الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٩٠٦ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَعَدَ فِي التَّشَهُّدِ، وَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى، وَعَقَدَ ثَلَاثَةً وَخَمْسِينَ، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ.
_________________
(١) - بَابُ التَّشَهُّدِ قَالَ الْقَاضِيَ: سُمِّيَ الذِّكْرُ الْمَخْصُوصُ تَشَهُّدًا لِاشْتِمَالِهِ عَلَى كَلِمَتَيِ الشَّهَادَةِ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
(٢) (عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَعَدَ فِي التَّشَهُّدِ»)، أَيْ: فِي زَمَانِهِ أَوْ لِأَجَلِهِ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي (وَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى)، أَيْ: بَطْنَ كَفِّهَا بَاسِطًا لِأَصَابِعِهَا مُسْتَقْبِلًا بِهَا الْقِبْلَةَ لِلِاتِّبَاعِ كَمَا يَأْتِي (عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى): عَلَى قُرْبِهَا فَوْقَ فَخِذِهِ الْيُسْرَى جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ، وَلَعَلَّ تَقْدِيمَ وَضْعِ الْيُسْرَى لِتَبْقَى الْيُمْنَى فِي مَوْضِعِ السَّجْدَةِ الَّتِي هِيَ أَشْرَفُ مِنَ الْقَعْدَةِ كَتَقْدِيمِ الرِّجْلِ الْيُسْرَى عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنَ الْمَسْجِدِ، أَوْ لِعَطْفِ حُكْمِ الْآتِي عَلَى قَوْلِهِ («وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى»): وَلَعَلَّ حِكْمَةَ وَضْعِهِمَا عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ الْمُحَافَظَةُ مِنَ الْعَبَثِ وَالْمُرَاعَاةُ لِلْأَدَبِ
[ ٢ / ٧٢٨ ]
(وَعَقَدَ): أَيِ: الْيُمْنَى، وَالْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ، فَيَحْتَمِلُ الْمَعِيَّةَ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ، وَيَحْتَمِلُ الْبُعْدِيَّةَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي مُخْتَارِ ابْنِ الْهُمَامِ (ثَلَاثَةً وَخَمْسِينَ): وَهُوَ أَنْ يَعْقِدَ الْخِنْصَرَ وَالْبِنْصِرَ وَالْوُسْطَى، وَيُرْسِلَ الْمُسَبِّحَةَ، وَيَضُمَّ الْإِبْهَامَ إِلَى أَصْلِ الْمُسَبِّحَةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلِلْفُقَهَاءِ فِي كَيْفِيَّةِ عَقْدِهَا وُجُوهٌ، أَحَدُهَا: مَا ذَكَرْنَا، وَالثَّانِي: أَنْ يَضُمَّ الْإِبْهَامَ إِلَى الْوُسْطَى الْمَقْبُوضَةِ كَالْقَابِضِ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ، فَإِنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ رَوَاهُ كَذَلِكَ.
قَالَ الْأَشْرَفُ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِي الصَّحَابَةِ مَنْ يَعْرِفُ هَذَا الْعَقْدَ وَالْحِسَابَ الْمَخْصُوصَ، وَالثَّالِثُ: أَنْ يَقْبِضَ الْخِنْصَرَ وَالْبِنْصِرَ، وَيُرْسِلَ الْمُسَبِّحَةَ، وَيُحَلِّقَ الْإِبْهَامَ وَالْوُسْطَى، كَمَا رَوَاهُ وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ اهـ، وَالْأَخِيرُ هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا، قَالَ الرَّافِعِيُّ: الْأَخْبَارُ وَرَدَتْ بِهَا جَمِيعًا، وَكَأَنَّهُ ﵇ كَانَ يَضَعُ مَرَّةً هَكَذَا وَمَرَّةً هَكَذَا، (وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ): قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ رَفَعَهَا عِنْدَ قَوْلِهِ: إِلَّا اللَّهُ لِيُطَابِقَ الْقَوْلُ الْفِعْلَ عَلَى التَّوْحِيدِ اهـ.
وَعِنْدَنَا: يَرْفَعُهَا عِنْدَ لَا إِلَهَ، وَيَضَعُهَا عِنْدَ إِلَّا اللَّهُ لِمُنَاسَبَةِ الرَّفْعِ لِلنَّفْيِ، " وَمُلَاءَمَةِ " الْوَضْعِ لِلْإِثْبَاتِ، وَمُطَابَقَةً بَيْنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ حَقِيقَةً، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: سُمِّيَتْ بِالسَّبَّابَةِ لِأَنَّهُ كَانَ يُشَارُ بِهَا عِنْدَ الْمُخَاصَمَةِ وَالسَّبِّ، وَسُمِّيَتْ أَيْضًا مُسَبِّحَةً لِأَنَّهُ يُشَارُ بِهَا إِلَى التَّوْحِيدِ وَالتَّنْزِيهِ، فَانْدَفَعَ النَّظَرُ فِي تَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ آلَةَ التَّسْبِيحِ، ثُمَّ قَالَ: وَلَا تُنَافِي مَعْرِفَةُ ابْنِ عُمَرَ لِهَذَا الْعَقْدِ وَالْحِسَابِ الْمَخْصُوصِ الَّذِي هُوَ فِي غَايَةِ الدِّقَّةِ وَالْخَفَاءِ الْحَدِيثَ الْمَشْهُورَ: " «إِنَّا أُمَّةٌ أُمَيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسِبُ» "، حَمْلًا لِهَذَا عَلَى الْأَكْثَرِ مِنْهُمْ، أَوْ عَلَى نَفْيِ الْحِسَابِ الْمَذْمُومِ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى التَّنْجِيمِ وَغَيْرِهِ، ثُمَّ خُصَّتِ الْمُسَبِّحَةُ ; لِأَنَّهَا لَهَا اتِّصَالٌ بِنِيَاطِ الْقَلْبِ، فَكَانَ سَبَبًا لِحُضُورِهِ، وَالْيُمْنَى مِنَ الْيُمْنِ بِمَعْنَى الْبَرَكَةِ، فَأُشِيرَ بِقَبْضِ الْيَمِينِ إِلَى التَّفَاؤُلِ بِحُصُولِ الْخَيْرَاتِ لِلْمُصَلِّي، وَأَنَّهُ يَحْفَظُهَا عَنِ الضَّيَاعِ وَاطِّلَاعِ الْأَغْيَارِ.
[ ٢ / ٧٢٩ ]
٩٠٧ - وَفِي رِوَايَةٍ: «كَانَ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَرَفَعَ أُصْبُعَهُ الْيُمْنَى الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ فَيَدْعُو بِهَا، وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ، بَاسِطَهَا عَلَيْهَا»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَفِي رِوَايَةٍ: «كَانَ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ»): أَيْ: لِلتَّشَهُّدِ كَمَا بَيَّنَتْهُ الرِّوَايَةُ الْأُولَى («وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ»): قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لَكِنْ مَعَ اخْتِلَافِ الْهَيْئَةِ كَمَا عُلِمَ مِنَ الرِّوَايَاتِ السَّابِقَةِ وَالْآتِيَةِ (وَرَفَعَ أُصْبُعَهُ): قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيُسَنُّ أَنْ يَكُونَ رَفَعَهَا إِلَى الْقِبْلَةِ لِحَدِيثٍ فِيهِ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَأَنْ يَنْوِيَ بِرَفْعِهَا حِينَئِذٍ التَّوْحِيدَ وَالْإِخْلَاصَ لِحَدِيثٍ فِيهِ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَأَنْ لَا يُجَاوِزَ بَصَرُهُ إِشَارَتَهُ لِلْإِتْبَاعِ الْآتِي، وَأَنْ يُخَصِّصَ الرَّفْعَ بِكَوْنِهِ مَعَ إِلَّا اللَّهُ لِمَا فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ وَبِهَا يَخُصُّ عُمُومَ خَبَرِ أَبِي دُوَادَ الْآتِي يُشِيرُ بِأُصْبُعِهِ إِذَا دَعَا، فَالْمُرَادُ إِذَا تَشَهَّدَ، وَالتَّشَهُّدُ حَقِيقَةُ النُّطْقِ بِالشَّهَادَةِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ التَّشَهُّدُ دُعَاءً لِاشْتِمَالِهِ عَلَيْهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: وَيَدْعُو بِهَا أَيْ يَتَشَهَّدُ بِهَا، وَأَنْ يَسْتَمِرَّ عَلَى الرَّفْعِ إِلَى آخِرِ التَّشَهُّدِ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا، وَإِنِ اعْتَرَضَهُ جَمْعٌ بِأَنَّ الْأَوْلَى عِنْدَ الْفَرَاغِ إِعَادَتُهَا اهـ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعَوَّلُ لِأَنَّ
[ ٢ / ٧٢٩ ]
الْإِعَادَةَ تَحْتَاجُ إِلَى رِوَايَةِ (الْيُمْنَى الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ): ظَاهِرُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَدَمُ عَقْدِ الْأَصَابِعِ، مَعَ الْإِشَارَةِ، وَهُوَ مُخْتَارُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، (يَدْعُو): وَفِي نُسْخَةٍ: فَيَدْعُو، أَيْ: يُهَلِّلُ سُمِّيَ التَّهْلِيلُ وَالتَّحْمِيدُ دُعَاءً ; لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ اسْتِجْلَابِ لُطْفِ اللَّهِ تَعَالَى وَلِذَا قِيلَ:
إِذَا أَثْنَى عَلَيْكَ الْمَرْءُ يَوْمًا كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﵇: " «أَفْضَلُ الدُّعَاءِ يَوْمَ عَرَفَةَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ» " إِلَخْ، وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: سُمِّيَ التَّشَهُّدُ دُعَاءً لِاشْتِمَالِهِ عَلَيْهِ، إِذْ مِنْ جُمْلَتِهِ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ إِلَى الصَّالِحِينَ، وَهَذَا كُلُّهُ دُعَاءٌ، وَإِنَّمَا عُبِّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الْإِخْبَارِ لِمَزِيدِ التَّوْكِيدِ، وَلِذَا قَالَ أَئِمَّةُ الْبَيَانِ: إِنَّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ أَعْظَمُ مِنَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، " لِأَنَّهُ " الْأَوَّلُ يَسْتَدْعِي قُوَّةَ الرَّجَاءِ بِوُقُوعِ الْمَغْفِرَةِ، وَإِنَّهَا صَارَتْ كَالْأَمْرِ الْوَاقِعِ الْمُحَقَّقِ حَتَّى أُخْبِرَ عَنْهَا بِلَفْظِ الْمَاضِي، بِخِلَافِ الثَّانِي (بِهَا): قَالَ الطِّيبِيُّ: إِمَّا أَنْ يُضَمَّنَ يَدْعُو مَعْنَى يُشِيرُ، أَيْ: يُشِيرُ بِهَا دَاعِيًا إِلَى وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ بِالْإِلَهِيَّةِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ حَالًا، أَيْ: يَدْعُو مُشِيرًا بِهَا، (وَيَدَهُ الْيُسْرَى): بِالنَّصْبِ فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ وَهُوَ الظَّاهِرُ (عَلَى رُكْبَتِهِ، بَاسِطَهَا): قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: بِفَتْحِ الطَّاءِ وَضَمِّهَا أَيْ: نَاشِرَهَا، أَيِ: السَّيِّدُ (عَلَيْهَا)، أَيْ: عَلَى الرُّكْبَةِ مِنْ غَيْرِ رَفْعِ أُصْبُعٍ بِهَا، (رَوَاهُ مُسْلِمٌ): قَالَ: مِيرَكُ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
[ ٢ / ٧٣٠ ]
٩٠٨ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵁، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَعَدَ يَدْعُو وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى، وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ السَّبَّابَةِ، وَوَضَعَ إِبْهَامَهُ عَلَى أُصْبُعِهِ الْوُسْطَى، وَيُلْقِمُ كَفَّهُ الْيُسْرَى رُكْبَتَهُ»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَعَدَ يَدْعُو»)، أَيْ: يَقْرَأُ التَّشَهُّدَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: سُمِّيَ دُعَاءً لِاشْتِمَالِهِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: سَلَامٌ عَلَيْكَ، وَسَلَامٌ عَلَيْنَا دُعَاءٌ («وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ السَّبَّابَةِ»)، أَيِ: الْمُسَبِّحَةِ (وَوَضَعَ): حَالٌ، أَيْ: وَقَدْ وَضَعَ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ مِنْ أَوَّلِ جُلُوسِهِ لِلتَّشَهُّدِ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الرِّوَايَاتُ الْأُخَرُ اهـ، وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَنَا، أَنَّهُ إِنَّمَا يَضَعُ عِنْدَ إِرَادَةِ الْإِشَارَةِ («إِبْهَامَهُ عَلَى أُصْبُعِهِ الْوُسْطَى، وَيُلْقِمُ»)، أَيْ: أَحْيَانًا (كَفَّهُ الْيُسْرَى رُكْبَتَهُ)، أَيِ: الْيُسْرَى، قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: جَعَلَهُ الْمُظْهِرُ مِنَ التَّلْقِيمِ، وَجُمْهُورُ الشُّرَّاحِ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْإِلْقَامِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يُقَالُ: لَقَمْتُ الطَّعَامَ إِذَا أَدْخَلْتَهُ فِي فِيكَ، أَيْ: يُدْخِلُ رُكْبَتَيْهِ فِي رَاحَةِ كَفِّهِ الْيُسْرَى، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ حَتَّى صَارَتْ رُكْبَتُهُ كَاللُّقْمَةِ فِي كَفِّهِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَا يُنَافِي هَذَا مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ السُّنَّةَ وَضْعُ بَطْنِ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ قَرِيبًا مِنْ رُكْبَتَيْهِ بِحَيْثُ تَسَامَتْهَا رُءُوسُ الْأَصَابِعِ ; لِأَنَّ ذَاكَ لِبَيَانِ كَمَالِ السُّنَّةِ، وَهَذَا الْبَيَانُ أَصْلُ السُّنَّةِ فَمَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا: يَنْبَغِي تَرْكُهُ لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِتَوْجِيهِهَا لِلْقِبْلَةِ فَقَدْ غَفَلَ عَنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْتُهُ قَوْلُ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: أَجْمَعُوا عَلَى نَدْبِ وَضْعِهَا عِنْدَ الرُّكْبَةِ أَوْ عَلَيْهَا، (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ٢ / ٧٣٠ ]
٩٠٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: «كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ قَبْلَ عِبَادِهِ، السَّلَامُ عَلَى جِبْرَائِيلَ، السَّلَامُ عَلَى مِيكَائِيلَ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ، فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ، أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، قَالَ: " لَا تَقُولُوا: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، فَإِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ، فَلْيَقُلِ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ - فَإِنَّهُ إِذَا قَالَ ذَلِكَ أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ - أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ، فَيَدْعُوهُ» "، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ قُلْنَا) أَيْ: فِي قُعُودِ التَّشَهُّدِ قَبْلَ مَشْرُوعِيَّتِهِ («السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ قَبْلَ عِبَادِهِ»)، أَيْ: قَبْلَ السَّلَامِ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ، وَهُوَ ظَرْفٌ، قُلْنَا: وَالسَّلَامُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى السَّلَامَةِ، وَاسْمٌ مِنْ أَسْمَائِهِ، وُصِفَ بِهِ مُبَالَغَةً فِي كَوْنِهِ سَلِيمًا مِنَ النَّقَائِصِ، أَوْ إِعْطَائِهِ السَّلَامَةَ، كَذَا قَالَهُ الْخَلْخَالِيُّ وَغَيْرُهُ.
[ ٢ / ٧٣٠ ]
قَالَ مِيرَكُ: كَذَا وَقَعَ فِي أَصْلِ سَمَاعِنَا فِي الْمِشْكَاةِ، وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْهُمَا بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ مِنْ عِبَادِهِ اهـ، وَالسَّلَامُ عَلَى اللَّهِ، بِمَعْنَى الِاعْتِرَافِ بِسَلَامَتِهِ تَعَالَى مِنْ كُلِّ نَقْصٍ فِعْلِيٍّ فِيهِ، بِمَعْنَى (اللَّامِ) .
(السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ): فِيهِ أَرْبَعُ لُغَاتٍ مَشْهُورَةٌ، (السَّلَامُ عَلَى مِيكَائِيلَ): فِيهِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ، لَكِنْ أَحَدُهَا وَهُوَ مِيكَالُ لَا يُسَاعِدُهُ الرَّسْمُ هُنَا (السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ)، أَيْ: عَلَى مَلَكٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، أَوْ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، يَعْنِي: كَانُوا يَقُولُونَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ عِوَضًا عَنِ التَّحِيَّاتِ (فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ)، أَيْ: فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ، وَقِيلَ: مِنَ الْمِعْرَاجِ (أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ): يَعْنِي: لَا بِمُجَرَّدِ الْكَلَامِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ تَأْكِيدٌ، وَالْجُمْلَةُ بَدَلٌ مَنِ انْصَرَفَ وَجَوَابٌ لِمَا " قَوْلُهُ " (قَالَ: " «لَا تَقُولُوا السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ» "): لِأَنَّ مَعْنَى السَّلَامِ عَلَيْكَ هُوَ الدُّعَاءُ بِالسَّلَامَةِ مِنَ الْآفَاتِ، أَيْ: سَلِمْتَ مِنَ الْمَكَارِهِ أَوْ مِنَ الْعَذَابِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ لِلَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، أَيْ: هُوَ الَّذِي يُعْطِي السَّلَامَ لِعِبَادِهِ، فَأَنَّى يُدْعَى لَهُ وَهُوَ الْمَدْعُوُّ عَلَى الْحَالَاتِ؟ وَوَرَدَ فِي الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ أَيِ الْمُخْتَصُّ بِهِ لَا غَيْرُكَ لِتَعْرِيفِ الْجُزْأَيْنِ الدَّالِّ عَلَى الْحَصْرِ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، أَيْ: حُصُولُهُ لَا مِنْ غَيْرِكَ، وَإِلَيْكَ يَعُودُ السَّلَامُ، أَيْ: مَا صَدَرَ مِنْ غَيْرِكَ مِنَ السَّلَامِ، فَإِنَّمَا لَهُمْ صُورَةٌ، وَأَمَّا حَقَائِقُهُ فَرَاجِعَةٌ إِلَيْكِ، (فَإِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَقُلْ): الْأَمْرُ فِيهِ لِلْوُجُوبِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ فَيَنْجَبِرُ بِسُجُودِ السَّهْوِ، وَكَذَا قُعُودُهُ الْأَوَّلُ وَاجِبٌ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ ﵇ سَجَدَ لِتَرْكِهِ، وَأَمَّا قُعُودُهُ الْأَخَيْرُ، فَإِنَّهُ فَرْضٌ عِنْدَنَا لِخَبَرِ إِذَا قَعَدَ الْإِمَامُ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ، ثُمَّ أَحْدَثَ قَبْلَ أَنْ يَتَشَهَّدَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ، وَلِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ مَوْقُوفًا: إِذَا جَلَسَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ، ثُمَّ أَحْدَثَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ، وَهُوَ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: إِنْ كُلًّا مِنْهُمَا ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ الْحُفَّاظِ، فَضَعِيفٌ بِاخْتِلَافِهِمْ، (" التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ ")، أَيْ: دُونَ غَيْرِهِ، قِيلَ: التَّحِيَّةُ تَفْعِلَةٌ مِنَ الْحَيَاةِ بِمَعْنَى الْإِحْيَاءِ وَالتَّبْقِيَةِ، وَقِيلَ: التَّحِيَّةُ: الْمَلِكُ سُمِّيَ بِهَا ; لِأَنَّ الْمَلِكَ سَبَبُ تَحِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ كَقَوْلِهِمْ: أَبَيْتَ اللَّعْنَ، وَأَسْلِمْ، وَأَنْعِمْ، وَقِيلَ: التَّحِيَّةُ الْبَقَاءُ، وَقِيلَ: السَّلَامُ وَجُمِعَتْ لِإِرَادَةِ اسْتِغْرَاقِ الْأَنْوَاعِ (" وَالصَّلَوَاتُ ")، أَيِ: الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَقِيلَ: الْعِبَادَاتُ أَيْ: هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِجَمِيعِ ذَلِكَ، وَقِيلَ الصَّلَاةُ مِنَ اللَّهِ الرَّحْمَةُ، وَقِيلَ: الصَّلَوَاتُ الْمَرْفُوعَةُ، أَوْ أَنْوَاعُ الرَّحْمَةِ، أَوِ الْأَدْعِيَةُ الَّتِي يُرَادُ بِهَا التَّعْظِيمُ، (" وَالطَّيِّبَاتُ "): قَالَ الطِّيبِيُّ: مَا يُلَائَمُ وَيُسْتَلَذُّ بِهِ، وَقِيلَ: الْكَلِمَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى الْخَيْرِ: كَسَقَاهُ اللَّهُ وَرَعَاهُ اللَّهُ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الطَّيِّبَاتُ مِنَ الصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ وَالثَّنَاءِ، وَقِيلَ: التَّحِيَّاتُ الْعِبَادَاتُ الْقَوْلِيَّةُ، وَالصَّلَوَاتُ الطَّاعَاتُ الْبَدَنِيَّةُ، وَالطَّيِّبَاتُ الْخَيْرَاتُ الْمَالِيَّةُ، نَقَلَهُ السُّيُوطِيُّ، وَهُوَ أَجْمَعُ الْأَقْوَالِ، قَالَ الْقَاضِي: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ مَعْطُوفَتَيْنِ عَلَى التَّحِيَّاتِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الصَّلَوَاتُ مُبْتَدَأً وَخَبَرُهَا مَحْذُوفًا، وَالطَّيِّبَاتُ مَعْطُوفَةً عَلَيْهَا، وَالْوَاوُ الْأُولَى لِعَطْفِ الْجُمْلَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَالثَّانِيَةُ لِعِطْفِ الْمُفْرَدِ عَلَى الْجُمْلَةِ اهـ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْوَاوَيْنِ لِعَطْفِ الْجُمْلَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ، الْخَبَرُ فِيهِمَا مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الْخَبَرُ السَّابِقُ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ عُمَرَ اللَّاحِقُ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَحُذِفَتِ الْوَاوُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ اخْتِصَارًا، وَهُوَ جَائِزٌ مَعْرُوفٌ فِي اللُّغَةِ، وَاخْتَارَ الشَّافِعِيُّ رِوَايَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَاخْتَارَ أَبُو حَنِيفَةَ رِوَايَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَاخْتَارَ مَالِكٌ رِوَايَةَ عُمَرَ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ الصَّلَاةُ بِأَيِّهَا شَاءَ الْمُصَلِّي، إِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الْأَفْضَلِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وُقُوعُ الْخِلَافِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ بَعْضَ مَنْ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَفِظَ الْكَلِمَةَ عَلَى الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ، وَبَعْضُهُمْ حَفِظَ اللَّفْظَ دُونَ الْمَعْنَى، وَسَاغَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الذِّكْرُ، وَكُلُّهُ ذِكْرٌ، وَالْمَعْنَى غَيْرُ مُخْتَلِفٍ، وَلَمَّا جَازَ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ بِعِبَارَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ كَانَ فِي الذِّكْرِ أَجْدَرَ اهـ.
وَفِيهِ إِيهَامٌ أَنَّهُ يَجُوزُ نَقْلُ الْقُرْآنِ بِالْمَعْنَى، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ إِجْمَاعًا بِخِلَافِ نَقْلِ الْحَدِيثِ، فَإِنَّ فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، ثُمَّ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - ﵁ - يَقُولُ فِي الْمِنْبَرِ، وَيَعْلَمُهُ النَّاسُ، وَهُوَ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ،
[ ٢ / ٧٣١ ]
الطَّيِّبَاتُ، الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، وَاخْتَارَهُ مَالِكٌ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ قَدِيمًا (" السَّلَامُ عَلَيْكَ "): قِيلَ: مَعْنَاهُ اسْمُ السَّلَامِ، أَيِ: اسْمُ اللَّهِ عَلَيْكَ، فَإِنَّهُ مَنْ أَعَانَهُ تَعَالَى لِأَنَّهُ الْمُسَلِّمُ لِعِبَادِهِ مِنَ الْآفَاتِ، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: السَّلَامُ بِمَعْنَى التَّسْلِيمِ، وَمَنْ سَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ سَلِمَ مِنَ الْآفَاتِ كُلِّهَا وَقِيلَ: السَّلَامَةُ مِنَ الْآفَاتِ كُلِّهَا عَلَيْكَ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَجَاءَ فِي فَضْلِ السَّلَامِ عَلَيْهِ ﷺ أَحَادِيثُ، مِنْهَا: لَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ بُعِثْتُ مَا مَرَرْتُ بِشَجَرٍ وَلَا حَجَرٍ إِلَّا قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمِنْهَا إِنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ وَإِنِّي لَأَعْرِفُهُ الْآنَ، وَفِي لَفْظِهِ: إِنَّ بِمَكَّةَ لَحَجَرًا يُسَلِّمُ عَلَيَّ لَيَالِيَ بُعِثْتُ إِنِّي لَأَعْرِفُهُ إِذَا مَرَرْتُ عَلَيْهِ، قِيلَ: وَهُوَ الْحَجَرُ الْبَارِزُ الْآنَ بِزُقَاقِ الْمَوْقَفِ الْمُقَابِلِ لِبَابِ الْجَائِزِ، (" أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ "): وَهِيَ لُغَةُ عَطْفٍ وَمَيْلٍ نَفْسَانِيٍّ، وَغَايَتُهَا التَّفَضُّلُ وَالْإِحْسَانُ وَالْإِنْعَامُ، أَوْ إِرَادَةُ ذَلِكَ، وَلِاسْتِحَالَةِ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أُرِيدَ بِهَا غَايَتُهَا الَّتِي هِيَ صِفَةُ فِعْلٍ أَوْ صِفَةُ ذَاتٍ (" وَبَرَكَاتُهُ "): وَهُوَ اسْمٌ لِكُلِّ خَيْرٍ فَائِضٍ مِنْهُ تَعَالَى عَلَى الدَّوَامِ، وَقِيلَ: الْبَرَكَةُ الزِّيَادَةُ فِي الْخَيْرِ، وَإِنَّمَا جُمِعَتِ الْبَرَكَةُ دُونَ السَّلَامِ وَالرَّحْمَةِ لِأَنَّهُمَا مَصْدَرَانِ (" السَّلَامُ عَلَيْنَا ")، أَيْ: مَعْشَرَ الْحَاضِرِينَ مِنَ الْمُصَلَّى، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَمُؤْمِنِي الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، وَقُدِّمَ أَنْفُسُهُمْ لِأَنَّهُ أَدَبُ الدُّعَاءِ، وَقُدِّمَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَنَّهُ الْوَسِيلَةُ، (" وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ - فَإِنَّهُ ")، أَيِ الشَّأْنَ أَوِ الْمَصْلَحَةَ (" إِذَا قَالَ ذَلِكَ أَصَابَ "): فَاعِلُهُ ضَمِيرُ ذَلِكَ، أَيْ: أَصَابَ ثَوَابَ هَذَا الدُّعَاءِ أَوْ بَرَكَاتِهِ (" كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ "): قُيِّدَ بِهِ ; لِأَنَّ التَّسْلِيمَ لَا يَصْلُحُ لِلْمُفْسِدِ، وَالصَّالِحُ هُوَ الْقَائِمُ بِحُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ الْعِبَادِ، عَلَى مَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ فِي مَجْمُوعِهِ عَنِ الزَّجَّاجِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ كُلُّ مُسْلِمٍ (فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ)، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَعْلَمَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الدُّعَاءَ لِلْمُؤْمِنِينَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ شَامِلًا لَهُمْ وَعَمَّهُمْ مَا يَعُمُّهُمْ وَأَمَرَهُمْ بِإِفْرَادِهِ ﵇ بِالذِّكْرِ لِشَرَفِهِ وَمَزِيدِ جَبْهَتِهِ وَتَخْصِيصِ أَنْفُسِهِمْ، فَإِنَّ الِاهْتِمَامَ بِهَا أَهَمُّ (" أَشْهَدُ ")، أَيْ: أَعْلَمُ بِالْجِنَانِ وَأُبَيِّنُ بِاللِّسَانِ (أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)، أَيْ: لَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ فِي الْوُجُودِ إِلَّا اللَّهُ الْوَاجِبُ الْوُجُودِ لِذَاتِهِ (" وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ")، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: رُوِيَ: أَنَّهُ ﷺ لَمَّا عُرِجَ بِهِ أَثْنَى عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَقَالَ ﵇: السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، فَقَالَ جِبْرِيلُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» اهـ، وَبِهِ يَظْهَرُ وَجْهُ الْخِطَابِ، وَأَنَّهُ عَلَى حِكَايَةِ مِعْرَاجِهِ ﵇ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ مِعْرَاجُ الْمُؤْمِنِينَ (" ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ ")، "، أَيْ: لِيَخْتَرْ (" مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ ")، أَيْ: أَحَبَّ الدُّعَاءِ وَأَرْضَاهُ مِنَ الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (" فَيَدْعُوهُ ")، أَيْ: فَيَقْرَأُ الدُّعَاءَ الْأَعْجَبَ، وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ فَيَدْعُو بِهِ، فَهُوَ مِنْ بَابِ الْحَذْفِ وَالْإِيصَالِ، وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ فَيَدْعُو اللَّهَ بِهِ وَحُذِفَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي لِلْعِلْمِ بِهِ، وَقِيلَ: هُوَ بِالنَّصْبِ عَلَى جَوَابِ الْأَمْرِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الدُّعَاءَ الْأَعْجَبَ هُوَ مَا وَرَدَ عَنْهُ ﷺ لِأَنَّهُ مُعَلِّمُ الْأَدَبِ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ): قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ إِلَّا أَنَّ النَّسَائِيَّ قَالَ فِي رِوَايَةٍ: سَلَامٌ عَلَيْنَا مُنَكِّرًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ اهـ، وَنَقَلَ مُلَّا حَنَفِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْحِصْنِ عَنِ الْعَسْقَلَانِيِّ: أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِحَذْفِ اللَّامِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ مِنْ أَفْرَادِ مُسْلِمٍ. تَمَّ كَلَامُهُ، وَبِالْجُمْلَةِ، فَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ أَصَحُّ مَا وَرَدَ فِي أَلْفَاظِ التَّشَهُّدِ، فَالْأَخْذُ بِهِ أَوْلَى وَأَتَمُّ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ مِنْهُمُ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدَّوْلَةِ السِّمْنَانِيُّ.
[ ٢ / ٧٣٢ ]
٩١٠ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، فَكَانَ يَقُولُ: التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» ".
رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلَمْ أَجِدْ فِي " الصَّحِيحَيْنِ "، وَلَا فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ: " سَلَامٌ عَلَيْكُمْ " وَسَلَامٌ عَلَيْنَا " بِغَيْرِ أَلْفٍ وَلَامٍ، وَلَكِنْ رَوَاهُ صَاحِبُ " الْجَامِعِ " عَنِ التِّرْمِذِيِّ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ»): سُمِّيَ بِاسْمِ جُزْئِهِ الْأَشْرَفِ كَمَا هُوَ الْقَاعِدَةُ عِنْدَ الْبُلَغَاءِ فِي تَسْمِيَةِ الْكُلِّ بِاسْمِ الْبَعْضِ (أَيْ يُعَلِّمُ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ): فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى اهْتِمَامِهِ، وَإِشَارَةٌ إِلَى وُجُوبِهِ (فَكَانَ يَقُولُ: " التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ ")، أَيِ: النَّامِيَاتُ (" الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ "): قَالَ عُلَمَاؤُنَا: وَمِنْ جُمْلَةِ مَا يُرَجِّحُ تَشَهُّدَ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ وَاوَ الْعَطْفِ تَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ، فَتَكُونُ كُلُّ جُمْلَةٍ ثَنَاءً مُسْتَقِلًّا، بِخِلَافِ مَا إِذَا سَقَطَتْ فَإِنَّ مَا عَدَا اللَّفْظَ الْأَوَّلَ يَكُونُ صِفَةً لَهُ، فَيَكُونُ جُمْلَةً وَاحِدَةً فِي الثَّنَاءِ، وَالْأَوَّلُ أَبْلَغُ، وَحَذْفُ وَاوِ الْعَاطِفِ، وَلَوْ كَانَ جَائِزًا، لَكِنَّ التَّقْدِيرَ خِلَافُ الظَّاهِرِ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى صَحِيحٌ بِدُونِ تَقْدِيرِهَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَاخْتَارَ الشَّافِعِيُّ رِوَايَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَإِنْ كَانَتْ رِوَايَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ أَشَدَّ صِحَّةً لِأَنَّهُ أَفْقَهُ، قُلْتُ: لَعَلَّهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَإِلَّا فَعِنْدَ إِمَامِنَا هُوَ أَفْقَهُ الصَّحَابَةِ بَعْدَ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ، وَهُوَ أَظْهَرُ لِكِبَرِ سِنِّهِ فِي حَيَاتِهِ ﵊، وَكَثْرَةِ مُلَازَمَتِهِ وَمُوَاظَبَةِ خِدْمَتِهِ مِنْ مُحَافَظَةِ النَّعْلِ وَالْمِخَدَّةِ وَالْمِطْهَرَةِ وَالسَّجَّادَةِ، قَالَ: وَلِاشْتِمَالِ مَا رَوَاهُ عَلَى زِيَادَةٍ، قُلْتُ: زِيَادَةُ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ، لَكِنْ لَا تُوجِبُ التَّرْجِيحَ، قَالَ: وَلِأَنَّهُ الْمُوَافِقُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١] قُلْتُ: الْمُوَافَقَةُ إِنَّمَا هِيَ لَفْظِيَّةٌ وَإِلَّا فَهِيَ وَارِدَةٌ فِي السَّلَامِ عِنْدَ الدُّخُولِ فِي الْبُيُوتِ قَالَ: وَلِأَنَّ فِي لَفْظِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ ضَبْطِهِ لَفْظَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ قَوْلُهُ: «كَانَ يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ»، وَفِيهِ أَنَّ التَّعْلِيمَ كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، وَنَقْلُهُ هَذَا غَيْرُ دَالٍّ عَلَى زِيَادَةِ ضَبْطِهِ، بَلْ يَرُدُّ عَلَيْكُمْ مَا صَحَّ فِي تَشَهُّدِ ابْنِ مَسْعُودٍ: عَلَّمَنِي النَّبِيُّ ﷺ وَكَفِّي بَيْنَ كَفَّيْهِ التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنِي السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ إِلَخْ، وَلَا يُنَافِيهِ مَا وَرَدَ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُنَا كَمَا يُعَلِّمُ السُّورَةَ، فَإِنَّ رِوَايَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ أَصَحُّ، وَلِهَذَا اخْتَارَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدُ، وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، وَالْمُحَدِّثِينَ، وَاخْتَارَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ تَشَهُّدَ عُمَرَ الَّذِي عَلَّمَهُ النَّاسَ عَلَى الْمِنْبَرِ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ، الطَّيِّبَاتُ، الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ إِلَخْ، وَيُجَابُ بِأَنَّا لَا نُنَازِعُ فِي أَصْلِ الثُّبُوتِ عَنْهُ ﷺ، بَلْ فِيمَا كَانَ يَعْتَنِي بِهِ أَكْثَرَ، أَوْ فِيمَا وَصَلَ إِلَيْنَا بِرِوَايَةٍ أَصَحَّ، وَهُوَ تَشَهُّدُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْأَفْضَلِ، وَالْجَوَازُ بِالْكُلِّ كَخِلَافِ الرِّوَايَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ، وَذَكَرَ الطِّيبِيُّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي التَّشَهُّدَاتِ إِنَّمَا نَشَأَ عَنْ أَنَّ بَعْضَهُمْ عَبَّرَ بِالْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ، وَأَقَرَّهُمْ - ﵇ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الذِّكْرُ اهـ. وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ حَجَرٍ، بِمَا هُوَ عَجِيبٌ وَقَالَ: هُوَ غَرِيبٌ، بَلِ الْمَقْصُودُ هُنَا اللَّفْظُ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِبْدَالُ كَلِمَةٍ مِنَ التَّشَهُّدِ الْوَاجِبِ بِرَدِيفِهَا، فَكَيْفَ بِغَيْرِهِ؟ (" «السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ» "): قَالَ الطِّيبِيُّ: يَجُوزُ فِيهِ وَفِيمَا بَعْدَهُ أَعْنِي (" «السَّلَامُ عَلَيْكَ وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ» "): حَذْفُ اللَّامِ وَإِثْبَاتُهُ وَالْإِثْبَاتُ أَفْضَلُ وَهُوَ الْمَوْجُودُ فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ قُلْتُ: بَلْ فِي الصِّحَاحِ السِّتِّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَسَيَأْتِي («أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» "): انْفَرَدَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِهَذَا اللَّفْظِ، إِذْ فِي سَائِرِ التَّشَهُّدَاتِ الْوَارِدَةِ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَجَابِرٍ، وَأَبِي مُوسَى، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ كُلِّهَا بِلَفْظِ: وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَالْمَنْقُولُ أَنَّ تَشَهُّدَهُ ﵇ كَتَشَهُّدِنَا، وَأَمَّا قَوْلُ الرَّافِعِيِّ: وَالْمَنْقُولُ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي تَشَهُّدِهِ: وَأَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَمَرْدُودٌ بِأَنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ، قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي
[ ٢ / ٧٣٣ ]
الْإِحْيَاءِ: وَقِيلَ قَوْلُكَ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَحْضَرْ شَخْصَهُ الْكَرِيمَ فِي قَلْبِكَ وَلِيَصْدُقْ أَمَلُكَ فِي أَنَّهُ يَبْلُغُهُ وَيَرُدُّ عَلَيْكَ مَا هُوَ أَوْفَى مِنْهُ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ: كُنَّا نَقُولُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ فَلَمَّا قُبِضَ ﵇ قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ، فَهُوَ رِوَايَةُ أَبِي عِوَانَةَ، وَرِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ الْأَصَحُّ مِنْهَا بَيَّنَتْ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، بَلْ مِنْ فَهْمِ الرَّاوِي عَنْهُ، وَلَفْظُهَا: فَلَمَّا قُبِضَ قُلْنَا: سَلَامٌ يَعْنِي عَلَى النَّبِيِّ، فَقَوْلُهُ قُلْنَا: سَلَامٌ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ اسْتَمْرَرْنَا بِهِ عَلَى مَا كُنَّا عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ عَرْضَنَا عَنِ الْخِطَابِ، وَإِذَا احْتَمَلَ اللَّفْظُ لَمْ يَبْقَ فِيهِ دَلَالَةٌ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، (رَوَاهُ مُسْلِمٌ): قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ، وَأَحْمَدُ، وَابْنُ حِبَّانَ، (وَلَمْ أَجِدْ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَلَا فِي الْجَمْعِ)، أَيْ: لِلْحُمَيْدِيِّ (بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ): وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ عِلْمٌ، وَالْعِلْمُ لَا يَتَغَيَّرُ (سَلَامٌ عَلَيْكَ وَسَلَامٌ عَلَيْنَا) بِغَيْرِ أَلْفٍ وَلَامٍ، وَلَكِنْ رَوَاهُ)، أَيِ: ابْنُ الْأَثِيرِ (صَاحِبُ الْجَامِعِ)، أَيْ: لِلْأُصُولِ السِّتِّ (عَنِ التِّرْمِذِيِّ): قَالَ ابْنُ حَجَرٍ وَذَكَرَهُ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا عَنْ مُسْلِمٍ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ فِي بَعْضِ نُسَخِهِ اهـ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ قَالَ: وَرَوَاهُ أَيْضًا الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ اهـ، فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الصِّحَاحِ، ثُمَّ أَصْلُ سَلَامٌ عَلَيْكِ سَلَّمْتُ سَلَامًا عَلَيْكَ، ثُمَّ حُذِفَ الْفِعْلُ، وَأُقِيمَ الْمَصْدَرُ مَقَامَهُ، وَعُدِلَ عَنِ النَّصْبِ إِلَى الرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ، فَإِنَّهُ الثُّبُوتُ وَالدَّوَامُ، ثُمَّ زِيدَتْ أَلْ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ، أَيِ: السَّلَامُ الَّذِي وُجِّهَ لِلْأَنْبِيَاءِ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ، وَالسَّلَامُ الَّذِي وُجِّهَ لِصَالِحِي الْأُمَمِ عَلَيْنَا وَعَلَى إِخْوَانِنَا، قَالَ مِيرَكُ: وَكَذَا أَنْكَرَ النَّسَائِيُّ أَيْضًا وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ، وَالنَّسَائِيِّ: وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
[ ٢ / ٧٣٤ ]
الْفَصْلُ الثَّانِي
٩١١ - عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ - ﵁ - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ، قَالَ: «ثُمَّ جَلَسَ، فَافْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى، وَحَدَّ مِرْفَقَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَقَبَضَ ثِنْتَيْنِ، وَحَلَّقَ حَلْقَةً، ثُمَّ رَفَعَ أُصْبُعَهُ، فَرَأَيْتُهُ يُحَرِّكُهَا يَدْعُو بِهَا»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّانِي.
(٢) (عَنْ وَائِلِ بْنِ حَجَرٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ)، أَيِ: الرَّاوِي (ثُمَّ جَلَسَ)، أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ هَذَا عَطْفٌ عَلَى مَا تُرِكَ ذِكْرُهُ فِي الْكِتَابِ مِنْ صَدْرِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ أَنَّ الرَّاوِيَ قَالَ: لَأَنْظُرَنَّ إِلَى صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَيْفَ يُصَلِّي، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَقَبْلَ الْقِبْلَةَ، فَكَبَّرَ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى حَاذَتَا أُذُنَيْهِ، ثُمَّ أَخَذَ شِمَالَهُ بِيَمِينِهِ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَهُمَا مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا مِثْلَ ذَلِكَ، فَلَمَّا سَجَدَ وَضَعَ رَأْسَهُ بِذَلِكَ الْمَنْزِلِ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ جَلَسَ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هَذَا عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: وَإِذَا نَهَضَ رَفَعَ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا مِثْلَ ذَلِكَ، فَلَمَّا سَجَدَ وَضَعَ رَأْسَهُ بِذَلِكَ الْمَنْزِلِ، بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ جَلَسَ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هَذَا عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: وَإِذَا نَهَضَ رَفَعَ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ فِي أَوَّلِ حِسَانِ بَابِ السُّجُودِ، («فَافْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى»)، أَيْ: وَجَلَسَ عَلَى بَاطِنِهَا وَنَصَبَ الْيُمْنَى («وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى، وَحَدَّ»): بِصِيغَةِ الْمَاضِي مُشَدَّدَةَ الدَّالِ بَعْدَ الْوَاوِ الْعَاطِفَةِ (مِرْفَقَهُ): بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَيَعْكِسُ («الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى»): قِيلَ: أَصْلُ الْحَدِّ الْمَنْعُ وَالْفَصْلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْمَنَاهِي حُدُودَ اللَّهِ، وَالْمَعْنَى فَصَلَ بَيْنَ مِرْفَقِهِ وَجَنْبِهِ، وَمَنَعَ أَنْ يَلْتَصِقَا فِي حَالَةِ اسْتِعْلَائِهِمَا عَلَى الْفَخِذِ، كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ: وَقَالَ الْمُظْهِرُ: أَيْ رَفَعَ مِرْفَقَهُ عَنْ فَخِذِهِ وَجَعَلَ عَظْمَ مِرْفَقِهِ كَأَنَّهُ رَأَسُ وَتِدٍ، فَجَعَلَهُ مُشَدَّدَ الدَّالِ مِنَ الْحِدَّةِ، وَقَالَ الْأَشْرَفُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَحَدَّ مَرْفُوعًا
[ ٢ / ٧٣٤ ]
مُضَافًا إِلَى الْمِرْفَقِ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَقَوْلُهُ: عَلَى فَخِذِهِ، الْخَبَرَ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ وَأَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا عَطْفًا عَلَى مَفْعُولِ وَضَعَ، أَيْ: وَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى، وَوَضَعَ حَدَّ مِرْفَقِهِ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، نَقَلَهُ مِيرَكُ، وَكَتَبَ تَحْتَهُ: وَفِيهِ نَظَرٌ، وَلَعَلَّ وَجْهَ النَّظَرِ أَنَّ وَضْعَ حَدِّ الْمِرْفَقِ لَا يَثْبُتُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَلَا دَلَالَةَ عَلَى مَا قَالَهُ عَلَى مَا قِيلَ فِي حَدِيثٍ صَحَّحَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَهُوَ «أَنَّهُ ﵇ جَعَلَ مِرْفَقَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى»، كَمَا لَا يَخْفَى، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: «وَحَدَّ مِرْفَقَهُ مِنَ التَّوْحِيدِ» أَيْ جَعَلَهُ مُنْفَرِدًا عَنْ فَخِدِهِ، (قَبَضَ): أَيْ مِنْ أَصَابِعِ يُمْنَاهُ (ثِنْتَيْنِ)، أَيِ: الْخِنْصَرَ وَالْبِنْصِرَ (وَحَلَّقَ): بِتَشْدِيدِ اللَّامِ (حَلْقَةً): بِسُكُونِ اللَّامِ وَتُفْتَحُ، أَيْ: أَخَذَ إِبْهَامَهُ بِأُصْبُعِهِ الْوُسْطَى كَالْحَلْقَةِ («ثُمَّ رَفَعَ أُصْبُعَهُ»)، أَيِ: الْمُسَبِّحَةَ كَمَا تَقَدَّمَ (فَرَأَيْتُهُ): كَذَا فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، أَيْ: فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (يُحَرِّكُهَا): ظَاهِرُهُ يُوَافِقُ مَذْهَبَ الْإِمَامِ مَالِكٍ، لَكِنَّهُ مُعَارَضٌ بِمَا سَيَأْتِي أَنَّهُ لَا يُحَرِّكُهَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى يُحَرِّكُهَا يَرْفَعُهَا، إِذْ لَا يُمْكِنُ رَفْعُهَا بِدُونِ تَحْرِيكِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَ الْمُظْهِرُ: اخْتَلَفُوا فِي تَحْرِيكِ الْأُصْبُعِ إِذَا رَفَعَهَا لِلْإِشَارَةِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَضَعُهَا مِنْ غَيْرِ تَحْرِيكٍ (يَدْعُو بِهَا): أَيْ: يُشِيرُ بِهَا، أَيْ: يَرْفَعُ أُصْبُعَهَا الْوَاحِدَةَ إِلَى وَحْدَانِيَّتِهِ تَعَالَى فِي دُعَائِهِ، أَيْ: تَشَهُّدِهِ، وَهُوَ حَقِيقَةُ النُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَسُمِّيَ التَّشَهُّدُ دُعَاءً لِاشْتِمَالِهِ عَلَيْهِ، وَلِذَلِكَ وَرَدَ: أَحِّدْ أَحِّدْ كَمَا سَيَأْتِي (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ): قَالَ مِيرَكُ: وَلَمْ يُضَعِّفْهُ، وَسَكَتَ عَلَيْهِ الْمُنْذِرِيُّ (وَالدَّارِمِيُّ): قَالَ مِيرَكُ: وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا.
[ ٢ / ٧٣٥ ]
٩١٢ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵁، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُشِيرُ بِأُصْبُعِهِ إِذَا دَعَا، وَلَا يُحَرِّكُهَا»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ: وَلَا يُجَاوِزُهُ إِشَارَتَهُ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُشِيرُ بِأُصْبُعِهِ إِذَا دَعَا»)، أَيْ: إِذَا دَعَا اللَّهَ بِالتَّوْحِيدِ (وَلَا يُحَرِّكُهَا): قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُحَرِّكُ الْأُصْبُعَ إِذَا رَفَعَهَا لِلْإِشَارَةِ، وَعَلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ): قَالَ النَّوَوِيُّ: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، نَقَلَهُ مِيرَكُ، وَهُوَ يُفِيدُ التَّرْجِيحَ عِنْدَ التَّعَارُضِ عَلَى الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ مَسْكُوتٌ عَنْهُ، (وَالنَّسَائِيُّ، وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ)، أَيْ: بِسَنَدٍ صَحِيحٍ قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ («وَلَا يُجَاوِزُ بَصَرُهُ إِشَارَتَهُ»)، أَيْ: بَلْ كَانَ يَتْبَعُ بَصَرُهُ إِشَارَتَهُ، لِأَنَّهُ الْأَدَبُ الْمُوَافِقُ لِلْخُضُوعِ، وَالْمَعْنَى لَا يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ حِينَ الْإِشَارَةِ إِلَى التَّوْحِيدِ، كَمَا هُوَ عَادَةُ بَعْضِ النَّاسِ، بَلْ يَنْظُرُ إِلَى أُصْبُعِهِ، وَلَا يُجَاوِزُ بَصَرَهُ عَنْهَا لِئَلَّا يُوهِمَ أَنَّ اللَّهَ ﷾ فِي السَّمَاءِ، تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَخَبَرُ تَحْرِيكِ الْأَصَابِعِ فِي الصَّلَاةِ مَذْعَرَةٌ لِلشَّيْطَانِ ضَعِيفٌ.
[ ٢ / ٧٣٥ ]
٩١٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: «إِنَّ رَجُلًا كَانَ يَدْعُو بِأُصْبُعَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " أَحِّدْ أَحِّدْ»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ "
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا): قَالَ مِيرَكُ " هُوَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ كَمَا وَرَدَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ سَعْدٍ (كَانَ يَدْعُو)، أَيْ: يُشِيرُ (بِأُصْبُعَيْهِ): الظَّاهِرُ أَنَّهُمَا الْمُسَبِّحَتَانِ («فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " أَحِّدْ أَحِّدْ»): كُرِّرَ لِلتَّأْكِيدِ فِي التَّوْحِيدِ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، أَيْ: أَشِرْ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ ; لِأَنَّ الَّذِي تَدْعُوهُ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ، وَأَصْلُهُ: وَحِّدْ ; أَمْرُ مُخَاطَبٍ مِنَ التَّوْحِيدِ، وَهُوَ الْقَوْلُ بِأَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ، قُلِبَتِ الْوَاوُ هَمْزَةً، كَمَا قِيلَ: أَحَدٌ وَإِحْدَى وَأُحَادُ، فَقَدْ بَلَغْتَ بِهَا الْقَلْبَ مَضْمُومَةً وَمَكْسُورَةً أَوْ مَفْتُوحَةً، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، لَكِنَّ قَلْبَ الْمَضْمُومَةِ قِيَاسٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى " ﴿أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: ١١] " وَأَمَّا إِبْدَالُ الْهَمْزَةِ مِنَ الْوَاوِ الْغَيْرِ الْمَضْمُومَةِ فَسَمَاعِيٌّ، وَالْمَعْنَى ارْفَعْ أُصْبُعًا وَاحِدَةً لِأَنَّكَ تُشِيرُ إِلَى وَحْدَانِيَّةِ مَنْ هُوَ وَاحِدٌ، لَا ثَانِيَ لَهُ لَا فِي الذَّاتِ وَلَا فِي الصِّفَاتِ، وَلَعَلَّ التَّكْرَارَ لِهَذَا الْمَعْنَى، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ): وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، نَقَلَهُ مِيرَكُ (وَالنَّسَائِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ): أَيْ فِي كِتَابِ الدَّعَوَاتِ (الْكَبِيرِ)، أَيِ: الْبَيْهَقِيُّ.
[ ٢ / ٧٣٦ ]
٩١٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَجْلِسَ الرَّجُلُ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ مُعْتَمِدٌ عَلَى يَدِهِ»، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، فِي رِوَايَةٍ لَهُ: «نَهَى أَنْ يَعْتَمِدَ الرَّجُلُ عَلَى يَدَيْهِ إِذَا نَهَضَ فِي الصَّلَاةِ» .
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَجْلِسَ الرَّجُلُ فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ مُعْتَمِدٌ»)، أَيْ: مُتَّكِئٌ عَلَى يَدِهِ: وَفِي نُسْخَةٍ: عَلَى يَدَيْهِ ; يَعْنِي بَلْ يَضَعُهُمَا عَلَى فَخِذَيْهِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، فِي رِوَايَةٍ لَهُ)، أَيْ: لِأَبِي دَاوُدَ (نَهَى أَنْ يَعْتَمِدَ)، أَيْ: يَتَّكِئَ (الرَّجُلُ عَلَى يَدَيْهِ إِذَا نَهَضَ)، أَيْ: قَامَ (فِي الصَّلَاةِ): بَلْ يَنْهَضُ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ مِنْ غَيْرِ اعْتِمَادٍ عَلَى الْأَرْضِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، قَالَ مِيرَكُ، نَقْلًا عَنِ الْأَزْهَارِ قِيلَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: أَنْ يَجْلِسَ الرَّجُلُ فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ مُعْتَمِدٌ عَلَى يَدِهِ فِي التَّشَهُّدِ عَلَى الْأَرْضِ، وَيَتَّكِئُ عَلَيْهَا، وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يَجْلِسَ الرَّجُلُ فِي الصَّلَاةِ، وَيُرْسِلَ الْيَدَيْنِ إِلَى الْأَرْضِ مِنْ فَخِذَيْهِ، وَقِيلَ أَنْ تُوضَعَ عَلَى الْأَرْضِ قَبْلَ الرُّكْبَتَيْنِ فِي الْهَوَى، وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ عِنْدَ الْقِيَامِ، وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ إِلَى اللَّفْظِ، يَعْنِي وَالْأَخِيرُ هُوَ فِي غَايَةٍ مِنَ الْبُعْدِ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، إِذْ مَعْنَاهُ لَا يُلَائِمُ النَّهْيَ عَنِ الْجُلُوسِ، وَأَيْضًا لَوْ حُمِلَ عَلَى الْمَعْنَى الْأَخِيرِ لَتَنَاقَضَتِ الرِّوَايَتَانِ عَنْ رَاوٍ وَاحِدٍ، وَمَعَ هَذَا قَالَ: وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَتَمَسَّكَ أَبُو حَنِيفَةَ بِالرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى أَنَّ الْمُصَلِّيَ لَا يَعْتَمِدُ عَلَى يَدَيْهِ عِنْدَ قِيَامِهِ وَيَعْتَمِدُ عَلَى ظُهُورِ الْقَدَمَيْنِ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْهَضُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَعْتَمِدُ عَلَى يَدَيْهِ عِنْدَ الْقِيَامِ لِمَا رَوَى مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ، أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ اعْتَمَدَ بِيَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ»، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ اهـ. وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ، أَوْ عَلَى حَالَةِ الْكِبَرِ، وَهُوَ أَوْفَى بِالتَّأْوِيلِ، وَإِنْ كَانَ أَصَحَّ رِوَايَةً لِاقْتِرَانِ رِوَايَةِ أَبُو دَاوُدَ بِلَفْظِ: " كَانَ ": الدَّالَّةِ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ الْمُؤَيَّدِ بِالنَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ، مَعَ أَنَّ حَدِيثَ الْبُخَارِيِّ لَمْ يُبَيَّنْ فِيهِ مَوْضِعُ الِاعْتِمَادِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَالَ السُّجُودِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ فِي صَدْرِ الْحَدِيثِ: وَيُؤْخَذُ مِنْهُ كَرَاهَةُ ذَلِكَ، وَوَجْهُهُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ شَأْنِ الْمُتَكَبِّرِينَ، وَبِهِ يَزُولُ اسْتِوَاءُ الْجُلُوسِ، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مُتَّكِئًا عَلَى وَجْهِهِ، أَوْ مَائِلًا عَلَى جَنْبِهِ فَغَيْرُ مُوَجَّهٍ، فَكَأَنَّهُ غَفَلَ عَمَّا ذَكَرَهُ أَئِمَّتُهُ، وَأَمَّا تَضْعِيفُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ لِضَعْفِهِ فَمَرْدُودٌ عَلَيْهِ، سِيَّمَا وَقَدْ أَخَذَ بِهِ الْمُجْتَهِدُ.
[ ٢ / ٧٣٦ ]
٩١٥ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ كَأَنَّهُ عَلَى الرَّضْفِ حَتَّى يَقُومَ»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ»)، أَيْ: فِيمَا بَعْدَهُمَا، وَهُوَ التَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ مِنْ صَلَاةٍ ذَاتِ أَرْبَعٍ، أَوْ ثَلَاثٍ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، (كَأَنَّهُ): أَيْ جَالِسٌ («عَلَى الرَّضْفِ حَتَّى يَقُومَ»): بِسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَتُفْتَحُ وَبَعْدَهَا فَاءٌ: جَمْعُ رَضْفَةٍ وَهِيَ حِجَارَةٌ مُحْمَاةٌ عَلَى النَّارِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: الرَّضْفُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ جَمْعُ رَضْفَةٍ، وَرُوِيَ بِسُكُونِ الضَّادِ - فَمُخَالِفٌ لِمَا فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ وَمُضَادٌّ لِمَا فِي الْقَامُوسِ أَيْضًا، قِيلَ: أَرَادَ بِهِ تَخْفِيفَ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَسُرْعَةَ الْقِيَامِ فِي الثُّلَاثِيَّةِ وَالرُّبَاعِيَّةِ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ: يَعْنِي: لَا يَلْبَثُ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ كَثِيرًا، بَلْ يُخَفِّفُهُ وَيَقُومُ مُسْرِعًا كَمَا هُوَ قَاعِدٌ عَلَى حَجَرٍ حَارٍّ، فَيَكُونُ مُكْتَفِيًا بِالتَّشَهُّدِ دُونَ الصَّلَاةِ، وَالدُّعَاءِ عَلَى مَذْهَبِنَا، أَوْ مُكْتَفِيًا بِالتَّشَهُّدِ، وَالصَّلَاةِ عَلَى الدُّعَاءِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمِنْهُ أَخَذَ أَئِمَّتُنَا أَنَّهُ لَا يُسَنُّ فِيهِ الصَّلَاةُ عَلَى الْأَوَّلِ، وَالْأَظْهَرُ مَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّ مَعْنَاهُ إِذَا قَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ يَعْنِي: الْأُولَى وَالثَّالِثَةَ مِنْ كُلِّ صَلَاةٍ رُبَاعِيَّةٍ، فَهُمَا الْأُولَيَانِ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ تَقَعُ الْفَاصِلَةُ بَيْنَهُمَا بِالتَّشَهُّدِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الثَّالِثَةَ هِيَ الْأُولَى مِنَ الشَّفْعِ الثَّانِي، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْمَعْنَى حَيْثُ قَالَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ دُونَ بَعْدِهِمَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَالَ التُّورْبَشْتِيُّ: أَرَادَ بِالرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَى وَالثَّالِثَةَ مِنَ الرُّبَاعِيَّةِ أَيْ: لَمْ يَكُنْ يَلْبَثُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ فِي هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ حَتَّى يَنْهَضَ قَائِمًا، قِيلَ: التَّأْوِيلُ ضَعِيفٌ، وَعُذْرُهُ فِي الثُّنَائِيَّةِ وَالثُّلَاثِيَّةِ بِقَوْلِهِ: إِنَّمَا ذِكْرُ الصَّحَابِيِّ الرُّبَاعِيَّةَ اكْتِفَاءً بِذِكْرِ الْأُولَى مِنْ كُلِّ الرَّكْعَتَيْنِ - تَعَسُّفٌ، وَأَيْضًا هَذَا التَّأْوِيلُ لَا يُوَافِقُ إِيرَادَ هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ التَّشَهُّدِ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَيَدْفَعُ الضَّعْفُ، بِمَا قَوَّيْنَاهُ، وَهُوَ عُذْرٌ فِيمَا أَوَّلْنَاهُ كَمَا قَدَّمْنَا، وَأَمَّا الْإِيرَادُ فَلَا يَدْفَعُ الْإِيرَادَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْمُرَادِ، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ): وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ: قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لَكِنْ رَدَّهُ النَّوَوِيُّ فِي مَجْمُوعِهِ فَقَالَ: لَيْسَ كَمَا قَالَ بَلْ هُوَ مُنْقَطِعٌ اهـ، وَوَافَقَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فَقَالَ: إِنَّهُ ضَعِيفٌ، وَمِنْ ثَمَّ اخْتَارَ جَمْعٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا نَدْبَ الصَّلَاةِ عَلَى الْآلِ فِيهِ اهـ. وَلَعَلَّ رَدَّ النَّوَوِيِّ فِي طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ التِّرْمِذِيِّ، وَإِلَّا فَكَيْفَ يَخْفَى الِانْقِطَاعُ عَلَى مِثْلِهِ، وَيَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا أَنَّهُ قَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ لِلْحَدِيثِ سَنَدَيْنِ عِنْدَهُ، وَالْمُنْقَطِعُ يَكُونُ هُوَ الَّذِي سَمَّاهُ حَسَنًا فَمُرَادُهُ بِهِ أَنَّهُ حَسَنٌ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ السَّنَدُ الْآخَرُ الَّذِي هُوَ صَحِيحٌ عِنْدَهُ فَتَأَمَّلْ، فَإِنَّهُ مَوْضِعُ زَلَلٍ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ غَيْرِهِ أَجَلُّ.
[ ٢ / ٧٣٧ ]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٩١٦ - عَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ: " بِسْمِ اللَّهِ، وَبِاللَّهِ، التَّحِيَّاتُ لَهُ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَسْأَلُ اللَّهَ الْجَنَّةَ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ» " رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّالِثُ
(٢) (عَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَالَ، «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ»): أَيْ فِي اخْتِلَافِ أَلْفَاظِهِ كَاخْتِلَافِ أَلْفَاظِهَا (" بِسْمِ اللَّهِ، وَبِاللَّهِ "): تَفَرَّدَ جَابِرٌ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ (" التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ "): بِحَذْفِ الْعَاطِفِ، وَفِي قَوْلِهِ لِلَّهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْإِخْلَاصِ (" السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ "): وَجَوَازُ الْخِطَابِ مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ ﵇، إِذْ لَوْ قِيلَ لِغَيْرِهِ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا السَّلَامُ عَلَيْكَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ (" «السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ» "): فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمُصَلِّينَ مِنْ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ
[ ٢ / ٧٣٧ ]
(" «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» "): وَفِي هَذَا تَجْدِيدٌ لِلْإِيمَانِ، وَتَأْكِيدٌ لِلْإِتْقَانِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ [النساء: ١٣٦] وَقَالَ ﷺ: " «جَدِّدُوا إِيمَانَكُمْ» " (" «أَسْأَلُ اللَّهَ الْجَنَّةَ»): لِأَنَّهَا دَارُ الرِّضَا وَاللِّقَاءِ، (" «وَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ» "): لِأَنَّهَا دَارُ السُّخْطِ وَالشَّقَاءِ، (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) .
[ ٢ / ٧٣٨ ]
٩١٧ - وَعَنْ نَافِعٍ، قَالَ: «كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ وَأَتْبَعَهَا بَصَرَهُ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " لَهِيَ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنَ الْحَدِيدِ " يَعْنِي السَّبَّابَةَ»، رَوَاهُ أَحْمَدُ.
_________________
(١) (وَعَنْ نَافِعٍ)، أَيْ: مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ (قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ): أَيْ لِلتَّشَهُّدِ: (وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ): وَهُوَ يَحْتَمِلُ النَّشْرَ فِي الْيَدَيْنِ وَقَبَضَ الْيُمْنَى (وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ)، أَيِ: الْمُسَبِّحَةِ (وَأَتْبَعَهَا)، أَيِ: الْإِشَارَةَ أَوِ الْأُصْبُعَ (بَصَرَهُ): حِينَ الْإِشَارَةِ (ثُمَّ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " لَهِيَ»): أَيِ الْإِشَارَةُ إِلَى الْوَحْدَانِيَّةِ (" «أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنَ الْحَدِيدِ» "): إِذْ لَا يَتَأَثَّرُ مِنَ الْحَدِيدِ كَمَا يَتَأَثَّرُ مِنَ التَّوْحِيدِ (يَعْنِي): هَذَا كَلَامُ الرَّاوِي، أَيْ يُرِيدُ النَّبِيَّ ﷺ بِالضَّمِيرِ فِي " لَهِيَ " (السَّبَّابَةَ)، أَيِ: الْإِشَارَةَ بِهَا فَعَّالَةٌ مِنَ السَّبِّ، وَهُوَ الشَّتْمُ وَسَبُّهُ أَيْضًا قَطْعُهُ، وَالْحَمْلُ عَلَى الْمَعْنَى الثَّانِي أَنْسَبُ لِذِكْرِ الْحَدِيدِ، كَأَنَّهُ بِالْإِشَارَةِ بِهَا يَقْطَعُ طَمَعَ الشَّيْطَانِ مِنْ إِضْلَالِهِ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، قُلْتُ: الْمَعْنَى الْأَوَّلُ هُوَ الْأَشْهَرُ، وَالْمُنَاسَبَةُ فِيهِ لِذِكْرِ الْحَدِيدِ أَظْهَرُ، فَكَأَنَّهُ بِالْإِشَارَةِ يَحْمَدُ اللَّهَ بِالتَّوْحِيدِ وَيَذُمُّ الشَّيْطَانَ بِحَمْلِهِ عَلَى الْإِشْرَاكِ وَالْإِغْوَاءِ الْبَعِيدِ، وَيَتَأَثَّرُ هَذَا الْكَلَامُ الدَّالُّ عَلَى الصَّلَاحِ، مَا لَا يَتَأَثَّرُ بِآلَاتِ الْحَدِيدِ مِنَ السِّلَاحِ، وَنِعْمَ مَا قَالَ مَنْ قَالَ: جِرَاحَاتُ السِّنَانِ لَهَا الْتِئَامُ وَلَا يَلْتَامُ مَا جَرَحَ اللِّسَانُ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
[ ٢ / ٧٣٨ ]
٩١٨ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، كَانَ يَقُولُ مِنَ السُّنَّةِ إِخْفَاءُ التَّشَهُّدِ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ: مِنَ السُّنَّةِ إِخْفَاءُ التَّشَهُّدِ): قَالَ الطِّيبِيُّ: إِذَا قَالَ الصَّحَابِيُّ مِنَ السُّنَّةِ كَذَا، أَوِ السُّنَّةُ كَذَا فَهُوَ فِي الْحُكْمِ كَقَوْلِهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، هَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ، وَجَعَلَهُ بَعْضُهُمْ مَوْقُوفًا وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَقِيلَ: مَعْنَى سَنَّ كَذَا شَامِلٌ لِمَعْنَى قَالَ، وَفَعَلَ، وَقَرَّرَ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) .
[ ٢ / ٧٣٨ ]