًا لِمَلْأَى، وَأَنْ يَكُونَ أَرَأَيْتُمُ اسْتِئْنَافًا، وَقَوْلُهُ: («وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ»): حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ خَلَقَ، وَكَذَا قَوْلُهُ («وَبِيَدِهِ الْمِيزَانُ»): حَالٌ مِنْهُ، أَوْ مِنْ خَبَرِ كَانَ، أَوِ اسْمِهِ عَلَى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ، وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُ مَعْنَى قَوْلِهِ: وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ فِي بَابِ بَدْءِ الْخَلْقِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ «بِيَدِهِ الْمِيزَانُ»: بِقُدْرَتِهِ وَتَصَرُّفِهِ مِيزَانُ الْأَعْمَالِ، وَالْأَرْزَاقِ (يَخْفِضُ، وَيَرْفَعُ) أَيْ: يُنْقِصُ النَّصِيبَ، وَالرِّزْقَ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ يَمْنَحُهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَيَزِيدُ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ. بِمُقْتَضَى قَدَرِهِ الَّذِي هُوَ تَفْصِيلٌ لِقَضَائِهِ الْأَوَّلِ، أَوْ يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ مِيزَانَ أَعْمَالِ الْعِبَادِ الْمُرْتَفِعَةِ إِلَيْهِ يُقَلِّلُهَا لِمَنْ يَشَاءُ، وَيُكْثِرُهَا لِمَنْ يَشَاءُ كَمَنْ بِيَدِهِ الْمِيزَانُ؛ يَخْفِضُ تَارَةً، وَيَرْفَعُ أُخْرَى، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ الْعَدْلُ يَعْنِي يُنْقِصُ الْعَدْلَ فِي الْأَرْضِ تَارَةً بِغَلَبَةِ الْجَوْرِ وَأَهْلِهِ، وَيَرْفَعُهُ تَارَةً بِغَلَبَةِ الْعَدْلِ وَأَهْلِهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
(وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ): («يَمِينُ اللَّهِ مَلْأَى»): قِيلَ: خَصَّ الْيَمِينَ؛ لِأَنَّهَا مَظَنَّةُ الْعَطَاءِ، أَوْ إِشَارَةٌ إِلَى يُمْنِ الْعَطَاءِ وَبَرَكَتِهِ، فَمَنْ تَلَقَّاهُ بِالْقَبُولِ وَالرِّضَا بُورِكَ لَهُ فِي قَلِيلِهِ حَتَّى فَاقَ عَلَى كَثِيرٍ لَيْسَ كَذَلِكَ عَلَى مَا هُوَ مُشَاهَدٌ، وَوَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: («وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ») أَيْ: مُبَارَكَةٌ قَوِيَّةٌ قَادِرَةٌ لَا مَزِيَّةَ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِالْيَدَيْنِ التَّصَرُّفَيْنِ مِنْ إِعْطَاءِ الْجَزِيلِ، وَالْقَلِيلِ. (قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ): بِالتَّصْغِيرِ أَيْ: عَبْدُ اللَّهِ فِي رِوَايَتِهِ (مَلْآنُ) أَيْ: رَوَاهُ كَذَا. قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالُوا: هُنَا غَلَطٌ مِنْهُ، وَصَوَابُهُ مَلْأَى بِالتَّأْنِيثِ كَمَا فِي سَائِرِ الرِّوَايَاتِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: إِنْ أَرَادُوا رَدَّهُ رِوَايَةً، وَنَقْلًا فَلَا نِزَاعَ، وَإِنْ أَرْادَوْا رَدَّهُ لِعَدَمِ الْمُطَابَقَةِ، فَإِنَّ الْيَدَ مُؤَنَّثَةٌ فَأَمْرُهُ سَهْلٌ؛ لِأَنَّ مَعْنَى يَدُ اللَّهِ إِحْسَانُهُ وَإِفْضَالُهُ. قُلْتُ: وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يُلَائِمُهُ. قَوْلُهُ: (سَحَّاءُ لَا يَغِيضُهَا شَيْءٌ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) .
[ ١ / ١٦٧ ]
٩٣ - وَعَنْهُ قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ (- ﷺ -) عَنْ ذَرَّارِيِّ الْمُشْرِكِينَ قَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: عَنْ ذَرَّارِيِّ الْمُشْرِكِينَ) . جَمْعُ ذُرِّيَّةٍ، وَهِيَ نَسْلُ الْإِنْسِ، وَالْجِنِّ، وَيَقَعُ عَلَى الصِّغَارِ، وَالْكِبَارِ إِمَّا مِنَ الذَّرِّ. بِمَعْنَى التَّفْرِيقِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَّقَهُمْ فِي الْأَرْضِ، أَوْ مِنَ الذَّرْءِ. بِمَعْنَى الْخَلْقِ فَتُرِكَتِ الْهَمْزَةُ، أَوْ أُبْدِلَتْ، وَالْمُرَادُ عَنْ حُكْمِ أَوْلَادِهِمْ إِذَا مَاتُوا قَبْلَ الْبُلُوغِ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، أَوِ الْجَنَّةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْوَلَدَ تَابِعٌ لِأَشْرَفِ الْأَبَوَيْنِ دِينًا فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى أُمُورِ الدُّنْيَا، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ - ﷺ - فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ، وَأَمَّا فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى أُمُورِ الْآخِرَةِ فِي الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ فَمَوْقُوفٌ مَوْكُولٌ إِلَى عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ السَّعَادَةَ وَالشَّقَاوَةَ لَيْسَتَا مُعَلَّلَتَيْنِ عِنْدَنَا بِالْأَعْمَالِ، بَلِ اللَّهُ تَعَالَى خَلَقَ مَنْ شَاءَ شَقِيًّا، وَمَنْ شَاءَ سَعِيدًا، وَجَعَلَ الْأَعْمَالَ دَلِيلًا عَلَى السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ. (قَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ)، أَيِ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا هُمْ صَائِرُونَ إِلَيْهِ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ، أَوِ التَّرْكِ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ، وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ فَقِيلَ إِنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ تَبَعًا لِلْأَبَوَيْنِ، وَقِيلَ: مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ نَظَرًا إِلَى أَصْلِ الْفِطْرَةِ، وَقِيلَ: إِنَّهُمْ خُدَّامُ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَقِيلَ: إِنَّهُمْ يَكُونُونَ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ لَا مُنَعَّمِينَ، وَلَا مُعَذَّبِينَ، وَقِيلَ: مَنْ عَلِمَ اللَّهُ مِنْهُ أَنَّهُ يُؤْمِنُ، وَيَمُوتُ عَلَيْهِ إِنْ عَاشَ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ يَعْجَزُ، وَيَكْفُرُ أَدْخَلَهُ النَّارَ، وَقِيلَ: بِالتَّوَقُّفِ فِي أَمْرِهِمْ، وَعَدَمِ الْقَطْعِ بِشَيْءٍ، وَهُوَ الْأَوْلَى لِعَدَمِ التَّوْقِيفِ مِنْ جِهَةِ الرَّسُولِ - ﷺ -، فَلَمْ يَقْطَعْ - ﵊ - بِكَوْنِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَلَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، بَلْ أَمَرَهُمْ بِالِاعْتِقَادِ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنَ التَّوَقُّفِ فِي أَمْرِهِمْ كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ فِي شَرْحِ الْمَصَابِيحِ، وَفِيهِ أَنَّ التَّرْكَ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ غَيْرُ ثَابِتٍ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَهْلُ الْأَعْرَافِ مَآلُهُمُ الْجَنَّةُ، وَقِيلَ: إِنَّهُمْ يُمْتَحَنُونَ بِدُخُولِ النَّارِ فِي تِلْكَ الدَّارِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هَذَا قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ فِيهِمْ شَيْءٌ فَلَا يُنَافِي أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ١ / ١٦٧ ]
الْفَصْلُ الثَّانِي
٩٤ - وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: («إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ، فَقَالَ لَهُ اكْتُبْ فَقَالَ: مَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبِ الْقَدَرَ. فَكَتَبَ مَا كَانَ وَمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى الْأَبَدِ») . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ إِسْنَادًا.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّانِي
(٢) (عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ»: بِالرَّفْعِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَرُوِيَ بِالنَّصْبِ، قَالَ بَعْضُ الْمَغَارِبَةِ: رَفْعُ الْقَلَمِ هُوَ الرِّوَايَةُ فَإِنْ صَحَّ النَّصْبُ كَانَ عَلَى لُغَةِ مَنْ يَنْصِبُ خَبَرَ إِنَّ، وَقَالَ الْمَالِكِيُّ: يَجُوزُ نَصْبُهُ بِتَقْدِيرِ كَانَ؛ عَلَى مَذْهَبِ النَّسَائِيِّ كَقَوْلِهِ: يَا لَيْتَ أَيَّامَ الصِّبَا رَوَاجِعَا وَقَالَ الْمَغْرِبِيُّ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقَلَمُ مَفْعُولَ خَلَقَ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْقَلَمَ أَوَّلُ مَخْلُوقٍ، وَإِذَا جُعِلَ مَفْعُولًا لِخَلَقَ أَوْجَبَ أَنْ يُقَالَ اسْمُ إِنَّ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وَأَوَّلُ ظَرْفٌ، فَيَنْبَغِي أَنْ تَسْقُطَ الْفَاءُ مِنْ قَوْلِهِ فَقَالَ؟ إِذْ يَرْجِعُ الْمَعْنَى إِلَى أَنَّهُ قَالَ لَهُ: اكْتُبْ حِينَ خَلَقَهُ فَلَا إِخْبَارَ بِكَوْنِهِ أَوَّلَ مَخْلُوقٍ اهـ. وَإِنَّمَا أَوْجَبَ مَا ذَكَرَ؛ لِأَنَّهُ بِدُونِهِ يَفْسُدُ أَصْلُ الْمَعْنَى إِذْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَقِيلَ: لَوْ صَحَّتِ الرِّوَايَةُ بِالنَّصْبِ لَمْ تَمْنَعِ الْفَاءُ ذَلِكَ إِذْ يُقَدَّرُ قَبْلُ فَقَالَ: أَمَرَهُ، وَهُوَ الْعَامِلُ فِي الظَّرْفِ كَذَا حَقَّقَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِيهِ أَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَكُونُ تَنْصِيصٌ عَلَى أَوَّلِيَّةِ خَلْقِ الْقَلَمِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ الرَّفْعِ الصَّحِيحَةِ، وَفِي الْأَزْهَارِ: أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ يَعْنِي بَعْدَ الْعَرْشِ وَالْمَاءِ، وَالرِّيحِ لِقَوْلِهِ - ﵊ -: «وَكَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ، وَالْأَرَاضِينَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧] عَلَى أَيِّ شَيْءٍ كَانَ الْمَاءُ؟ قَالَ: عَلَى مَتْنِ الرِّيحِ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ، فَالْأَوَّلِيَّةُ إِضَافِيَّةٌ، وَالْأَوَّلُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ النُّورُ الْمُحَمَّدِيُّ عَلَى مَا بَيَّنْتُهُ فِي الْمَوْرِدِ لِلْمَوْلِدِ. (فَقَالَ) أَيِ: اللَّهُ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ (لَهُ)، أَيْ: لِلْقَلَمِ (اكْتُبْ): أَمْرٌ بِالْكِتَابَةِ (قَالَ): وَفِي نُسْخَةٍ بِالْفَاءِ (مَا أَكْتُبُ؟): مَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ عَلَى الْفِعْلِ (قَالَ: اكْتُبِ الْقَدَرَ) أَيِ: الْمُقَدَّرَ الْمَقْضِيَّ، وَفِي الْمَصَابِيحِ قَالَ: الْقَدَرُ مَا كَانَ إِلَخْ. قَالَ شُرَّاحُهُ أَيِ: اكْتُبِ الْقَدَرَ فَنَصَبَهُ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، وَمَا كَانَ بَدَلٌ مِنَ الْمُقَدَّرِ، أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ (فَكَتَبَ مَا كَانَ): الْمُضِيُّ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ - ﵊ -. قَالَ الطِّيبِيُّ: لَيْسَ حِكَايَةً عَمَّا أَمَرَ بِهِ الْقَلَمَ، وَإِلَّا لَقِيلَ فَكَتَبَ مَا يَكُونُ، وَإِنَّمَا هُوَ إِخْبَارٌ بِاعْتِبَارِ حَالِهِ - ﵊ - أَيْ: قَبْلَ تَكَلُّمِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِذَلِكَ لَا قَبْلَ الْقَلَمِ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ أَنَّهُ أَوَّلُ مَخْلُوقٍ. نَعَمْ إِذَا كَانَتِ الْأَوَّلِيَّةُ نِسْبِيَّةً صَحَّ أَنْ يُرَادَ مَا كَانَ قَبْلَ الْقَلَمِ، (وَمَا هُوَ كَائِنٌ) مَا: مَوْصُولَةٌ (إِلَى الْأَبَدِ): قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: مَا كَانَ يَعْنِي الْعَرْشَ، وَالْمَاءَ، وَالرِّيحَ، وَذَاتَ اللَّهِ وَصِفَاتَهُ اهـ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ مَا كَانَ عَلَى الْقَضَاءِ، وَمَا هُوَ كَائِنٌ عَلَى الْقَدَرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، ظَهَرَ لِي فِيهِ إِشْكَالٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ، وَهُوَ: أَنَّ مَا لَا يَتَنَاهَى فِي الْمَآلِ كَيْفَ يَنْحَصِرُ، وَيَنْضَبِطُ تَحْتَ الْقَلَمِ فِي الِاسْتِقْبَالِ سِيَّمَا مَعَ قَوْلِهِ - ﵊ -: (جَفَّ الْقَلَمُ) اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ بِهِ كِتَابَةُ الْأُمُورِ الْإِجْمَالِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ لَا الْأَحْوَالِ التَّفْصِيلِيَّةِ الْجُزْئِيَّةِ، وَهُوَ خِلَافُ ظَوَاهِرِ الْأَدِلَّةِ الْمَرْوِيَّةِ، ثُمَّ رَأَيْتُ الْأَبْهَرِيَّ نَقَلَ عَنْ زَيْنِ الْعَرَبِ أَنَّ الْأَبَدَ هُوَ الزَّمَانُ الْمُسْتَمِرُّ غَيْرُ الْمُنْقَطِعِ، فَالْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إِلَى مُمْتَنِعٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ وُصُولُ شَيْءٍ إِلَيْهِ حَتَّى يَنْتَهِيَ. قُلْتُ: يُحْمَلُ الْأَبَدُ - عَلَى الزَّمَانِ الطَّوِيلِ اهـ. وَفِيهِ أَنَّ الزَّمَانَ الطَّوِيلَ اللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ انْقِرَاضُ الْعَالَمِ، أَوِ اسْتِقْرَارُ الْفَرِيقَيْنِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ لَا تَكُونَ أَحْوَالُ الدَّارَيْنِ مَكْتُوبَةً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، ثُمَّ رَأَيْتُ فِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ نَقْلًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ الْقَلَمُ؛ فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ. فَقَالَ: يَا رَبِّ، وَمَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبِ الْقَدَرَ يَجْرِي مِنْ ذَلِكَ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ، ثُمَّ طُوِيَ الْكِتَابُ، وَرُفِعَ الْقَلَمُ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ وَالْحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ. وَفِي الدُّرِّ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: («إِنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ، ثُمَّ النُّونَ، وَهِيَ الدَّوَاةُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: اكْتُبْ،
[ ١ / ١٦٨ ]
قَالَ: وَمَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: مَا كَانَ، وَمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلٍ، أَوْ أَثَرٍ، أَوْ رِزْقٍ، أَوْ أَجَلٍ، فَكَتَبَ مَا يَكُونُ، وَمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ خُتِمَ عَلَى فَمِ الْقَلَمِ فَلَمْ يَنْطِقْ، وَلَا يَنْطِقُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ») أَخْرَجَهُ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، هَذَا وَرُوِيَ: «أَنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْعَقْلُ، وَإِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ نُورِي، وَإِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ رُوحِي، وَإِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْعَرْشُ»، وَالْأَوَّلِيَّةُ مِنَ الْأُمُورِ الْإِضَافِيَّةِ فَيُؤَوَّلُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِمَّا ذُكِرَ خُلِقَ قَبْلَ مَا هُوَ مِنْ جِنْسِهِ، فَالْقَلَمُ خُلِقَ قَبْلَ جِنْسِ الْأَقْلَامِ، وَنُورُهُ قَبْلَ الْأَنْوَارِ، وَإِلَّا فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْعَرْشَ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ، وَالْأَرْضِ، فَتُطْلَقُ الْأَوَّلِيَّةُ عَلَى كُلٍّ وَاحِدٍ بِشَرْطِ التَّقْيِيدِ فَيُقَالُ: أَوَّلُ الْمَعَانِي كَذَا، وَأَوَّلُ الْأَنْوَارِ كَذَا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ («أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ نُورِي»)، وَفِي رِوَايَةٍ: رُوحِي، وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، فَإِنَّ الْأَرْوَاحَ نُورَانِيَّةٌ أَيْ: أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنَ الْأَرْوَاحِ رُوحِي (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا الْحَدِيثُ غَرِيبٌ إِسْنَادًا) أَيْ: لَا مَتْنًا، وَالْمُرَادُ بِهِ حَدِيثٌ يُعَرَفُ مَتْنُهُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَانْفَرَدَ وَاحِدٌ بِرِوَايَتِهِ عَنْ صَحَابِيٍّ آخَرَ، وَمِنْهُ قَوْلُ التِّرْمِذِيِّ: غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَاسْتِيفَاءُ هَذَا الْمَبْحَثِ فِي أُصُولِ الْحَدِيثِ.
[ ١ / ١٦٩ ]
٩٥ - وَعَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ ﵁، قَالَ: «سُئِلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - ﵁ - عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الْآيَةَ، قَالَ عُمَرُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يُسْأَلُ عَنْهَا قَالَ " إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً؛ فَقَالَ: خَلَقَتُ هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ، وَبِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَعْمَلُونَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَدِهِ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً، فَقَالَ خَلَقَتُ هَؤُلَاءِ لِلنَّارِ، وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ فَقَالَ رَجُلٌ: فَفِيمَ الْعَمَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " إِنَّ اللَّهَ إِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلْجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيُدْخِلَهُ بِهِ الْجَنَّةَ، وَإِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلنَّارِ، اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ فَيُدْخِلَهُ بِهِ النَّارَ» " رَوَاهُ مَالِكٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارِ) أَيِ: الْجُهَنِيِّ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثُهُ حَسَنٌ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ عُمَرَ، كَذَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّابِعِينَ (قَالَ: سُئِلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ) أَيْ: عَنْ كَيْفِيَّةِ أَخْذِ اللَّهِ ذُرِّيَّةَ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمُ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ (وَإِذْ أَخَذَ) أَيْ: أَخْرَجَ ﴿رَبُّكَ مَنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]: بَدَلُ الْبَعْضِ قَالَهُ ابْنُ مَالِكٍ، وَكَذَا ذَكَرَهُ الْبَيْضَاوِيُّ، وَقَالَ السُّيُوطِيُّ: إِنَّهُ بَدَلُ الِاشْتِمَالِ، وَوَافَقَهُ أَبُو الْبَقَاءِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ مَعْنًى، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَظْهَرَ لَفْظًا، وَقَدْ حَقَّقْتُهُ فِي حَاشِيَتَيِ الْجَمَالَيْنِ عَلَى الْجَلَالَيْنِ (ذُرِّيَّتَهُمْ): الْجُمْهُورُ عَلَى الْإِفْرَادِ، وَبَعْضُهُمْ عَلَى الْجَمْعِ (الْآيَةَ): بِالْحَرَكَاتِ الثَّلَاثِ (قَالَ عُمَرُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يُسْأَلُ): بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ (عَنْهَا) أَيْ: عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ («فَقَالَ: " إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ» ") أَيْ: ظَهَرَ آدَمَ (" بِيَمِينِهِ ") أَيْ: بِقُدْرَتِهِ وَقُوَّتِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يُنْسَبُ الْخَيْرُ إِلَى الْيَمِينِ فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى تَخْصِيصِ آدَمَ بِالْكَرَامَةِ، وَقِيلَ بِيَدِ بَعْضِ مَلَائِكَتِهِ، وَهُوَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ عَلَى تَصْوِيرِ الْأَجِنَّةِ أُسْنِدَ إِلَيْهِ تَعَالَى لِلتَّشْرِيفِ، أَوْ لِأَنَّهُ الْآمِرُ وَالْمُتَصَرِّفُ، كَمَا أُسْنِدَ إِلَيْهِ التَّوَفِّي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾ [الزمر: ٤٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [النحل: ٢٨] وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَاسِحُ هُوَ اللَّهَ تَعَالَى، وَالْمَسْحُ مِنْ بَابِ التَّصْوِيرِ، وَالتَّمْثِيلِ، وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الْمِسَاحَةِ بِمَعْنَى التَّقْدِيرِ كَأَنَّهُ قَالَ: قَدَّرَ وَبَيَّنَ مَا فِي ظَهْرِهِ مِنَ الذُّرِّيَّةِ. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: إِنَّ مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّهُ نَزَّلَ تَمْكِينَ بَنِي آدَمَ مِنَ الْعِلْمِ بِرُبُوبِيَّتِهِ بِنَصْبِ الدَّلَائِلِ، وَخَلْقِ الِاسْتِعْدَادَ فِيهِمْ، وَتَمَكُّنِهِمْ مِنْ مَعْرِفَتِهَا، وَالْإِقْرَارِ بِهَا مَنْزِلَةَ الْإِشْهَادِ وَالِاعْتِرَافِ تَمْثِيلًا وَتَخْيِيلًا، فَلَا قَوْلَ ثَمَّ وَلَا شَهَادَةً حَقِيقَةً اهـ.
[ ١ / ١٦٩ ]
وَفِيهِ أَنَّ هَذَا يَرْجِعُ إِلَى مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ نُقِلَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ. وَقَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيُّ: أَطْبَقَتِ الْمُعْتَزِلَةُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَفْسِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] بَدَلٌ مِنْ (بَنِي آدَمَ) فَالْمَعْنَى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ ظُهُورِ بَنِي آدَمَ، فَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ أَخَذَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ شَيْئًا، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ الْأَخْذَ مَنْ ظَهْرِ آدَمَ لَقِيلَ مِنْ ظَهْرِهِ. وَأَجَابَ: بِأَنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى أَخْرَجَ الذُّرِّيَّةَ مِنْ ظُهُورِ بَنِي آدَمَ، وَأَمَّا أَنَّهُ أَخْرَجَ تِلْكَ الذُّرِّيَّةِ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ، فَلَا تَدُلُّ الْآيَةُ عَلَى إِثْبَاتِهِ وَنَفْيِهِ، وَالْخَبَرُ قَدْ دَلَّ عَلَى ثُبُوتِهِ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِهِمَا مَعًا بِأَنَّ بَعْضَ الذَّرِّ مَنْ ظَهْرِ بَعْضَ الذَّرِّ، وَالْكُلُّ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ صَوْنًا لِلْآيَةِ وَالْحَدِيثِ عَنِ الِاخْتِلَافِ. قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: إِنَّ بَنِي آدَمَ مِنْ ظَهْرِهِ فَكُلُّ مَا أُخْرِجَ مِنْ ظُهُورِهِمْ فِيمَا لَا يَزَالُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ هُمُ الَّذِينَ أَخْرَجَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْأَزَلِ مِنْ صُلْبِ آدَمَ، وَأَخَذَ مِنْهُمُ الْمِيثَاقَ الْأَزَلِيَّ لِيَعْرِفَ مِنْهُ أَنَّ النَّسْلَ الْمُخْرَجَ فِيمَا لَا يَزَالُ مِنْ أَصْلَابِ بَنِيهِ هُوَ الْمُخْرَجُ فِي الْأَزَلِ مِنْ صُلْبِهِ. وَأَخَذَ مِنْهُمُ الْمِيثَاقَ الْأَوَّلَ، وَهُوَ الْمَقَالِيُّ الْأَزَلِيُّ كَمَا أَخَذَ مِنْهُمْ فِيمَا لَا يَزَالُ بِالتَّدْرِيجِ حِينَ أُخْرِجُوا الْمِيثَاقَ الثَّانِيَ، وَهُوَ الْحَالُ الْإِنْزَالِيُّ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا كَانَ لَهُ مِيثَاقَانِ مَعَ بَنِي آدَمَ أَحَدُهُمَا تَهْتَدِي إِلَيْهِ الْعُقُولُ مِنْ نَصْبِ الْأَدِلَّةِ الْحَامِلَةِ عَلَى الِاعْتِرَافِ الْمَقَالِيِّ، وَثَانِيهُمَا الْمَقَالِيُّ لَا يَهْتَدِي إِلَيْهِ الْعَقْلُ، بَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى تَوْقِيفِ وَاقِفٍ عَلَى أَحْوَالِ الْعِبَادِ مِنَ الْأَزَلِ إِلَى الْأَبَدِ؛ كَالْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَرَادَ - ﵊ - أَنْ يُعَلِّمَ الْأُمَّةَ، وَيُخْبِرَهُمْ أَنَّ وَرَاءَ الْمِيثَاقِ الَّذِي يَهْتَدُونَ إِلَيْهِ بِعُقُولِهِمْ مِيثَاقًا آخَرَ أَزَلِيًّا مَا. فَقَالَ قَائِلٌ: مِنْ مَسْحِ ظَهْرِ آدَمَ فِي الْأَزَلِ وَإِخْرَاجِ ذُرِّيَّتِهِ، وَأَخْذِهِ الْمِيثَاقَ عَلَيْهِمُ اهـ.
وَبِهَذَا يَزُولُ كَثِيرٌ مِنَ الْإِشْكَالَاتِ فَتَأَمَّلْ فِيهَا حَقَّ التَّأَمُّلِ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ لِلْمَصَابِيحِ: التَّوْفِيقُ بَيْنَهُمَا أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ مِنْ بَنِي آدَمَ هُوَ أَوْلَادَهُ فَكَأَنَّهُ صَارَ اسْمًا لِلنَّوْعِ كَالْإِنْسَانِ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْإِخْرَاجِ تَوْلِيدُ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضِهِمْ عَلَى مَرِّ الزَّمَانِ، وَاقْتَصَرَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى آدَمَ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ اهـ.
وَفِيهِ أَنَّ التَّوْلِيدَ عَلَى الْمَرِّ الزَّمَانِيِّ يُنَافِي الْمِيثَاقِيَّ الْمَوْصُوفِ بِالْآنِيِّ، فَكَيْفَ يَكُونُ الْحَدِيثُ تَفْسِيرًا لِلْآيَةِ؟ ثُمَّ سَنَحَ لِي بِالْبَالِ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّمَا اقْتَصَرَ فِي الْآيَةِ عَلَى الذُّرِّيَّةِ لِظُهُورِ أَمْرِ آدَمَ بِالْأَدِلَّةِ النَّقْلِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ خُصُوصًا مِنَ الْإِضَافَةِ إِلَّا بِنِيَّةٍ؛ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى الْفَصَاحَةِ الْقُرْآنِيَّةِ، وَالْبَلَاغَةِ الْفُرْقَانِيَّةِ الْمَوْصُوفَةِ بِالْإِعْجَازِ الَّتِي جُمْلَةُ دَلَالَاتِهِ صَنْعَةُ الْإِطْنَابِ وَالْإِيجَازِ، وَلَمَّا فَهِمَ - ﵊ - مِنَ السُّؤَالِ بِقَرِينَةِ الْحَالِ مَوْضِعَ الْإِشْكَالِ لِمَا وُقِعَ فِيهِ مِنَ الْإِجْمَالِ اقْتَصَرَ عَلَى مِقْدَارِ الْحَاجَةِ مِنَ الْمَقَالِ فَقَالَ: («فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً»): قِيلَ: قَبْلَ دُخُولِ آدَمَ الْجَنَّةَ بَيْنَ مَكَّةَ، وَالطَّائِفَ، وَقِيلَ بِبَطْنِ نَعْمَانَ، وَأَنَّهُ بِقُرْبِ عَرَفَةَ، وَقِيلَ فِي الْجَنَّةِ، وَقِيلَ بَعْدَ النُّزُولِ مِنْهَا بِأَرْضِ الْهِنْدِ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: («أَخَذَ اللَّهُ الْمِيثَاقَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ بِنَعْمَانَ - يَعْنِي عَرَفَةَ - فَأَخْرَجَ مِنْ صُلْبِهِ كُلَّ ذُرِّيَّةٍ ذَرَاهَا فَنَشَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ كَالذَّرِّ، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ قِبَلًا؛ قَالَ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى شَهِدْنَا»، وَسَيَجِيءُ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ هَذَا، وَلَمَّا كَانَ السَّائِلُ بَلِيغًا عَارِفًا بِصِنَاعَةِ الْكَلَامِ سَكَتَ عِنْدَ حُصُولِ الْمَرَامِ، وَنَقَلَ السَّيِّدُ السَّنَدَ عَنِ الْأَزْهَارِ أَنَّهُ قِيلَ: شَقَّ ظَهْرَهُ، وَاسْتَخْرَجَهُمْ مِنْهُ، وَقِيلَ إِنَّهُ اسْتَخْرَجَهُمْ مِنْ ثُقُوبِ رَأْسِهِ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ اسْتَخْرَجَهُمْ مِنْ مَسَامَّ شَعَرَاتِ ظَهْرِهِ. («فَقَالَ خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ»، وَفِي تَقْدِيمِهِمْ إِشَارَةٌ إِلَى مَعْنَى الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: («سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي)»، (وَبِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ) أَيْ: مِنَ الطَّاعَاتِ (يَعْمَلُونَ): إِمَّا فِي جَمِيعِ عُمُرِهِمْ، أَوْ فِي خَاتِمَةِ أَمْرِهِمْ (ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ) أَيْ: بِيَدِهِ كَمَا فِي نُسْخَةٍ، وَلَمْ يَقُلْ هُنَا بِيَمِينِهِ بِخِلَافِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ مَظْهَرُ الْخَيْرِ، وَلِيَظْهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَلَمْ يَقُلْ هُنَا بِشِمَالِهِ
[ ١ / ١٧٠ ]
تَأَدُّبًا، وَمِنْ ثَمَّ وَرَدَ: كِلْتَا يَدَيِ الرَّحْمَنِ يَمِينٌ؛ لِأَنَّ الشَّرَّ الْمَحْضَ لَيْسَ لَهُ وُجُودٌ فِي الْكَوْنِ («فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً، فَقَالَ: خَلَقَتُ هَؤُلَاءِ لِلنَّارِ، وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ») أَيْ: مِنَ السَّيِّئَاتِ (يَعْمَلُونَ) كَمَا سَبَقَ. وَفِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْخَلْقِ وَالْعَمَلِ إِشَارَةٌ لَطِيفَةٌ إِلَى مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ الْمُتَوَسِّطَةِ بَيْنَ الْجَبْرِيَّةِ وَالْقَدَرِيَّةِ («فَقَالَ رَجُلٌ: فَفِيمَ الْعَمَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟»): الْفَاءُ دَخَلَ جَوَابَ الشَّرْطِ الْمُقَدَّرِ، وَفِي: وَقَعَ مَوْقِعَ لَامِ الْفَرْضِ؛ أَيْ: إِذَا كَانَ كَمَا ذَكَرْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ سَبْقِ الْقَدَرِ فَفِي أَيِّ شَيْءٍ يُفِيدُ الْعَمَلُ، أَوْ بأَيِّ شَيْءٍ يَتَعَلَّقُ الْعَمَلُ، أَوْ فَلِأَيِّ شَيْءٍ أُمِرْنَا بِالْعَمَلِ؟ يَعْنِي أَنَّهُ حَيْثُ خُلِقَ لَهُ، وَلَا يُتَصَوَّرُ تَغْيِيرُهُ وَتَبْدِيلُهُ؛ يَسْتَوِي عَمَلُهُ وَتَرْكُهُ، وَلَمَّا كَانَ هَذَا جَبْرًا مَحْضًا مَزَجَهُ بِنَوْعٍ مِنَ الْقَدَرِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْعَمَلِ لِيَعْتَدِلَ الْأَمْرُ الْمُسْتَقِيمُ، وَالدِّينُ الْقَوِيمُ الَّذِي هُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الْجَمْعِ بَيْنَ خَلْقِ اللَّهِ وَكَسْبِ عَبْدِهِ («فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِنَّ اللَّهَ إِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلْجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ») أَيْ: جَعَلَهُ عَامِلًا، وَوَفَّقَهُ لِلْعَمَلِ (بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ): فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَقْوِيَةِ الْجَبْرِ، وَلِذَا لَا يُذَمُّ إِلَّا مَحْضُ الْجَبْرِ («حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ»): إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمَدَارَ عَلَى عَمَلٍ مُقَارِنٍ بِالْمَوْتِ (فَيُدْخِلُهُ بِهِ الْجَنَّةَ) الْإِدْخَالُ بِالْإِفْضَالِ، وَالدَّرَجَاتُ بِالْأَعْمَالِ وَالْخُلُودُ بِالنِّيَّةِ فِي الْأَحْوَالِ. («وَإِذَا خَلَقَ اللَّهُ الْعَبْدَ لِلنَّارِ، اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ فَيُدْخِلُهُ بِهِ النَّارَ»): الْإِدْخَالُ بِالْعَدْلِ، وَالدَّرَجَاتُ بِالْعَمَلِ، وَالْخُلُودُ بِالنِّيَّةِ، وَطُولِ الْأَمَلِ، فَلَا يَرِدُ أَنَّ ظَاهِرَ الْعَدْلِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ كَفَرَ سَبْعِينَ سَنَةً أَنْ لَا يُعَذَّبَ زِيَادَةً عَلَيْهَا، فَإِنَّ نِيَّةَ الْكَافِرِ أَنْ لَوْ عَاشَ أَبَدَ الْآبَادِ لَأَصَرَّ عَلَى كُفْرِهِ إِمَّا جَهْلًا، وَإِمَّا عَلَى وَجْهِ الْعِنَادِ (رَوَاهُ مَالِكٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ) . وَحَسَّنَاهُ، أَحْمَدُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُمَيْدٍ، وَالْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ حِبَّانَ، والْآجُرِّيُّ. كَذَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَفِي الْكَبِيرِ؛ فَلِذَلِكَ أَقُولُ: جَفَّ الْقَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ.
[ ١ / ١٧١ ]
٩٦ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - ﵄ - قَالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (- ﷺ -)، وَفِي يَدَيْهِ كِتَابَانِ، فَقَالَ: " أَتَدْرُونَ مَا هَذَانِ الْكِتَابَانِ؟ ". قُلْنَا: لَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِلَّا أَنْ تُخْبِرَنَا فَقَالَ لِلَّذِي فِي يَدِهِ الْيُمْنَى: (هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ، وَقَبَائِلِهِمْ، ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرِهِمْ، فَلَا يُزَادُ فِيهِمْ، وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدًا. ثُمَّ قَالَ لِلَّذِي فِي شِمَالِهِ: (هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ النَّارِ، وأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ، وَقَبَائِلِهِمْ، ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرِهِمْ؛ فَلَا يُزَادُ فِيهِمْ، وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدًا) فَقَالَ أَصْحَابُهُ: فَفِيمَ الْعَمَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كَانَ أَمْرٌ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ؟ فَقَالَ: (سَدِّدُوا، وَقَارِبُوا؛ فَإِنَّ صَاحِبَ الْجَنَّةِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ، وَإِنَّ صَاحِبَ النَّارِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ) . ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِيَدَيْهِ فَنَبَذَهُمَا، ثُمَّ قَالَ: (فَرَغَ رَبُّكُمْ مِنَ الْعِبَادِ ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧]») رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو): بِالْوَاوِ. (﵄، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، وَفِي يَدَيْهِ): وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: وَفِي يَدِهِ كَمَا فِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ فَيُرَادُ بِهَا الْجِنْسُ (كِتَابَانِ): وَالْوَاوُ لِلْحَالِ (فَقَالَ): (أَتَدْرُونَ) أَيْ: أَتَعْلَمُونَ (مَا هَذَانِ الْكِتَابَانِ؟): الظَّاهِرُ مِنَ الْإِشَارَةِ أَنَّهُمَا حِسِّيَّانِ، وَقِيلَ: تَمْثِيلٌ، وَاسْتِحْضَارٌ
[ ١ / ١٧١ ]
لِلْمَعْنَى الدَّقِيقِ الْخَفِيِّ فِي مُشَاهَدَةِ السَّامِعِ حَتَّى كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ رَأْيَ الْعَيْنِ، فَالنَّبِيُّ - ﷺ - لَمَّا كُوشِفَ لَهُ بِحَقِيقَةِ هَذَا الْأَمْرِ، وَأَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ اطِّلَاعًا لَمْ يَبْقَ مَعَهُ خَفَاءٌ صَوَّرَ الشَّيْءَ الْحَاصِلَ فِي قَلْبِهِ بِصُورَةِ الشَّيْءِ الْحَاصِلِ فِي يَدِهِ، وَأَشَارَ إِلَيْهِ إِشَارَةً إِلَى الْمَحْسُوسِ (قُلْنَا: لَا) أَيْ: لَا نُدْرِكُهُ (يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِلَّا أَنْ تُخْبِرَنَا): اسْتِثْنَاءٌ مُفَرَّغٌ؛ أَيْ: طَلَبُوا بِهَذَا الِاسْتِدْرَاكِ إِخْبَارَهُ إِيَّاهُمْ («فَقَالَ لِلَّذِي فِي يَدِهِ الْيُمْنَى») أَيْ: لِأَجْلِهِ، وَفِي شَأْنِهِ، أَوْ عَنْهُ، وَقِيلَ: قَالَ بِمَعْنَى أَشَارَ فَاللَّامُ. بِمَعْنَى (إِلَى) («هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ»): خَصَّهُ بِالذِّكْرِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى مَالِكُهُمْ، وَهُمْ لَهُ مَمْلُوكُونَ يَتَصَرَّفُ فِيهِمْ كَيْفَ يَشَاءُ، فَيُسْعِدُ مَنْ يَشَاءُ، وَيُشْقِي مَنْ يَشَاءُ، وَكُلُّ ذَلِكَ عَدْلٌ وَصَوَابٌ، فَلَا اعْتِرَاضَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا كَلَامٌ صَادِرٌ عَلَى طَرِيقِ التَّصْوِيرِ وَالتَّمْثِيلِ مُثِّلَ الثَّابِتُ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوِ الْمُثْبَتُ فِي اللَّوْحِ بِالْمُثْبَتِ بِالْكِتَابِ الَّذِي كَانَ فِي يَدِهِ، وَلَا يُسْتَبْعَدُ إِجْرَاؤُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَالنَّبِيُّ - ﷺ - مُسْتَعِدٌّ لِإِدْرَاكِ الْمَعَانِي الْغَيْبِيَّةِ، وَمُشَاهَدَةِ الصُّوَرِ الْمَصُوغَةِ لَهَا («فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ»): الظَّاهِرُ أَنَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَأَهْلِ النَّارِ يُكْتَبُ أَسْمَاؤُهُمْ، وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ، وَقَبَائِلِهِمْ، سَوَاءٌ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، أَوِ النَّارِ لِلتَّمْيِيزِ التَّامِّ، كَمَا يُكْتَبُ فِي الصُّكُوكِ. قَالَ الْأَشْرَفُ: أَهْلُ الْجَنَّةِ تُكْتَبُ أَسْمَاؤُهُمْ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ، وَقَبَائِلِهِمْ لِلَّذِينَ هُمْ أَهْلُ النَّارِ فِي الْكِتَابِ الَّذِي بِالْيَمِينِ، وَبِالْعَكْسِ فِي أَهْلِ النَّارِ، وَإِلَّا فَالْآبَاءُ وَالْأَبْنَاءُ إِذَا كَانُوا مِنْ جِنْسِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، أَوْ مِنْ جِنْسِ أَهْلِ النَّارِ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى إِفْرَادِ ذِكْرِهِمْ لِدُخُولِهِمْ تَحْتَ قَوْلِهِ: فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَفِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ النَّارِ (ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرِهِمْ): مِنْ قَوْلِهِمْ: أُجْمِلَ الْحِسَابُ إِذَا تُمِّمَ وَرُدَّ التَّفْصِيلُ إِلَى الْإِجْمَالِ، وَأُثْبِتَ فِي آخِرِ الْوَرَقَةِ مَجْمُوعُ ذَلِكَ وَجُمْلَتُهُ كَمَا هُوَ عَادَةُ الْمُحَاسِبِينَ أَنْ يَكْتُبُوا الْأَشْيَاءَ مُفَصَّلَةً، ثُمَّ يُوَقِّعُوا فِي آخِرِهَا فَذْلَكَةً تَرُدُّ التَّفْصِيلَ إِلَى الْإِجْمَالِ، وَضُمِّنَ (أُجْمِلَ) مَعْنَى أَوْقَعَ فَعُدِّيَ بِعَلَى أَيْ: أَوْقَعَ الْإِجْمَالَ عَلَى مَنِ انْتَهَى إِلَيْهِ التَّفْصِيلُ، وَقِيلَ: ضَرَبَ بِالْإِجْمَالِ عَلَى آخَرَ التَّفْصِيلِ أَيْ: كَتَبَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا أَيْ: أُجْمِلَ فِي حَالِ انْتِهَاءِ التَّفْصِيلِ إِلَى آخِرِهِمْ فَعَلَى بِمَعْنَى (إِلَى) (فَلَا يُزَادُ فِيهِمْ): جَزَاءُ شَرْطٍ؛ أَيْ: إِذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا تَقَرَّرَ مِنَ التَّفْصِيلِ، وَالتَّعْيِينِ وَالْإِجْمَالِ بَعْدَ التَّفْصِيلِ فِي الصَّكِّ فَلَا يُزَادُ فِيهِمْ (وَلَا يُنْقَصُ): بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (مِنْهُمْ أَبَدًا): لِأَنَّ حُكْمَ اللَّهِ لَا يَتَغَيَّرُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ - يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٨ - ٣٩] فَمَعْنَاهُ لِكُلِّ انْتِهَاءِ مُدَّةٍ وَقْتٌ مَضْرُوبٌ، فَمَنِ انْتَهَى أَجَلُهُ يَمْحُوهُ، وَمَنْ بَقِيَ مِنْ أَجَلِهِ يُبْقِيهِ عَلَى مَا هُوَ مُثْبَتٌ فِيهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مُثْبَتٌ عِنْدَ اللَّهِ فِي أُمِّ الْكِتَابِ، وَهُوَ الْقَدَرُ، كَمَا أَنَّ (يَمْحُو وَيُثْبِتُ) هُوَ الْقَضَاءُ فَيَكُونُ ذَلِكَ عَيْنَ مَا قَدَّرَ وَجَرَى فِي الْأَوَّلِ، كَذَلِكَ فَلَا يَكُونُ تَغْيِيرًا، أَوِ الْمُرَادُ مِنْهُ مَحْوُ الْمَنْسُوخِ مِنَ الْأَحْكَامِ، وَإِثْبَاتُ النَّاسِخِ، أَوْ مَحْوُ السَّيِّئَاتِ مِنَ التَّائِبِ، وَإِثْبَاتُ الْحَسَنَاتِ بِمُكَافَأَتِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْمَحْوُ، وَالْإِثْبَاتُ يَتَعَلَّقَانِ بِالْأُمُورِ الْمُعَلَّقَةِ دُونَ الْأَشْيَاءِ الْمُحْكَمَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِرِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا («إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ لَوْحًا مَحْفُوظًا مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ صَفَحَاتُهَا مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، قَلَمُهُ نُورٌ، وَكِتَابُهُ نُورٌ، لِلَّهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ سِتُّونَ وَثَلَاثُمَائَةِ لَحْظَةٍ؛ يَخْلُقُ، وَيَرْزُقُ، وَيُمِيتُ، وَيَحْرُسُ، وَيُعِزُّ، وَيُذِلُّ، وَيَفْعَلُ مَا يَشَاءُ») قَالَ ابْنُ حَجَرٍ، وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩] لِمَا مَرَّ أَنَّ الْمَحْوَ وَالْإِثْبَاتَ إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِمَا فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَعِلْمِ الْمَلَائِكَةِ؛ لِأَنَّ الْأَشْيَاءَ فِيهِ قَدْ تَكُونُ مُعَلَّقَةً عَلَى أَسْبَابٍ يَتَغَيَّرُ بِوُجُودِهَا، وَفَقْدِهَا لَا لِأُمِّ الْكِتَابِ الْمُرَادُ بِهَا عِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى الْقَدِيمُ؛ لِأَنَّهُ لَا مَحْوَ فِيهِ، وَلَا إِثْبَاتَ، وَسِرُّ ذَلِكَ التَّعْلِيقِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَقَعُ إِلَّا الْمُوَافِقُ لِلْعِلْمِ الْقَدِيمِ مَزِيدُ التَّعْمِيَةِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ الْمُطَّلِعِينَ عَلَى ذَلِكَ، وَتَحْقِيقُ انْفِرَادِهِ تَعَالَى
[ ١ / ١٧٢ ]
بِعِلْمِهِ الْقَدِيمِ، وَأَنَّهُ لَا يُمَكِّنُ أَحَدًا أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ إِلَّا بِالنِّسْبَةِ لِجُزْئِيَّاتٍ مُعَيَّنَةٍ كَإِعْلَامِهِ - ﵊ - لِجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَلَى التَّعْيِينِ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. («ثُمَّ قَالَ لِلَّذِي فِي شِمَالِهِ: (هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ النَّارِ، وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ، وَقَبَائِلِهِمْ»): وَالْفَاسِقُ مَسْكُوتٌ عَنْهُ كَمَا هُوَ دَأْبُ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ، وَالْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ الْوَعْدِيَّةِ، وَالْوَعِيدِيَّةِ، لِيَكُونَ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ رَاضِيًا. بِمَا جَرَى عَلَيْهِ مِنَ الْقَضَاءِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي أَهْلِ الْجَنَّةِ؛ لِأَنَّ مَآلَهُ إِلَيْهَا، وَإِنْ دَخَلَ النَّارَ فَإِنَّ الْخَاتِمَةَ هِيَ الْمَدَارُ عَلَيْهَا. («ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرِهِمْ، فَلَا يُزَادُ فِيهِمْ، وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدًا») . فَقَالَ أَصْحَابُهُ): ﵃ («فَفِيمَ الْعَمَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كَانَ أَمْرٌ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ»): بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ يَعْنِي إِذَا كَانَ الْمَدَارُ عَلَى كِتَابَةِ الْأَزَلِ فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي اكْتِسَابِ الْعَمَلِ؟ (فَقَالَ: سَدِّدُوا) أَيِ: اجْعَلُوا أَعْمَالَكُمْ مُسْتَقِيمَةً عَلَى طَرِيقِ الْحَقِّ (وَقَارِبُوا) أَيِ: اطْلُبُوا قُرْبَةَ اللَّهِ تَعَالَى بِطَاعَتِهِ بِقَدْرِ مَا تُطِيقُونَهُ، وَالْجَوَابُ مِنْ أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ؛ أَيْ: فِيمَ أَنْتُمْ مِنْ ذِكْرِ الْقَدَرِ وَالِاحْتِجَاجِ بِهِ، وَإِنَّمَا خُلِقْتُمْ لِلْعِبَادَةِ فَاعْمَلُوا، وَسَدِّدُوا، وَقَارِبُوا قَالَهُ الطِّيبِيُّ. وَقَالَ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: سَدِّدُوا أَيِ: الْزَمُوا السَّدَادَ، وَهُوَ الصَّوَابُ مِنْ غَيْرِ إِفْرَاطٍ وَتَفْرِيطٍ، وَقَارِبُوا أَيْ: إِنْ لَمْ تَسْتَطِيعُوا الْأَخْذَ بِالْأَكْمَلِ فَاعْمَلُوا بِمَا يُقَرِّبُ مِنْهُ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: وَقَارِبُوا فِي الْعِبَادَةِ، وَلَا تُبَاعِدُوا فَإِنَّكُمْ إِنْ بَاعَدْتُمْ فِي ذَلِكَ لَمْ تَبْلُغُوهُ، أَوْ مَعْنَاهُ سَاعِدُوا. يُقَالُ: قَارَبْتُ فَلَانًا إِذَا سَاعَدْتُهُ أَيْ: لِيُسَاعِدْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الْأُمُورِ، وَحَاصِلُ الْجَوَابِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ -: نَفْيُ الْجَبْرِ، وَالْقَدَرِ، وَإِثْبَاتُ الْحُكْمِ بِاعْتِدَالِ الْأَمْرَيْنِ كِتَابَةُ الْأَزَلِ، وَسِرَايَةُ الْعَمَلِ، أَوْ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ أَمَارَاتٌ، وَعَلَامَاتٌ فَلَا بُدَّ مِنْ وُجُودِهَا إِذْ لَا يَعْمَلُ اللَّهُ تَعَالَى بِمُجَرَّدِ عِلْمِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَلِذَا قَالَ - ﷺ -: («فَإِنَّ صَاحِبَ الْجَنَّةِ يُخْتَمُ لَهُ»): بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ) أَيْ: بِعَمَلٍ مُشْعِرٌ بِإِيمَانِهِ، وَمُشِيرٌ بِإِيقَانِهِ، (وَإِنْ عَمِلَ) أَيْ: وَلَوْ عَمِلَ قَبْلَ ذَلِكَ (أَيَّ عَمَلٍ) مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ («وَإِنَّ صَاحِبَ النَّارِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ»): أَعَمُّ مِنَ الْكُفْرِ، وَالْمَعَاصِي (وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ) أَيْ: قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -) أَيْ: أَشَارَ (بِيَدَيْهِ)؛ الْعَرَبُ: تَجْعَلُ الْقَوْلَ عِبَارَةً عَنْ جَمِيعِ الْأَفْعَالِ، فَتُطْلِقُهُ عَلَى غَيْرِ الْكَلَامِ وَاللِّسَانِ، فَتَقُولُ قَالَ بِيَدِهِ أَيْ: أَخَذَ، وَقَالَ بِرِجْلِهِ أَيْ: مَشَى.
وَقَالَتْ لَهُ الْعَيْنَانِ سَمْعًا وَطَاعَةً وَحَدَّرَتَا كَالدُّرِّ لَمَّا يُثَّقَّبِ
أَيْ: أَوْمَأَتْ، وَقَالَ بِالْمَاءِ عَلَى يَدِهِ، أَيْ: قَلَبَ، وَقَالَ بِثَوْبِهِ أَيْ: رَفَعَهُ (فَنَبَذَهُمَا) أَيْ: طَرَحَ مَا فِيهِمَا مِنَ الْكِتَابَيْنِ؛ قِيلَ: وَرَاءَ ظَهْرِهِ، وَفِي الْأَزْهَارِ الضَّمِيرُ فِي نَبَذَهُمَا لِلْيَدَيْنِ؛ لِأَنَّ نَبْذَ الْكِتَابَيْنِ بَعِيدٌ مِنْ دَأْبِهِ اهـ. وَفِيهِ أَنَّ نَبْذَهُمَا لَيْسَ بِطَرِيقِ الْإِهَانَةِ، بَلْ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ نَبَذَهُمَا إِلَى عَالَمِ الْغَيْبِ، ثُمَّ هَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَ هُنَاكَ كِتَابٌ حَقِيقِيٌّ، وَأَمَّا عَلَى التَّمْثِيلِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى نَبَذَهُمَا أَيِ: الْيَدَيْنِ. قَالَ بَعْضُهُمْ: قَوْلُهُ قَالَ بِيَدَيْهِ فَنَبَذَهُمَا. بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: «جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ»، كِنَايَةٌ عَنْ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ فَصَارَ كَمَا تُخَلِّفُهُ وَرَاءَ ظَهْرِكَ؛ فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ: ثُمَّ قَالَ: (فَرَغَ رَبُّكُمْ): تَفْسِيرًا لِهَذَا الْفِعْلِ، وَيَكُونُ نَتِيجَةً لِهَذَا الْكَلَامِ (مِنَ الْعِبَادِ): قَالَ الْأَشْرَفُ أَيْ: مِنْ أَمْرِ الْعِبَادِ، وَالْمُرَادُ بِالْأَمْرِ الشَّأْنُ؛ أَيْ: قَدَّرَ أَمْرَهُمْ لَمَّا قَسَّمَهُمْ قِسْمَيْنِ، وَقَدَّرَ لِكُلِّ قِسْمٍ عَلَى التَّعْيِينِ كَوْنَهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، أَوِ النَّارِ بِحَيْثُ لَا يَقْبَلُ التَّغْيِيرَ فَكَأَنَّهُ فَرَغَ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَإِلَّا فَالْفَرَاغُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ تَعَالَى ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧]: يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ
[ ١ / ١٧٣ ]
هَذَا اسْتِشْهَادًا مِنَ الْقُرْآنِ، وَاعْتِضَادًا بِالْفُرْقَانِ عَلَى أَنَّ أَمْرَ الْفَرِيقَيْنِ مُبْهَمٌ عِنْدَنَا وَمُجْمَلٌ، وَمَعْلُومٌ عِنْدَهُ تَعَالَى وَمُفَصَّلٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُوَافَقَةً لَفْظِيَّةً، وَمُطَابَقَةً مَعْنَوِيَّةً بِنَوْعٍ مِنَ الِاقْتِبَاسَاتِ الْحِكَمِيَّةِ، وَالتَّضَمُّنَاتِ بِالْكَلِمَاتِ الْإِلَهِيَّةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
[ ١ / ١٧٤ ]
٩٧ - وَعَنْ أَبِي خِزَامَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵁، قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ رُقًى نَسْتَرْقِيهَا، وَدَوَاءً نَتَدَاوَى بِهِ، وَتُقَاةً نَتَّقِيهَا، هَلْ تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ شَيْئًا؟ قَالَ: (هِيَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ») رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي خِزَامَةَ): بِكَسْرِ الْخَاءِ، وَتَخْفِيفِ الزَّاءِ (عَنْ أَبِيهِ): وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ فَرُوِيَ هَكَذَا، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ أَبِي خُزَامَةَ عَنْ أَبِيهِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَفِي اسْمِ الرَّاوِي أَبِي خِزَامَةَ خِلَافٌ لِلْمُحَدِّثِينَ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: هُوَ أَبُو خِزَامَةَ بْنِ يَعْمُرَ أَحَدُ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ سَعْدٍ، رَوَى عَنْ أَبِيهِ، وَعَنْهُ الزُّهْرِيُّ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ (قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ رُقًى نَسْتَرْقِيهَا»): جَمْعُ رُقْيَةٍ كَظُلَمٍ جَمْعُ ظُلْمَةٍ، وَهِيَ مَا يُقْرَأُ لِطَلَبِ الشِّفَاءِ، وَالِاسْتِرْقَاءُ طَلَبُ الرُّقْيَةِ (وَدَوَاءً): بِالنَّصْبِ (نَتَدَاوَى بِهِ) أَيْ: نَسْتَعْمِلُهُ (وَتُقَاةً): بِضَمِّ أَوَّلِهِ (نَتَّقِيهَا) أَيْ: نَلْتَجِئُ بِهَا، أَوْ نَحْذَرُ بِسَبَبِهَا، وَأَصْلُ تُقَاةٍ، وُقَاةٌ؛ مِنْ وَقَى، وَهِيَ اسْمُ مَا يَلْتَجِئُ بِهِ النَّاسُ مِنْ خَوْفِ الْأَعْدَاءِ كَالتُّرْسِ، وَهُوَ مَا يَقِي مِنَ الْعَدُوِّ أَيْ: يَحْفَظُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا. بِمَعْنَى الِاتِّقَاءِ، فَالضَّمِيرُ فِي نَتَّقِيهَا لِلْمَصْدَرِ. قِيلَ: وَهَذِهِ الْمَنْصُوبَاتِ أَعْنِي رُقًى، وَمَا عُطِفَ عَلَيْهَا مَوْصُوفَاتٌ بِالْأَفْعَالِ الْوَاقِعَةِ بَعْدَهَا، وَمُتَعَلِّقَةٌ بِمَعْنَى أَرَأَيْتَ أَيْ: أَخْبِرْنِي عَنْ رُقًى نَسْتَرْقِيهَا فَنُصِبَتْ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِلَفْظِ: أَرَأَيْتَ، وَالْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ الْمَوْصُوفُ مَعَ الصِّفَةِ، وَالثَّانِي الِاسْتِفْهَامُ بِتَأْوِيلِ مَقُولًا فِي حَقِّهَا (هَلْ تَرُدُّ) أَيْ: هَذِهِ الْأَسْبَابُ (مِنْ قَدَرِ اللَّهِ شَيْئًا؟ قَالَ: (هِيَ)؛ أَيِ الْمَذْكُورَاتُ الثَّلَاثُ (مِنْ قَدَرِ اللَّهِ) أَيْضًا؛ يَعْنِي: كَمَا أَنَّ اللَّهَ قَدَّرَ الدَّاءَ قَدَّرَ زَوَالَهُ بِالدَّوَاءِ، وَمَنِ اسْتَعْمَلَهُ، وَلَمْ يَنْفَعْهُ فَلْيَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَا قَدَّرَهُ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ جَوَازُ الرُّقْيَةِ؛ كَقَوْلِهِ - ﷺ -: («اسْتَرَقُوا لَهَا فَإِنَّ بِهَا النَّظْرَةَ»)، أَيِ: اطْلُبُوا لَهَا مَنْ يَرْقِيهَا، وَفِي بَعْضِهَا النَّهْيُ عَنْهَا كَقَوْلِهِ - ﵊ - فِي بَابِ التَّوَكُّلِ: «الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ»)، وَالْأَحَادِيثُ فِي الْقِسْمَيْنِ كَثِيرَةٌ، وَوَجْهُ الْجَمْعِ أَنَّ مَا كَانَ مِنَ الرُّقْيَةِ بِغَيْرِ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ وَكَلَامِهِ فِي كُتُبِهِ الْمُنَزَّلَةِ، أَوْ بِغَيْرِ اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ، وَمَا يَعْتَقِدُهُ مِنْهَا أَنَّهَا نَافِعَةٌ لَا مَحَالَةَ، فَيَتَّكِلُ عَلَيْهَا فَإِنَّهَا مَنْهِيَّةٌ، وَإِيَّاهَا أَرَادَ - ﵊ - بِقَوْلِهِ: («مَا تَوَكَّلَ مَنِ اسْتَرْقَى»): وَمَا كَانَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ كَالتَّعَوُّذِ بِالْقُرْآنِ، وَأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالرُّقَى الْمَرْوِيَّةُ فَلَيْسَتْ بِمَنْهِيَّةٍ، وَلِذَلِكَ قَالَ - ﵊ - لِلَّذِي رَقَى بِالْقُرْآنِ، وَأَخَذَ عَلَيْهِ أَجْرًا: («مَنْ أَخَذَ بِرُقْيَةِ بَاطِلٍ فَقَدْ أَخَذْتَ بِرُقْيَةِ حَقٍّ») . وَأَمَّا قَوْلُهُ - ﵊ -: («لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ، أَوْ حُمَةٍ») فَمَعْنَاهُ: لَا رُقْيَةَ أَوْلَى وَأَنْفَعُ مِنْهُمَا. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَبِتَحْرِيمِ الرُّقْيَةِ بِغَيْرِ الْعَرَبِيِّ؛ صَرَّحَتْ أَئِمَّةُ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ أَيْضًا: وَابْنُ مَاجَهْ.
[ ١ / ١٧٤ ]
٩٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: قَالَ: «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَنَحْنُ نَتَنَازَعُ فِي الْقَدَرِ، فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ، حَتَّى كَأَنَّمَا فُقِئَ فِي وَجْنَتَيْهِ حَبُّ الرُّمَّانِ، فَقَالَ: (أَبِهَذَا أُمِرْتُمْ؟ أَمْ بِهَذَا أُرْسِلْتُ إِلَيْكُمْ؟ إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلُكُمْ حِينَ تَنَازَعُوا فِي هَذَا الْأَمْرِ، عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ، عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ أَلَّا تَنَازَعُوا فِيهِ») . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ): ﵁ (قَالَ: «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَنَحْنُ نَتَنَازَعُ») أَيْ: حَالَ كَوْنِنَا نَتَبَاحَثُ (فِي الْقَدَرِ) أَيْ: فِي شَأْنِهِ فَيَقُولُ بَعْضُنَا: إِذَا كَانَ الْكُلُّ بِالْقَدَرِ فَلِمَ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ كَمَا قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ، وَالْآخَرُ يَقُولُ: فَمَا الْحِكْمَةُ فِي تَقْدِيرِ بَعْضٍ لِلْجَنَّةِ، وَبَعْضٍ لِلنَّارِ؟ فَيَقُولُ الْآخَرُ: لِأَنَّ لَهُمْ فِيهِ نَوْعَ اخْتِيَارٍ كَسْبِيٍّ. فَيَقُولُ الْآخَرُ: فَمَنْ أَوْجَدَ ذَلِكَ الِاخْتِيَارَ وَالْكَسْبَ وَأَقْدَرَهُمْ عَلَيْهِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. (فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ) أَيْ: نِهَايَةَ الِاحْمِرَارِ (حَتَّى) أَيْ: حَتَّى صَارَ مِنْ شِدَّةِ حُمْرَتِهِ، (كَأَنَّمَا فُقِئَ): بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ؛ أَيْ: شُقَّ، أَوْ عُصِرَ (فِي وَجْنَتَيْهِ) أَيْ: خَدَّيْهِ (حَبُّ الرُّمَّانِ): فَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ مَزِيدِ حُمْرَةِ وَجْهِهِ الْمُنْبِئَةِ عَنْ مَزِيدِ غَضَبِهِ، وَإِنَّمَا غَضِبَ؛ لِأَنَّ الْقَدَرَ سِرٌّ مِنْ أَسْرَارِ اللَّهِ تَعَالَى، وَطَلَبُ سِرِّ اللَّهِ مَنْهِيٌّ؛ وَلِأَنَّ مَنْ يَبْحَثُ فِيهِ لَا يَأْمَنُ مِنْ أَنْ يَصِيرَ قَدَرِيًّا، أَوْ جَبْرِيًّا، وَالْعِبَادُ مَأْمُورُونَ بِقَبُولِ مَا أَمَرَهُمُ الشَّرْعُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَطْلُبُوا سِرَّ مَا لَا يَجُوزُ طَلَبُ سِرِّهِ، (فَقَالَ): - ﵊ - (أَبِهَذَا) أَيْ: «أَبِالتَّنَازُعِ فِي الْقَدَرِ (أُمِرْتُمْ؟»): وَهَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ لِلْإِنْكَارِ، وَتَقْدِيمُ الْمَجْرُورِ لِمَزِيدِ الِاهْتِمَامِ (أَمْ بِهَذَا أُرْسِلْتُ إِلَيْكُمْ؟): أَمْ مُنْقَطِعَةٌ؛ بِمَعْنَى بَلْ، وَالْهَمْزَةُ وَهِيَ لِلْإِنْكَارِ أَيْضًا تَرَقِّيًا مِنَ الْأَهْوَنِ إِلَى الْأَغْلَظِ، وَإِنْكَارٌ غِبَّ إِنْكَارٍ (إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلُكُمْ) أَيْ: مِنَ الْأُمَمِ؛ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوَابًا عَمَّا اتَّجَهَ لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا: لِمَ تُنْكِرُ هَذَا الْإِنْكَارَ الْبَلِيغَ؟ (حِينَ تَنَازَعُوا فِي هَذَا الْأَمْرِ): وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ، وَإِهْلَاكَهُمْ كَانَ مِنْ غَيْرِ إِمْهَالٍ، فَفِيهِ زِيَادَةُ وَعِيدٍ، (عَزَمْتُ) أَيْ: أَقْسَمْتُ أَوْ أَوْجَبْتُ (عَلَيْكُمْ) قِيلَ: أَصْلُهُ عَزَمْتُ بِإِلْقَاءِ الْيَمِينِ، وَإِلْزَامِهَا عَلَيْكُمْ («عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَنَازَعُوا»): بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ (فِيهِ): وَلَا تَبْحَثُوا فِي الْقَدَرِ بَعْدَ هَذَا. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَنْ هَذِهِ يَمْتَنِعُ كَوْنُهَا مَصْدَرِيَّةً وَزَائِدَةً؛ لِأَنَّ جَوَابَ الْقَسَمِ لَا يَكُونُ إِلَّا جُمْلَةً، وَأَنْ تَزْدَادَ مَعَ لَا فَهِيَ إِذًا مُفَسِّرَةٌ كَأَقْسَمْتُ أَنْ لَا ضَرَبْتُ، وَتَنَازَعُوا جُزِمَ بِلَا النَّاهِيَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ؛ لِأَنَّهَا مَعَ اسْمِهَا، وَخَبَرِهَا سَدَّتْ مَسَدَّ الْجُمْلَةِ كَذَا قَالَهُ زَيْنُ الْعَرَبِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) أَيْ: هَذَا اللَّفْظُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَالَ: لَا نَعْرِفُ الْحَدِيثَ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ صَالِحٍ الْمُرِّيِّ، وَلَهُ غَرَائِبُ يَنْفَرِدُ بِهَا اهـ.
[ ١ / ١٧٥ ]
٩٩ - وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ نَحْوَهُ. عَنْ عَمْرٍو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ. . .
_________________
(١) (وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ نَحْوَهُ) أَيْ: بِالْمَعْنَى (عَنْ عَمْرٍو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ): اعْلَمْ أَنَّ عَمْرًا بْنَ شُعَيْبِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنَ الْعَاصِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَلَى الصَّحِيحِ، أَحَدُ عُلَمَاءِ زَمَانِهِ، رُوِيَ عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ أَحْمَدَ وَجَمَاعَةً يَحْتَجُّونَ بِحَدِيثِ عَمْرٍو، وَلَكِنَّ الْبُخَارِيَّ مَا احْتَجَّ بِهِ فِي جَامِعِهِ. قَالَ أَبُو زُرْعَةَ: إِنَّمَا أَنْكَرُوا حَدِيثَهُ لِكَثْرَةِ رِوَايَتِهِ، وَإِنَّمَا سَمِعَ أَحَادِيثَ بُسْرَةَ، وَأَخَذَ صَحِيفَةً كَانَتْ عِنْدَهَا فَرَوَاهَا، وَشُعَيْبٌ لَا نَعْرِفُهُ، وَلَكِنْ مَا عَلِمْتُ أَحَدًا وَثَّقَهُ، بَلْ ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي تَارِيخِ الثِّقَاتِ، وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ثِقَةٌ إِلَّا أَنَّهُ إِذَا رَوَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - يَكُونُ مُرْسِلًا. قُلْتُ: قَدْ ثَبَتَ سَمَاعُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ الَّذِي رَبَّاهُ حَتَّى قِيلَ إِنَّ مُحَمَّدًا مَاتَ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ، وَكَفَلَ شُعَيْبًا جَدُّهُ عَبْدُ اللَّهِ كَذَا فِي الْمِيزَانِ لِلذَّهَبِيِّ، وَقَالَ
[ ١ / ١٧٥ ]
بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: الصَّحِيحُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي جَدِّهِ رَاجِعٌ إِلَى شُعَيْبٍ، وَكَثِيرًا مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ، وَغَيْرِهِمَا بِلَفْظِ: عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ الْعَاصِ، فَحَدِيثُهُ لَا طَعْنَ فِيهِ. وَقَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ: أَنْكَرَ بَعْضُهُمْ حَدِيثَ عَمْرٍو، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ شُعَيْبًا سَمِعَ مِنْ مُحَمَّدٍ لَا عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ، فَيَكُونُ حَدِيثُهُ مُرْسَلًا، لَكِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ، فَحَدِيثُهُ بِهَذَا الطَّرِيقِ مُتَّصِلٌ لَكِنْ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُرَادَ بِجَدِّهِ فِي الْإِسْنَادِ مُحَمَّدٌ لَا عَبْدُ اللَّهِ لَمْ يَدْخُلْ حَدِيثُهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي الصِّحَاحِ، وَإِنِ احْتَجُّوا بِهِ. وَقَالَ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: تَرْجَمَةُ عَمْرٍو قَوِيَّةٌ عَلَى الْمُخْتَارِ حَيْثُ لَا تَعَارُضَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. كَذَا حَرَّرَهُ مِيرَكُ شَاهْ - ﵀ -.
[ ١ / ١٧٦ ]
١٠٠ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: («إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ، فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِ، مِنْهُمُ الْأَحْمَرُ وَالْأَبْيَضُ، وَالْأَسْوَدُ وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَالسَّهْلُ، وَالْحَزْنُ، وَالْخَبِيثُ، وَالطَّيِّبُ») رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي مُوسَى) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: («إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ»: بِالضَّمِّ وَيُفْتَحُ، وَمِنْ: ابْتِدَائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِخَلَقَ، أَوْ بَيَانِيَّةٌ حَالٌ مِنْ آدَمَ (قَبَضَهَا) أَيْ: أَمَرَ الْمَلَكَ بِقَبْضِهَا، وَالْقُبْضَةُ بِالضَّمِّ مِلْءُ الْكَفِّ، وَرُبَّمَا جَاءَ بِفَتْحِ الْقَافِ كَذَا فِي الصِّحَاحِ، وَفِي الْقَامُوسِ الْقَبْضَةُ: وَضَمُّهُ أَكْثَرُ مَا قَبَضْتَ عَلَيْهِ مِنْ شَيْءٍ، وَفِي النِّهَايَةِ الْقَبْضُ الْأَخْذُ بِجَمِيعِ الْكَفِّ، وَالْقَبْضَةُ الْمَرَّةُ مِنْهُ، وَبِالضَّمِّ الِاسْمُ مِنْهُ (مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ): يَعْنِي: وَجْهَهَا أَيْ: مِنْ جَمِيعِ مَا قَدَّرَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُنَهُ بَنُو آدَمَ مِنَ الْأَرْضِ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ لِأَنَّ مِنَ الْأَرْضِ مَا لَا يَصِلُ إِلَيْهِ قَدَمُ آدَمِيٍّ، وَالْقَابِضُ مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ هُوَ عِزْرَائِيلُ - ﵊ -، فَنُسِبَ الْفِعْلُ إِلَيْهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ بِأَمْرِهِ، وَإِرَادَتِهِ، وَلَمَّا كَانَ عِزْرَائِيلُ مُتَوَلِّي الْقَبْضَةَ، وَلِيَ قَبْضَ الْأَرْوَاحِ مِنْ أَجْسَادِهَا لِيَرُدُّوا وَدِيعَةَ اللَّهِ الَّتِي قَبَضَهَا مِنَ الْأَرْضِ إِلَيْهَا كَذَا قَالَهُ زَيْنُ الْعَرَبِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى آيَةِ ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥] هَذَا، وَذَكَرَ السُّيُوطِيُّ - ﵀ - فِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خُلِقَتِ الْكَعْبَةُ قَبْلَ الْأَرْضِ بِأَلْفَيْ سَنَةٍ. قَالُوا: كَيْفَ خُلِقَتْ قَبْلُ وَهِيَ مِنَ الْأَرْضِ؟ قَالَ: كَانَتْ خَشْفَةً عَلَى الْمَاءِ، وَهِيَ بِالْخَاءِ، وَالشِّينِ الْمُعْجَمَتَيْنِ، وَالْفَاءِ أَيْ: حَجَرَةٌ، أَوْ أَكَمَةٌ، أَوْ جَزِيرَةٌ عَلَيْهَا مَلَكَانِ يُسَبِّحَانِ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ أَلْفَيْ سَنَةٍ، فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَ الْأَرْضَ دَحَاهَا مِنْهَا فَجَعَلَهَا فِي وَسَطِ الْأَرْضِ، فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ بَعَثَ مَلَكًا مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ يَأْتِي بِتُرَابٍ مِنَ الْأَرْضِ، فَلَمَّا هَوَى لِيَأْخُذَ قَالَتِ الْأَرْضُ: أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَرْسَلَكَ أَنْ لَا تَأْخُذْ مِنِّي الْيَوْمَ شَيْئًا يَكُونُ مِنْهُ لِلنَّارِ نَصِيبٌ غَدًا فَتَرَكَهَا، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى رَبِّهِ قَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَ بِمَا أَمَرْتُكَ؟ قَالَ: سَأَلَتْنِي بِكَ فَعَظِّمْتُ أَنْ أَرُدَّ شَيْئًا سَأَلَنِي بِكَ، فَأَرْسَلَ آخَرَ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى أَرْسَلَهُمْ كُلَّهُمْ، فَأَرْسَلَ مَلَكَ الْمَوْتِ فَقَالَتْ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ. قَالَ: إِنَّ الَّذِي أَرْسَلَنِي أَحَقُّ بِالطَّاعَةِ مِنْكِ، فَأَخَذَ مِنْ وَجْهِ الْأَرْضِ كُلِّهَا مِنْ طَيِّبِهَا، وَخَبِيثِهَا حَتَّى كَانَتْ قَبْضَةً عِنْدَ مَوْضِعَ الْكَعْبَةِ، فَجَاءَ بِهِ إِلَى رَبِّهِ فَصَبَّ عَلَيْهِ مِنْ مَاءِ الْجَنَّةِ فَجَاءَ حَمَأً مَسْنُونًا فَخَلَقَ مِنْهُ آدَمَ بِيَدِهِ. الْحَدِيثَ. («فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِ») أَيْ: مَبْلَغِهَا مِنَ الْأَلْوَانِ وَالطِّبَاعِ («مِنْهُمُ الْأَحْمَرُ، وَالْأَبْيَضُ، وَالْأَسْوَدُ»): بِحَسَبِ تُرَابِهِمْ، وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ هِيَ أُصُولُ الْأَلْوَانِ، وَمَا عَدَاهَا مُرَكَّبٌ مِنْهَا، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: (وَبَيْنَ ذَلِكَ) أَيْ: بَيْنَ الْأَحْمَرِ، وَالْأَبْيَضِ، وَالْأَسْوَدِ بِاعْتِبَارِ أَجْزَاءِ أَرْضِهِ (وَالسَّهْلُ) أَيْ: وَمِنْهُمُ السَّهْلُ أَيِ: اللَّيِّنُ (وَالْحَزْنُ): بِفَتْحِ الْحَاءِ، وَسُكُونِ الزَّايِ أَيِ: الْغَلِيظُ (وَالْخَبِيثُ) أَيْ: خَبِيثُ الْخِصَالِ (وَالطَّيِّبُ): عَلَى طَبْعِ أَرْضِهِمْ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعَالَى لَوْنًا، وَطَبْعًا، وَخُلُقًا. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَمَّا كَانَتِ الْأَوْصَافُ الْأَرْبَعَةُ ظَاهِرَةً فِي الْإِنْسَانِ وَالْأَرْضِ أُجْرِيَتْ عَلَى حَقِيقَتِهَا، وَأُوِّلَتِ الْأَرْبَعَةُ الْأَخِيرَةُ لِأَنَّهَا مِنَ الْأَخْلَاقِ الْبَاطِنَةِ، فَإِنَّ الْمَعْنِيَّ بِالسَّهْلِ الرِّفْقُ وَاللِّينُ، وَبِالْحَزْنِ الْخَرَقُ وَالْعُنْفُ، وَبِالطَّيِّبِ الَّذِي يَعْنِي بِهِ الْأَرْضَ الْعَذْبَةَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي هُوَ نَفْعٌ كُلُّهُ، بِالْخَبِيثِ الَّذِي يُرَادُ بِهِ الْأَرْضُ السَّبْخَةُ الْكَافِرُ الَّذِي هُوَ ضُرٌّ كُلُّهُ، وَالَّذِي سَبَقَ لَهُ الْحَدِيثُ هُوَ الْأُمُورُ الْبَاطِنَةُ؛ لِأَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي حَدِيثِ الْقَدَرِ بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَأَمَّا الْأُمُورُ الظَّاهِرَةُ مِنَ الْأَلْوَانِ، وَإِنْ كَانَتْ مُقَدَّرَةً فَلَا اعْتِبَارَ لَهَا فِيهِ اهـ.
[ ١ / ١٧٦ ]
وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لَهَا اعْتِبَارُ إِشَارَةٍ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَوْصَافَ وَالْآثَارَ بِمَنْزِلَةِ هَذِهِ الْأَلْوَانِ فِي كَوْنِهَا تَحْتَ الْأَقْدَارِ غَايَتُهُ أَنَّ الْأَوْصَافَ قَابِلَةٌ لِلزِّيَادَةِ، وَالنُّقْصَانِ بِحَسَبِ الطَّاعَةِ وَالْإِمْكَانِ لِمُجَاهَدَةِ الْإِنْسَانِ بِخِلَافِ الْأَلْوَانِ، وَإِنْ نَظَرْتَ إِلَى الْحَقِيقَةِ فَلَا تَبْدِيلَ، وَلَا تَغْيِيرَ لِخَلْقِ اللَّهِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: «جَفَّ الْقَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ» . (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ): وَكَذَا الْحَاكِمُ، وَالْبَيْهَقِيُّ.
[ ١ / ١٧٧ ]
١٠١ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ خَلْقَهُ فِي ظُلْمَةٍ، فَأَلْقَى عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ، فَمَنْ أَصَابَهُ مِنْ ذَلِكَ النُّورِ اهْتَدَى. وَمَنْ أَخْطَأَهُ ضَلَّ، فَلِذَلِكَ أَقُولُ: جَفَّ الْقَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو): بِالْوَاوِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: (إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ خَلْقَهُ) أَيِ: الثَّقَلَيْنِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَا الْمَلَائِكَةَ (فِي ظُلْمَةٍ) أَيْ: كَائِنِينَ فِي ظُلْمَةِ النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ الْمَجْبُولَةِ بِالشَّهَوَاتِ الْمُرْدِيَةِ، وَالْأَهْوَاءِ الْمُضِلَّةِ، وَالرُّكُونِ إِلَى الْمَحْسُوسَاتِ، وَالْغَفْلَةِ عَنْ عَالَمِ الْغَيْبِ (فَأَلْقَى) أَيْ: رَشَّ (عَلَيْهِمْ): شَيْئًا (مِنْ نُورِهِ): فَمِنْ نُورِهِ صِفَةُ مَحْذُوفٍ أَيْ: شَيْئًا مِنْهُ، وَمِنْ لِلتَّبْيِينِ، أَوْ لِلتَّبْعِيضِ، أَوْ زَائِدَةٌ، الْمُرَادُ مِنْهُ نُورُ الْإِيمَانِ وَالْمَعْرِفَةِ، وَالْإِيقَانِ، وَالطَّاعَةِ، وَالْإِحْسَانِ («فَمَنْ أَصَابَهُ مِنْ ذَلِكَ النُّورِ») أَيْ: نُورِهِ الْمَعْنَوِيِّ الْوَاصِلِ إِلَيْهِ، وَالنُّورُ مَجْرُورٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرْفَعَ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلُ أَصَابَهُ، وَمِنْ ذَلِكَ حَالٌ مِنْهُ؛ ذَكَرَهُ الْعَيْنِيُّ، (اهْتَدَى) أَيْ: إِلَى طَرِيقِ الْجَنَّةِ، (وَمَنْ أَخْطَأَهُ) أَيْ: ذَلِكَ النُّورَ يَعْنِي جَاوَزَهُ، وَلَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ (ضَلَّ) أَيْ: خَرَجَ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالنُّورِ الْمُلْقَى إِلَيْهِمْ مَا انْصَبَّ مِنَ الشَّوَاهِدِ وَالْحُجَجِ، وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْآيَاتِ وَالنُّذُرِ؛ إِذْ لَوْلَا ذَلِكَ لَبَقَوْا فِي ظُلُمَاتِ الضَّلَالَةِ فِي بَيْدَاءَ الْجَهَالَةِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالظُّلْمَةِ كَالْحِرْصِ، وَالْحَسَدِ، وَالْكِبْرِ، وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ، وَبِالنُّورِ التَّوْفِيقُ، وَالْهِدَايَةُ؛ بِقَلْعِ ذَلِكَ، فَمَنْ وَفَّقَهُ لِذَلِكَ اهْتَدَى، وَمَنْ لَمْ يُوَفِّقْهُ ضَلَّ وَغَوَى، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالظُّلْمَةِ الْجَهَالَةُ، وَبِالنُّورِ الْمَعْرِفَةُ؛ يَعْنِي خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ جَاهِلِينَ بِهِ، وَبِصِفَاتِهِ فَعَرَّفَهُمْ ذَاتَهُ وَصِفَاتَهُ لِيَعْرِفُوهُ، وَقِيلَ الْمُرَادُ: أَنَّهُ خَلَقَ أَرْوَاحَهُمْ فِي ظُلْمَةٍ، وَحَيْرَةٍ؛ فَأَلْقَى عَلَيْهِمْ نُورَ الرَّحْمَةِ وَالْهِدَايَةِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَهْتَدِ إِلَيْهِ أَحَدٌ: لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا وَلَا تَصَدَّقْنَا، وَلَا صَلَّيْنَا قِيلَ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ الْحَدِيثُ عَلَى خَلْقِ الذَّرِّ الْمُسْتَخْرَجِ فِي الْأَزَلِ مِنْ صُلْبِ آدَمَ فَعَبَّرَ بِالنُّورِ عَنِ الْأَلْطَافِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي هِيَ تَبَاشِيرُ صُبْحِ الْهِدَايَةِ، وَإِشْرَاقُ لَمِعَاتِ بَرْقِ الْعِنَايَةِ، ثُمَّ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (أَصَابَ، وَأَخْطَأَ) إِلَى ظُهُورِ تِلْكَ الْعِنَايَةِ فِيمَا لَا يَزَالُ مِنْ هِدَايَةِ بَعْضٍ، وَضَلَالِ بَعْضٍ، (فَلِذَلِكَ) أَيْ: وَمِنْ أَجْلِ أَنَّ الِاهْتِدَاءَ وَالضَّلَالَ قَدْ جَرَى؛ («أَقُولُ: جَفَّ الْقَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ») أَيْ: عَلَى مَا عَلِمَ اللَّهُ، وَحَكَمَ بِهِ فِي الْأَزَلِ لَا يَتَغَيَّرُ، وَلَا يَتَبَدَّلُ، وَجَفَافُ الْقَلَمِ عِبَارَةٌ عَنْهُ، وَقِيلَ مِنْ أَجْلِ عَدَمِ تَغَيُّرِ مَا جَرَى فِي الْأَزَلِ؛ تَقْدِيرُهُ مِنَ الْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ وَالْكُفْرِ، وَالْمَعْصِيَةِ: أَقُولُ جَفَّ الْقَلَمُ، قِيلَ: وَجْهُ التَّوْفِيقِ بَيْنَ هَذَا الْمَعْنَى، وَبَيْنَ قَوْلِهِ: مَا مِنْ مَوْلُودٍ؛ أَنْ يُقَالَ: الْإِنْسَانُ مُرَكَّبٌ مِنَ الرُّوحَانِيَّةِ الَّتِي تَقْتَضِي الْعُرُوجَ إِلَى عَالَمِ الْقُدْسِ، وَهِيَ مُسْتَعِدَّةٌ لِقَبُولِ فَيَضَانِ نُورِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالتَّحَلِّي بِالْكَمَالَاتِ، وَمِنَ النَّفْسَانِيَّةِ الْمَائِلَةِ إِلَى ظُلُمَاتِ الشَّهَوَاتِ، وَالضَّلَالِ، فَهَذَا الْحَدِيثُ مَسُوقٌ فِي الْقَدَرِ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: جَفَّ الْقَلَمُ فَنَبَّهَ فِيهِ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ
[ ١ / ١٧٧ ]
خُلِقَ عَلَى حَالَةٍ لَا تَنْفَكُّ عَنْ ظُلْمَةٍ؛ إِلَّا مَنْ أَصَابَهُ مِنَ النُّورِ الْمُلْقَى عَلَيْهِمْ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ لَمْحٌ إِلَى الْقَضَاءِ؛ كَقَوْلِهِ: مَا مِنْ مَوْلُودٍ؛ فَأَجْرَى الْكَلَامَ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ.
[ ١ / ١٧٨ ]
١٠٢ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ " فَقُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ! آمَنَّا بِكَ، وَبِمَا جِئْتَ بِهِ، فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟ قَالَ: " نَعَمْ؟ إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ، يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ): ﵁ (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُكْثِرُ) مِنَ الْإِكْثَارِ (أَنْ يَقُولَ): هَذَا الْقَوْلَ (يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ) أَيْ: مُصَرِّفُهَا تَارَةً إِلَى الطَّاعَةِ، وَتَارَةً إِلَى الْمَعْصِيَةِ، وَتَارَةً إِلَى الْحَضْرَةِ، وَتَارَةً إِلَى الْغَفْلَةِ، («ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»)، أَيِ: اجْعَلْهُ ثَابِتًا عَلَى دِينِكَ غَيْرَ مَائِلٍ عَنِ الدِّينِ الْقَوِيمِ، وَالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَالْخُلُقِ الْعَظِيمِ (فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ آمَنَّا بِكَ) أَيْ: بِنُبُّوتِكَ، وَرِسَالَتِكَ (وَبِمَا جِئْتَ بِهِ): مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟): يَعْنِي أَنَّ قَوْلَكَ هَذَا لَيْسَ لِنَفْسِكَ؛ لِأَنَّكَ فِي عِصْمَةٍ مِنَ الْخَطَأِ وَالزَّلَّةِ خُصُوصًا مِنْ تَقَلُّبِ الْقَلْبِ عَنِ الدِّينِ وَالْمِلَّةِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ تَعْلِيمُ الْأُمَّةِ فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا مِنْ زَوَالِ نِعْمَةِ الْإِيمَانِ، أَوِ الِانْتِقَالِ مِنَ الْكَمَالِ إِلَى النُّقْصَانِ؟ (قَالَ: نَعَمْ): يَعْنِي أَخَافُ عَلَيْكُمْ (إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ): وَفِي خَبَرِ مُسْلِمٍ: (مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ) . وَالْفَرْقُ أَنَّهُ ابْتَدَأَ بِهِ ثَمَّةَ فَالرَّحْمَةُ سَبَقَتِ الْغَضَبَ، فَنَاسَبَ ذِكْرُ الرَّحْمَنِ، وَهُنَا وَقَعَ تَأْيِيدًا لِلْخَوْفِ عَلَيْهِمْ، فَالْمَقَامُ مَقَامُ هَيْبَةٍ وَإِجْلَالٍ، فَنَاسَبَ ذِكْرُ مَقَامِ الْجَلَالَةِ وَالْإِلَهِيَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِأَنْ يَخُصَّ مَنْ شَاءَ بِمَا شَاءَ مِنْ هِدَايَةٍ أَوْ ضَلَالَةٍ، (يُقَلِّبُهَا) أَيِ: الْقُلُوبَ (كَيْفَ يَشَاءُ): مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أَيْ: تَقْلِيبًا يُرِيدُهُ، أَوْ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ أَيْ: يُقَلِّبُ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ شَاءَهَا. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) .
[ ١ / ١٧٨ ]
١٠٣ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «مَثَلُ الْقَلْبِ كَرِيشَةٍ بِأَرْضِ فَلَاةٍ يُقَلِّبُهَا الرِّيَاحُ ظَهْرًا لِبَطْنٍ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي مُوسَى): ﵁ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - (مَثَلُ الْقَلْبِ) أَيْ: صِفَةُ الْقَلْبِ الْعَجِيبَةُ الشَّأْنِ، وَمَا يَرِدُ علَيْهِ مِنْ عَالَمِ الْغَيْبِ مِنَ الدَّوَاعِي، وَسُرْعَةِ تَقَلُّبِهِ بِسَبَبِهَا، (كَرِيشَةٍ) أَيْ: كَصِفَةِ رِيشَةٍ، وَهِيَ وَحْدَةُ الرِّيشِ، (بِأَرْضٍ): بِالتَّنْوِينِ، وَقِيلَ بِالْإِضَافَةِ، (فَلَاةٍ): صِفَةٌ أَيْ: مَفَازَةٌ خَالِيَةٌ مِنَ النَّبَاتِ، قِيلَ ذِكْرُ الْأَرْضِ مُقْحَمٌ؛ لِأَنَّ الْفَلَاةَ تَدُلُّ عَلَيْهَا، فَالْمَقْصُودُ التَّأْكِيدُ لِدَفْعِ التَّجَوُّزِ كَمَا فِي أَبْصَرْتُهَا بِعَيْنِي، وَتَخْصِيصُ الْفَلَاةِ؛ لِأَنَّ التَّقْلِيبَ فِيهَا أَشَدُّ مِنَ الْعُمْرَانِ (يُقَلِّبُهَا الرِّيَاحُ): بِالتَّذْكِيرِ، وَقِيلَ: بِالتَّأْنِيثِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: صِفَةٌ أُخْرَى لِرِيشَةٍ، وَجَمَعَ الرِّيَاحَ لِلدَّلَالَةِ عَلَى ظُهُورِ التَّقْلِيبِ. إِذْ لَوِ اسْتَمَرَّ الرِّيحُ عَلَى جَانِبٍ وَاحِدٍ لَمْ يَظْهَرِ التَّقَلُّبُ، (ظَهْرًا لَبَطَنٍ) أَيْ: وَبَطْنًا لِظَهْرٍ يَعْنِي كُلَّ سَاعَةٍ يُقَلِّبُهَا عَلَى صِفَةٍ، فَكَذَا الْقَلْبُ يَنْقَلِبُ سَاعَةً مِنَ الْخَيْرِ إِلَى الشَّرِّ، وَبِالْعَكْسِ، وَقَوْلُ: ظَهْرًا بَدَلُ
[ ١ / ١٧٨ ]
الْبَعْضِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي يُقَلِّبُهَا، وَاللَّامُ فِي الْبَطْنِ. بِمَعْنَى: (إِلَى) كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ) وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَهْرًا لِبَطْنٍ مَفْعُولًا مُطْلَقًا؛ أَيْ: تَقْلِيبًا مُخْتَلِفًا، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا يَعْنِي مَقْدِرَةً؛ أَيْ: يُقَلِّبُهَا مُخْتَلِفَةً، وَلِهَذَا الِاخْتِلَافِ وَالِانْقِلَابِ يُسَمَّى الْقَلْبُ قَلْبًا (رَوَاهُ أَحْمَدُ): وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِلَفْظِ: «مَثَلُ الْقَلْبِ مَثَلُ الرِّيشَةِ يُقَلِّبُهَا الرِّيَاحُ بِفَلَاةٍ» .
[ ١ / ١٧٩ ]
١٠٤ - وَعَنْ عَلِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُؤْمِنَ بِأَرْبَعٍ: يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ بَعَثَنِي بِالْحَقِّ، وَيُؤْمِنُ بِالْمَوْتِ، وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَيُؤْمِنُ بِالْقَدَرِ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁): وَفِي نُسْخَةٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ): هَذَا نَفْيُ أَصْلِ الْإِيمَانِ أَيْ: لَا يُعْتَبَرُ مَا عِنْدَهُ مِنَ التَّصْدِيقِ الْقَلْبِيِّ (حَتَّى يُؤْمِنَ بِأَرْبَعٍ: يَشْهَدَ): مَنْصُوبٌ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ قَوْلِهِ: حَتَّى يُؤْمِنَ، وَقِيلَ: مَرْفُوعٌ تَفْصِيلٌ لِمَا سَبَقَهُ؛ أَيْ: يَعْمَلُ، وَيَتَيَقَّنُ (أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ)؛ أَيْ: يُؤْمِنُ بِالتَّوْحِيدِ وَالرِّسَالَةِ وَعَدَلَ إِلَى لَفْظِ الشَّهَادَةِ أَمْنًا مِنَ الْإِلْبَاسِ بِأَنْ يَشْهَدَ، وَلَمْ يُؤْمِنْ، أَوْ دَلَالَةً عَلَى أَنَّ النُّطْقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ أَيْضًا مِنْ جُمْلَةِ الْأَرْكَانِ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: يَشْهَدُ بِاللِّسَانِ بَعْدَ تَصْدِيقِهِ بِالْجَنَانِ، أَوْ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْحُكْمَ بِالظَّوَاهِرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالسَّرَائِرِ. (بَعَثَنِي بِالْحَقِّ): اسْتِئْنَافٌ كَأَنَّهُ قِيلَ لَمْ يَشْهَدْ؛ فَقَالَ: بَعَثَنِي بِالْحَقِّ أَيْ: إِلَى كَافَّةِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مُؤَكِّدَةً، أَوْ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ فَيَدْخُلُ عَلَى هَذَا فِي حَيِّزِ الشَّهَادَةِ، وَقَدْ حَكَى - ﷺ - عَلَى الْقَوْلَيْنِ كَلَامَ الشَّاهِدِ بِالْمَعْنَى؛ إِذْ عِبَارَتُهُ أَنَّ مُحَمَّدًا وَبَعَثَهُ (وَيُؤْمِنَ بِالْمَوْتِ): بِالْوَجْهَيْنِ، (وَالْبَعْثِ) أَيْ: يُؤْمِنُ بِوُقُوعِ الْبَعْثِ (بَعْدَ الْمَوْتِ): وَتَكْرِيرُ الْمَوْتِ إِيذَانٌ لِلِاهْتِمَامِ بِشَأْنِهِ قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ أَكَّدَ الْمَوْتَ بِذِكْرِ لِفَظِ يُؤْمِنُ دُونَ الْبَعْثِ مَعَ أَنَّ الْمَوْتَ ظَاهِرٌ لَا يُنْكَرُ، وَالْبَعْثُ خَفِيٌّ يُنْكَرُ؟ قُلْتُ: إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ أَدِلَّةَ الْبَعْثِ ظَاهِرَةٌ، وَإِلَى أَنَّهُمْ مُتَمَادُونَ فِي الْغَفْلَةِ عَنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ. قُلْتُ: وَلِهَذَا قَالَ الْغَزَالِيُّ لَيْسَ يَقِينٌ أَشْبَهُ بِالشَّكِّ مِنَ الْمَوْتِ. قَالَ الرَّاغِبُ: وَالْمَوْتُ أَحَدُ الْأَسْبَابِ الْمُوَصِّلَةِ إِلَى النَّعِيمِ، فَهُوَ فِي الظَّاهِرِ فَنَاءٌ، وَفِي الْحَقِيقَةِ وِلَادَةٌ ثَانِيَةٌ وَبَقَاءُ، وَهُوَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَلِذَلِكَ مَنَّ عَلَى الْإِنْسَانِ بِخَلْقِهِ حَيْثُ قَالَ: (خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ)، وَقُدِّمَ لِأَنَّهُ الْمُوصِّلُ إِلَى الْحَيَاةِ الْحَقِيقِيَّةِ، فَالتَّغْيِيرَاتُ الْوَاقِعَةُ لِأَجْلِهِ كَمَا فِي النَّوَى الْمَزْرُوعِ إِذْ لَا يَصِيرُ نَخْلًا إِلَّا بِفَسَادِ جُثَّتِهِ، وَكَمَا فِي الْبَرِّ إِذَا أَرَدْنَا أَنْ نَجْعَلَهُ زِيَادَةً فِي أَبْدَانِنَا، وَكَمَا فِي الْبَذْرِ إِذَا زُرِعَ؛ قِيلَ فَكَانَ ذَلِكَ الْفَسَادُ ظَاهِرًا هُوَ عَيْنُ الصَّلَاحِ بَاطِنًا، فَرِضَا النَّفْسِ بِالْبَقَاءِ فِي الدُّنْيَا إِنَّمَا هُوَ لِقُدْرَتِهَا وَرِضَاهَا بِالْأَعْرَاضِ الدَّنِيَّةِ كَمَا رَضِيَ الْجُعَلُ بِالِانْغِمَاسِ فِي الْعَذِرَةِ دَائِمًا، بَلْ قِيلَ: إِنَّهُ إِذَا شَمَّ الْمِسْكَ مَاتَ لِوَقْتِهِ. (وَيُؤْمِنَ): بِالْوَجْهَيْنِ (بِالْقَدَرِ) قَالَ الْمُظْهِرُ: الْمُرَادُ بِهَذَا الْحَدِيثِ نَفْيُ أَصْلِ الْإِيمَانِ لَا نَفْيُ الْكَمَالِ، فَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِوَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا. الْأَوَّلُ: الْإِقْرَارُ بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَأَنَّهُ مَبْعُوثٌ إِلَى كَافَّةِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، وَالثَّانِي أَنْ يُؤْمِنَ بِالْمَوْتِ أَيْ: يَعْتَقِدُ فَنَاءَ الدُّنْيَا، وَهُوَ احْتِرَازٌ عَنْ مَذْهَبِ الدَّهْرِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ وَبَقَائِهِ أَبَدًا. وَفِي مَعْنَاهِ التَّنَاسُخِيُّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ اعْتِقَادُ أَنَّ الْمَوْتَ يَحْصُلُ بِأَمْرِ اللَّهِ لَا بِفَسَادِ الْمِزَاجِ كَمَا يَقُولُهُ الطِّيبِيُّ، وَالثَّالِثُ: أَنْ يُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ، وَالرَّابِعُ: أَنْ يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ؛ يَعْنِي بِأَنَّ جَمِيعَ مَا يَجْرِي فِي الْعَالَمِ بِقَضَاءِ اللَّهِ، وَقَدَرِهِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) .
[ ١ / ١٧٩ ]
١٠٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي لَيْسَ لَهُمَا فِي الْإِسْلَامِ نَصِيبٌ: الْمُرْجِئَةُ، وَالْقَدَرِيَّةُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ (حَسَنٌ صَحِيحٌ)
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - (صِنْفَانِ) أَيْ: نَوْعَانِ، (مِنْ أُمَّتِي) أَيْ: أُمَّةِ الْإِجَابَةِ، (لَيْسَ لَهُمَا فِي الْإِسْلَامِ نَصِيبٌ) أَيْ: حَظٌّ كَامِلٌ، أَوْ لَيْسَ لَهُمَا فِي كَمَالِ الِانْقِيَادِ لِمَا قُضِيَ، وَقُدِّرَ عَلَى الْعِبَادِ مِمَّا أَرَادَ نَصِيبٌ؛ أَيْ: حَظٌّ مُطْلَقًا. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ؟ رُبَّمَا يَتَمَسَّكُ بِهِ مَنْ يُكَفِّرُ الْفَرِيقَيْنِ، وَالصَّوَابُ أَنْ لَا يُسَارِعَ إِلَى تَكْفِيرِ أَهْلِ الْبِدَعِ؛ لِأَنَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْجَاهِلِ، أَوِ الْمُجْتَهِدِ الْمُخْطِئِ، وَهَذَا قَوْلُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ احْتِيَاطًا فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ: لَيْسَ لَهُمَا نَصِيبٌ عَلَى سُوءِ الْحَظِّ وَقِلَّةِ النَّصِيبِ، كَمَا يُقَالُ: لَيْسَ لِلْبَخِيلِ مِنْ مَالِهِ نَصِيبٌ، وَأَمَّا قَوْلُهُ - ﵊ -: («يَكُونُ فِي أَمَّتِي خَسْفٌ»)، وَقَوْلُهُ: («سِتَّةٌ لَعْنَتُهُمْ») . وَأَمْثَالُ ذَلِكَ فَيُحْمَلُ عَلَى الْمُكَذِّبِ بِهِ؛ أَيْ: بِالْقَدَرِ إِذْ أَتَاهُ مِنَ الْبَيَانِ مَا يَنْقَطِعُ بِهِ الْعُذْرُ، أَوْ عَلَى مَنْ تُفْضِي بِهِ الْعَصَبِيَّةُ إِلَى تَكْذِيبِ مَا وَرَدَ فِيهِ مِنَ النُّصُوصِ، أَوْ إِلَى تَكْفِيرِ مَنْ خَالَفَهُ، وَأَمْثَالُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَارِدَةٌ تَغْلِيظًا وَزَجْرًا. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَمَنْ أَطْلَقَ تَكْفِيرَ الْفَرِيقَيْنِ أَخْذًا بِظَاهِرِ هَذَا الْخَبَرِ فَقَدِ اسْتَرْوَحَ، بَلِ الصَّوَابُ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ أَنَّا لَا نُكَفِّرُ أَهْلَ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ إِلَّا إِنْ أَتَوْا بِمُكَفِّرٍ صَرِيحٍ لَا اسْتِلْزَامِيٍّ؛ لِأَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ لَازِمَ الْمَذْهَبِ لَيْسَ بِلَازِمٍ، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَزَلِ الْعُلَمَاءُ يُعَامِلُونَهُمْ مُعَامَلَةَ الْمُسْلِمِينَ فِي نِكَاحِهِمْ، وَإِنْكَاحِهِمْ، وَالصَّلَاةِ عَلَى مَوْتَاهُمْ، وَدَفْنِهِمْ فِي مَقَابِرِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا مُخْطِئِينَ غَيْرَ مَعْذُورِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ الْفِسْقِ وَالضَّلَالِ إِلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يَقْصُدُوا بِمَا قَالُوهُ اخْتِيَارَ الْكُفْرِ، وَإِنَّمَا بَذَلُوا وُسْعَهُمْ فِي إِصَابَةِ الْحَقِّ فَلَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ، لَكِنْ لِتَقْصِيرِهِمْ بِتَحْكِيمِ عُقُولِهِمْ، وَأَهْوِيَتِهِمْ، وَإِعْرَاضِهِمْ عَنْ صَرِيحِ السُّنَةِ وَالْآيَاتِ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ سَائِغٍ، وَبِهَذَا فَارَقُوا مُجْتَهَدِي الْفُرُوعِ فَإِنَّ خَطَأَهُمْ إِنَّمَا هُوَ لِعُذْرِهِمْ بِقِيَامِ دَلِيلٍ آخَرَ عِنْدَهُمْ مُقَاوِمٌ لِدَلِيلِ غَيْرِهِمْ مِنْ جِنْسِهِ فَلَمْ يُقَصِّرُوا، وَمِنْ ثَمَّ أُثِيبُوا عَلَى اجْتِهَادِهِمْ، (الْمُرْجِئَةُ): يُهْمَزُ، وَلَا يُهْمَزُ مِنَ الْإِرْجَاءِ مَهْمُوزًا وَمُعْتَلًّا، وَهُوَ التَّأْخِيرُ. يَقُولُونَ: الْأَفْعَالُ كُلُّهَا بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَيْسَ لِلْعِبَادِ فِيهَا اخْتِيَارٌ، وَأَنَّهُ لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ مَعْصِيَةٌ كَمَا لَا يَنْفَعُ مَعَ الْكُفْرِ طَاعَةٌ كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قِيلَ: هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ الْإِيمَانَ قَوْلٌ بِلَا عَمَلٍ فَيُؤَخِّرُونَ الْعَمَلَ عَنِ الْقَوْلِ. وَهَذَا غَلَطٌ، بَلِ الْحَقُّ أَنَّ الْمُرْجِئَةَ هُمُ الْجَبْرِيَّةُ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ إِضَافَةَ الْفِعْلِ إِلَى الْعَبْدِ كَإِضَافَتِهِ إِلَى الْجَمَادِ اتَّسَمُوا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ يُؤَخِّرُونَ أَمْرَ اللَّهِ وَنَهْيَهُ عَنِ الِاعْتِدَادِ بِهِمَا، وَيَرْتَكِبُونَ الْكَبَائِرَ فَهُمْ عَلَى الْإِفْرَاطِ، (وَالْقَدَرِيَّةُ): عَلَى التَّفْرِيطِ، وَالْحَقُّ مَا بَيْنَهُمَا اهـ. وَالْقَدَرِيَّةُ: بِفَتْحِ الدَّالِ وَتُسَكَّنُ، وَهُمُ الْمُنْكِرُونَ لِلْقَدَرِ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ بِقُدْرَتِهِمْ وَدَوَاعِيهِمْ لَا بِقُدْرَةِ اللَّهِ وَإِرَادَتِهِ، وَإِنَّمَا نُسِبَتْ هَذِهِ الطَّائِفَةُ إِلَى الْقَدَرِ لِأَنَّهُمْ يَبْحَثُونَ فِي الْقَدَرِ كَثِيرًا.
[ ١ / ١٨٠ ]
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ): عَدَّهُ فِي الْخُلَاصَةِ مِنَ الْمَوْضُوعَاتِ لَكِنْ قَالَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ. قَالَ صَاحِبُ الْأَزْهَارِ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَكَتَبَ مَوْلَانَا زَادَهْ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي زَمَانِنَا أَنَّهُ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَيْضًا أَنَّ رُوَاتَهُ مَجْهُولُونَ كَذَا ذَكَرَهُ الْعَيْنِيُّ، وَقَالَ الْفَيْرُوزَابَادِيُّ: لَا يَصِحُّ فِي ذَمِّ الْمُرْجِئَةِ، وَالْقَدَرِيَّةِ حَدِيثٌ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ جَابِرٍ، وَالْخَطِيبُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ أَنَسٍ، وَلَفْظُهُ: («صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي لَا تَنَالُهُمْ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُرْجِئَةُ، وَالْقَدَرِيَّةُ» .
[ ١ / ١٨١ ]
١٠٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: " «يَكُونُ فِي أُمَّتِي خَسْفٌ، وَمَسْخٌ، وَذَلِكَ فِي الْمُكَذِّبِينَ بِالْقَدَرِ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: (يَكُونُ فِي أُمَّتِي) أَيْ: أُمَّةِ الْإِجَابَةِ (خَسْفٌ، وَمَسْخٌ) يُقَالُ: خَسَفَ اللَّهُ بِهِ؛ أَيْ: غَابَ بِهِ فِي الْأَرْضِ، وَالْمَسْخُ تَحْوِيلُ صُورَةٍ إِلَى مَا هُوَ أَقْبَحُ مِنْهَا، (وَذَلِكَ) أَيْ: مَا ذَكَرَ مِنَ الْخَسْفِ وَالْمَسْخِ وَاقِعٌ، (فِي الْمُكَذِّبِينَ بِالْقَدَرِ): بِهَذَا الْحَدِيثِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْقَدَرِيَّةَ الْمَذْمُومَةَ إِنَّمَا هُمُ الْمُكَذِّبَةُ بِالْقَدَرِ لَا الْمُؤْمِنَةُ بِهِ كَمَا زَعَمَتِ الْمُعْتَزِلَةُ، وَنَسَبُوا أَهْلَ السُّنَّةِ، وَالْجَمَاعَةِ إِلَى الْقَدَرِيَّةِ لِمَا هُوَ مُقْتَضَى الْمُقَابَلَةِ بِالْجَبْرِيَّةِ، وَإِنَّمَا عَاقَبَهُمُ اللَّهُ بِهِمَا لِإِضَافَتِهِمَا الْكَوَائِنَ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ مَحَقُوا خَلْقَ اللَّهِ، وَمَسَخُوا صُوَرَ خَلْقِهِ، فَجَازَاهُمُ اللَّهُ. بِمَحْقٍ وَمَسْخٍ. قَالَ الْأَشْرَفُ: مَعْنَى الْحَدِيثِ إِنْ يَكُنْ مَسْخٌ، وَخَسْفٌ يَكُونَا فِي الْمُكَذِّبِينَ بِالْقَدَرِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: لَعَلَّهُ اعْتَقَدَ أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ الْمَرْحُومَةَ مَأْمُونَةٌ مِنْهُمَا، فَأَخْرَجَ الْكَلَامَ مَخْرَجَ الشَّرْطِيَّةِ. وَقَوْلُهُ: ذَلِكَ أَيْ فِي الْحَدِيثِ؛ يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْقَاقِ مَا سَبَقَ؛ أَيْ: مِنَ الْخَسْفِ وَالْمَسْخِ لِأَجْلِ مَا بَعْدَهُ مِنَ التَّكْذِيبِ، وَقَدْ سَبَقَ عَنِ التُّورِبِشْتِيِّ: أَنَّ الْحَدِيثَ مِنْ بَابِ التَّغْلِيظِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى تَقْدِيرِ الشَّرْطِ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ ذَهَبَ إِلَى وُقُوعِ الْخَسْفِ، وَالْمَسْخِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ حَيْثُ قَالَ: قَدْ يَكُونَانِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ كَمَا فِي سَائِرِ الْأُمَمِ خِلَافُ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إِنَّمَا مَسْخُهَا بِقُلُوبِهَا؛ ذَكَرَهُ فِي أَعْلَامِ السُّنَنِ: قِيلَ الْمُرَادُ بِالْخَسْفِ الْإِذْهَابُ فِي الْأَرْضِ كَمَا فُعِلَ بِقَارُونَ وَأَمْوَالِهِ، وَبِالْمَسْخِ تَبْدِيلُ الْأَبْدَانِ إِلَى الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ وَغَيْرِهِمَا، كَمَا فُعِلَ بِقَوْمِ دَاوُدَ وَعِيسَى، قِيلَ: الْمُرَادُ بِالْخَسْفِ تَسْوِيدُ الْوَجْهِ وَالْأَبْدَانِ مَأْخُوذٌ مِنْ خُسُوفِ الْقَمَرِ، وَبِالْمَسْخِ تَسْوِيدُ قُلُوبِهِمْ وَإِذْهَابُ مَعْرِفِتِهُمْ، وَإِدْخَالُ الْقَسَاوَةِ وَالْجَهْلِ، وَالتَّكَبُّرِ فِيهَا، كَذَا ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ مَسْخُهُمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِتَسْوِيدِ وُجُوهِهِمَا كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦]؛ وُجُوهُ أَهْلِ السُّنَّةِ ﴿وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦]؛ وُجُوهُ أَهْلِ الْبِدْعَةِ، وَخَسْفُهُمَا انْهِيَارُهُمَا مِنَ الصِّرَاطِ فِي النَّارِ، أَوْ نُزُولُهُمَا فِي قَعْرِ دَارِ الْبَوَارِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْأَسْرَارِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ)؛ أَيْ: بِهَذَا اللَّفْظِ، (وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ) أَيْ: بِالْمَعْنَى.
[ ١ / ١٨١ ]
١٠٧ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: («الْقَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، إِنْ مَرِضُوا فَلَا تَعُودُوهُمْ، وَإِنْ مَاتُوا فَلَا تَشْهَدُوهُمْ») رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: («الْقَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الْأُمَّةِ»)، أَيْ: أُمَّةِ الْإِجَابَةِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُمْ: أَفْعَالُ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ بِقَدَرِهِمْ يُشْبِهُ قَوْلَ الْمَجُوسِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ لِلْعَالَمِ إِلَهَيْنِ: خَالِقُ الْخَيْرِ، وَهُوَ يَزْدَانُ، وَخَالِقُ الشَّرِّ، وَهُوَ أَهْرِمَنْ؛ أَيِ: الشَّيْطَانُ، وَقِيلَ: الْمَجُوسُ يَقُولُونَ: الْخَيْرُ مِنْ فِعْلِ النُّورِ، وَالشَّرُّ مِنْ فِعْلِ الظُّلْمَةِ، كَذَلِكَ الْقَدَرِيَّةُ يَقُولُونَ: الْخَيْرُ مِنَ اللَّهِ، وَالشَّرُّ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَمِنَ النَّفْسِ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: لِإِحْدَاثِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ مَذْهَبًا يُشْبِهُ مَذْهَبَ الْمَجُوسِ مِنْ وَجْهٍ؛ هُوَ أَنَّهُمْ يُضِيفُونَ الْكَائِنَاتِ أَعْيَانًا وَأَحْدَاثًا إِلَى إِلَهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: لَا يَصْدُرُ عَنْهُ إِلَّا مَا هُوَ خَيْرٌ، وَالثَّانِي: لَا يَصْدُرُ عَنْهُ إِلَّا مَا هُوَ شَرٌّ، وَقَوْلُ الْقَدَرِيَّةِ يُشْبِهُ ذَلِكَ لَكِنَّ فِي الْأَحْدَاثِ لَا الْأَعْيَانِ؛ لِإِضَافَتِهِمُ الْخَيْرَ إِلَى اللَّهِ، وَالشَّرَّ إِلَى النَّفْسِ اهـ. وَلَعَلَّهُ مَذْهَبُ فِرْقَةٍ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ، وَإِلَّا فَالْمَشْهُورُ عَنْهُمْ مَا صَرَّحَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنْهُمْ، وَهُوَ أَنَّ الْحَسَنَةَ الَّتِي هِيَ الْخِصْبُ وَالصِّحَّةُ، وَالسَّيِّئَةُ الَّتِي هِيَ الْقَحْطُ وَالْمَرَضُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَمَّا الطَّاعَةُ فَمِنَ الْعَبْدِ لَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ لَطَفَ بِهِ فِي أَدَائِهَا وَبَعْثِهِ عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ الْمَعْصِيَةُ مِنْهُ أَيْضًا، وَاللَّهُ تَعَالَى بَرِيءٌ مِنْهَا. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَعَلَى هَذَا فَوَجْهُ تَسْمِيَتِهِمْ مَجُوسًا أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى قَوْلِهِمْ هَذَا تَعَدُّدُ الْإِلَهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْبَاعِثَ عَلَى الطَّاعَةِ غَيْرُ الْبَاعِثِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ عِنْدَهُمْ كَمَا تَقَرَّرَ. («إِنْ مَرِضُوا فَلَا تَعُودُوهُمْ، وَإِنْ مَاتُوا فَلَا تَشْهَدُوهُمْ»): النَّهْيُ مَحْمُولٌ عَلَى الزَّجْرِ وَالتَّغْلِيظِ، وَتَقْبِيحُ اعْتِقَادِهِمْ عَلَى قَوْلِ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِكُفْرِهِمْ. وَعَلَى الْحَقِيقَةِ عَلَى قَوْلِ مَنْ حَكَمَ بِكُفْرِهِمْ؛ إِذِ الْفَاسِقُ لَا مَنْعَ وَلَا كَرَاهَةَ فِي شُهُودِ جِنَازَتِهِ بِخِلَافِ الْمَرِيضِ فَضْلًا عَنْ كُفْرِهِ يَمْنَعُ عَنْ عِيَادَتِهِ كَذَا ذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَذْهَبِنَا، فَإِنَّ عِيَادَةَ الْمَرِيضِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَرْضُ كِفَايَةٍ كَشُهُودِ جِنَازَتِهِمْ، وَخَصَّ هَاتَيْنِ الْخَصْلَتَيْنِ لِأَنَّهُمَا أَلْزَمُ وَأَوْلَى مِنْ سَائِرِ الْحُقُوقِ، فَإِنَّهَا حَالَتَانِ مُفْتَقِرَتَانِ إِلَى الدُّعَاءِ بِالصِّحَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ، فَيَكُونُ النَّهْيُ عَنْهُمَا أَبْلَغَ فِي الْمَقْصُودِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ): وَكَذَا الْحَاكِمُ
[ ١ / ١٨٢ ]
١٠٨ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: («لَا تُجَالِسُوا أَهْلَ الْقَدَرِ وَلَا تُفَاتِحُوهُمْ») رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ عُمَرَ): ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: («لَا تُجَالِسُوا أَهْلَ الْقَدَرِ»): بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ: لَا تُوَادِدُوهُمْ، وَلَا تُحَابُوهُمْ، فَإِنَّ الْمُجَالَسَةَ وَنَحْوَهَا مِنَ الْمُمَاشَاةِ مِنْ عَلَامَاتِ الْمَحَبَّةِ وَأَمَارَاتِ الْمَوَدَّةِ، فَالْمَعْنَى لَا تُجَالِسُوهُمْ مُجَالَسَةَ تَأْنِيسٍ وَتَعْظِيمٍ لَهُمْ لِأَنَّهُمْ إِمَّا أَنْ يَدْعُوَكَ إِلَى بِدْعَتِهِمْ بِمَا زَيَّنَهُ لَهُمْ شَيْطَانُهُمْ مِنَ الْحُجَجِ الْمُوهِمَةِ، وَالْأَدِلَّةِ الْمُزَخْرَفَةِ الَّتِي تَجْلِبُ مَنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ فِي الْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ إِلَيْهِمْ بِبَادِيَ الرَّأْيِ، وَإِمَّا أَنْ يَعُودَ عَلَيْكُمْ مِنْ نَقْصِهِمْ وَسُوءِ عَمَلِهِمْ مَا يُؤَثِّرُ فِي قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ؛ إِذْ مُجَالَسَةُ الْأَغْيَارِ تَجُرُّ إِلَى غَايَةِ الْبَوَارِ وَنِهَايَةِ الْخَسَارِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] وَلَا يُنَافِي إِطْلَاقُ الْحَدِيثِ تَقْيِيدَ الْآيَةِ فِي الْمُنَافِقِينَ حَيْثُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠] وَكَذَا قَوْلُهُ ﷿ ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨] فَلَمْ يَنْهَ عَنْ مُجَالَسَتِهِمْ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ يُحْمَلُ عَلَى مَنْ لَمْ يَأْمَنْ عَلَى نَفْسِهِ مِنْهُمْ؛ فَيُمْنَعُ عَنْ مُجَالَسَتِهِمْ مُطْلَقًا، وَالْآيَةُ عَلَى مَنْ أَمِنَ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي مُجَالَسَتِهِ لَهُمْ بِغَيْرِ التَّأْنِيسِ، وَالتَّعْظِيمِ مَا لَمْ يَكُونُوا فِي كَفْرٍ، وَبِدْعَةٍ، وَكَذَا إِذَا خَاضُوا وَقَصَدَ الرَّدَّ عَلَيْهِمْ وَتَسْفِيهَ أَدِلَّتِهِمْ، وَمَعَ هَذَا؛ الْبُعْدُ عَنْهُمْ أَوْلَى، وَالِاجْتِنَابُ عَنْ مُبَاحَثَتِهِمْ أَحْرَى
[ ١ / ١٨٢ ]
(وَلَا تُفَاتِحُوهُمْ): مِنَ الْفُتَاحَةِ بِضَمِّ الْفَاءِ وَكَسْرِهَا؛ أَيِ: الْحُكُومَةُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩] أَيْ: لَا تُحَاكِمُوا إِلَيْهِمْ فَإِنَّهُمْ أَهْلُ عِنَادٍ وَمُكَابَرَةٍ، وَقِيلَ: لَا تَبْدَءُوهُمْ بِالسَّلَامِ، أَوْ بِالْكَلَامِ. وَقَالَ الْمُظْهِرُ: لَا تُنَاظِرُوهُمْ فَإِنَّهُمْ يُوقِعُونَكُمْ فِي الشَّكِّ، وَيُشَوِّشُونَ عَلَيْكُمُ اعْتِقَادَهُمْ أَيْ: وَإِنْ لَمْ تُجَالِسُوهُمْ، فَهُوَ عَطْفٌ مُغَايِرٌ، وَقِيلَ: عَطْفٌ خَاصٌّ؛ لِأَنَّ الْمُجَالَسَةَ تَشْتَمِلُ عَلَى الْمُؤَاكَلَةِ وَالْمُؤَانَسَةِ، وَالْمُحَادَثَةِ وَغَيْرِهَا، وَفَتْحُ الْكَلَامِ فِي الْقَدَرِ أَخَصُّ مِنْ ذَلِكَ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ): وَكَذَا أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ.
[ ١ / ١٨٣ ]
١٠٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ [﵂] قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «سِتَّةٌ لَعَنْتُهُمْ، وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ، وَكُلُّ نَبِيٍّ يُجَابُ: الزَّائِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَالْمُكَذِّبُ بِقَدَرِ اللَّهِ، وَالْمُتَسَلِّطُ بِالْجَبَرُوتِ لِيُعِزَّ مَنْ أَذَلَّهُ اللَّهُ، وَيُذِلَّ مَنْ أَعَزَّهُ اللَّهُ، وَالْمُسْتَحِلُّ لِحَرَمِ اللَّهِ، وَالْمُسْتَحِلُّ مِنْ عِتْرَتِي مَا حَرَّمَ اللَّهُ، وَالتَّارِكُ لِسُنَّتِي») . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي (الْمَدْخَلِ)، وَرَزِينٌ فِي كِتَابِهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَائِشَةَ): ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (سِتَّةٌ) أَيْ: أَشْخَاصٌ، أَوْ أَقْوَامٌ (لَعَنْتُهُمْ) أَيْ: دَعَوْتُ عَلَيْهِمْ بِالْبُعْدِ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ (وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ): بِالْوَاوِ الْعَاطِفَةِ وَبِدُونِهَا وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَلَمْ يَعْطِفْهُ عَلَى جُمْلَةٍ قَبْلَهُ؛ إِمَّا لِأَنَّهُ دُعَاءٌ وَمَا قَبْلَهُ خَبَرٌ، وَإِمَّا لِكَوْنِهِ عِبَارَةً عَمَّا قَبْلَهُ فِي الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ هِيَ لَعْنَةُ رَسُولِهِ وَبِالْعَكْسِ، وَإِمَّا لِكَوْنِهِ اسْتِئْنَافًا؛ كَأَنَّهُ قِيلَ: فَمَاذَا بَعْدُ؟ فَأُجِيبَ: لَعَنَهُمُ اللَّهُ، وَالثَّانِيَةُ مُنْبِئَةٌ عَنِ الْأَوَّلِ، وَقِيلَ: لِمَاذَا؟ فَبِالْعَكْسِ، وَعَلَى هَذَا قَوْلُهُ: (وَكُلُّ نَبِيٍّ يُجَابُ): مُعْتَرِضٌ بَيْنَ الْبَيَانِ وَالْمُبَيَّنِ؛ يَعْنِي مِنْ شَأْنِ كُلِّ نَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ، وَكُلُّ نَبِيٍّ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ يُجَابُ عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ مِنَ الْمُضَارِعِ؛ أَيْ: يُجَابُ دَعْوَتُهُ، وَهُوَ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ، وَيُرْوَى بِالْمِيمِ أَيْ: مُجَابُ الدَّعْوَةِ، وَالْجُمْلَةُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ إِمَّا ابْتِدَائِيَّةٌ، وَأَمَّا عَطْفٌ عَلَى: سِتَّةٌ لَعَنْتُهُمْ، أَوْ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ لَعَنْتُهُمْ، وَجُمْلَةُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ إِنْشَائِيَّةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الْحَالِ وَصَاحَبِهَا. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: لَا يَصِحُّ عَطْفُ: وَكُلُّ نَبِيٍّ مُجَابٌ عَلَى فَاعِلِ لَعَنْتُهُمْ، وَمُجَابٍ صِفَةٌ، وَصَحَّحَهُ الْأَشْرَفُ لِوُجُودِ الْفَاصِلِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ عَطْفُ الْجُمْلَةِ عَلَى الْمُفْرَدِ؛ يَعْنِي لَا الْعَطْفُ عَلَى الضَّمِيرِ الْمَرْفُوعِ الْمُتَّصِلِ، وَفِيهِ أَنَّ قَوْلَهُ (مُجَابٍ) صِفَةٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُرِيدُ عَطْفَ الْجُمْلَةِ، ثُمَّ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ (مُجَابٍ) صِفَةً لَا خَبَرًا إِذْ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْأَنْبِيَاءِ مُجَابَ الدَّعْوَةِ، وَمِنْهُ فَرَّ التُّورِبِشْتِيُّ، وَأَبْطَلَ رِوَايَةَ الْجَرِّ فِي: مُجَابٍ اهـ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ صِفَةً كَاشِفَةً (الزَّائِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ) أَيِ: الْقُرْآنِ، وَسَائِرِ كُتُبِهِ؛ بِأَنْ يُدْخِلَ فِيهِ مَا لَيْسَ فِيهِ، أَوْ يُؤَوِّلَهُ بِمَا يَأْبَاهُ اللَّفْظُ، وَيُخَالِفَ الْحُكْمَ كَمَا فَعَلَتِ الْيَهُودُ، وَالزِّيَادَةُ فِي كِتَابِ اللَّهِ فِي نَظْمِهِ وَحُكْمِهِ كُفْرٌ، وَتَأْوِيلُهُ بِمَا يُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ بِدْعَةٌ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ أَيِ: الزَّائِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ لَفْظَةٌ لَمْ تَتَوَاتَرْ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - زَاعِمًا قُرْآنِيَّتَهَا لِحَوْمَةِ الْقِرَاءَةِ بِالشَّوَاذِّ، وَإِنْ صَحَّتْ عَنْهُ - ﵊ - لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ فِي حُكْمِ الْخَبَرِ لَا الْقُرْآنِ فَلَا تُذْكَرُ إِلَّا لِبَيَانِ تَفْسِيرٍ، أَوْ زِيَادَةِ حُكْمٍ، فَمَنْ أَتَى بِهَا عَلَى أَنَّهَا قُرْآنٌ مَعَ اعْتِرَافِهِ بِأَنَّ الْقُرْآنَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِالتَّوَاتُرِ كَمَا عَلَيْهِ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ زَادَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَيَشْمَلُهُ اللَّعْنُ لِفِسْقِهِ، بَلْ كُفْرِهِ إِنِ اسْتَبَاحَ مُطْلَقَ الزِّيَادَةِ فِي الْقُرْآنِ، (وَالْمُكَذِّبُ بِقَدَرِ اللَّهِ): تَقَدَّمَ حُكْمُهُ (وَالْمُتَسَلِّطُ بِالْجَبَرُوتِ)؛ أَيِ: الْإِنْسَانُ الْمُسْتَوْلِي الْمُتَقَوِّي الْغَالِبُ، أَوِ الْحَاكِمُ بِالتَّكَبُّرِ وَالْعَظَمَةِ الناشِيءُ عَنِ الشَّوْكَةِ وَالْوِلَايَةِ، وَالْجَبَرُوتُ فَعَلُوتٌ مُبَالَغَةٌ مِنَ الْجَبْرِ وَهُوَ الْقَهْرُ، قِيلَ: وَإِنَّمَا يُطْلَقُ ذَلِكَ فِي صِفَةِ الْإِنْسَانِ عَلَى مَنْ يُجْبِرُ نَقِيصَتَهُ بِادِّعَاءِ مَنْزِلَةً مِنَ التَّعَالِي، وَلَا يَسْتَحِقُّهَا، أَوْ بِتَوْلِيَةِ الْمَنَاصِبِ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا، وَمَنْعِهَا مَنْ يَسْتَحِقُّهَا («لِيُعِزَّ مَنْ أَذَلَّهُ اللَّهُ، وَيُذِلَّ مَنْ أَعَزَّهُ اللَّهُ»)؛ قِيلَ: اللَّامُ فِي لِيُعِزَّ لِلْعَاقِبَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]، وَفِي الْحَدِيثِ: («لِدُوا لِلْمَوْتِ، وَابْنُوا
[ ١ / ١٨٣ ]
لِلْخَرَابِ») . لَا لِلتَّعْلِيلِ إِذْ يَلْزَمُ جَوَازُ التَّسَلُّطِ بِغَيْرِ ذَلِكَ ظَاهِرًا؛ أَيْ: مَنْ أَذَلَّهُ اللَّهُ لِفِسْقِهِ أَوْ لِكُفْرِهِ يَرْفَعُ مَرْتَبَتَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، أَوْ يُحَكِّمُهُ فِيهِمْ، كَمَا فَعَلَ كَثِيرٌ مِنْ حُكَّامِ الْجُورِ بِرَفْعِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَالْفَسَقَةِ عَلَى الْعُدُولِ الْمُبَرَّزِينَ، وَيُذِلُّ مَنْ أَعَزَّهُ اللَّهُ بِأَنْ يُخَفِّضَ مَرَاتِبَ الْعُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاءِ أَوْ نَحْوِهُمْ (وَالْمُسْتَحِلُّ لِحَرَمِ اللَّهِ): بِفَتْحِ الْحَاءِ، وَالرَّاءِ يُرِيدُ حَرَمَ مَكَّةَ؛ بِأَنْ يَفْعَلَ فِيهِ مَا لَا يَحِلُّ فِيهِ مِنَ الِاصْطِيَادِ وَقَطْعِ الشَّجَرِ، وَدُخُولِهِ بِلَا إِحْرَامٍ، كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ. وَضَمُّ الْحَاءِ عَلَى أَنَّهُ جَمْعُ حُرْمَةٍ تَصْحِيفٌ كَذَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، وَنَقَلَ مِيرَكُ شَاهْ عَنِ التَّخْرِيجِ أَنَّهُ بِضَمِّ الْحَاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ بِفَتْحِهِمَا، وَمَا قَدَّمْنَا أَعَمُّ إِلَّا أَنْ تَكُونَ الرِّوَايَةُ كَمَا قَالَ، وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ اهـ.
وَالنُّسْخَتَانِ صَحِيحَتَانِ، لَكِنْ يُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى قَوْلَهُ: وَالْمُسْتَحِلُّ مِنْ عِتْرَتِي مَا حَرَّمَ اللَّهُ) أَيْ: مِنْ إِيذَائِهِمْ، وَتَرْكِ تَعْظِيمِهِمْ، وَالْعِتْرَةُ: الْأَقَارِبُ الْقَرِيبَةُ، وَهُمْ أَوْلَادُ فَاطِمَةَ وَذَرَارِيُّهُمْ، وَتَخْصِيصُ ذِكْرِ الْحَرَمِ وَالْعِتْرَةِ وَكُلِّ مُسْتَحِلِّ مُحَرَّمٍ مَلْعُونٌ لِشَرَفِهِمَا، وَإِنَّ أَحَدَهُمَا مَنْسُوبٌ إِلَى اللَّهِ، وَالْآخَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، فَعَلَى هَذَا مِنْ: فِي (مِنْ عِتْرَتِي ابْتِدَائِيَّةٌ) . قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ بَيَانِيَّةً؛ بِأَنْ يَكُونَ الْمُسْتَحِلُّ مِنْ عِتْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَفِيهِ تَعْظِيمُ الْجُرْمِ الصَّادِرِ عَنْهُمْ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهُوَ بِضَمِّ الْحَاءِ، وَهَذَا كَافِرٌ إِذْ يَدْخُلُ تَحْتَ عُمُومِهِ مَنِ اسْتَبَاحَ مُحَرَّمًا بِالْإِجْمَاعِ مَعْلُومًا مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ كَفَرَ، بَلْ قَالَ كَثِيرُونَ: لَا يُشْتَرَطُ عِلْمُهُ ضَرُورَةً (وَالتَّارِكُ لِسُنَّتِي) أَيِ: الْمُعْرِضُ عَنْهَا بِالْكُلِّيَّةِ، أَوْ بَعْضِهَا اسْتِخْفَافًا وَقِلَّةَ مُبَالَاةٍ كَافِرٌ وَمَلْعُونٌ، وَتَارِكُهَا تَهَاوُنًا، وَتَكَاسُلًا لَا عَنِ اسْتِخْفَافٍ عَاصٍ، وَاللَّعْنَةُ عَلَيْهِ مِنْ بَابِ التَّغْلِيظِ؛ (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَدْخَلِ): بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَالْخَاءِ (وَرَزِينٌ) أَوْ: وَرَوَاهُ رَزِينٌ (فِي كِتَابِهِ) . أَيِ: الَّذِي جَمَعَ فِيهِ بَيْنَ الصِّحَاحِ، لَكِنَّهُ لَمْ يُوَفِّ بِذَلِكَ فَقَدْ ذَكَرَ فِيهِ حَتَّى الْمَوْضُوعَ كَخَبَرِ الصَّلَاةِ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَالرَّغَائِبِ كَذَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَفِي " الْجَامِعِ الصَّغِيرِ " رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ عَنْ عَائِشَةَ، وَالْحَاكِمُ عَنْ عَلِيٍّ.
[ ١ / ١٨٤ ]
١١٠ - وَعَنْ مَطَرِ بْنِ عُكَامِسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: («إِذَا قَضَى اللَّهُ لِعَبْدٍ أَنْ يَمُوتَ بِأَرْضٍ جَعَلَ لَهُ إِلَيْهَا حَاجَةً») . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ مَطَرِ بْنِ عُكَامِسٍ) ﵁ بِضَمِّ الْعَيْنِ، وَكَسْرِ الْمِيمِ السُّلَمِيِّ، عِدَادُهُ فِي الْكُوفِيِّينَ، لَهُ حَدِيثٌ وَاحِدٌ، وَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - (إِذَا قَضَى اللَّهُ) أَيْ: أَرَادَ، أَوْ قَدَّرَ، أَوْ حَكَمَ (لِعَبْدٍ أَنْ يَمُوتَ بِأَرْضٍ): وَهُوَ فِي غَيْرِهَا (جَعَلَ) أَيْ: أَظْهَرَ اللَّهُ (لَهُ إِلَيْهَا حَاجَةً) أَيْ: فَيَأْتِيهَا، وَيَمُوتُ فِيهَا إِشَارَةً إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤] (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ): وَقَالَ: غَرِيبٌ لَا يُعْرَفُ لِمَطَرٍ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَقَالَ: صَحِيحٌ. وَفِي " الْجَامِعِ الصَّغِيرِ ": («إِذَا أَرَادَ اللَّهُ قَبْضَ عَبْدٍ بِأَرْضٍ جَعَلَ لَهُ بِهَا حَاجَةً») . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ أَبِي عَزَّةَ بِفَتْحِ الْمُهْمِلَةِ، وَتَشْدِيدِ الزَّايِ.
[ ١ / ١٨٤ ]
١١١ - «وَعَنْ عَائِشَةَ، ﵂، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ذَرَارِيُّ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: (مِنْ آبَائِهِمْ) . فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِلَا عَمَلٍ؟ قَالَ: (اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ) . قُلْتُ: فَذَرَارِيُّ الْمُشْرِكِينَ؟ قَالَ: (مِنْ آبَائِهِمْ) قُلْتُ بِلَا عَمَلٍ؟ قَالَ: (اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ) .» رَوَاهُ دَاوُدُ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَائِشَةَ): ﵂ («قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَرَارِيُّ الْمُؤْمِنِينَ»؟) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: مَا حُكْمُ ذَرَارِيِّهِمْ أَهُمْ فِي الْجَنَّةِ أَمِ النَّارِ؟ (قَالَ: مِنْ آبَائِهِمْ؟) مِنْ اتِّصَالِيَّةٌ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧] وَقَوْلُهُ - ﷺ - " «مَا أَنَا مِنْ دَدٍ، وَلَا الدَّدُ مِنِّي» " أَيِ: اللَّهْوُ وَاللَّعِبُ، فَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ مُتَّصِلُونَ بِآبَائِهِمْ، وَقِيلَ: مِنْ تَبْعِيضِيَّةٌ، وَالْمَعْنَى هُمْ بَعْضُ آبَائِهِمْ فَلَهُمْ حُكْمُهُمْ أَيْ: يَعْلَمُ حُكْمَهُمْ مِنْ حُكْمِ آبَائِهِمْ؛ يَعْنِي إِنْ كَانَ آبَاؤُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَهُمْ كَذَلِكَ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ أَيْ: مَعْدُودُونَ مِنْ جُمْلَتِهِمْ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ يَحْكُمُ بِالْإِسْلَامِ لِإِسْلَامِ أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ، وَيَأْمُرُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ، وَبِمُرَاعَاةِ أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَذَلِكَ يَحْكُمُ عَلَى ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكِينَ بِالِاسْتِرْقَاقِ، وَبِمُرَاعَاةِ أَحْكَامِهِمْ فِيهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ، وَبِانْتِفَاءِ التَّوَارُثِ بَيْنَهُمْ، وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَهُمْ مُلْحَقُونَ فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ بِآبَائِهِمْ. (فَقُلْتُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ بِلَا عَمَلٍ؟) هَذَا وَارِدٌ مِنْهَا عَلَى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ، إِذْ لَا مُوجِبَ لِلثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَالْمَعْنَى أَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِلَا عَمَلٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] (قَالَ - ﷺ - (اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ) أَيْ: لَوْ بَلَغُوا رَدًّا لِتَعَجُّبِهَا، وَإِشَارَةً إِلَى الْقَدَرِ، وَلِهَذَا أَوْرَدَ الْحَدِيثَ فِي بَابِ الْقَدَرِ (قُلْتُ: فَذَرَارِيُّ الْمُشْرِكِينَ؟) أَيْ: فَمَا حُكْمُهُمْ؟ (قَالَ مِنْ آبَائِهِمْ) أَيْ: يَعْلَمُ مِنْ حُكْمِ آبَائِهِمْ، أَوْ مَعْنَاهُ أَتْبَاعٌ لِآبَائِهِمْ (قُلْتُ: بِلَا عَمَلٍ؟ قَالَ: (اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ) . قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: يَعْنِي أَنَّهُمْ تَبَعٌ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَأَمَّا الْآخِرَةُ فَمَوْكُولٌ أَمْرُهُمْ إِلَى عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِهِمْ. قَالَ الْقَاضِي: الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ لَيْسَا بِالْأَعْمَالِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ ذَرَارِيُّ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، بَلِ الْمُوجِبُ اللُّطْفُ الْإِلَهِيُّ، وَالْخِذْلَانُ الْمُقَدَّرُ لَهُمْ فِي الْأَزَلِ، فَالْوَاجِبُ فِيهِمُ التَّوَقُّفُ، وَعَدَمُ الْجَزْمِ؛ فَإِنَّ أَعْمَالَهُمْ مَوْكُولَةٌ إِلَى عِلْمِ اللَّهِ فِيمَا يَعُودُ إِلَى أَمْرِ الْآخِرَةِ، وَالْأَعْمَالُ دَلَائِلُ السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنَ انْتِفَاءِ الدَّلِيلِ انْتِفَاءُ الْمَدْلُولِ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمِ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هُمْ تَبَعٌ لِآبَائِهِمْ فِي النَّارِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَوَقَّفَ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِأَشْيَاءَ مِنْهَا: حَدِيثُ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ ﵊ حِينَ رَآهُ النَّبِيُّ - ﷺ -، وَحَوْلَهُ أَوْلَادُ النَّاسِ قَالُوا: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ؟ قَالَ: (وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ)» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وَلَا تَكْلِيفَ عَلَى الْمَوْلُودِ حَتَّى يَلْزَمَ الْحُجَّةَ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالْحَقُّ مَذْهَبُ التَّوَقُّفِ لِمَا وَرَدَ فِي أَوْلَادِ خَدِيجَةَ كَمَا سَيَأْتِي، وَحَدِيثِ «الْوَائِدَةِ وَالْمَوْءُودَةِ فِي النَّارِ»، مُخَالِفٌ لِحَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ - ﵊ -، فَالْوَجْهُ أَنْ يُبْنَى الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂، وَقَوْلُهَا: عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ فِي شَأْنِ وَلَدٍ مِنْ أَوْلَادِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُ - ﵊ - أَنْكَرَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْجَزْمَ بِذَلِكَ جَزْمٌ بِأَنَّ الْأَبَوَيْنِ، أَوْ أَحَدَهُمَا فِي الْجَنَّةِ، فَعَلَى هَذَا أَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَانُوا بَيْنَ يَدَيْ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ - ﵊ - هُمُ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا حِينَئِذٍ، ثُمَّ فِي الْمَآلِ آمَنُوا، وَأَمَّا أَوْلَادُ خَدِيجَةَ وَالْمَوْءُودَةِ فَهُمُ الَّذِينَ مَاتَ آبَاؤُهُمْ عَلَى الْكُفْرِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾ [الإسراء: ١٥] فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالْعَذَابِ الِاسْتِئْصَالُ فِي الدُّنْيَا؛ لِأَنَّ حَتَّى تَقْتَضِي ظَاهِرًا أَنْ يَكُونَ الْعَذَابُ فِي الدُّنْيَا، وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَتْبَعَهُ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ [الإسراء: ١٦] لَا يَتِمُّ الِاسْتِدْلَالُ بِالْآيَةِ، وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: وَكَمَا أَنَّ الْبَالِغِينَ
[ ١ / ١٨٥ ]
مِنْهُمْ شَقِيٌّ، وَسَعِيدٌ، فَالْأَطْفَالُ مِنْهُمْ مَنْ سَبَقَ الْقَضَاءَ بِأَنَّهُ سَعِيدٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَهُوَ لَوْ عَاشَ عَمِلَ عَمَلَ أَهْلِهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ سَبَقَ التَّسَلُّمُ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَهُوَ لَوْ عَاشَ عَمِلَ عَمَلَ أَهْلِهَا اهـ.
وَيُؤَيِّدُهُ قَضِيَّةُ الْغُلَامِ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ أَنَّهُ طُبِعَ كَافِرًا، فَهُوَ مِمَّنْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ لَوْ عَاشَ وَبَلَغَ أَشْرَكَ، وَجَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، أَنَّهُمْ يُمْتَحَنُونَ فِي الْآخِرَةِ بِرَمْيِ أَنْفُسِهِمْ فِي النَّارِ فَمَنْ أَطَاعَ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ أَبَى دَخَلَ النَّارَ، وَكَذَا الْمَجَانِينُ وَأَهْلُ الْفَتْرَةِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالْحَقُّ أَيْضًا فِيمَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الْفَتْرَةِ أَنَّهُمْ لَيْسُوا فِي النَّارِ لِتِلْكَ الْآيَةِ. وَأَمَّا الْأَخْبَارُ الدَّالَّةُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ كَخَبَرِ مُسْلِمٍ: («أَبِي وَأَبُوكَ فِي النَّارِ») مُؤَوَّلَةٌ، وَعَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُمْ فِي النَّارِ. اهـ. وَقَدْ أَفْرَدْتُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ رِسَالَةً مُسْتَقِلَّةً. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
[ ١ / ١٨٦ ]
١١٢ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: («الْوَائِدَةُ، وَالْمَوْءُودَةُ فِي النَّارِ») . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ): ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - «الْوَائِدَةُ، وَالْمَوْءُودَةُ فِي النَّارِ»: وَأَدَ بِنْتَهُ يَئِدُهَا وَأْدًا فَهِيَ مَوْءُودَةٌ إِذَا دَفَنَهَا فِي الْقَبْرِ وَهِيَ حَيَّةٌ، وَهَذَا كَانَ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خَوْفًا مِنَ الْفَقْرِ، أَوْ فِرَارًا مِنَ الْعَارِ، وَبَعْضُهُمْ كَانُوا يُخَلُّونَهَا، وَيُرَبُّونَهَا عَلَى طَرِيقِ الذُّلِّ وَالْهَوَانِ. قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ - يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النحل: ٥٨ - ٥٩] اهـ؛ أَيْ: حُكْمُهُمْ بِإِثْبَاتِ الْبَنَاتِ لِلَّهِ بِقَوْلِهِمْ: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ، وَالْحَالُ أَنَّهُمْ يَكْرَهُونَ الْبَنَاتِ. قَالَ الْقَاضِي: كَانَتِ الْعَرَبُ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ يَدْفِنُونَ الْبَنَاتِ حَيَّةً، فَالْوَائِدَةُ فِي النَّارِ لِكُفْرِهَا وَفِعْلِهَا، وَالْمَوْءُودَةُ فِيهَا لِكُفْرِهَا. وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى تَعْذِيبِ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ، وَقَدْ تُؤَوَّلُ الْوَائِدَةُ بِالْقَابِلَةِ لِرِضَاهَا بِهِ، وَالْمَوْءُودَةُ بِالْمَوْءُودَةِ لَهَا، وَهِيَ أُمُّ الطِّفْلِ، فَحُذِفَتِ الصِّلَةُ إِذْ كَانَ مِنْ دَيْدَنِهِمْ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا أَخَذَهَا الطَّلْقُ حَفَرُوا لَهَا حُفْرَةً عَمِيقَةً فَجَلَسَتِ الْمَرْأَةُ عَلَيْهَا، وَالْقَابِلَةُ وَرَاءَهَا تَرْقُبُ الْوَلَدَ، فَإِنْ وَلَدَتْ ذَكَرًا أَمْسَكَتْهُ، وَإِنْ وَلَدَتْ أُنْثَى أَلْقَتْهَا فِي الْحُفْرَةِ، وَأَهَالَتِ التُّرَابَ عَلَيْهَا، قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: وَإِيرَادُ الْمُصَنِّفِ فِي هَذَا الْبَابِ يَأْبَى عَنْ هَذَا التَّأْوِيلِ تَأَمَّلْ. وَقِيلَ: هَذَا الْحَدِيثُ وَالَّذِي قَبْلَهُ إِنَّمَا أُورِدَا فِي هَذَا الْبَابِ اسْتِدْلَالًا عَلَى إِثْبَاتِ الْقَدَرِ، وَتَعْذِيبِ أَطْفَالِ الْكُفَّارِ، وَمَنْ أَرَادَ تَأْوِيلَهَا بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَجَبَ عَلَيْهِ أَنَّ يُخْرِجَهُمَا مِنْ هَذَا الْبَابِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: إِنْ أُرِيدَ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَا يَعُمُّ أَهْلَ الْفَتْرَةِ كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى مَا نُقِلَ عَنِ الْأَكْثَرِينَ أَنَّهُمْ فِي النَّارِ، أَوْ مَا يَخْتَصُّ بِأَهْلِ الْإِسْلَامِ كَانَ مَحْمُولًا فِي الْمَوْءُودَةِ عَلَى الْبَالِغَةِ اهـ. وَهَذَا بَعِيدٌ جِدًّا فَإِنَّهُ لَا يُعْرَفُ مِنَ الْعَرَبِ مَنْ دَفَنَ وَلَدَهُ حَيًّا بَعْدَ بُلُوغِهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَرَدَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي قِصَّةٍ خَاصَّةٍ، وَهِيَ أَنَّ ابْنَيْ مُلَيْكَةَ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَسَأَلَاهُ عَنْ أُمٍّ لَهُمَا كَانَتْ تَئِدُ فَقَالَ ﵊: الْحَدِيثَ. أَمَّا الْوَائِدَةُ: فَلِأَنَّهَا كَانَتْ كَافِرَةً، وَأَمَّا الْمَوْءُودَةُ فَلِأَنَّهَا وَلَدُ الْكَافِرِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا كَانَتْ بَالِغَةً، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا تَكُونُ غَيْرَ بَالِغَةٍ، وَلَكِنْ عَلِمَ - ﵊ - بِالْمُعْجِزَةِ كَوْنَهَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَقِيلَ: وَرَدَ فِي حَقِّ امْرَأَةٍ أَسْقَطَتْ حَمْلَهَا مِنَ الزِّنَا وَمَاتَا، فَلَا يَتَعَيَّنُ الْقَطْعُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى تَعْذِيبِ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي قَضِيَّةٍ خَاصَّةٍ، فَلَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى الْعُمُومِ مَعَ الِاحْتِمَالِ، فَجَوَابُهُ: أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، نَعَمْ رَوَى الدَّارِمِيُّ فِي " جَامِعِ الصَّحِيحِ " «أَنْ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ، وَعِبَادَةِ أَوْثَانٍ فَكُنَّا نَقْتُلُ الْأَوْلَادَ، وَكَانَتْ عِنْدِي
[ ١ / ١٨٦ ]
ابْنَةٌ لِي، فَلَمَّا أَجَابَتْ، وَكَانَتْ مَسْرُورَةً بِدُعَائِي إِذَا دَعَوْتُهَا يَوْمًا فَاتَّبَعَتْنِي فَمَرَرْتُ حَتَّى أَتَيْنَا بِئْرًا مِنْ أَهْلِي غَيْرَ بَعِيدٍ، فَأَخَذَتُ بِيَدِهَا فَرَدَّيْتُ بِهَا فِي الْبِئْرِ، وَكَانَ آخِرُ عَهْدِي بِهَا أَنْ تَقُولَ: يَا أَبَتَاهُ يَا أَبَتَاهُ، فَبَكَى - ﵊ - حَتَّى وَكَفَ دَمْعُ عَيْنَيْهِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَاءِ النَّبِيِّ - ﷺ -: أَحْزَنْتَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -. فَقَالَ لَهُ: " كُفَّ فَإِنَّهُ يَسْأَلُ عَمَّا أَهَمَّهُ ". ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَعِدْ عَلَيَّ حَدِيثَكَ فَأَعَادَ فَبَكَى حَتَّى وَكَفَ الدَّمْعُ مِنْ عَيْنَيْهِ عَلَى لِحْيَتِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: " إِنَّ اللَّهَ قَدْ وَضَعَ عَنِ الْجَاهِلِيَّةِ مَا عَمِلُوا فَاسْتَأْنِفْ عَمَلَكَ» . قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَظَاهِرُ قَوْلِهِ مَا عَمِلُوا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ أَهْلُ الْفَتْرَةِ، قُلْتُ: لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ وَضَعَ عَنْهُمْ مَا عَمِلُوا إِذَا أَسْلَمُوا، وَلِذَا قَالَ تَسْلِيَةً لَهُ: فَاسْتَأْنِفْ عَمَلَكَ، فَهُوَ كَحَدِيثِ: " «الْإِسْلَامُ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ» ". وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ [المائدة: ٩٥]: رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَسَكَتَ عَلَيْهِ هُوَ، وَالْمُنْذِرِيُّ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الزُّهْرِيِّ غَيْرُ أَبِي مُعَاذٍ، وَهُوَ نَاسِي الْحَدِيثِ؛ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ، كَذَا نَقَلَهُ مِيرَكُ شَاهْ - ﵀ -.
[ ١ / ١٨٧ ]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
١١٣ - عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: («إِنَّ اللَّهَ ﷿ فَرَغَ إِلَى كُلِّ عَبْدٍ مِنْ خَلْقِهِ مِنْ خَمْسٍ: مِنْ أَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَمَضْجَعِهِ، وَأَثَرِهِ، وَرِزْقِهِ») رَوَاهُ أَحْمَدُ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّالِثُ
(٢) (عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ) ﵁، هُوَ عُوَيْمِرُ بْنُ عَامِرٍ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ، اشْتَهَرَ بِكُنْيَتِهِ، وَالدَّرْدَاءُ ابْنَتُهُ، تَأَخَّرَ إِسْلَامُهُ قَلِيلًا فَكَانَ آخِرَ أَهْلِ دَارِهِ إِسْلَامًا، وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَكَانَ فَقِيهًا عَالِمًا حَكِيمًا، سَكَنَ الشَّامَ، وَمَاتَ بِدِمَشْقَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: («إِنَّ اللَّهَ ﷿ فَرَغَ إِلَى كُلِّ عَبْدٍ»): فَرَغَ: يُسْتَعْمَلُ بِاللَّامِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ﴾ [الرحمن: ٣١] وَاسْتِعْمَالُهُ بِإِلَى هُنَا لِتَضْمِينِ مَعْنَى الِانْتِهَاءِ، أَوْ يَكُونُ حَالًا بِتَقْدِيرِ مُنْتَهِيًا، وَالْمَعْنَى انْتَهَى تَقْدِيرُهُ فِي الْأَزَلِ مِنْ تِلْكَ الْأُمُورِ الْخَمْسَةِ إِلَى تَدْبِيرِ هَذَا الْعَبْدِ بِإِبْدَائِهَا كَمَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ: شُئُونٌ يُبْدِيهَا لَا يَبْتَدِئُ بِهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِلَى بِمَعْنَى اللَّامِ، يُقَالُ: هَدَاهُ إِلَى كَذَا، وَلِكَذَا، وَقَوْلُهُ (مِنْ خَلْقِهِ): صِلَةُ فَرَغَ؛ أَيْ: مِنْ خِلْقَتِهِ، وَمَا يَخْتَصُّ بِهِ، وَمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ مِنَ الْأَجَلِ وَالْعَمَلِ وَغَيْرِهِمَا، وَقَوْلُهُ (مِنْ خَمْسٍ): عَطَفٌ عَلَيْهِ، وَلَعَلَّ سُقُوطَ الْوَاوِ مِنَ الْكَاتِبِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ بَدَلٌ مِنْهُ بِإِعَادَةِ الْجَارِّ، وَالْوَجْهُ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أَنَّ الْخَلْقَ بِمَعْنَى الْمَخْلُوقُ، وَمِنْ: فِيهِ بَيَانِيَّةٌ أَوْ تَبْعِيضِيَّةٌ، وَمِنْ فِي خَمْسٍ مُتَعَلِّقٌ بِفَرَغَ؛ أَيْ: فَرَغَ إِلَى كُلِّ عَبْدٍ كَائِنٍ مِنْ مَخْلُوقِهِ مِنْ خَمْسٍ (مِنْ أَجَلِهِ): بِفَتْحَتَيْنِ، مِنْ: بَيَانِيَّةٌ لِلْخَمْسِ، أَوْ بَدَلٌ بِإِعَادَةِ الْجَارِّ، وَالْمُرَادُ بِالْأَجَلِ مُدَّةُ عُمُرِهِ، (وَعَمَلِهِ): خَيْرِهِ، وَشَرِّهِ، (وَمَضْجَعِهِ): بِفَتْحِ الْجِيمِ؛ أَيْ: سُكُونِهِ، وَقَرَارِهِ، (وَأَثَرِهِ): بِحَرَكَتَيْنِ؛ أَيْ: حَرَكَتِهِ، وَاضْطِرَارِهِ، (وَرِزْقِهِ): حَلَالِهِ، وَحَرَامِهِ، وَكَثِيرِهِ، وَقَلِيلِهِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِأَثَرِهِ: مَشْيُهُ فِي الْأَرْضِ. قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: وَجَمَعَ بَيْنَ مَضْجَعِهِ، وَأَثَرِهِ، وَأَرَادَ سُكُونَهُ وَحَرَكَتَهُ لِيَشْمَلَ جَمِيعَ أَحْوَالِهِ مِنَ الْحَرَكَاتِ، وَالسَّكَنَاتِ، وَقَالَ نَجْلُهُ السَّعِيدُ: الْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ مِنْ مَضْجَعِهِ مَحَلُّ قَبْرِهِ، وَأَنَّهُ بِأَيِّ أَرْضٍ يَمُوتُ، وَمِنْ أَثَرِهِ مَا يَحْصُلُ لَهُ مِنَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
[ ١ / ١٨٧ ]
١١٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ، ﵂، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: («مَنْ تَكَلَّمَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْقَدَرِ سُئِلَ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ لَمْ يُسْأَلْ عَنْهُ») رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «مَنْ تَكَلَّمَ فِي شَيْءٍ») أَيْ: وَإِنْ قَلَّ، (مِنَ الْقَدَرِ): أَعَمُّ مِنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، وَالْحَقِّ وَالْبَاطِلِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا أَبْلَغُ مِنْ أَنْ يُقَالَ فِي الْقَدَرِ لِإِفَادَةِ الْمُبَالَغَةِ فِي الْقَدَرِ وَالنَّهْيِ عَنْهُ اهـ. وَالظَّاهِرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ النَّهْيُ عَنِ التَّكَلُّمِ بِالْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِمَسْأَلَةِ الْقَدَرِ بَعْدَ الْإِيمَانِ بِإِثْبَاتِهِ؛ لِأَنَّ انْتِهَاءَهَا عِنْدَ أَرْبَابِ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣] (يُسْأَلُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)؛ أَيْ: كَسَائِرِ الْأَقْوَالِ، وَالْأَفْعَالِ، وَجُوزِيَ كُلُّ مَا يَسْتَحِقُّهُ، وَلَعَلَّهَا إِشَارَةٌ إِلَى تَخْصِيصِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] («وَمَنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ لَمْ يُسْأَلْ عَنْهُ»): لِأَنَّ الْخَلْقَ مُكَلَّفُونَ بِالْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ بِمُقْتَضَى الْأَدِلَّةِ النَّقْلِيَّةِ، غَيْرُ مَأْمُورِينَ بِتَحْقِيقِهِ بِمُوجِبِ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ، فَالشَّخْصُ إِذَا آمَنَ بِالْقَدَرِ، وَلَمْ يَبْحَثْ عَنْهُ لَا يَرِدُ عَلَيْهِ سُؤَالُ الِاعْتِرَاضِ بِعَدَمِ التَّفَحُّصِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ، وَلِذَا قَالَ - ﷺ - فِيمَا تَقَدَّمَ عَلَى طَرِيقِ الْإِنْكَارِ: بِهَذَا أُمِرْتُمْ؛ أَيْ: بِالتَّنَازُعِ فِي الْبَحْثِ بِالْقَدَرِ، وَقَالَ أَيْضًا: «إِذَا ذُكِرَ الْقَدَرُ فَأَمْسِكُوا» . وَاللَّهُ أَعْلَمُ؛ (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .
[ ١ / ١٨٨ ]
١١٥ - «وَعَنِ ابْنِ الدَّيْلَمِيِّ، قَالَ: أَتَيْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ وَقَعَ فِي نَفْسِي شَيْءٌ مِنَ الْقَدَرِ، فَحَدِّثْنِي لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُذْهِبَهُ مِنْ قَلْبِي. فَقَالَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ ﷿ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وأَهْلَ أَرْضِهِ؟ عَذَّبَهُمْ، وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ كَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ، وَلَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا قَبِلَهُ اللَّهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ، وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَأَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ. وَلَوْ مُتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا لَدَخَلْتَ النَّارَ. قَالَ: ثُمَّ أَتَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ. قَالَ ثُمَّ أَتَيْتُ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ. ثُمَّ أَتَيْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَحَدَّثَنِي عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - مِثْلَ ذَلِكَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ الدَّيْلَمِيِّ، ﵁): هُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، وَقِيلَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَقِيلَ: أَبُو الضَّحَّاكِ فَيْرُوزُ الدَّيْلَمِيُّ، وَيُقَالُ لَهُ الْحِمْيَرِيُّ؛ لِنُزُولِهِ فِي حِمْيَرَ، وَهُوَ مِنْ أَبْنَاءِ الْفُرْسِ الَّذِينَ بَعَثَهُمْ كِسْرَى إِلَى الْيَمَنِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ: وَمِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ مَنْ يَقُولُ: فَيْرُوزُ بْنُ الدَّيْلَمِيِّ، وَهُوَ وَاحِدٌ. وَفِدَ فَيْرُوزُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَهُوَ قَاتِلُ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ الْكَذَّابِ الْمُدَّعِي لِلنُّبُوَّةِ، قَتَلَهُ فِي آخِرِ حَيَاةِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَوَصَلَ خَبَرُ قَتْلِهِ إِيَّاهُ إِلَيْهِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ فَقَالَ - ﵊ -: «قَتَلَهُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَيْرُوزُ، فَازَ فَيْرُوزُ، فَازَ فَيْرُوزُ»، وَيُقَالُ: إِنَّ فَيْرُوزَ ابْنَ أُخْتِ النَّجَاشِيِّ، رَوَى عَنِ ابْنِ الضَّحَّاكِ، وَعَبْدِ اللَّهِ، وَغَيْرِهِمَا، تُوُفِّيَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ، وَقِيلَ: فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ بَعْدَ الْخَمْسِينَ كَذَا فِي " تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ ". قَالَ مِيرَكُ شَاهْ: هَذَا كَلَامٌ صَحِيحٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنَ ابْنِ الدَّيْلَمِيِّ فِي هَذَا الْمَحَلِّ هُوَ فَيْرُوزُ الدَّيْلَمِيُّ، بَلِ الْمُرَادُ ابْنُ الضَّحَّاكِ بْنِ فَيْرُوزَ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ مَقْبُولٌ مِنْ أَوْسَاطِ التَّابِعِينَ، وَأَبُوهُ مَعْدُودٌ فِي الصَّحَابَةِ، وَلَهُ أَحَادِيثُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ فَيْرُوزَ أَخَا الضَّحَّاكِ، وَهُوَ ثِقَةٌ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَهُ فِي الصَّحَابَةِ، وَهَذَا الِاحْتِمَالُ عِنْدِي أَظْهَرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ اهـ. وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي أَسْمَاءِ الرِّجَالِ لِلْمِشْكَاةِ ابْنَ الدَّيْلَمِيِّ هُوَ: الضَّحَّاكُ بْنُ فَيْرُوزَ؛ تَابِعِيٌّ حَدِيثُهُ فِي الْمِصْرِيِّينَ، رَوَى عَنْ أَبِيهِ، وَالدَّيْلَمِيُّ بِفَتْحِ الدَّالِ مَنْسُوبٌ إِلَى الدَّيْلَمَ، هُوَ الْجَبَلُ الْمَعْرُوفُ بَيْنَ النَّاسِ، وَفَيْرُوزُ بِفَتْحِ الْفَاءِ، وَسُكُونِ الْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ، وَضَمِّ الرَّاءِ، وَبِالزَّايِ: (قَالَ: أَتَيْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ): أَقْرَأَ الصَّحَابَةِ ﵃. قَالَ الْمُصَنِّفُ: هُوَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ الْأَكْبَرُ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ، كَانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - الْوَحْيَ، وَهُوَ أَحَدُ السِّتَّةِ الَّذِينَ حَفِظُوا الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، كَنَّاهُ النَّبِيُّ - ﷺ - أَبَا الْمُنْذِرِ، وَعُمَرُ أَبَا الطُّفَيْلِ، وَسَمَّاهُ النَّبِيُّ - ﷺ - سَيِّدَ الْأَنْصَارِ، وَعُمَرُ سَيِّدَ الْمُسْلِمِينَ، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ تِسْعَةَ عَشَرَ، رَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ. (فَقُلْتُ لَهُ): بِحُكْمِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] (وَقَدْ وَقَعَ فِي نَفْسِي شَيْءٌ مِنَ الْقَدَرِ) أَيْ: حَزَازَةٌ، وَاضْطِرَابٌ عَظِيمٌ مِنْ جِهَةِ أَمْرِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ بِاعْتِبَارِ الْعَقْلِ لَا بِمُوجِبِ النَّقْلِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ؛ أَيْ: مِنْ بَعْضِ شُبَهِ الْقَدَرِ الَّتِي رُبَّمَا تُؤَدِّي إِلَى الشَّكِّ فِيهِ كَاعْتِقَادِ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَخْلُقُ فِعْلَ نَفْسِهِ كَمَا قَالَتْهُ الْمُعْتَزِلَةُ، أَوْ أَنَّهُ مَجْبُورٌ عَلَى الْفِعْلِ كَمَا قَالَتْهُ الْجَبْرِيَّةُ فَكَيْفَ يُعَذَّبُ، وَأَنَا أُرِيدُ الْخَلَاصَ مِنْهُ أَيْ: مِنْ
[ ١ / ١٨٨ ]
هَذَا الْمَبْحَثِ. (فَحَدِّثْنِي) أَيْ: بِحَدِيثٍ (لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُذْهِبَهُ مِنْ قَلْبِي.) أَيْ: رَجَاءَ أَنْ يُزِيلَ ذَلِكَ مِنِّي، وَقَالَ أَوَّلًا فِي نَفْسِي، وَثَانِيًا مِنْ قَلْبِي إِشْعَارًا بِأَنَّ ذَلِكَ تَمَكَّنَ مِنْهُ، وَأَخَذَ بِمَجَامِعِهِ مِنْ ذَاتِهِ، وَقَلْبِهِ كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْحَزَازَةَ تَنْشَأُ مِنَ الْخَطَرَاتِ النَّفْسِيَّةِ، وَالثَّبَاتُ وَالِاطْمِئْنَانُ مِنَ الصِّفَاتِ الْقَلْبِيَّةِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: أَنْ يُذْهِبَهُ: خَبَرُ لَعَلَّ أَعْطَاهُ حُكْمَ عَسَى فِي دُخُولِ أَنَّ فِي خَبَرِهِ، (فَقَالَ) أَيْ: أُبَيٌّ ﵁ مُتَحَرِّيًا غَايَةَ الْبَيَانِ الشَّافِي، وَغَايَةَ الْإِرْشَادِ الْوَافِي (لَوْ) أَيْ: فُرِضَ (أَنَّ اللَّهَ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ) مِنَ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ (وَأَهْلَ أَرْضِهِ): مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ (عَذَّبَهُمْ): وَفِيهِ إِشْكَالٌ، وَدَفَعَهُ أَنَّ الشَّرْطِيَّةَ غَيْرُ لَازِمَةِ الْوُقُوعِ (وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ): الْوَاوُ لِلْحَالِ لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ فِي مِلْكِهِ، وَمُلْكِهِ فَعَذَابُهُ عَدْلٌ، وَثَوَابُهُ فَضْلٌ. قِيلَ فِيهِ إِرْشَادٌ عَظِيمٌ، وَبَيَانٌ شَافٍ لِإِزَالَةِ مَا طُلِبَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَهْدِمُ مِنْهُ قَاعِدَةَ الْحُسْنِ، وَالْقُبْحِ الْعَقْلِيِّينَ لِأَنَّهُ مَالِكُ الْجَمِيعِ، فَلَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ كَيْفَ شَاءَ، وَلَا ظُلْمَ أَصْلًا (وَلَوْ رَحِمَهُمْ كَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ) أَيِ: الصَّالِحَةِ؛ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ رَحْمَتَهُ لَيْسَتْ بِسَبَبٍ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَإِيجَابِهَا إِيَّاهَا إِذْ هِيَ لَا تُوجِبُهَا عَلَيْهِ، كَيْفَ وَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ رَحْمَتِهِ بِهِمْ، فَرَحْمَتُهُ إِيَّاهُمْ مَحْضُ فَضْلٍ مِنْهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ، فَلَوْ رَحِمَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ فَلَهُ ذَلِكَ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْ حِكْمَةِ غَايَتِهِ أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ الْمُطِيعِينَ لَهُمُ الثَّوَابُ، وَأَنَّ الْعَاصِينَ لَهُمُ الْعِقَابُ كَمَا هُوَ مُثْبَتٌ فِي أُمِّ الْكِتَابِ، فَالْأَمْرُ الْمُقَدَّرُ لَا يَتَبَدَّلُ، وَلَا يَتَغَيَّرُ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ فِي الْجَوَابِ (وَلَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ): بِضَمَّتَيْنِ جَبَلٌ عَظِيمٌ قَرِيبُ الْمَدِينَةِ الْمُعَظَّمَةِ (ذَهَبًا) تَمْيِيزٌ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أَيْ: مَرْضَاتِهِ، وَطَرِيقِ خَيْرَاتِهِ (مَا قَبِلَهَا اللَّهُ) أَيْ: ذَلِكَ الْإِنْفَاقَ، أَوْ مِثْلَ ذَلِكَ الْجَبَلِ (مِنْكَ): وَهُوَ تَمْثِيلٌ عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِ لَا تَحْدِيدٍ؛ إِذْ لَوْ فُرِضَ إِنْفَاقُ مِلْءِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كَانَ كَذَلِكَ (حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ) أَيْ: بِأَنَّ جَمِيعَ الْأُمُورِ الْكَائِنَةِ خَيْرِهَا، وَشَرِّهَا، وَحُلْوِهَا، وَمُرِّهَا، وَنَفْعِهَا، وَضَرِّهَا، وَقَلِيلِهَا، وَكَثِيرِهَا، وَكَبِيرِهَا، وَصَغِيرِهَا، بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، وَإِرَادَتِهِ وَأَمْرِهِ وَأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا لَهُمْ إِلَّا مُجَرَّدُ الْكَسْبِ، وَمُبَاشَرَةُ الْفِعْلِ، وَالْمُرَادُ هَنَا كَمَالُ الْإِيمَانِ، وَسَلْبُ الْقَبُولِ مَعَ فَقْدِهِ يُؤْذِنُ بِأَنَّ الْمُبْتَدِعَةَ لَا تُقْبَلُ لَهُمْ أَعْمَالٌ أَيْ: لَا يُثَابُونَ عَلَيْهَا مَا دَامُوا عَلَى بِدْعَتِهِمْ، وَيُؤَيِّدُهُ خَبَرُ: أَبَى اللَّهُ أَنْ يَقْبَلَ عَمَلَ صَاحِبِ بِدْعَةٍ حَتَّى يَتُوبَ مِنْ بِدْعَتِهِ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ أَهْلَ الْبِدْعَةِ لَيْسُوا مِنَ الْمُتَّقِينَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] وَأَنَّهُ لَا يُحِبُّهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ. (وَتَعْلَمَ): تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ (أَنَّ مَا أَصَابَكَ): مِنَ النِّعْمَةِ، وَالْبَلِيَّةِ، أَوِ الطَّاعَةِ، وَالْمَعْصِيَةِ مِمَّا قَدَّرَهُ اللَّهُ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ (لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ) أَيْ: يُجَاوِزَكَ (وأَنَّ مَا أَخْطَأَكَ): مِنَ الْخَيْرِ، وَالشَّرِّ (لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ): وَهَذَا وُضِعَ مَوْضِعِ الْمُحَالِ كَأَنَّهُ قِيلَ: مُحَالٌ أَنْ يُخْطِئَكَ، وَفِيهِ ثَلَاثُ مُبَالَغَاتٍ: دُخُولُ أَنَّ، وَلُحُوقُ اللَّامِ الْمُؤَكِّدَةِ لِلنَّفْيِ، وَتَسْلِيطُ النَّفْيِ عَلَى الْكَيْنُونَةِ، وَسِرَايَتُهُ فِي الْخَبَرِ، وَهُوَ مَضْمُونُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١]، وَفِيهِ حَثٌّ عَلَى التَّوَكُّلِ وَالرِّضَا، وَنَفْيِ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ، وَمُلَازَمَةِ الْقَنَاعَةِ، وَالصَّبْرِ عَلَى الْمَصَائِبِ (وَلَوْ مُتَّ): بِضَمِّ الْمِيمِ مَنْ مَاتَ يَمُوتُ، وَبِكَسْرِهَا مَنْ مَاتَ يُمِيتُ، (عَلَى غَيْرِ هَذَا) أَيْ: عَلَى اعْتِقَادِ غَيْرِ هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُ لَكَ مِنَ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ (لَدَخَلْتَ النَّارَ): يَحْتَمِلُ الْوَعِيدَ، وَيَحْتَمِلُ التَّهْدِيدَ، (قَالَ) أَيِ: ابْنُ الدَّيْلَمِيِّ (ثُمَّ أَتَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ): صَاحِبَ السِّجَّادَةِ، وَالْمِخَدَّةِ، وَالنَّعْلَيْنِ، وَالْمِطْهَرَةِ - ﵁ - (فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ) أَيْ: مِثْلَ جَوَابِ أُبَيٍّ فِي سُؤَالِي (قَالَ: ثُمَّ أَتَيْتُ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ): مَرَّ ذِكْرُهُ، وَهُوَ صَاحِبُ سِرِّ النَّبِيِّ صَلِيَ اللَّه
[ ١ / ١٨٩ ]
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبُوهُ اسْمُهُ حُسَيْلٌ بِالتَّصْغِيرِ، وَالْيَمَانُ لَقَبٌ لَهُ، وَقُتِلَ بِأُحُدٍ شَهِيدًا - ﵄ - (فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ): فَالْحَدِيثُ مِنْ طُرُقِهِمْ صَارَ موْقُوفًا (ثُمَّ أَتَيْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ): أَفْضَلَ كَتَبَةِ الْوَحْيِ، وَأَفْرَضَ الصَّحَابَةِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: هُوَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ، كَاتِبُ النَّبِيِّ - ﷺ -، كَانَ لَهُ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ - ﷺ - الْمَدِينَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانَ أَحَدَ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ الْأَجِلَّةِ الْقَائِمَ بِالْفَرَائِضِ، وَهُوَ أَحَدُ مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ، وَكَتَبَهُ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَنَقَلَهُ مِنَ الْمُصْحَفِ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ، رَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ، وَلَهُ سِتٌّ وَخَمْسُونَ سَنَةً. (فَحَدَّثَنِي عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - مِثْلَ ذَلِكَ.) فَصَارَ الْحَدِيثُ مِنْ طَرِيقِهِ مَرْفُوعًا. قَالَ الطِّيبِيُّ: فِي سُؤَالِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، وَاتِّفَاقِهِمْ فِي الْجَوَابِ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ، ثُمَّ انْتِهَاءِ الْجَوَابِ إِلَى حَدِيثِ النَّبِيِّ - ﷺ - دَلِيلٌ عَلَى الْإِجْمَاعِ الْمُسْتَنِدِ إِلَى النَّصِّ الْجَلِيِّ، فَمَنْ خَالَفَ ذَلِكَ فَقَدْ كَابَرَ الْحَقَّ الصَّرِيحَ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) .
[ ١ / ١٩٠ ]
١١٦ - وَعَنْ نَافِعٍ، «أَنَّ رَجُلًا أَتَى ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ: إِنَّ فُلَانًا يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ، فَقَالَ: إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ، فَإِنْ كَانَ قَدْ أَحْدَثَ فَلَا تُقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: (يَكُونُ فِي أُمَّتِي -، أَوْ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ - خَسْفٌ، أَوْ مَسْخٌ، أَوْ قَذْفٌ فِي أَهْلِ الْقَدَرِ)» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ نَافِعٍ) أَيِ: ابْنُ سَرْجِسَ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ كَانَ دَيْلَمِيًّا، وَهُوَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ وَأَبَا سَعِيدٍ، رَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْهُمِ: الزُّهْرِيُّ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَهُوَ مِنَ الْمَشْهُورِينَ بِالْحَدِيثِ، وَمِنَ الثِّقَاتِ الَّذِينَ يُؤْخَذُ عَنْهُمْ، وَيُجْمَعُ حَدِيثُهُمْ، وَيُعْمَلُ بِهِ، مُعْظَمُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ دَائِرٌ عَلَيْهِ. قَالَ مَالِكُ: كُنْتُ إِذَا سَمِعْتُ حَدِيثَ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ لَا أُبَالِي أَنْ لَا أَسْمَعُهُ مِنْ غَيْرِهِ، مَاتَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ، وسَرْجِسُ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ الْأُولَى، وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَكَسْرِ الْجِيمِ. (أَنَّ رَجُلًا أَتَى ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ) أَيِ: الرَّجُلُ، (إِنَّ فُلَانًا يَقْرَأُ): وَفِي نُسْخَةٍ يُقْرِئُ (عَلَيْكَ السَّلَامَ): فِي " الْقَامُوسِ " قَرَأَ ﵇ أَبْلَغَهُ كَأَقْرَأَهُ، أَوْ لَا يُقَالُ أَقْرَأَهُ إِلَّا إِذَا كَانَ السَّلَامُ مَكْتُوبًا (فَقَالَ) أَيِ: ابْنُ عُمَرَ (إِنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنُ، وَتَفْسِيرُهُ الْخَبَرُ، وَهُوَ قَوْلُهُ (بَلَغَنِي أَنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ) أَيِ: ابْتَدَعَ فِي الدِّينِ مَا لَيْسَ مِنْهُ مِنَ التَّكْذِيبِ بِالْقَدَرِ (فَإِنْ كَانَ قَدْ أَحْدَثَ) أَيْ: مَا ذُكِرَ (فَلَا تُقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ): كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ قَبُولِ سَلَامِهِ كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مُرَادَهُ أَنْ لَا تُبَلِّغَهُ مِنِّي السَّلَامَ، أَوْ رَدَّهُ فَإِنَّهُ بِبِدْعَتِهِ لَا يَسْتَحِقُّ جَوَابَ السَّلَامِ، وَلَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لَا تُقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ لِأَنَّا أُمِرْنَا بِمُهَاجَرَةِ أَهْلِ الْبِدَعِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْعُلَمَاءُ: لَا يَجِبُ رَدُّ سَلَامِ الْفَاسِقِ وَالْمُبْتَدِعِ، بَلْ لَا يُسَنُّ زَجْرًا لَهُمَا، وَمِنْ ثَمَّ جَازَ هَجْرُهُمْ لِذَلِكَ (فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: (يَكُونُ فِي أُمَّتِي -، أَوْ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ -) يُحْتَمَلُ الدَّعْوَةُ وَالْإِجَابَةُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَأَوْ لِلشَّكِّ، (خَسْفٌ): فِي الْأَرْضِ (وَمَسْخٌ): وَفِي نُسْخَةٍ: أَوْ مَسْخٌ أَيْ: تَغْيِيرٌ فِي الصُّورَةِ (أَوْ قَذْفٌ) أَيْ: رَمْيٌ بِالْحِجَارَةِ كَقَوْمِ لُوطٍ. قَالَ مِيرَكُ شَاهْ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: يُحْتَمَلُ التَّنْوِيعُ أَيْضًا اهـ. وَهَذَا صَحِيحٌ إِنْ لَمْ يَكُنْ عُطِفَ: (مَسْخٌ)، عَلَى: (خَسْفٌ) بِالْوَاوِ، تَأَمَّلْ، (فِي أَهْلِ الْقَدَرِ): بَدَلُ بَعْضٍ مِنْ قَوْلِهِ فِي أُمَّتِي بِإِعَادَةِ الْجَارِّ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ): اعْلَمْ أَنَّ الْغَرَابَةَ قَدْ تَكُونُ فِي الْحَدِيثِ الْحَسَنِ، أَوِ الصَّحِيحِ، وَلَكِنْ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْحُسْنِ، وَالصِّحَّةِ إِشْكَالٌ؛ إِذِ الْحُسْنُ
[ ١ / ١٩٠ ]
قَاصِرٌ عَلَى الصَّحِيحِ، فَقِيلَ: يُرِيدُ التِّرْمِذِيُّ بِهِ أَنَّهُ رُوِيَ بِإِسْنَادَيْنِ. أَحَدُهُمَا يَقْتَضِي الصِّحَّةَ. وَالْآخَرُ الْحُسْنَ، أَوْ مُرَادٌ بِالْحُسْنِ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ، وَهُوَ مَا تَمِيلُ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَتَسْتَحْسِنُهُ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُنَافِي الصَّحِيحَ فَانْدَفَعَ التَّنَاقُضُ، وَقَدْ يُقَالُ الْمُرَادُ أَنَّهُ حَسَنٌ لِذَاتِهِ صَحِيحٌ لِغَيْرِهِ، فَإِنَّ الْحَسَنَ إِذَا رُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ تَرَقَّى مِنَ الْحَسَنِ إِلَى الصَّحِيحِ لِقُوَّتِهِ مِنَ الْجِهَتَيْنِ، فَيَعْتَضِدُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ.
[ ١ / ١٩١ ]
١١٧ - وَعَنْ عَلِيِّ ﵁، قَالَ: «سَأَلَتْ خَدِيجَةُ النَّبِيَّ - ﷺ - عَنْ وَلَدَيْنِ مَاتَا لَهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (هُمَا فِي النَّارِ) . فَلَمَّا رَأَى الْكَرَاهَةَ فِي وَجْهِهَا قَالَ: (لَوْ رَأَيْتِ مَكَانَهُمَا لَأَبْغَضْتِهِمَا) . قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَوَلَدِي مِنْكَ؟ قَالَ: (فِي الْجَنَّةِ) . ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ وَأَوْلَادَهُمْ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ وَأَوْلَادَهُمْ فِي النَّارِ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: وَالَّذِينَ آمَنُوا، وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ)»
رَوَاهُ أَحْمَدُ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَلِيٍّ): ﵁ (قَالَ: سَأَلَتْ خَدِيجَةُ النَّبِيَّ - ﷺ - عَنْ وَلَدَيْنِ مَاتَا لَهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ) أَيْ: عَنْ شَأْنِهِمَا، وَأَنَّهُمَا فِي الْجَنَّةِ، أَوِ النَّارِ؟ وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: هِيَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ الْقُرَشِيَّةُ، كَانَتْ تَحْتَ بَنِي هَالَةَ بْنَ زُرَارَةَ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا عَتِيقُ بْن عَائِد، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا النَّبِيُّ - ﷺ -، وَلَهَا يَوْمئِذٌ مِنَ الْعُمْرِ أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَلَمْ يَنْكِحِ النَّبِيُّ - ﷺ - قَبْلَهَا امْرَأَةً، وَلَا نَكَحَ عَلَيْهَا حَتَّى مَاتَتْ، وَهِيَ أَوَّلُ مَنْ آمَنَ مِنْ كَافَّةِ النَّاسِ مَنْ ذَكَرِهِمْ، وَأُنْثَاهُمْ، وَجَمِيعُ أَوْلَادِهِ مِنْهَا غَيْرَ إِبْرَاهِيمَ فَإِنَّهُ مِنْ مَارِيَةَ، وَمَاتَتْ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِخَمْسِ سِنِينَ، وَقِيلَ: بِأَرْبَعِ سِنِينَ، وَقِيلَ: بِثَلَاثٍ، وَكَانَ قَدْ مَضَى مِنَ النُّبُوَّةِ عَشْرُ سِنِينَ، وَكَانَ لَهَا مِنَ الْعُمْرِ خَمْسٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، وَكَانَتْ مُدَّةُ مَقَامِهَا مَعَ الرَّسُولِ - ﷺ - خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَدُفِنَتْ فِي الْحَجُونِ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (هُمَا فِي النَّارِ قَالَ) أَيْ: عَلِيٌّ (فَلَمَّا رَأَى) أَيِ: النَّبِيُّ - ﷺ - (الْكَرَاهَةَ) أَيْ: أَثَرَهَا مِنَ الْكَآبَةِ وَالْحُزْنِ (فِي وَجْهِهَا قَالَ) أَيْ: تَسْلِيَةً لَهَا (لَوْ رَأَيْتِ مَكَانَهُمَا): وَهُوَ جَهَنَّمُ (لَأَبْغَضْتِهِمَا): وَفِي نُسْخَةٍ: لَأَبْغَضْتِيهِمَا بِإِشْبَاعِ الْكَسْرَةِ يَاءً؛ أَيْ: لَوْ أَبْصَرْتِ مَنْزِلَتَهُمَا فِي الْحَقَارَةِ وَالْبُعْدِ عَنْ نَظَرِ اللَّهِ تَعَالَى لَرَأَيْتِ الْكَرَاهَةَ، وَأَبْغَضْتِهِمَا، أَوْ لَوْ عَلِمْتِ مَكَانَهُمَا أَيْ: مَنْزِلَتَهُمَا، وَبُغْضِ اللَّهِ إِيَّاهُمَا لَأَبْغَضْتِهِمَا، وَتَبَرَّأَتِ مِنْهُمَا تَبَرُّؤَ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ حَيْثُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ عَدُوُّ اللَّهِ، (قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَوَلَدِي مِنْكَ؟ قَالَ: (فِي الْجَنَّةِ): وَالْمُرَادُ بِأَوْلَادِهَا مِنْهُ - ﷺ -: الْقَاسِمُ، وَعَبْدُ اللَّهِ، وَقِيلَ: الطَّيِّبُ، وَالطَّاهِرُ أَيْضًا، وَقِيلَ هُمَا لَقَبَانِ لِعَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: («إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ وَأَوْلَادَهُمْ فِي الْجَنَّةِ»): وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ يُعْتَدُّ بِهِ («وَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ، وَأَوْلَادَهُمْ فِي النَّارِ»)، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾ [الطور: ٢١]: وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: ذُرِّيَّاتُهُمْ، وَهُمَا قِرَاءَتَانِ مُتَوَاتِرَتَانِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْأَوْلَادَ تَابِعَةٌ لِآبَائِهِمْ لَا لِأُمَّهَاتِهِمْ، وَلِذَلِكَ اسْتَشْهَدَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١] وَأَمَّا طَرِيقُ الِاسْتِشْهَادِ لِإِلْحَاقِ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ بِالْآبَاءِ فَأَنْ يُقَالَ: لَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا الْإِلْحَاقَ لِكَرَامَةِ آبَائِهِمْ وَمَزِيدِ سُرُورِهِمْ وَغِبْطَتِهِمْ فِي الْجَنَّةِ، وَإِلَّا فَيُنَغَّصُ عَلَيْهِمْ كُلُّ نَعِيمٍ، وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ: وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي مَحَلٍّ نَصْبٍ عَلَى تَقْدِيرِ: وَأَكْرَمْنَا الَّذِينَ آمَنُوا أَلْحَقْنَا بِهِمْ عَلَى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ. الْكَشَّافُ: الَّذِينَ آمَنُوا: مُبْتَدَأٌ، وَبِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ خَبَرُهُ، وَالَّذِي بَيْنَهُمَا اعْتِرَاضٌ، وَالتَّنْكِيرُ فِي إِيمَانٍ لِلتَّعْظِيمِ، وَالْمَعْنَى بِسَبَبِ إِيمَانٍ عَظِيمٍ رَفِيعِ الْمَحَلِّ، وَهُوَ إِيمَانُ الْآبَاءِ أَلْحَقْنَا بِدَرَجَاتِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ، وَإِنْ كَانُوا لَا يسْتَأْهِلُونَهَا تَفَضُّلًا عَلَيْهِمْ وَعَلَى آبَائِهِمْ لِيَتِمَّ سُرُورُهُمْ، وَلِيَكْمُلَ نَعِيمُهُمْ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَفْقُودٌ فِي الْكُفَّارِ اهـ.
[ ١ / ١٩١ ]
قُلْتُ: بَلْ كَوْنُ أَوْلَادِهِمْ مُعَذَّبِينَ مَعَهُمْ سَبَبٌ لِزِيَادَةِ عَذَابِهِمْ، وَشِدَّةِ عِقَابِهِمْ، ثُمَّ مَا ذَكَرَهُ الشُّرَّاحُ مِنْ تَفْسِيرِ الْآيَةِ لَيْسَ صَرِيحًا فِي الْمُدَّعَى مِنَ الْحَدِيثِ، أَوْ أَوْلَادُ الْمُؤْمِنِينَ الصِّغَارُ تَبَعٌ لِآبَائِهِمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ، أَوْ فِي رَفْعِ الدَّرَجَةِ، وَإِنَّمَا يُسْتَفَادُ مِنْ تَفْسِيرِ الْبَغَوِيِّ حَيْثُ قَالَ: اخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ فَقَالَ قَوْمٌ: مَعْنَاهَا ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾ [الطور: ٢١] يَعْنِي: أَوْلَادَهُمُ الصِّغَارَ وَالْكِبَارَ، فَالْكِبَارُ بِإِيمَانِهِمْ بِأَنْفُسِهِمْ، وَالصِّغَارُ بِإِيمَانِ آبَائِهِمْ، فَإِنَّ الْوَلَدَ الصَّغِيرَ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِأَحَدِ الْأَبَوَيْنِ. أَلْحَقَنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْجَنَّةِ بِدَرَجَاتِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغُوا بِأَعْمَالِهِمْ دَرَجَاتِ آبَائِهِمْ تَكْرِمَةً لِآبَائِهِمْ لِتَقَرَّ بِذَلِكَ أَعْيُنُهُمْ، وَهِيَ رِوَايَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ [الطور: ٢١] الْبَالِغُونَ ﴿بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١] الصِّغَارَ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْإِيمَانَ بِإِيمَانِ آبَائِهِمْ، وَهُوَ قَوْلُ الضَّحَّاكِ، وَرِوَايَةُ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْبَرَ اللَّهُ ﷿ أَنَّهُ يَجْمَعُ لِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ ذُرِّيَّتَهُ فِي الْجَنَّةِ كَمَا كَانَ يُحِبُّ فِي الدُّنْيَا أَنْ يَجْتَمِعُوا إِلَيْهِ يُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِهِ، وَيُلْحِقُهُمْ بِدَرَجَتِهِ بِعَمَلِ أَبِيهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ الْآبَاءُ مِنْ أَعْمَالِهِمْ شَيْئًا فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ﴾ [الطور: ٢١] أَيْ: مَا نَقَصْنَاهُمْ يَعْنِي الْآبَاءَ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ، وَفِي الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: " «إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ ذُرِّيَّةَ الْمُؤْمِنِ فِي دَرَجَتِهِ، وَإِنْ كَانُوا دُونَهُ فِي الْعَمَلِ لِتَقَرَّ بِهِ عَيْنُهُ. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ [الطور: ٢١]» الْآيَةَ اهـ.
وَظَاهِرُ الْآيَةِ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا أَعَمُّ مِنَ الْآبَاءِ، وَالْأُمَّهَاتِ، وَلَعَلَّ أَوْلَادَ خَدِيجَةَ فِي النَّارِ لِأَنَّهَا حَالَ مَوْتِهِمْ لَمْ تَكُنْ مُؤْمِنَةً، فَلَا يُنَافِي قَوْلَ الْعُلَمَاءِ الْوَلَدُ الصَّغِيرُ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِأَحَدِ الْأَبَوَيْنِ، وَحِينَئِذٍ لَيْسَ كَلَامُ الطِّيبِيِّ عَلَى صَرَافَتِهِ فَتَدَبَّرْ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
[ ١ / ١٩٢ ]
١١٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَسَقَطَ عَنْ ظَهْرِهِ كُلُّ نَسَمَةٍ هُوَ خَالِقُهَا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَجَعَلَ بَيْنَ عَيْنَيْ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ وَبِيصًا مِنْ نُورٍ، ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى آدَمَ، فَقَالَ أَيْ رَبِّ! مَنْ هَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ ذُرِّيَّتُكَ. فَرَأَى رَجُلًا مِنْهُمْ فَأَعْجَبَهُ، وَبِيصُ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ، قَالَ: أَيْ رَبِّ! مَنْ هَذَا؟ قَالَ: دَاوُدُ. فَقَالَ: رَبِّ! كَمْ جَعَلْتَ عُمُرَهُ؟ قَالَ: سِتِّينَ سَنَةً. قَالَ: رَبِّ زِدْهُ مِنْ عُمُرِي أَرْبَعِينَ سَنَةً) . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (فَلَمَّا انْقَضَى عُمْرُ آدَمَ إِلَّا أَرْبَعِينَ جَاءَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ، فَقَالَ آدَمُ): أَوَلَمْ يَبْقَ مِنْ عُمُرِي أَرْبَعُونَ سَنَةً؟ قَالَ: أَوَلَمْ تُعْطِهَا ابْنَكَ دَاوُدَ؟ ! فَجَحَدَ آدَمُ، فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتُهُ، وَنَسِيَ آدَمُ فَأَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ، فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ، وَخَطَأَ وَخَطَأَتْ ذُرِّيَّتُهُ)» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ): ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: («لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مَسَحَ ظَهْرَهُ»): تَقَدَّمَ (فَسَقَطَ) أَيْ: خَرَجَ (مِنْ ظَهْرِهِ): وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: عَنْ ظَهْرِهِ أَيْ: بِوَاسِطَةٍ وَغَيْرِهَا (كُلُّ نَسَمَةٍ) أَيْ: ذِي رُوحٍ، وَقِيلَ: كُلُّ ذِي نَفْسٍ مَأْخُوذَةٌ مِنَ النَّسِيمِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِي " الْقَامُوسِ " النَّسَمُ مُحَرَّكَةٌ؛ نَفْسُ الرُّوحِ كَالنَّسَمَةِ مُحَرَّكَةٌ، وَنَفْسُ الرِّيحِ إِذْ كَانَ ضَعِيفًا كَالنَّسِيمِ (هُوَ خَالِقُهَا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ): الْجُمْلَةُ صِفَةُ نَسَمَةٍ ذَكَرَهَا لِيَتَعَلَّقَ بِهَا قَوْلُهُ (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ): وَمِنْ بَيَانِيَّةٌ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلَى أَنَّ إِخْرَاجَ الذُّرِّيَّةِ كَانَ حَقِيقِيًّا («وَجَعَلَ بَيْنَ عَيْنَيْ كُلِّ إِنْسَانٍ»)، أَيْ: مِنْهُمْ عَلَى نُسْخَةٍ، وَالْأَصَحُّ بَيْنَ عَيْنَيْ ثَانِي مَفْعُولَيْ جَعَلَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى خَلَقَ فَيَكُونُ ظَرْفًا لَهُ (وَبِيصًا) أَيْ: بَرِيقًا وَلَمَعَانًا (مِنْ نُورٍ): وَفِي ذِكْرِهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ، وَفِي قَوْلِهِ: (بَيْنَ عَيْنَيْ كُلِّ إِنْسَانٍ) إِيذَانٌ بِأَنَّ الذُّرِّيَّةَ كَانَتْ عَلَى صُورَةِ الْإِنْسَانِ عَلَى مِقْدَارِ الذَّرِّ، («ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى آدَمَ، فَقَالَ أَيْ رَبِّ، مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ») تَعَالَى: هُمْ («ذُرِّيَّتُكَ. فَرَأَى رَجُلًا مِنْهُمْ فَأَعْجَبَهُ وَبِيصُ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ، قَالَ»): بِغَيْرِ الْفَاءِ (أَيْ رَبِّ! مَنْ هَذَا؟ قَالَ): تَعَالَى (هُوَ دَاوُدُ): قِيلَ: تَخْصِيصُ التَّعَجُّبِ مِنْ وَبِيصِ دَاوُدَ إِظْهَارٌ
[ ١ / ١٩٢ ]
لِكَرَامَتِهِ، وَمَدْحٌ لَهُ، فَلَا يَلْزَمُ تَفْضِيلُهُ عَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ؛ لِأَنَّ الْمَفْضُولَ قَدْ يَكُونُ لَهُ مَزِيَّةٌ، بَلْ مَزَايَا لَيْسَتْ فِي الْفَاضِلِ، وَلَعَلَّ وَجْهَ الْمُلَاءَمَةِ بَيْنَهُمَا اشْتِرَاكُ نِسْبَةِ الْخِلَافَةِ (فَقَالَ: رَبِّ): وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ أَيْ رَبِّ (كَمْ جَعَلْتَ عُمُرَهُ؟): بِضَمِّ الْعَيْنِ، وَالْمِيمِ، وَقَدْ تُسَكَّنُ، وَكَمْ مَفْعُولٌ لِمَا بَعْدَهُ، وَقُدِّمَ لِمَا لَهُ الصَّدْرُ أَيْ: كَمْ سَنَةً جَعَلْتَ عُمُرَهُ (قَالَ: سِتِّينَ سَنَةً. قَالَ: رَبِّ زِدْهُ مِنْ عُمُرِي) أَيْ: مِنْ جُمْلَةِ الْأَلْفِ، وَمِنْ عُمُرِي صِفَةُ أَرْبَعِينَ قُدِّمَتْ فَعَادَتْ حَالًا، وَقَوْلُهُ: (أَرْبَعِينَ سَنَةً) مَفْعُولٌ ثَانٍ لِقَوْلِهِ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: زَادَ يُسْتَعْمَلُ لَازِمًا كَقَوْلِهِ: زَادَ الْمَاءُ، وَيُسْتَعْمَلُ مُتَعَدِّيًا إِلَى مَفْعُولَيْنِ كَقَوْلِهِ: زِدْتُهُ دِرْهَمًا، وَعَلَى هَذَا جَاءَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا) كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ مُتَعَدِّيًا لِوَاحِدٍ كَزَادَ الْمَالُ دِرْهَمًا. قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: وَفِيهِ أَنَّ الْأَمْثِلَةَ لَيْسَتْ نَصًّا فِي التَّعْدِيَةِ إِلَى مَفْعُولَيْنِ لِاحْتِمَالِ التَّمْيِيزِ تَأَمَّلْ. (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: («فَلَمَّا انْقَضَى عُمُرُ آدَمَ إِلَّا أَرْبَعِينَ») أَيْ: سَنَةً كَمَا فِي نُسْخَةٍ («جَاءَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ، فَقَالَ آدَمُ: أَوْلَمَ يَبْقَ»): بِفَتْحِ الْيَاءِ، وَالْقَافِ (مِنْ عُمُرِي أَرْبَعُونَ سَنَةً؟ !): بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِيِّ الْمُنْصَبِّ عَلَى نَفْيِ الْبَقَاءِ فَيُفِيدُ إِثْبَاتَهُ، وَقُدِّمَتْ عَلَى الْوَاوِ لِصَدَارَتِهَا، وَالْوَاوُ اسْتِئْنَافِيَّةٌ لِمُجَرَّدِ الرَّبْطِ بَيْنَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا. فَإِنْ قُلْتَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ انْقَضَى عُمُرُهُ إِلَّا أَرْبَعِينَ، وَبَيْنَ بَقِيَ مِنْ عُمُرِ آدَمَ أَرْبَعُونَ؟ قُلْتُ: فِي الِاسْتِثْنَاءِ تَوْكِيدٌ لَيْسَ فِي غَيْرِهِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، قُلْتُ: لِأَنَّ غَيْرَهُ يَحْتَمِلُ الْأَكْثَرَ، وَهُوَ نَصٌّ فِي بَقَاءِ الْأَرْبَعِينَ كُلِّهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] مَعَ زِيَادَةِ الْإِفَادَةِ فِي الْآيَةِ مِنَ الْأَقْرَبِيَّةِ إِلَى الضَّبْطِ وَالدَّلَالَةِ عَلَى الْعَدَدِ الْمَشْهُورِ فِي الْكَثْرَةِ، وَالْإِشَارَةِ إِلَى جَوَازِ إِلْغَاءِ الْكَسْرِ كَمَا هُوَ جَارٍ عَلَى أَلْسِنَةِ الْعَامَّةِ (قَالَ: أَوَلَمْ تُعْطِهَا) أَيْ: أَتَقُولُ ذَلِكَ، وَلَمْ تُعْطِهَا أَيِ: الْأَرْبَعِينَ (ابْنَكَ): مَفْعُولٌ ثَانٍ (دَاوُدَ؟ !)، بَدَلٌ، أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ (فَجَحَدَ آدَمُ) أَيْ: ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ فِي عَالَمِ الذَّرِّ فَلَمْ يَسْتَحْضِرْهُ حَالَةَ مَجِيءِ مَلَكِ الْمَوْتِ لَهُ قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ.
(فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتُهُ): لِأَنَّ الْوَلَدَ سِرُّ أَبِيهِ (وَنَسِيَ آدَمُ): إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْجَحْدَ كَانَ نِسْيَانًا أَيْضًا إِذْ لَا يَجُوزُ جَحْدُهُ عِنَادًا (وَأَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ) قِيلَ: نَسِيَ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ جِنْسِ الشَّجَرَةِ، أَوِ الشَّجَرَةِ بِعَيْنِهَا فَأَكَلَ مِنْ غَيْرِ الْمُعَيَّنَةِ، وَكَانَ النَّهْيُ عَنِ الْجِنْسِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ): وَلِذَا قِيلَ: أَوَّلُ النَّاسِ أَوَّلُ النَّاسِي (وَخَطَأَ): بِفَتْحِ الطَّاءِ أَيْ: فِي اجْتِهَادٍ مِنْ جِهَةِ التَّعْيِينِ، وَالتَّخْصِيصِ، (وَخَطَأَتْ ذُرِّيَّتُهُ): وَالْأَظْهَرُ أَنَّ خَطَأَ بِمَعْنَى عَصَى؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ﴾ [طه: ١٢١] وَلِقَوْلِهِ - ﵊ -: " «كُلُّكُمْ خَطَّاءُونَ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» ". قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا نَقَلَهُ الشَّيْخَانِ: «يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ وَيَشِبُّ فِيهِ اثْنَانِ: الْحِرْصُ عَلَى الْمَالِ، وَالْحِرْصُ عَلَى الْعُمُرِ، وَابْنُ آدَمَ وَارِدٌ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِطْرَادِ، وَابْنُ آدَمَ مَجْبُولٌ مَنْ أَصْلِ خِلْقَتِهِ عَلَى الْجَحْدِ وَالنِّسْيَانِ، وَالْخَطَأِ إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ» . (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
[ ١ / ١٩٣ ]
١١٩ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: («خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ حِينَ خَلَقَهُ، فَضَرَبَ كَتِفَهُ الْيُمْنَى، فَأَخْرَجَ ذُرِّيَّةً بَيْضَاءَ كَأَنَّهُمُ الذَّرُّ، وَضَرَبَ كَتِفَهُ الْيُسْرَى فَأَخْرَجَ ذُرِّيَّةً سَوْدَاءَ كَأَنَّهُمُ الْحُمَمُ، فَقَالَ لِلَّذِي فِي يَمِينِهِ: إِلَى الْجَنَّةِ، وَلَا أُبَالِي، وَقَالَ لِلَّذِي فِي كَتِفهِ الْيُسْرَى: إِلَى النَّارِ، وَلَا أُبَالِي») . رَوَاهُ أَحْمَدُ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءَ): ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: («خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ حِينَ خَلَقَهُ») قَالَ الطِّيبِيُّ: ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ (فَضَرَبَ): وَلَا يَمْنَعُ الْفَاءَ مِنَ الْعَمَلِ؛ لِأَنَّهُ ظَرْفٌ عَلَى أَنَّ الْفَاءَ السَّبَبِيَّةَ أَيْضًا غَيْرُ مَانِعَةٍ لِعَمَلِ مَا بَعْدَهَا فِيمَا قَبْلَهَا، فَإِنَّ ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش: ١] مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: (فَلْيَعْبُدُوا) عَلَى تَقْدِيرِ الشَّرْطِ؛ أَيْ: إِمَّا لَا فَلْيَعْبُدُوهُ كَذَا فِي " الْكَشَّافِ ". تَقُولُ الْعَرَبُ: إِمَّا لَا أَيْ: إِنْ كُنْتَ لَا تَفْعَلُ غَيْرَهُ فَافْعَلْ هَذَا. قَالَ الْقَاضِي أَيْ: إِنْ لَمْ يَعْبُدُوهُ لِسَائِرِ نِعَمِهِ فَلْيَعْبُدُوهُ لِأَجْلِ إِيلَافِهِمْ. وَقَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا؛ لِقَوْلِهِ: خَلَقَ اللَّهُ، وَالْمَقْصُودُ الْإِشَارَةُ إِلَى عَدَمِ الْعِلْمِ بِزَمَانِ خَلْقِهِ، تَأَمَّلْ. اهـ. وَقِيلَ: تَقْدِيمُ الظَّرْفِ مَعَ وُجُودِ التَّعْقِيبِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الْإِخْرَاجَ لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ خَلْقِهِ - ﵊ -، وَفِيهِ نَصٌّ؛ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ حَاصِلَةٌ، وَإِنْ تَأَخَّرَ الظَّرْفُ، بِقَوْلِهِ: فَضَرَبَ؛ قِيلَ أَمَرَ بِالضَّرْبِ فَضَرَبَ الْمَلَكُ (كَتِفَهُ الْيُمْنَى): بِفَتْحِ الْكَافِ، وَكَسْرِ التَّاءِ كَذَا مَضْبُوطٌ فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ. وَفِي الْقَامُوسِ: كَتِفٌ كَفَرِحٌ وَمَثِلٌ وَجَبِلٌ، (فَأَخْرَجَ ذُرِّيَّةً بَيْضَاءَ) أَيْ: نُورَانِيَّةٌ (كَأَنَّهُمُ الذَّرُّ): فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ فَالتَّشْبِيهُ فِي الْهَيْئَةِ، وَقِيلَ: أَيِ: الْأَبْيَضُ بِدَلِيلِ مُقَابَلَةِ الْآتِي، وَفِي بَعْضِهَا بِضَمِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، فَالتَّشْبِيهُ بِاعْتِبَارِ اللَّوْنِ وَالصَّفَاءِ، وَلَا يُنَافِي هَذَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ بَيْنَ عَيْنَيْ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ وَبِيصًا حَتَّى يَحْتَاجَ إِلَى أَنْ يُحْتَمَلَ عَلَى تَكْرَارِ الْإِخْرَاجِ عَلَى صِفَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ كَمَا صَنَعَهُ ابْنُ حَجَرٍ. (وَضَرَبَ كَتِفَهُ الْيُسْرَى فَأَخْرَجَ ذُرِّيَّةً سَوْدَاءَ) أَيْ: ظَلْمَانِيَّةٌ (كَأَنَّهُمُ الْحُمَمُ): بِضَمِّ الْحَاءِ، جَمْعُ حُمَمَةٍ، يُقَالُ: حَمِمْتُ الْجَمْرَةُ كَفَرِحْتُ، تَحَمُّ بِالْفَتْحِ إِذَا صَارَتْ فَحْمًا (فَقَالَ لِلَّذِي فِي يَمِينِهِ) أَيْ: فِي جِهَةِ يَمِينِ آدَمَ مِنْ ذُرِّيَّةِ الْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ إِخْرَاجِهِمْ مِنْ كَتِفِهِ الْيُمْنَى، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ أَيْ: لِلَّذِي فِي كَتِفِ الْيَمِينِ بِدَلِيلِ فِي كَتِفِهِ الْيُسْرَى الْآتِي فَيَكُونُ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ اهـ. وَالْمَعْنَى يَعْنِي قَالَ تَعَالَى لِآدَمَ لِأَجْلِ الَّذِي فِي يَمِينِهِ، وَعَنْ قَبْلِهِمْ، وَفِي حَقِّهِمْ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١]، وَالَّذِي صِفَةٌ لِفَرِيقٍ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [التوبة: ٦٩]: (إِلَى الْجَنَّةِ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: هَؤُلَاءِ أُوصِلُهُمْ، أَوْ أُصَيِّرُهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ لِلْمُشَافَهَةِ، وَالتَّقْدِيرُ: أَنْتُمْ أُوصِلُكُمْ، أَوْ أُصَيِّرُكُمْ إِلَى الْجَنَّةِ، وَقَوْلُهُ (وَلَا أُبَالِي): حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمُسْتَكِنِّ، وَالْخَبَرِ؛ أَيْ: وَالْحَالُ أَنِّي لَا أُبَالِي بِأَحَدٍ، كَيْفَ وَأَنَا الْفَعَّالُ لِمَا أُرِيدُ، وَالْخَلْقُ كُلُّهُمْ لِي عَبِيدٌ، وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِهِ " وَإِنْ، «رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرٍّ» " فَإِنَّهُ تَعَالَى عَلِمَ أَنَّ بَعْضَ الْمُبْتَدِعَةِ يَقُولُ بِخِلَافِهِ فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِنَفْسِهِ مُبَالَغَةً فِي تَحْقِيرِهِمْ، وَتَسْفِيهِ عُقُولِهِمْ، وَأَنَّهُمْ كَالْهَبَاءِ الَّذِي لَا يُبَالِي أَحَدٌ بِهِ، وَإِنْ فَعَلَ مَا فَعَلَ. («وَقَالَ لِلَّذِي فِي كَفِّهِ الْيُسْرَى»): بِفَتْحِ الْكَافِ، وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ كَذَا فِي أَصْلِ
[ ١ / ١٩٤ ]
السَّيِّدِ جَمَالِ الدِّينِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَيْ: فِي يَدِهِ، وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِلْمَعْنَى الْمُقَابَلِ بِقَوْلِهِ: فِي يَمِينِهِ، وَفِي أَكْثَرِ النُّسَخِ كَتِفِهِ الْيُسْرَى، وَلَعَلَّهُ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَذِكْرُ الْيَمِينِ وَالْكَتِفِ لِتَصْوِيرِ الْعَظَمَةِ اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ ضَمِير يَمِينِهِ، وَكَفِّهِ إِلَى آدَمَ، وَالْمُرَادُ جِهَتَاهُ، وَرِوَايَةُ كَتِفِهِ صَرِيحَةٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَالْيُسْرَى أَيْضًا فَإِنَّهَا لَا تُطْلَقُ عَلَى يَدِهِ تَعَالَى، فَإِنَّ كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ عَلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ (إِلَى النَّارِ، وَلَا أُبَالِي): فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى اللَّهِ شَيْءٌ، وَأَنَّ الْأَعْمَالَ أَمَارَاتٌ لَا مُوجِبَاتٌ. فَهُوَ الْمَحْمُودُ فِي كُلِّ أَفْعَالِهِ، خَلَقَ فَرِيقًا لِلْجَنَّةِ بِطَرِيقِ الْفَضْلِ، وَجَعَلَ طَائِفَةً لِلنَّارِ عَلَى سَبِيلِ الْعَدْلِ ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
[ ١ / ١٩٥ ]
١٢٠ - وَعَنْ أَبِي نَضْرَةَ ﵁، «أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - يُقَالُ لَهُ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ - دَخَلَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ يَعُودُونَهُ، وَهُوَ يَبْكِي، فَقَالُوا لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ أَلَمْ يَقُلْ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (خُذْ مِنْ شَارِبِكَ، ثُمَّ أَقِرَّهُ حَتَّى تَلْقَانِي؟) قَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: (إِنَّ اللَّهَ ﷿ قَبَضَ بِيَمِينِهِ قَبْضَةً، وَأُخْرَى بِالْيَدِ الْأُخْرَى، وَقَالَ: هَذِهِ لِهَذِهِ، وَهَذِهِ لِهَذِهِ، وَلَا أُبَالِي)، وَلَا أَدْرِي فِي أَيِّ الْقَبْضَتَيْنِ أَنَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي نَضْرَةَ): هُوَ ابْنُ الْمُنْذِرِ بْنِ مَالِكٍ الْعَبْدِيُّ، عِدَادُهُ فِي تَابِعِي الْبَصْرَةِ، مَاتَ قَبْلَ الْحَسَنِ بِقَلِيلٍ، سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ، وَأَبَا سَعِيدٍ، وَابْنَ عَبَّاسٍ، وَرَوَى عَنْهُ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ. (أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - يُقَالُ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ -): وَجَهَالَةُ الصَّحَابِيِّ لَا تَضُرُّ حَيْثُ كُلُّهُمْ عُدُولٌ (دَخَلَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ) أَيْ: مِنَ الصَّحَابَةِ، أَوِ التَّابِعِينَ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِمَا سَيَأْتِي (يَعُودُونَهُ): مِنَ الْعِيَادَةِ الَّتِي هِيَ أَفْضَلُ مِنَ الْعِبَادَةِ لَفْظًا وَمَعْنًى (وَهُوَ يَبْكِي): الْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ (فَقَالُوا لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟) أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ جَعَلَكَ بَاكِيًا، وَمَا السَّبَبُ، وَالْبَاعِثُ لِبُكَائِكَ (أَلَمْ يَقُلْ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (خُذْ مِنْ شَارِبِكَ) أَيْ: بَعْضَهُ يَعْنِي قُصَّهُ، وَهُوَ مِقْدَارُ مَا يُسَاوِي الشَّفَةَ (ثُمَّ أَقِرَّهُ): بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَكَسْرِ الْقَافِ، وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ: دُمْ عَلَيْهِ (حَتَّى تَلْقَانِي؟)، أَيْ: فِي الْحَوْضِ، أَوْ غَيْرِهِ، وَحَتَّى تَحْتَمِلَ الْغَايَةَ وَالْعِلَّةَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْهَمْزَةُ لِلْإِنْكَارِ دَخَلَتْ عَلَى النَّفْيِ فَأَفَادَتِ التَّقْرِيرَ، وَالتَّعَجُّبَ أَيْ: كَيْفَ تَبْكِي، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - وَعَدَ بِأَنَّكَ تَلْقَاهُ لَا مَحَالَةَ، وَمَنْ لَقِيَهُ رَاضِيًا عَنْهُ مِثْلُكَ لَا خَوْفَ عَلَيْهِ (قَالَ: بَلَى) أَيْ: أَخْبَرَنِي بِذَلِكَ (وَلَكِنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ ﷿ قَبَضَ) أَيْ: بَعْضَ الذُّرِّيَّةِ بِيَمِينِهِ قَبْضَةً؟) أَيْ: وَاحِدَةً (وَأُخْرَى) أَيْ: وَقَبَضَ قَبْضَةً أُخْرَى لِبَعْضِ الذُّرِّيَّةِ الْأُخْرَى (بِالْيَدِ الْأُخْرَى): لَمْ يَقُلْ بِيَسَارِهِ أَدَبًا، وَلِذَا وَرَدَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: (وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ) . وَفِي هَذَا تَصْوِيرٌ لِجَلَالِ اللَّهِ، وَعَظَمَتِهِ لِتَعَالِيهِ عَنِ الْجِسْمِ، وَلَوَازِمِهِ (وَقَالَ: هَذِهِ) أَيِ: الْقَبْضَةُ الَّتِي قَبَضَهَا بِالْيَمِينِ يَعْنِي مَنْ فِيهَا، أَوْ هَذِهِ الْمَقْبُوضَةُ (لِهَذِهِ) أَيْ: لِلْجَنَّةِ (وَهَذِهِ) أَيِ: الْقَبْضَةُ الَّتِي قَبَضَهَا بِالْأُخْرَى (لِهَذِهِ) أَيْ: لِلنَّارِ (وَلَا أُبَالِي) أَيْ: فِي الْحَالَتَيْنِ (وَلَا أَدْرِي) أَيْ: وَلَا أَعْلَمُ (فِي): وَفِي نُسْخَةٍ: مِنْ (أَيِّ الْقَبْضَتَيْنِ أَنَا)، وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنِّي أَخَافُ مِنْ عَدَمِ الِاحْتِفَالِ وَالِاكْتِرَاثِ فِي قَوْلِهِ: وَلَا أُبَالِي. كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ يَعْنِي غَلَبَ عَلَيَّ الْخَوْفُ بِالنَّظَرِ إِلَى عَظَمَتِهِ وَجَلَالِهِ بِحَيْثُ مَنَعَنِي عَنِ التَّأَمُّلِ فِي رَحْمَتِهِ وَجَمَالِهِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى لِذَاتِهِ وَعَدَمِ مُبَالَاتِهِ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا يُرِيدُ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِلْعَبِيدِ، وَأَيْضًا لِغَلَبَةِ الْخَوْفِ قَدْ يَنْسَى الْبِشَارَةَ وَالرَّجَاءَ بِهَا مَعَ أَنَّ الْبِشَارَةَ مُقَيَّدَةٌ بِالثَّبَاتِ وَالدَّوَامِ وَالْإِقَامَةِ عَلَى طَرِيقِ السُّنَةِ وَالِاسْتِقَامَةِ، وَهُوَ أَمْرٌ دَقِيقٌ، وَبِالْخَوْفِ حَقِيقٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ قَصَّ الشارِبِ مِنَ السُّنَنِ الْمُتَأَكِّدَةِ، وَالْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهِ مُوَصِّلَةٌ إِلَى قُرْبِ دَارِ النَّعِيمِ فِي جِوَارِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، فَيُعْلَمُ أَنَّ مَنْ تَرَكَ سُنَّةً أَيَّ سُنَّةٍ فَقَدْ حُرِمَ خَيْرًا كَثِيرًا، فَكَيْفَ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى تَرْكِ سَائِرِهَا فَإِنَّ ذَلِكَ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى الزَّنْدَقَةِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
[ ١ / ١٩٥ ]
١٢١ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵄، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: («أَخَذَ اللَّهُ الْمِيثَاقَ مَنْ ظَهَرِ آدَمَ بِنَعْمَانَ - يَعْنِي عَرَفَةَ - فَأَخْرَجَ مَنْ صُلْبِهِ كُلَّ ذُرِّيَّةٍ ذَرَاهَا، فَنَثَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ كَالذَّرِّ، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ قِبَلًا؛ قَالَ: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٣]» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ): ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: (أَخَذَ اللَّهُ الْمِيثَاقَ) مِنْ ظَهْرِ آدَمَ بِنَعْمَانَ - يَعْنِي: الْعَهْدَ أَيْ: أَرَادَ أَخْذَهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: فَأَخْرَجَ، (مِنْ ظَهْرِ آدَمَ) أَيْ: مِنَ الذُّرِّيَّةِ الَّتِي تَظْهَرُ مِنْ ظَهْرِهِ (بِنَعْمَانَ): قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: نَعْمَانُ بِالْفَتْحِ، وَادٍ فِي طَرِيقِ الطَّائِفِ يُخْرِجُ إِلَى عَرَفَاتٍ، وَفِي " الْقَامُوسِ " وَادٍ وَرَاءَ عَرَفَةَ، وَهُوَ نَعْمَانُ الْأَرَاكِ، وَفِي " النِّهَايَةِ " جَبَلٌ بِقُرْبِ عَرَفَةَ، وَيُقَالُ لَهُ نَعْمَانُ السَّحَابِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُرْكَدُ فَوْقَهُ لِعُلُوِّهِ فَلِمُجَاوَرَتِهِ لَهَا، قَالَ أَيِ: الرَّاوِي: (- يَعْنِي عَرَفَةَ - فَأَخْرَجَ مِنْ صُلْبِهِ): بِضَمِّ أَوَّلِهِ، وَهُوَ فَقَارُ الظَّهْرِ (كُلَّ ذُرِّيَّةٍ ذَرَاهَا): بِالْهَمْزِ أَيْ: خَلَقَهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامِ مِنْ ذَرَا اللَّهُ الْخَلْقَ أَوْجَدَ أَشْخَاصَهُمْ؛ يَعْنِي بَعْضَهُمْ بِوَاسِطَةٍ، وَبَعْضَهُمْ بِغَيْرِهَا، (فَنَثَرَهُمْ) أَيْ: فَرَّقَهُمْ وَبَثَّهُمْ، وَنَشَرَهُمْ (بَيْنَ يَدَيْهِ،) أَيْ: قُدَّامَ آدَمَ، أَوْ بَعْضَهُمْ فِي يَمِينِهِ، وَبَعْضَهُمْ فِي شِمَالِهِ (كَالذَّرِّ)، أَيْ: مُشَبَّهِينَ بِالنَّمْلِ فِي صِغَرِ الصُّورَةِ (ثُمَّ كَلَّمَهُمْ) أَيْ: خَاطَبَهُمْ ﷾ (قُبُلًا): بِضَمَّتَيْنِ، وَقِيلَ: كَعِنَبٍ، وَصُرَدٍ وَقُفُلٍ، وَجَبَلٍ، وَهُوَ حَالٌ؛ أَيْ: كَلَّمَهُمْ عِيَانًا، وَمُقَابَلَةً لَا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَلَا بِأَنْ يَأْمُرَ أَحَدًا مِنْ مَلَائِكَتِهِ (قَالَ): اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بَدَلٌ مِنْ كَلَّمَهُمْ؛ أَيْ: وَقَالَ لَهُمْ ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]: أَنْتَ رَبُّنَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْ قَالُوا بَدَلَ: بَلَى نَعَمْ لَكَفَرُوا. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لِأَنَّهَا لِتَقْرِيرِ النَّفْيِ، وَبَلَى رَدُّ لَهُ، وَنَفْيُ النَّفْيِ إِثْبَاتٌ، قَالَ فِي الْمُغْنِي: وَلِذَا قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ لَوْ قَالَ أَلَيْسَ لَكَ عَلَيَّ أَلْفٌ؟ فَقَالَ: بَلَى لَزِمَهُ، وَلَوْ قَالَ: نَعَمْ لَمْ يَلْزَمْهُ، وَقَالَ آخَرُونَ: يَلْزَمُهُ فِيهِمَا، وَجَرَوْا فِي ذَلِكَ عَلَى مُقْتَضَى الْعُرْفِ، ثُمَّ قَالَ: وَلَكِنْ يَقَعُ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهَا يُجَابُ بِهَا الِاسْتِفْهَامُ الْمُجَرَّدُ فَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " فِي: " كِتَابِ الْإِيمَانِ ": أَنَّهُ - ﷺ - قَالَ لِأَصْحَابِهِ: " «أَتَرْضُونَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ "، قَالُوا بَلَى»، وَفِي: " صَحِيحُ مُسْلِمٍ " فِي " كِتَابِ الْهِبَةِ ": «أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا لَكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً؟ قَالَ: بَلَى قَالَ: فَلَا إِذَنْ»، وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: «أَنْتَ الَّذِي لَقِيتَنِي بِمَكَّةَ؟ فَقَالَ لَهُ الْمُجِيبُ: بَلَى، ثُمَّ قَالَ: لَكِنَّ هَذَا قَلِيلٌ فَلَا يَتَخَرَّجُ عَلَيْهِ التَّنْزِيلُ» اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ الْأَمْثِلَةَ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ. فِي الْأَزْهَارِ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ جَوَابَهُمْ بِقَوْلِ بَلَى كَانَ بِالْمُطْلَقِ، وَهُمْ أَحْيَاءٌ عُقَلَاءُ، وَقِيلَ: بِلِسَانِ الْحَالِ، ثُمَّ قِيلَ تَجَلَّى لِلْكُفَّارِ بِالْهَيْبَةِ فَقَالُوا: بَلَى مَخَافَةً فَلَمْ يَنْفَعْهُمْ إِيمَانُهُمْ، وَتَجَلَّى لِلْمُؤْمِنِينَ بِالرَّحْمَةِ، فَقَالُوا: بَلَى طَوْعًا فَنَفَعَهُمْ إِيمَانُهُمْ (شَهِدْنَا): هُوَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ تَتِمَّةِ الْمَقُولِ أَيْ: شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا بِذَلِكَ، وَأَقْرَرْنَا بِوَحْدَانِيَّتِكَ، وَإِنَّمَا احْتَاجُوا إِلَى هَذَا مَعَ أَنَّ بَلَى يُغْنِي عَنْهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءُ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى أَيْ: شَهِدْنَا عَلَى إِقْرَارِكُمْ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ تَقْدِيرُ الطِّيبِيِّ فَعَلْنَا ذَلِكَ كَرَاهَةَ (أَنْ تَقُولُوا) أَيِ: احْتِجَاجًا، وَقِيلَ: لِئَلَّا تَقُولُوا، وَالْجُمْهُورُ بِالْخِطَابِ، وَأَبُو عَمْرٍو بِالْغَيْبَةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ عَلَى الِالْتِفَاتِ، وَقَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمَلَائِكَةِ: اشْهَدُوا. قَالُوا شَهِدْنَا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ قَالَ اللَّهُ: شَهِدْنَا يَعْنِي نَفْسَهُ، وَالْمَلَائِكَةَ وَالسَّمَاوَاتِ، وَالْأَرْضَ. قَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَا أَتَذَكَّرُ ذَلِكَ الْمِيثَاقَ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ): ظَرْفُ أَنْ تَقُولُوا؛ أَيْ: حِينَ يُحَاسَبُونَ عَلَى كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ وَبِكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَالْمَقُولُ (إِنِّا كُنَّا عَنْ هَذَا) أَيِ: الْمِيثَاقِ، أَوِ الْإِقْرَارِ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وَالِاعْتِرَافِ بِالْعُبُودِيَّةِ (غَافِلِينَ) أَيْ: جَاهِلِينَ لَا نَعْرِفُهُ، وَلَا نُبِّهْنَا عَلَيْهِ، (أَوْ تَقُولُوا) أَيِ: الْبَعْضُ الْمُتَأَخِّرُونَ احْتِجَاجًا آخَرَ ﴿إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [الأعراف: ١٧٣] أَيْ: مِنْ قَبْلِ ظُهُورِنَا وَوُجُودِنَا، أَوْ مِنْ قَبْلِ إِشْرَاكِنا
[ ١ / ١٩٦ ]
﴿وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٣]: فَاقْتَدَيْنَا بِهِمْ فَاللَّوْمُ عَلَيْهِمْ لَا عَلَيْنَا (أَفَتُهْلِكُنَا) أَيْ: أَتَعْلَمُ ذَلِكَ فَتُعَذِّبَنَا ﴿بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٣]: مِنْ آبَائِنَا بِتَأْسِيسِ الشِّرْكِ، وَالْمَعْنَى لَا يُمْكِنُهُمُ الِاحْتِجَاجُ بِذَلِكَ مَعَ إِشْهَادِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ، وَالتَّذْكِيرُ بِهِ عَلَى لِسَانِ صَاحِبِ الْمُعْجِزَةِ قَائِمٌ مَقَامَ ذِكْرِهِ فِي النُّفُوسِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ): وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَلَيْسَ النَّسَائِيُّ مَوْجُودًا فِي النُّسَخِ، وَلَعَلَّهُ إِلْحَاقٌ فِي الشَّرْحِ، لَكِنَّهُ مُسْتَبْعَدٌ مِنْهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ دَأْبِهِ. قَالَ مِيرَكُ شَاهْ: كَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ مَرْفُوعًا، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَغَيْرُهُ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ اهـ.
وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ مُخَرَّجٌ فِي كِتَابِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيِّ، وَلَا يَحْتَمِلُ مِنَ التَّأْوِيلِ مَا يَحْتَمِلُهُ حَدِيثُ عُمَرَ ﵁، وَلَا أَرَى الْمُعْتَزِلَةَ يُقَابِلُونَ هَذِهِ الْحُجَّةَ إِلَّا بِقَوْلِهِمْ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا مِنَ الْآحَادِ فَلَا نَتْرُكُ بِهِ ظَاهِرَ الْكِتَابِ، وَإِنَّمَا هَرَبُوا عَنِ الْقَوْلِ فِي مَعْنَى الْآيَةِ بِمَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ لِمَكَانِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] فَقَالُوا: إِنْ كَانَ هَذَا الْإِقْرَارُ عَنِ اضْطِرَارٍ حَيْثُ كُوشِفُوا بِحَقِيقَةِ الْأَمْرِ، وَشَاهَدُوهُ عَيْنَ الْيَقِينِ، فَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَقُولُوا شَهِدْنَا يَوْمَئِذٍ، فَلَمَّا زَالَ عَنَّا عَلِمْنَا عِلْمَ الضَّرُورَةِ، وَوُكِلْنَا إِلَى آرَائِنَا كَانَ مِنَّا مَنْ أَصَابَ، وَمِنَّا مَنْ أَخْطَأَ، وَإِنْ كَانَ عَنِ اسْتِدْلَالٍ، وَلَكِنَّهُمْ عُصِمُوا عِنْدَهُ مِنَ الْخَطَأِ فَلَهُمْ أَنْ يَقُولُوا أُيِّدْنَا يَوْمَ الْإِقْرَارِ بِالتَّوْفِيقِ، وَالْعِصْمَةِ، وَحُرِمْنَاهُمَا مِنْ بَعْدُ، وَلَوْ مُدِدْنَا بِهِمَا لَكَانَتْ شَهَادَتُنَا فِي كُلِّ حِينٍ كَشَهَادَتِنَا فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمِيثَاقَ مَا رَكَزَ اللَّهُ فِيهِمْ مِنَ الْعُقُولِ، وَآتَاهُمْ، وَآبَاءَهُمْ مِنَ الْبَصَائِرِ لِأَنَّهَا هِيَ الْحُجَّةُ الْبَاقِيَةُ الْمَانِعَةُ لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا: إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ هَذَا الْإِقْرَارَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ فِي الْإِشْرَاكِ كَمَا جَعَلَ بَعْثَ الرُّسُلِ حُجَّةً عَلَيْهِمْ فِي الْإِيمَانِ بِمَا أُخْبِرُوا بِهِ مِنَ الْغُيُوبِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَخُلَاصَةُ مَا قَالُوهُ أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونُوا مُحْتَجِّينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَنَّهُ زَالَ عَنَّا عَلِمُ الضَّرُورَةِ، وَوُكِلْنَا إِلَى آرَائِنَا فَيُقَالُ لَهُمْ: كَذَبْتُمْ بَلْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى يُوقِظُونَكُمْ مِنْ سِنَةِ الْغَفْلَةِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: حُرِمْنَا عَلَى التَّوْفِيقِ، وَالْعِصْمَةِ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ. فَجَوَابُهُ: أَنَّ هَذَا مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ إِذْ لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا لَا مَنْفَعَةَ لَنَا فِي الْعُقُولِ، وَالْبَصَائِرِ حَيْثُ حُرِمْنَا عَنِ التَّوْفِيقِ وَالْعِصْمَةِ، وَالْحَقُّ أَنْ تُحْمَلَ الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ عَلَى ظَوَاهِرِهَا، وَلَا يُقْدَمُ عَلَى الطَّعْنِ فِيهَا بِأَنَّهَا آحَادٌ لِمُخَالَفَتِهَا لِمُعْتَقَدِ أَحَدٍ، وَمَنْ أَقْدَمَ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ حُرِمَ خَيْرًا كَثِيرًا، وَخَالَفَ طَرِيقَةَ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُثْبِتُونَ خَبَرَ وَاحِدٍ عَنْ وَاحِدٍ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَيَجْعَلُونَهُ سُنَّةً؛ حُمِدَ مَنْ تَبِعَهَا وَعِيبَ مَنْ خَالَفَهَا اهـ.
وَقَالَ فِي الْكَشَّافِ: نَزَلَ تَمْكِينُ بَنِي آدَمَ مِنَ الْعِلْمِ بِرُبُوبِيَّتِهِ بِنَصْبِ الدَّلَائِلِ، وَخَلْقِ الِاسْتِعْدَادِ فِيهِمْ، وَتَمْكِينِهِمْ مِنْ مَعْرِفَتِهَا، وَالْإِقْرَارِ بِهَا مَنْزِلَةَ الْإِشْهَادِ، وَالِاعْتِرَافِ تَمْثِيلًا، وَتَخْيِيلًا لَا قَوْلَ ثَمَّةَ، وَلَا شَهَادَةَ حَقِيقَةً. أَقُولُ: لَا مَنْعَ مِنَ الْجَمْعِ، وَبِهِ يَلْتَئِمُ الْعَقْلُ، وَالسَّمْعُ. قَالَ الْمَوْلَى الْعَلَّامَةُ قُطْبُ الدِّينِ الشِّيرَازِيُّ - ﵀ -: قَدْ تَقَرَّرَ فِي بِدَايَةِ الْعُقُولِ أَنَّ بَنِي آدَمَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ، فَيَكُونُ كُلُّ مَا أُخْرِجَ مِنْ ظُهُورِ بَنِي آدَمَ فِيمَا لَا يَزَالُ هُمُ الَّذِينَ قَدْ أَخْرَجَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْأَزَلِ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ، وَأَخَذَ مِنْهُ الْمِيثَاقَ الْأَزَلِيَّ لِيُعْرِفَ مِنْهُ أَنَّ هَذَا النَّسْلَ الَّذِي يَخْرُجُ فِيمَا لَا يَزَالُ مِنْ أَصْلَابِ بَنِي آدَمَ هُوَ الذَّرُّ الَّذِي أُخْرِجَ فِي الْأَزَلِ مِنْ صُلْبِ آدَمَ، وَأُخِذَ مِنْهُمُ الْمِيثَاقُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ الْمَقَالِيُّ الْأَزَلِيُّ، كَمَا أُخِذَ مِنْهُمْ فِيمَا لَا يَزَالُ بِالتَّدْرِيجِ حِينَ أَخْرَجُوا الْمِيثَاقَ الثَّانِيَ، وَهُوَ الْحَالِيُّ الْأَزَلِيُّ، فَلِلَّهِ سُبْحَانَهُ مِيثَاقَانِ مَعَ بَنِي آدَمَ أَحَدُهُمَا: تَهْتَدِي إِلَيْهِ الْعُقُولُ مِنْ نَصْبِ الْأَدِلَّةِ الْبَاعِثَةِ عَلَى الِاعْتِرَافِ الْحَالِيِّ، وَثَانِيهِمَا: الْمَقَالِيُّ الَّذِي لَا تَهْتَدِي إِلَيْهِ الْعُقُولُ، بَلْ يُتَوَقَّفُ عَلَى تَوْقِيفِ وَاقِفٍ عَلَى أَحْوَالِ الْعِبَادِ مِنَ الْأَزَلِ إِلَى الْآبَادِ كَالْأَنْبِيَاءِ، فَأَرَادَ - ﵊ - أَنْ يُعْلِمَ الْأُمَّةَ بِأَنَّ وَرَاءَ الْمِيثَاقِ الَّذِي يَهْتَدُونَ إِلَيْهِ مِيثَاقًا آخَرَ أَزَلِيًّا، فَقَالَ مَا قَالَ مِنْ مَسْحِ ظَهْرِ آدَمَ فِي الْأَزَلِ إِلَخْ. وَهُوَ فِي غَايَةِ التَّحْقِيقِ، وَنِهَايَةِ التَّدْقِيقِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ١ / ١٩٧ ]
١٢٢ - وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁، فِي قَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] قَالَ: جَمَعَهُمْ فَجَعَلَهُمْ أَزْوَاجًا، ثُمَّ صَوَّرَهُمْ فَاسْتَنْطَقَهُمْ، فَتَكَلَّمُوا، ثُمَّ أَخَذَ عَلَيْهِمُ الْعَهْدَ، وَالْمِيثَاقَ، ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] .
قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُ عَلَيْكُمُ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ، وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ، وَأُشْهِدُ عَلَيْكُمْ أَبَاكُمْ آدَمَ أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ: لَمْ نَعْلَمْ بِهَذَا. اعْلَمُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ غَيْرِي، وَلَا رَبَّ غَيْرِي، وَلَا تُشْرِكُوا بِي شَيْئًا. إِنِّي سَأُرْسِلُ إِلَيْكُمْ رُسُلِي يُذَكِّرُونَكُمْ عَهْدِي، وَمِيثَاقِي، وَأُنْزِلُ عَلَيْكُمْ كُتُبِي. قَالُوا: شَهِدْنَا بِأَنَّكَ رَبُّنَا، وَإِلَهُنَا. لَا رَبَّ لَنَا غَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ لَنَا غَيْرُكَ. فَأَقَرُّوا بِذَلِكَ، وَرُفِعَ عَلَيْهِمْ آدَمُ ﵇ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، فَرَأَى الْغَنِيَّ، وَالْفَقِيرَ، وَحَسَنَ الصُّورَةِ، وَدُونَ ذَلِكَ. فَقَالَ: رَبِّ لَوْلَا سَوَّيْتَ بَيْنَ عِبَادِكَ قَالَ: إِنِّي أَحْبَبْتُ أَنْ أَشْكُرَ، وَرَأَى الْأَنْبِيَاءَ فِيهِمْ مِثْلَ السُّرُجِ عَلَيْهِمُ النُّورُ، خُصُّوا بِمِيثَاقٍ آخَرَ فِي الرِّسَالَةِ، وَالنُّبُوَّةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَبَارَكَ، وَتَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٧] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧]
كَانَ فِي تِلْكَ الْأَرْوَاحِ، فَأَرْسَلَهُ إِلَى مَرْيَمَ ﵉ فَحُدِّثَ عَنْ أُبَيٍّ: أَنَّهُ دَخَلَ مِنْ فِيهَا. رَوَاهُ أَحْمَدٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ): ﵁ (فِي قَوْلِ اللَّهِ ﷿) أَيْ: فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]: وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: ذُرِّيَّاتِهِمْ، وَهُمَا قِرَاءَتَانِ مُتَوَاتِرَتَانِ (قَالَ) أَيْ: أُبَيٌّ (جَمَعَهُمْ) أَيِ: اللَّهُ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُمْ (فَجَعَلَهُمْ أَزْوَاجًا) أَيْ: ذُكُورًا، وَإِنَاثًا، أَوْ أَصْنَافًا، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَلِذَا قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ: أَرَادَ جَعْلَهُمْ أَصْنَافًا، وَفَسَّرَ الْأَصْنَافَ بِقَوْلِهِ الْآتِي فَرَأَى الْغَنِيَّ، وَالْفَقِيرَ (ثُمَّ صَوَّرَهُمْ) أَيْ: عَلَى صُوَرِهِمُ الَّتِي يَكُونُونَ عَلَيْهَا بَعْدُ (فَاسْتَنْطَقَهُمْ): أَيْ: خَلَقَ فِيهِمُ الْعَقْلَ، وَطَلَبَ مِنْهُمُ النُّطْقَ (فَتَكَلَّمُوا): بِمَا شَاءَ اللَّهُ أَوْ بِمَا سَيَأْتِي (ثُمَّ) أَيْ: بَعْدَ التَّصْوِيرِ، وَالِاسْتِنْطَاقِ بِحُكْمِ تَقْدِيرِ الْخَلَّاقِ (أَخَذَ عَلَيْهِمُ الْعَهْدَ) أَيْ: بِالتَّوْحِيدِ، وَالْمِيثَاقِ، وَهُوَ - تَوْكِيدُ الْعَهْدِ بِالْإِقْرَارِ، أَوِ الْمُرَادُ الْعَهْدُ لَئِنْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِمْ، وَالْمِيثَاقُ الْأَيْمَانُ الْمُؤَكَّدَةُ لَيُوَفُّنَّ بِذَلِكَ ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] أَيْ: عَلَى ذَوَاتِهِمْ، أَوْ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ، أَوْ قَالَ لَهُمِ: اشْهَدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ يُؤَيَّدُ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ شَهِدْنَا بِقَوْلِهِمْ ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]: إِمَّا اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ، وَإِمَّا التَّقْدِيرُ: أَشْهَدَهُمْ بِقَوْلِهِ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ أَيِ: اسْتَشْهَدَهُمْ بِهَذَا (قَالُوا: بَلَى): كَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، وَفِي بَعْضِهَا مَتْرُوكٌ لَفْظًا، وَإِنْ كَانَ مُقَدَّرًا مَعْنًى إِذِ الْمَعْنَى قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا (قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُ عَلَيْكُمُ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ) أَيْ: نَفْسَهَا بِأَنْ رَكَّبَ فِيهَا عُقُولًا مَعَ أَنَّ الْمُحَقِّقِينَ عَلَى أَنَّ لِجَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ عِلْمًا بِمُوجِدِهَا أَيْ: نَفْسِهَا، أَوْ أَهْلِهَا (وَالْأَرَضِينَ): بِفَتْحِ الرَّاءِ، وَتُسَكَّنُ (السَّبْعَ): كَذَلِكَ أَيْ: زِيَادَةً عَلَى شَهَادَتِكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: إِشَارَةً إِلَى نَصْبِ الدَّلِيلِ الظَّاهِرِ، فَأُشْهِدُ بِمَعْنَى أَنْصِبُ، وَأُبَيِّنُ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ (وَأُشْهِدُ عَلَيْكُمْ أَبَاكُمْ آدَمَ): وَأَوَّلَ الطِّيبِيُّ هَذَا أَيْضًا بِأَنَّهُ إِلَى قَوْلِهِ: يُذَكِّرُونَكُمْ إِشَارَةً إِلَى النُّصُوصِ الشَّاهِدَةِ الْوَارِدَةِ مِنْ جِهَةِ الرُّسُلِ (أَنْ تَقُولُوا): بِالْخِطَابِ لَا غَيْرَ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ: لَمْ نَعْلَمْ) أَيْ: لَمْ نُوقِنْ بِهَذَا (اعْلَمُوا) أَيْ: تَحَقَّقُوا الْآنَ قَبْلَ مَجِيءِ ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَتَبَيُّنِ الْأَمْرِ بِالْعِيَانِ (أَنَّهُ لَا إِلَهَ غَيْرِي): مَعْبُودٌ (وَلَا رَبَّ غَيْرِي): مَوْجُودٌ (وَلَا تُشْرِكُوا بِي شَيْئًا): فَإِنِّي مَقْصُودٌ (إِنِّي): قِيلَ: بِالْفَتْحِ بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِمَّا قَبْلَهُ، وَبِالْكَسْرِ اسْتِئْنَافٌ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ أَيْ: إِنِّي مَعَ هَذَا الْبَيَانِ (سَأُرْسِلُ إِلَيْكُمْ): فِي مُسْتَقْبَلِ الزَّمَانِ (رُسُلِي): بِالْبُرْهَانِ (يُذَكِّرُونَكُمْ): بِتَشْدِيدِ الْكَافِ (عَهْدِي، وَمِيثَاقِي، وَأُنْزِلُ عَلَيْكُمْ كُتُبِي): بِوَاسِطَةِ رُسُلِي، وَفِيهَا تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِعَهْدِي، وَمِيثَاقِي، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] وَهَذَا كَالتَّصْرِيحِ لِمَا قَدَّمْنَا مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمِيثَاقِ الْمَقَالِيِّ، وَالْحَالِيِّ، وَالْعَهْدِ الْحِسِّيِّ، وَالْمَعْنَوِيِّ (قَالُو: شَهِدْنَا) أَيْ: عَلِمْنَا، وَاعْتَرَفْنَا (بِأَنَّكَ رَبُّنَا): وَرَبُّ كُلِّ شَيْءٍ رَضِينَا بِرُبُوبِيَّتِكَ (وَإِلَهُنَا): وَإِلَهُ كُلِّ شَيْءٍ فَنَقُومُ بِحَقِّ عُبُودِيَّتِكَ. بِمُقْتَضَى أُلُوهِيَّتِكَ (لَا رَبَّ لَنَا غَيْرُكَ): فَإِنَّكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (وَلَا إِلَهَ لَنَا غَيْرُكَ): فَإِنَّكَ إِلَهُ الْعَابِدِينَ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: كَانَ وَجْهُ تَقْدِيمِهِمْ هَاهُنَا مَقَامَ الرُّبُوبِيَّةِ أَنَّ شُهُودَ تَرْبِيَةِ الْحَقِّ حَامِلٌ أَيْ: حَامِلٌ عَلَى الْإِيمَانِ بِالْأُلُوهِيَّةِ، فَكَانَ أَحَقَّ بِالتَّقْدِيمِ هُنَا، وَإِنَّمَا عُكِسَ ذَلِكَ فِي كَلَامِهِ تَعَالَى لِأَنَّ مَقَامَ الْأُلُوهِيَّةِ هُوَ الْأَحَقُّ بِأَنْ يُنَبَّهَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَمَا عَدَاهُ وَسِيلَةٌ لَهُ كَمَا تُقُرِّرَ (فَأَقَرُّوا بِذَلِكَ) أَيْ: بِجَمِيعِ مَا ذَكَرَ (وَرُفِعَ): بِالْبِنَاءِ
[ ١ / ١٩٨ ]
لِلْمَفْعُولِ أَيْ: أَشْرَفَ (عَلَيْهِمْ آدَمُ - ﵊ -): مِنْ مَقَامٍ عَالٍ (يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ): حَالٌ، أَوْ مَفْعُولٌ بِتَقْدِيرِ أَنْ كَمَا فِي قَوْلِهِ:
أَحْضُرَ الْوَغَى
(فَرَأَى) أَيْ: آدَمُ مِنْهُمْ (الْغَنِيَّ): صُورَةً، وَمَعْنًى بِاعْتِبَارِ الْآثَارِ اللَّائِحَةِ، وَاللَّامِعَةِ (وَالْفَقِيرَ): يَدًا، وَقَلْبًا، وَفِي نُسْخَةٍ بِتَقْدِيمِ الْفَقِيرِ (وَحَسَنَ الصُّورَةِ) أَيِ: الظَّاهِرَةِ، وَالْبَاطِنَةِ (وَدُونَ ذَلِكَ)، أَيْ: فِي الْحُسْنِ، أَوْ غَيْرِ مَا ذَكَرَ (فَقَالَ: رَبِّ لَوْلَا) أَيْ: هَلَّا (سَوَّيْتَ): يَعْنِي لِمَا مَا سَوَّيْتَ (بَيْنَ عِبَادِكَ!): وَالْقَصْدُ هُوَ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُ حِكْمَتَهُ قَالَ: (إِنِّي أَحْبَبْتُ أَنْ أُشْكَرَ): بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ: أُعْرَفَ بِالْإِنْعَامِ، وَأُشْكَرَ عَلَى الدَّوَامِ عَلَى لِسَانِ الْأَنَامِ، وَهَذَا الْمَعْنَى يُصَحِّحُ مَعْنَى مَا يُنْقَلُ حَدِيثًا، وَلَمْ يَصِحَّ لَفْظًا (كُنْتُ كَنْزًا مَخْفِيًا فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُعْرَفَ فَخَلَقْتُ الْخَلْقَ لِأَنْ أُعْرَفَ)، وَلِذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] أَيْ: لِيَعْرِفُوا، وَالْمَعْنَى يَنْظُرُ الْغَنِيُّ إِلَى الْفَقِيرِ فَيَشْكُرُ، وَيَنْظُرُ الْفَقِيرُ إِلَى دِينِهِ فَيَرَى نِعْمَتَهُ فَوْقَ الْغَنِيِّ فَيَشْكُرُ، وَيَرَى حَسَنُ الصُّورَةِ جَمَالَهُ فَيَشْكُرُ، وَقَبِيحُ الصُّورَةِ حُسْنَ خِصَالِهِ فَيَشْكُرُ، كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَهُوَ مُوهِمٌ أَنَّ حَسَنَ الصُّورَةِ، وَالسِّيرَةِ لَا يَجْتَمِعَانِ، وَأَنَّ الْغِنَى وَالدِّينَ مُتَنَافِيَانِ فَالْأَحْسَنُ مَا قَالَهُ شَيْخُنَا ابْنُ حَجَرٍ الْمَكِّيُّ إِنَّ الْغَنِيَّ يَرَى عِظَمَ نِعْمَةِ الْغِنَى، وَالْفَقِيرَ يَرَى عِظَمَ نِعْمَةِ الْمُعَافَاةِ مِنْ كَدَرِ الدُّنْيَا، وَنَكَدِهَا، وَتَعَبِهَا الَّذِي لَا حَاصِلَ لَهُ غَيْرُ طُولِ الْحِسَابِ، وَتَرَادُفِ الْمِحَنِ، وَتَوَالِي الْعَذَابِ، وَحَسَنُ الصُّورَةِ يَرَى مَا مُنِحَهُ مِنْ ذَلِكَ الْجَمَالِ الظَّاهِرِ الدَّالِّ عَلَى الْجَمَالِ الْبَاطِنِ غَالِبًا، وَغَيْرُهُ يَرَى أَنَّ عَدَمَ الْجَمَالِ أَدْفَعُ لِلْفِتْنَةِ، وَأَسْلَمُ مِنَ الْمِحْنَةِ، فَكُلُّ هَؤُلَاءِ يَرَوْنَ مَزِيدَ تِلْكَ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ فَيَشْكُرُونَ عَلَيْهَا، وَلَوْ تَسَاوَوْا فِي وَصْفٍ وَاحِدٍ لَمْ يَتَيَقَّظُوا لِذَلِكَ (وَرَأَى) أَيْ: آدَمُ (الْأَنْبِيَاءَ): وَهُمْ أَعَمُّ مِنَ الرُّسُلِ (فِيهِمْ) أَيْ: حَالَ كَوْنِهِمْ مُنْدَرِجِينَ فِي جُمْلَتِهِمْ (مِثْلَ السُّرُجِ): جَمْعُ سِرَاجٍ (عَلَيْهِمُ النُّورُ) أَيْ: يَغْلِبُ كَأَنَّهُ بَيَانٌ لِوَجْهِ شَبَهِهِمْ بِالسُّرُجِ، فَإِنَّ الْخَلْقَ خُلِقُوا فِي ظُلْمَةٍ، وَالْأَنْبِيَاءُ أَنْوَارُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لَائِحَةٌ يَهْتَدُونَ بِهِمْ إِلَى رَبِّهِمْ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ أَيْضًا لَا يَخْلَوْنَ عَنْ ظُلْمَةِ الْأَخْلَاقِ الْبَشَرِيَّةِ، لَكِنْ يَغْلِبُ عَلَيْهِمُ الْعِصْمَةُ الْإِلَهِيَّةُ، وَالْأَنْوَارُ الرَّبَّانِيَّةُ، وَلِذَا (خُصُّوا بِمِيثَاقٍ آخَرَ): بَعْدَ مَا دَخَلُوا فِي عُمُومِ مِيثَاقِ الْعَوَامِّ لِلِاهْتِمَامِ التَّامِّ. بِمَرَامِهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَقَوْلُهُ: خُصُّوا اسْتِئْنَافٌ، أَوْ صِفَةٌ لِلْأَنْبِيَاءِ (فِي الرِّسَالَةِ، وَالنُّبُوَّةِ) أَيْ: فِي شَأْنِهِمَا، وَالْقِيَامِ بِحَقِّهِمَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ مَنْ أَنْبَأَ عَنِ اللَّهِ سَوَاءٌ أُمِرَ بِأَنْ يُنْبِئَ عَنِ اللَّهِ أَمْ لَا، وَالرَّسُولُ مَنْ أُمِرَ بِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ (وَهُوَ قَوْلُهُ ﵎) أَيْ: هَذَا الْمِيثَاقُ هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٧] إِلَى قَوْلِهِ (عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ): وَمَا قَبْلُهُ، ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ [الأحزاب: ٧] فَفِيهِ تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ، فَإِنَّ الْخَمْسَةَ هُمْ أُولُو الْعَزْمِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقُدِّمَ نَبِيُّنَا - ﷺ - فِي الذِّكْرِ لِتَقَدُّمِهِ فِي الرُّتْبَةِ، أَوْ فِي الْوُجُودِ أَيْضًا لِقَوْلِهِ: «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ رُوحِي، وَقَوْلِهِ: كُنْتُ نَبِيًّا، وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ
[ ١ / ١٩٩ ]
وَالْجَسَدِ»، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب: ٧] أَيْ: عَظِيمًا مُؤَكَّدًا يَسْأَلُ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ، وَالظَّاهِرُ مِنْهُ أَنَّ الْمِيثَاقَ الْخَاصَّ هُوَ الْعَهْدُ بِالصِّدْقِ، وَالْإِخْلَاصِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مِيثَاقَ الْأَنْبِيَاءِ إِنَّمَا هُوَ مُظَاهَرَةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا بِالْإِيمَانِ، وَالتَّصْدِيقِ، وَالنُّصْرَةِ، وَالْمُعَاوَنَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ [آل عمران: ٨١] أَيْ: عَهْدِي ﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١] وَهَذَا الْمِيثَاقُ الْخَاصُّ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْعَامِ، وَالْأَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَهُ فِي عَالَمِ الْأَرْوَاحِ تَعْظِيمًا لَهُمْ، وَتَكْرِيمًا، وَلِذَا قَالَ - ﵊ -: («كُنْتُ نَبِيًّا، وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ، وَالْجَسَدِ») . . وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (كَانَ) أَيْ: عِيسَى (فِي تِلْكَ الْأَرْوَاحِ، فَأَرْسَلَهُ) أَيْ: رُوحَهُ، وَهُوَ يُذَكَّرُ، وَيُؤَنَّثُ يَعْنِي مَعَ جِبْرِيلَ - ﵊ - (إِلَى مَرْيَمَ ﵉): بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ هُوَ الصَّحِيحُ (فَحُدِّثَ): بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: رُوِيَ (عَنْ أُبَيٍّ أَنَّهُ دَخَلَ) أَيِ: الرُّوحُ إِلَى جَوْفِهَا، ثُمَّ رَحِمِهَا، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الرُّوحَ بِتَأْوِيلِ الْمَنْفُوخِ، أَوْ عِيسَى كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِي " الْقَامُوسِ " الرُّوحُ بِالضَّمِّ مَا بِهِ حَيَاةُ الْأَنْفُسِ، وَيُؤَنَّثُ اهـ.
فَجُعِلَ التَّذْكِيرُ أَصْلًا كَمَا هُوَ الْأَصْلُ فِي اللَّفْظِ. (مِنْ فِيهَا) أَيْ: مِنْ فَمِهَا كَذَا قَالَهُ الْأَبْهَرِيُّ، وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ﴾ [التحريم: ١٢] أَيْ: فِي فِيهَا، وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ (فِيهَا) أَيْ: فِي مَرْيَمَ، وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادَ فِي فَمِهَا، أَوْ فِي جَيْبِ دِرْعِهَا، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِفَرْضِ ثُبُوتِهَا بِأَنَّ بَعْضَ تِلْكَ النَّفْخَةِ دَخَلَتْ مِنْ جَيْبِهَا، وَبَعْضَهَا مِنْ فَمِهَا، وَتَخْصِيصُ عِيسَى، وَتَقْيِيدُهُ بِقَوْلِهِ: دَخَلَ مِنْ فِيهَا تَسْجِيلٌ عَلَى النَّصَارَى بِرَكَاكَةِ عُقُولِهِمْ أَيْ: كَيْفَ يُتَّخَذُ إِلَهًا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ هَذَا حَالُهُ كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥] قِيلَ هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ: يَبُولَانِ، وَيَغُوطَانِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
[ ١ / ٢٠٠ ]
١٢٣ - «وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - نَتَذَاكَرُ مَا يَكُونُ، إِذْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (إِذَا سَمِعْتُمْ بِجَبَلٍ زَالَ عَنْ مَكَانِهِ فَصَدِّقُوهُ، وَإِذَا سَمِعْتُمْ بِرَجُلٍ تَغَيَّرَ عَنْ خُلُقِهِ فَلَا تُصَدِّقُوا بِهِ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ إِلَى مَا جُبِلَ عَلَيْهِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ.
_________________
(١) وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - نَتَذَاكَرُ) أَيْ: مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَوْ مَعَ بَعْضِنَا بِحَضْرَتِهِ، وَهُوَ يَسْمَعُ (مَا يَكُونُ) مَا: مَوْصُولَةٌ أَيِ: الَّذِي يَحْدُثُ مِنَ الْحَوَادِثِ أَهُوَ شَيْءٌ مَقْضِيٌّ مَفْرُوغٌ مِنْهُ فَتُوجَدَ تِلْكَ الْحَوَادِثُ عَلَى طَبَقَةٍ، أَوْ شَيْءٍ يُوجَدُ آنِفًا مِنْ غَيْرِ سَبْقِ قَضَائِهِ؟ (إِذْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: («إِذَا سَمِعْتُمْ بِجَبَلٍ زَالَ عَنْ مَكَانِهِ فَصَدِّقُوهُ»)، أَيْ: لِإِمْكَانِهِ، بَلْ حُكِيَ وُقُوعُهُ كَمَا قِيلَ: إِنَّ بَعْضَ جِبَالِ الْمَغْرِبِ سَارَ عَنْ مَحَلِّهِ مَسَافَةً طَوِيلَةً («وَإِذَا سَمِعْتُمْ بِرَجُلٍ تَغَيَّرَ عَنْ خُلُقِهِ»): بِضَمِّ اللَّامِ، وَتُسَكَّنُ أَيْ: خُلُقِهِ الْأَصْلِيِّ بِالْكُلِّيِّ (فَلَا تُصَدِّقُوا بِهِ) أَيْ: بِالْخَبَرِ عَنْهُ بِذَلِكَ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ عَادَةً، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى:
[ ١ / ٢٠٠ ]
﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] وَلَمْ يَقُلْ وَالْعَادِمِينَ لَهُ (فَإِنَّهُ): أَيِ: الرَّجُلُ وَالْمُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ (يَصِيرُ): فِي كُلِّ مَا يُرِيدُ أَنْ يَفْعَلَهُ وَيُحْدِثَهُ (إِلَى مَا جُبِلَ): أَيْ: خُلِقَ وَطُبِعَ (عَلَيْهِ): مِنَ الْأَخْلَاقِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفْقَ مَا سَبَقَ بِهِ الْقَضَاءُ وَالْقَدَرُ الَّذِي لَا يُمْكِنُ أَنْ يُبَدَّلَ وَيُغَيَّرَ، فَالْكَيِّسُ مَثَلًا لَا يَصِيرُ بَلِيدًا، وَالسَّخِيُّ لَا يَصِيرُ بَخِيلًا، وَالشُّجَاعُ لَا يَصِيرُ جَبَانًا وَعَكْسُهَا وَهَذَا مِثَالٌ تَقْرِيبِيٌّ. بِاعْتِبَارِ اسْتِبْعَادِ الْعَادَةِ لِزَوَالِ الْجَبَلِ عَنْ مَكَانِهِ اسْتِبْعَادًا يُلْحِقُهُ بِالْمُحَالِ الْعَقْلِيِّ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَقْدَحُ فِي ذَلِكَ إِمْكَانُ زَوَالِ الْجَبَلِ عَنْ مَكَانِهِ دُونَ الْخُلُقِ الْمُقَدَّرِ عَمَّا قُدِّرَ عَلَيْهِ اهـ.
فَإِنْ قُلْتَ: مَدَارُ الصُّوفِيَّةِ عَلَى تَبْدِيلِ الْأَخْلَاقِ فَكَيْفَ هَذَا الْحَدِيثُ؟ قُلْتُ: التَّحْقِيقُ أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ خُلِقَ وَطُبِعَ فِيهِ الْأَخْلَاقُ جَمِيعُهَا، وَهِيَ صَالِحَةٌ بِأَصْلِهَا أَنْ تَكُونَ حَمِيدَةً وَأَنْ تَكُونَ ذَمِيمَةً، وَإِنَّمَا تُحْمَدُ إِذَا كَانَتْ مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ طَرَفَيِ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ، وَالذَّمِيمَةُ ضِدُّهَا. فَمَثَلًا السَّخَاوَةُ صِفَةٌ مُعْتَدِلَةٌ بَيْنَ الْإِسْرَافِ وَالْبُخْلِ، وَكَذَا الشَّجَاعَةُ بَيْنَ التَّهَوُّرِ وَالْجُبْنِ، وَكَذَا التَّوَاضُعُ بَيْنَ الضَّعَةِ وَالتَّكَبُّرِ، وَالْغَالِبُ عَلَى النَّاسِ عَادَةً عَدَمُ الِاعْتِدَالِ، فَالصُّوفِيَّةُ يُجَاهِدُونَ وَيَرْتَاضُونَ فِي الْأَخْلَاقِ لِيُبَدِّلُوهَا عَنْ مُقْتَضَى الْعَادَةِ وَيُعَدِّلُوهَا عَلَى سُنَنِ الِاسْتِقَامَةِ وَالْعِبَادَةِ، وَلِذَا قِيلَ: الْإِرَادَةُ تَرْكُ الْعَادَةِ وَمِنْ جُمْلَتِهَا الْبُغْضُ، وَحَالَةُ اعْتِدَالِهِ الْمَحْمُودِ أَنْ يَكُونَ فِي مَحَلِّهِ الْمَرْضِيِّ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى الْقَدْرِ الْمَحْدُودِ فِي الشَّرْعِ، وَكَذَلِكَ ضِدُّهُ الْمَحَبَّةُ وَلِذَا قَالَ - ﷺ -: " «مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ وَأَبْغَضَ لِلَّهِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ إِيمَانُهُ» ".
وَأَمَّا إِزَالَةُ صِفَةِ الْبُخْلِ مِنْ أَصْلِهَا بِالْكُلِّيَّةِ فَغَيْرُ مُمْكِنَةٍ إِلَّا بِالْجَذْبَةِ الْإِلَهِيَّةِ؛ وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٠] أَيْ بَخِيلًا.
وَقَالَ ﵊: " «لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ ذَهَبٍ لَابْتَغَى ثَالِثًا وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ» " بَلْ قِيلَ لَوْ أُزِيلَتِ الصِّفَاتُ الذَّمِيمَةُ بِالْكُلِّيَّةِ عَنِ الْإِنْسَانِ يَكُونُ نَاقِصًا إِذْ كَمَالُهُ أَنْ تَغْلِبَ صِفَاتُهُ الْحَمِيدَةُ، وَبِهَذَا فُضِّلَ نَوْعُ الْإِنْسَانِ عَلَى نَوْعِ الْمَلَكِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّبْدِيلَ الْأَصْلِيَّ الذَّاتِيَّ غَيْرُ مُمْكِنٍ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْحَدِيثُ النَّبَوِيُّ، وَأَمَّا التَّبْدِيلُ الْوَصْفِيُّ فَهُوَ مُمْكِنٌ بَلِ الْعَبْدُ مَأْمُورٌ بِهِ، وَيُسَمَّى تَهْذِيبُ النَّفْسِ وَتَحْسِينُ الْأَخْلَاقِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ٩] وَفِي الْحَدِيثِ: " «حَسِّنُوا أَخْلَاقَكُمْ» " وَفِي الدُّعَاءِ: " «اللَّهُمَّ كَمَا حَسَّنْتَ خَلْقِي فَحَسِّنْ خُلُقِي، وَاللَّهُمَّ اهْدِنِي لِصَالِحِ الْأَعْمَالِ وَالْأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لِصَالِحِهَا إِلَّا أَنْتَ» "، وَمَنْ أَرَادَ الِاسْتِيفَاءَ فَعَلَيْهِ بِالْإِحْيَاءِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْخُلُقَ الْمُبْرَمَ لَا يُبَدَّلُ وَالْخُلُقَ الْمُعَلَّقَ يُغَيَّرُ وَهُوَ مُبْهَمٌ عِنْدَنَا مَعْلُومٌ عِنْدَ اللَّهِ، فَعَلَيْنَا الْمُجَاهَدَةُ فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، وَلِهَذَا تَرَى كَثِيرًا مِنَ الْمُرْتَاضِينَ لَمْ تَحْسُنْ أَخْلَاقُهُمْ فِي أَزْمِنَةٍ طَوِيلَةٍ، وَبَعْضُهُمْ تُبَدَّلُ أَخْلَاقُهُمُ الذَّمِيمَةُ بِالْحَمِيدَةِ فِي مُدَّةٍ قَلِيلَةٍ أَوِ النَّفْيُ مَحْمُولٌ عَلَى الْعَادَةِ مِنْ غَيْرِ حُصُولِ الْأَسْبَابِ الْعَادِيَّةِ وَالْإِثْبَاتِ عَلَى خَرْقِهَا، وَهُوَ تَارَةً يَكُونُ بِالْجَذْبَةِ الْإِلَهِيَّةِ، وَتَارَةً بِالرِّيَاضَاتِ النَّفْسِيَّةِ، وَتَارَةً بِالْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ الرَّبَّانِيَّةِ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي اسْتِحْضَارُ هَذَا فِي النَّظَرِ لِلْخَلْقِ بَعْدَ وُقُوعِ الْأَفْعَالِ مِنْهُمْ حَتَّى تُقَامَ أَعْذَارُهُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَحْوَالِهِمُ الَّتِي لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى إِقَامَتِهَا فِيهَا مَحْذُورٌ فَإِنَّ كُلًّا يَجْرِي فِي تَيَّارِ مَا قُدِّرَ لَهُ لَا يَخْرُجُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ): وَكَذَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي تَفَاسِيرِهِمْ، كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّاوِي، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنْ أُبَيٍّ، وَكَانَ مُقْتَضَى دَأْبِ الْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ: رَوَى الْأَحَادِيثَ الْخَمْسَةَ أَحْمَدُ.
[ ١ / ٢٠١ ]
١٢٤ - «وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَا يَزَالُ يُصِيبُكَ فِي كُلِّ عَامٍ وَجَعٌ مِنَ الشَّاةِ الْمَسْمُومَةِ الَّتِي أَكَلْتَ. قَالَ: (مَا أَصَابَنِي شَيْءٌ مِنْهَا إِلَّا وَهُوَ مَكْتُوبٌ عَلَيَّ وَآدَمُ فِي طِينَتِهِ)» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
_________________
(١) (وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ): هِيَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ هِنْدُ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ ﵂، وَكَانَتْ قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - تَحْتَ أَبِي سَلَمَةَ، فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ سَنَةَ أَرْبَعٍ تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ شَوَّالٍ مِنَ السَّنَةِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا أَبُو سَلَمَةَ، وَمَاتَتْ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَدُفِنَتْ بِالْبَقِيعِ، وَكَانَ عُمُرُهَا أَرْبَعًا وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَرَوَى عَنْهَا ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةُ، وَزَيْنَبُ بِنْتُهَا، وَابْنُ الْمُسَيَّبِ، وَخَلْقٌ سِوَاهُمْ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ (قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَا تَزَالُ): بِالْخِطَابِ وَقِيلَ بِالْغَيْبَةِ (يُصِيبُكَ)، أَيْ: يَحْصُلُ لَكَ (فِي كُلِّ عَامٍ): أَيْ سَنَةٍ (وَجَعٌ): بِفَتْحِ الْجِيمِ أَيْ أَلَمٌ (مِنَ الشَّاةِ)، أَيْ: مِنْ أَجْلِ أَثَرِ الشَّاةِ (الْمَسْمُومَةِ): أَيْ: بِالسُّمِّ الَّذِي بَالَغَ الْيَهُودِيُّ فِي اصْطِنَاعِهِ وَإِتْقَانِهِ لِيُثْقِلَ فِي وَقْتِهِ وَسَاعَتِهِ (الَّتِي أَكَلْتَ): أَيْ: فِي خَيْبَرَ كَمَا فِي نُسْخَةٍ قَالَ: (مَا أَصَابَنِي شَيْءٌ مِنْهَا)، أَيْ: مِنْ تِلْكَ الشَّاةِ أَوْ مِنْ تِلْكَ الْأَكْلَةِ (إِلَّا وَهُوَ): أَيْ: ذَلِكَ الشَّيْءُ مِنَ الْأَلَمِ (مَكْتُوبٌ عَلَيَّ وَآدَمُ فِي طِينَتِهِ): قَالَ الطِّيبِيُّ: مَثَلٌ لِلتَّقْدِيرِ السَّابِقِ لَا تَعْيِينٌ فَإِنَّ كَوْنَ آدَمَ فِي طِينَتِهِ أَيْضًا مُقَدَّرٌ قَبْلَهُ، كَمَا يُقَالُ: لَا، مَا لَاحَ كَوْكَبٌ وَمَا أَقَامَ ثَبِيرٌ فِي التَّأْبِيدِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُؤَبَّدًا اهـ. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢]: أَيْ: نَخْلُقَهَا. وَقَضِيَّةُ الشَّاةِ تَأْتِي فِي بَابِ الْمُعْجِزَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .
[ ١ / ٢٠٢ ]