الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
١٣٢٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِبِلَالٍ عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ: " يَا بِلَالُ! حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الْإِسْلَامِ؟ فَإِنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الْجَنَّةِ "، قَالَ: مَا عَمِلْتُ عَمَلًا أَرْجَى عِنْدِي أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ طُهُورًا فِي سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ، إِلَّا صَلَّيْتُ بِذَلِكَ الطُّهُورِ مَا كُتِبَ لِي أَنْ أُصَلِّيَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) بَابُ التَّطَوُّعِ أَيْ: سَائِرُ أَنْوَاعِ التَّطَوُّعِ مِنَ الصَّلَوَاتِ الثَّابِتَةِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. مِنْ شُكْرِ الْوُضُوءِ، وَصَلَاةِ الِاسْتِخَارَةِ، وَالتَّوْبَةِ، وَالْحَاجَةِ، وَمِنْهَا صَلَاةُ التَّسْبِيحِ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
(٢) (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِبِلَالٍ عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بِمَعْنَى عَقِبَ أَوْ قُبَيْلَ، وَتَحْتَمِلُ الصَّلَاةُ فَرْضَهُ وَسُنَّتَهُ. (يَا بِلَالُ! حَدِّثْنِي)، أَيْ: أَخْبِرْنِي (بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ)، أَيْ: اخْتَرَعْتَهُ (فِي الْإِسْلَامِ): قِيلَ: أَضَافَ الرَّجَاءَ إِلَى الْعَمَلِ ; لِأَنَّهُ سَبَبُهُ، أَوْ هُوَ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، فَإِنَّ الْعَمَلَ مَرْجُوٌّ بِهِ الثَّوَابُ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْفَاعِلِ، أَيْ: أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يَكُونُ رَجَاؤُكَ بِثَوَابِهِ أَكْثَرَ اهـ. وَفِي كَلَامِهِ مُسَامِحَتَانِ: الْأُولَى قَوْلُهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْفَاعِلِ، وَالْحَالُ أَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، وَالْأُخْرَى أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ هُوَ مَعْنَى الْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ. (فَإِنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ)، أَيْ: صَوْتَهُمَا عِنْدَ مَشْيِكَ فِيهِمَا، وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ ابْنِ حَجَرٍ، أَيْ: صَوْتَ مَشْيِكَ فِيهِمَا ; لِأَنَّ الْمَشْيَ الَّذِي هُوَ الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيُّ لَيْسَ لَهُ صَوْتٌ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ، وَأَصْلُهُ السَّيْرُ اللَّيِّنُ، وَالْمُرَادُ هُنَا الصَّوْتُ اللَّيِّنُ الْمُلَائِمُ النَّاشِئُ مِنَ السَّيْرِ، وَلَعَلَّهُ سُمِّيَ الدُّفُّ دُفًّا لِذَلِكَ. (بَيْنَ يَدِيَّ): وَهَذَا مِنْ بَابِ تَقْدِيمِ الْخَادِمِ عَلَى الْمَخْدُومِ وَحِكْمَةُ سَمَاعِهِ لِدَفِّهِمَا أَنَّهُمَا آلَةُ الْمَشْيِ، وَالِاجْتِهَادُ الْمُوَصِّلُ لِلْمَقْصِدِ وَالْمُرَادِ، كَذَا قِيلَ، وَلَعَلَّ فِي صُورَةِ التَّقْدِيمِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ عَمِلَ عَمَلًا خَالِصًا، وَلِذَا خُصَّ مِنْ بَيْنِ عُمُومِ الْخُدَّامِ بِسَمَاعِ دَفَّ نَعْلَيْهِ الْمُشِيرِ إِلَى خِدْمَتِهِ، وَصُحْبَتِهِ لَهُ - ﵇ - فِي الدَّارَيْنِ وَمُرَافَقَتِهِ. (فِي الْجَنَّةِ): قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا أَمْرٌ كُوشِفَ بِهِ - ﵊ - مِنْ عَالَمِ الْغَيْبِ فِي نَوْمِهِ، أَوْ يَقَظَتِهِ، أَوْ بَيْنَ النَّوْمِ وَالْيَقَظَةِ، أَوْ رَأَى ذَلِكَ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ، وَمَشْيهِ بَيْنَ يَدَيْهِ ﷺ عَلَى سَبِيلِ الْخِدْمَةِ كَمَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِتَقَدُّمِ بَعْضِ الْخَدَمِ بَيْنَ يَدِيِّ مَخْدُومِهِ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَهُ - ﵊ - بِمَا رَآهُ لِيَطِيبَ قَلْبُهُ وَيُدَاوِمَ عَلَى ذَلِكَ الْعَمَلِ وَلِتَرْغِيبِ السَّامِعِينَ إِلَيْهِ. (قَالَ: مَا عَمِلْتُ عَمَلًا)، أَيْ: خَاصًّا مِنْ لَدُنِّي (أَرْجَى عِنْدِي أَنِّي): بِالْفَتْحِ، أَيْ: مِنْ أَنِّي، وَقِيلَ بِالْكَسْرِ جُمْلَةً مُسْتَأْنِفَةً جَوَابَ لِمَ سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ؟ فَقَالَ: أَنِّي (لَمْ أَتَطَهَّرْ): وَلَا يَخْفَى بَعْدَهُ (طُهُورًا): بِضَمِّ الطَّاءِ، أَيْ: طَهَارَةٌ وَهِيَ شَامِلَةٌ لِلْوُضُوءِ وَالْغَسْلِ وَالتَّيَمُّمِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ الْمَلَكِ وَقَالَ: بِفَتْحِ الطَّاءِ، أَيْ وُضُوءً. (فِي سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ): كَذَا فِي الْأُصُولِ الْمُصَحَّحَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ: أَوْ نَهَارٍ، وَعَكْسِ ابْنِ حَجَرٍ. (إِلَّا صَلَّيْتُ بِذَلِكَ الطُّهُورِ مَا كُتِبَ لِي)، أَيْ: قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِي مِنَ النَّوَافِلِ (أَنْ أُصَلِيَّ): وَقِيلَ: وَجَبَ وَاللَّامُ بِمَعْنَى " عَلَى " وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلرِّوَايَةِ ; لِأَنَّهَا بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَلِلدِّرَايَةِ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّلَاةِ إِنَّمَا هِيَ الصَّلَاةُ الْمَخْصُوصَةُ، وَهِيَ الَّتِي تُسَمَّى شُكْرُ الْوُضُوءِ، قِيلَ: فِيهِ جَوَازُ الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ، وَفِيهِ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الْمُصَرِّحَةَ بِالْحُرْمَةِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى هَذَا الْمُحْتَمَلِ، مَعَ أَنَّ الْحَدِيثَ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى الْفَوْرِيَّةِ، بَلِ الْبُعْدِيَّةِ بِشَرْطِ بَقَاءِ تِلْكَ الطَّهَارَةِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ): قَالَ مِيرَكُ: وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ، وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ ذَكَرَ أُمُورًا مُتَعَدِّدَةً غَيْرَ ذَلِكَ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَكَرَ الْكُلَّ فَحَفِظَ بَعْضُ الرُّوَاةِ هَذَا، وَبَعْضُهُمْ ذَاكَ، أَوْ تَكُونُ الْوَاقِعَةُ مُكَرَّرَةً، فَذَكَرَ هَذَا فِي مَرَّةٍ، وَذَاكَ فِي أُخْرَى.
[ ٣ / ٩٨٤ ]
١٣٢٣ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ فِي الْأُمُورِ، كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، يَقُولُ: " إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ لْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ، فَإِنَّك تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ ولا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إِنَّ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي، وَمَعَاشِي، وَعَاقِبَةِ أَمْرِي - أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ - فَاقْدُرْهُ لِي، وَيَسِّرْهُ لِي، ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي، وَمَعَاشِي، وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاصْرِفْهُ عَنِّي، وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقَدُرْ لِيَ الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، ثُمَّ أَرْضِنِي بِهِ "، قَالَ: " وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ)، أَيْ: طَلَبَ تَيَسُّرِ الْخَيْرِ فِي الْأَمْرَيْنِ مِنَ الْفِعْلِ، أَوِ التَّرْكِ مِنَ الْخَيْرِ وَهُوَ ضِدُّ الشَّرِّ. (فِي الْأُمُورِ)، أَيْ: الَّتِي نُرِيدُ الْإِقْدَامَ عَلَيْهَا مُبَاحَةً كَانَتْ أَوْ عِبَادَةً، لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى إِيقَاعِ الْعِبَادَةِ فِي وَقْتِهَا وَكَيْفِيَّتِهَا لَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَصْلِ فِعْلِهَا. (كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ): وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ الِاعْتِنَاءِ بِهَذَا الدُّعَاءِ (يَقُولُ): بَدَلٌ أَوْ حَالٌ (إِذَا هَمَّ)، أَيْ: قَصَدَ (أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ)، أَيْ: مِنْ نِكَاحٍ أَوْ سَفَرٍ أَوْ غَيْرِهَا مِمَّا يُرِيدُ فِعْلَهُ أَوْ تَرْكَهُ، قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: الْوَارِدُ عَلَى الْقَلْبِ عَلَى مَرَاتِبَ: الْهِمَّةُ، ثُمَّ اللَّمَّةُ، ثُمَّ الْخَطِرَةُ، ثُمَّ النِّيَّةُ، ثُمَّ الْإِرَادَةُ، ثُمَّ الْعَزِيمَةُ، فَالثَّلَاثَةُ الْأَوَّلُ لَا يُؤَاخِذُ بِهَا بِخِلَافِ الثَّلَاثِ الْأَخِيرَةِ فَقَوْلُهُ: إِذَا هَمَّ يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ أَوَّلُ مَا يَرِدُ عَلَى الْقَلْبِ، فَيَسْتَخِيرُ، فَيَظْهَرُ لَهُ بِبَرَكَةِ الصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ مَا هُوَ الْخَيْرُ، بِخِلَافٍ مَا إِذَا تَمَكَّنَ الْأَمْرُ عِنْدَهُ وَقَوِيَتْ عَزِيمَتُهُ فِيهِ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ إِلَيْهِ مَيْلٌ وَحُبٌّ، فَيَخْشَى أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ وَجْهُ الْأَرْشَدِيَّةِ لِغَلَبَةِ مَيْلِهِ إِلَيْهِ، قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْهَمِّ الْعَزِيمَةَ ; لِأَنَّ الْخَوَاطِرَ لَا تُثْبِتُ فَلَا يَسْتَخِيرُ إِلَّا عَلَى مَا يَقْصِدُ التَّصْمِيمَ عَلَى فِعْلِهِ، وَإِلَّا لَوِ اسْتَخَارَ فِي كُلِّ خَاطِرٍ لَاسْتَخَارَ فِيمَا لَا يَعْبَأُ بِهِ فَتَضِيعُ عَلَيْهِ أَوْقَاتُهُ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِلَفْظِ " إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَمْرًا ". رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ. (فَلْيَرْكَعْ)، أَيْ: لِيُصَلِّ أَمْرُ نَدْبٍ (رَكْعَتَيْنِ): بِنِيَّةِ الِاسْتِخَارَةِ، وَهُمَا أَقَلُّ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ، يَقْرَأُ فِي الْأُولَى (الْكَافِرُونَ): وَفِي الثَّانِيَةِ (الْإِخْلَاصِ): وَقِيلَ فِي الْأُولَى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ - مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ - وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [القصص: ٦٨ - ٦٩] وَفِي الثَّانِيَةِ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] (مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ): بَيَانٌ لِلْأَكْمَلِ، وَنَظِيرُهُ: تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ وَشُكْرُ الْوُضُوءِ، قَالَ مِيرَكُ: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا تُجْزِئُ الْفَرِيضَةُ وَمَا عُيِّنَ وَقْتًا فَتَجُوزُ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جَمْعٌ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهَا فِي غَيْرِ الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ. (ثُمَّ لْيَقُلْ)، أَيْ: بَعْدَ الصَّلَاةِ (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ)، أَيْ: أَطْلُبُ أَصْلَحَ الْأَمْرَيْنِ (بِعِلْمِكَ)، أَيْ: بِسَبَبِ عِلْمِكَ، وَالْمَعْنَى أَطْلُبُ مِنْكَ أَنْ تَشْرَحَ صَدْرِي لِخَيْرِ الْأَمْرَيْنِ بِسَبَبِ عِلْمِكَ بِكَيْفِيَّاتِ الْأُمُورِ، وَجُزْئِيَّاتِهَا، وَكُلِّيَّاتِهَا ; إِذْ لَا يُحِيطُ بِخَيْرِ الْأَمْرَيْنِ عَلَى الْحَقِيقَةِ إِلَّا مَنْ هُوَ كَذَلِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦] . قَالَ الطِّيبِيُّ: الْبَاءُ فِيهِ، وَفِي قَوْلِهِ: (وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ): إِمَّا لِلِاسْتِعَانَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: ٤١]، أَيْ: أَطْلُبُ خَيْرَكَ مُسْتَعِينًا بِعِلْمِكَ فَإِنِّي لَا أَعْلَمُ فِيمَ خَيْرُكَ، وَأَطْلُبُ مِنْكَ الْقُدْرَةَ فَإِنَّهُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ، وَإِمَّا لِلِاسْتِعْطَافِ، أَيْ بِحَقِّ عِلْمِكَ الشَّامِلِ وَقُدْرَتِكِ الْكَامِلَةِ اهـ. وَنَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ [القصص: ١٧] الْآيَةَ. وَقِيلَ: أَيْ أَطْلُبُ مِنْكَ أَنْ تُقَدِّرَ لِي الْخَيْرَ بِمَعْنَى تُظْهِرَ لِي تَقْدِيرُكَ الْخَيْرَ بِسَبَبِ قُدْرَتِكَ عَلَيْهِ. (وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ)، أَيْ: تَعْيِينُ الْخَيْرِ وَتَبْيِينُهُ وَتَقْدِيرُهُ وَتَيْسِيرُهُ، وَإِعْطَاءُ الْقُدْرَةِ لِي عَلَيْهِ، (فَإِنَّكَ تَقْدِرُ): بِالْقُدْرَةِ الْكَامِلَةِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُمْكِنٍ تَعَلَّقَتْ بِهِ إِرَادَتُكَ، (وَلَا أَقْدِرُ): عَلَى شَيْءٍ إِلَّا بِقُدْرَتِكَ وَحَوْلِكَ وَقُوَّتكَ، (وَتَعْلَمُ): بِالْعِلْمِ الْمُحِيطِ بِجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ خَيْرِهَا وَشَرِّهَا، كُلِّيهَا
[ ٣ / ٩٨٥ ]
وَجُزْئِيهَا، مُمْكِنِهَا وَغَيْرِهَا، (وَلَا أَعْلَمَ): شَيْئًا مِنْهَا إِلَّا بِإِعْلَامِكَ وَإِلْهَامِكَ (وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ): بِضَمِّ الْغَيْنِ وَكَسْرِهَا، وَهَذَا مِنْ بَابِ الِاكْتِفَاءِ، أَوْ مِنْ طَرِيقِ الْبُرْهَانِ، أَيْ: أَنْتَ كَثِيرُ الْعِلْمِ بِمَا يَغِيبُ عَنِ السَّوِيِّ، فَإِنَّكَ تَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى، فَضْلًا عَنِ الْأُمُورِ الْحَاضِرَةِ، وَالْأَشْيَاءِ الظَّاهِرَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَهَذَا الْكَلَامُ تَذْيِيلٌ وَتَتْمِيمٌ وَتَكْمِيلٌ مَعَ إِطْنَابٍ وَتَأْكِيدٍ لِمَا قَبْلَهُ، وَمَقَامُ الدُّعَاءِ خَلِيقٌ بِذَلِكَ لِمَا وَرَدَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ فِي الدُّعَاءِ، وَلَعَلَّ حِكْمَةَ تَشْوِيشِ النَّشْرِ الْإِشَارَةُ بِتَقْدِيمِ الْعِلْمِ أَوَّلًا إِلَى عُمُومِهِ، وَبِتَقْدِيمِ الْقُدْرَةِ ثَانِيًا إِلَى أَنَّهَا الْأَنْسَبُ بِالْمَطْلُوبِ الَّذِي هُوَ الْإِقْدَارُ عَلَى فِعْلِ خَيْرِ الْأَمْرَيْنِ عَلَى أَنَّ مَقَامَ الْعِلْمِ خَتَمَ بِأَخِيرِهِ بِجُمْلَةِ وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ، وَتَرَكَ: وَأَنْتَ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. (اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ)، أَيْ: إِنْ كَانَ فِي عِلْمِكَ (أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ)، أَيْ: الَّذِي يُرِيدُهُ كَمَا فِي رِوَايَةٍ، وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ أَوْ يُضْمِرُ فِي بَاطِنِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: مَعْنَاهُ اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ، فَأَوْقَعَ الْكَلَامَ مَوْقِعَ الشَّكِّ عَلَى مَعْنَى التَّفْوِيضِ إِلَيْهِ.: وَالرِّضَا بِعِلْمِهِ فِيهِ، وَهَذَا النَّوْعُ يُسَمِّيهِ أَهْلُ الْبَلَاغَةِ (تَجَاهُلَ الْعَارِفِ)، وَ(مَزْجَ الشَّكِّ بِالْيَقِينِ)، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الشَّكَّ فِي أَنَّ الْعِلْمَ مُتَعَلِّقٌ بِالْخَيْرِ أَوِ الشَّرِّ، لَا فِي أَصْلِ الْعِلْمِ اهـ.
وَالْقَوْلُ الْآخَرُ هُوَ الظَّاهِرُ، وَنَتَوَقَّفُ فِي جَوَازِ الْأَوَّلِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. (خَيْرٌ لِي) أَيِ الْأَمْرُ الَّذِي عَزَمْتُ عَلَيْهِ أَصْلَحُ (فِي دِينِي)، أَيْ: فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِدِينِي أَوَّلًا وَآخِرًا (وَمَعَاشِي): فِي الصِّحَاحِ: الْعَيْشُ الْحَيَاةُ، وَقَدْ عَاشَ الرَّجُلُ مَعَاشًا وَمَعِيشًا، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا وَأَنْ يَكُونَ اسْمًا مِثْلَ مَعَابٍ وَمَعِيبٍ، قَالَ مِيرَكُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْمَعَاشِ الْحَيَاةَ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَا يُعَاشُ فِيهِ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عِنْد الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ: فِي دِينِي وَفِي دُنْيَايَ وَفِي حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ عِنْدَهُ أَيْضًا فِي الْكَبِيرِ: فِي دُنْيَايَ وَآخِرَتِي. (وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ): الظَّاهِرُ أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ: فِي دِينِي إِلَخْ، وَقَالَ الْجَزَرِيُّ فِي مِفْتَاحِ الْحِصْنِ: " أَوْ " فِي الْمَوْضِعَيْنِ لِلتَّخْيِيرِ، أَيْ: أَنْتَ مُخَيَّرٌ إِنْ شِئْتَ قُلْتَ: عَاجَلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ، أَوْ قُلْتَ مَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي.
قَالَ الطَّيِّبِيُّ الظَّاهِرُ أَنَّهُ شَكَّ فِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: عَاقِبَةِ أَمْرِي، أَوْ قَالَ: عَاجَلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْقَوْمُ حَيْثُ قَالُوا هِيَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: خَيْرٌ فِي دِينِهِ دُونَ دُنْيَاهُ وَهُوَ مَقْصُودُ الْإِبْدَالِ، وَخَيْرٌ فِي دُنْيَاهُ فَقَطْ وَهُوَ حَظٌّ حَقِيرٌ، وَخَيْرٌ فِي الْعَاجِلِ دُونَ الْآجِلِ وَبِالْعَكْسِ وَهُوَ أَوْلَى، وَالْجَمْعُ أَفْضَلُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الشَّكُّ فِي أَنَّهُ - ﵊ - قَالَ: فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي، أَوْ قَالَ بَدَلَ الْأَلْفَاظِ الثَّلَاثَةِ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ، وَلَفْظُ " فِي " الْمُعَادَةِ فِي قَوْلِهِ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي، رُبَّمَا يُؤَكِّدُ هَذَا، وَعَاجِلُ الْأَمْرِ يَشْمَلُ الدِّينِيَّ وَالدُّنْيَوِيَّ، وَالْآجِلُ يَشْمَلُهُمَا وَالْعَاقِبَةَ. (فَاقْدُرْهُ): بِضَمِّ الدَّالِّ وَيُكْسَرُ (لِي)، أَيْ: اجْعَلْهُ مَقْدُورًا لِي أَوْ هَيِّئْهُ وَنَجِّزْهُ لِي، فِي النِّهَايَةِ: قَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ الْقَدْرِ فِي الْحَدِيثِ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَمَّا قَضَاهُ اللَّهُ وَحَكَمَ بِهِ مِنَ الْأَمْرِ، وَهُوَ مَصْدَرُ قَدَرَ يَقْدِرُ قَدْرًا، وَقَدْ تُسَكَّنُ دَالُهُ، وَمِنْهُ لَيْلَةُ الْقَدْرِ الَّتِي تُقَدَّرُ فِيهَا الْأَرْزَاقُ وَتُقْضَى، وَمِنْهُ حَدِيثُ الِاسْتِخَارَةِ: فَاقْدُرْهُ لِي، قَالَ مِيرَكُ: رُوِيَ بِضَمِّ الدَّالِّ وَكَسْرِهَا، وَمَعْنَاهُ أَدْخِلْهُ تَحْتَ قُدْرَتِي، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: (وَيَسِّرْهُ لِي): طَلَبَ التَّيْسِيرِ بَعْدَ التَّقْدِيرِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنَ التَّقْدِيرِ التَّيْسِيرُ فَيَكُونُ وَيَسِّرْهُ عَطْفًا تَفْسِيرِيًّا اهـ. وَلَا يَخْفَى بَعْدَهُ ; لِأَنَّ الْأَقْدَارَ أَعَمُّ، وَفِي رِوَايَةِ الْبَزَّارِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " فَوَفِّقْهُ وَسَهِّلْهُ "، وَقَالَ ابْنُ الْمُعَلَّى فِي مَنْسِكِهِ: تَنْبِيهٌ، قَالَ شِهَابُ الدِّينِ الْقَرَافِيُّ فِي كِتَابِهِ الْقَوَاعِدِ: مِنَ الدُّعَاءِ الْمُحَرَّمِ الْمُرَتَّبِ عَلَى اسْتِئْنَافِ الْمَشِيئَةِ، كَمَنْ يَقُولُ: اقْدُرْ لِيَ الْخَيْرَ ; لِأَنَّ الدُّعَاءَ بِوَضْعِهِ اللُّغَوِيِّ، إِنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْمُسْتَقْبَلَ دُونَ الْمَاضِي ; لِأَنَّهُ طَلَبٌ، وَالطَّلَبُ فِي الْمَاضِي مَحَالٌ، فَيَكُونُ مُقْتَضَى هَذَا الدُّعَاءِ أَنْ يَقَعَ تَقْدِيرُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْمُسْتَقْبَلِ مِنَ الزَّمَانِ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ اسْتِئْنَافُ التَّقْدِيرِ، أَيْ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْبَدَاءِ، بَلْ وَقَعَ جَمِيعُهُ فِي الْأَزَلِ، فَيَكُونُ هَذَا الدُّعَاءُ يَقْتَضِي مَذْهَبَ مَنْ يَرَى أَنَّهُ لَا قَضَاءَ، وَأَنَّ الْأَمْرَ أَنُفٌ، كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنِ الْخَوَارِجِ وَهُوَ فِسْقٌ بِإِجْمَاعٍ.
فَإِنْ قُلْتَ: قَدْ وَرَدَ الدُّعَاءُ بِلَفْظِ: اقْدُرْ فِي حَدِيثِ الِاسْتِخَارَةِ فَقَالَ فِيهِ: " وَاقَدُرْ لِيَ الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ "، قُلْتُ: يَتَعَيَّنُ أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّ التَّقْدِيرَ أُرِيدَ بِهِ هَاهُنَا التَّيْسِيرُ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ، فَالدَّاعِي إِذَا أَرَادَ هَذَا الْمَجَازَ جَازَ، وَإِنَّمَا يُحْرَمُ الْإِطْلَاقُ عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ. (ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ)، أَيْ: أُكْثِرِ الْخَيْرَ وَالْبَرَكَةَ فِيمَا أَقْدَرْتَنِي عَلَيْهِ وَيَسَّرْتَهُ لِي، وَالظَّاهِرُ أَنَّ ثُمَّ
[ ٣ / ٩٨٦ ]
لِلرُّتْبَةِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَحِكْمَةُ ثُمَّ أَنَّ فِي الْحُصُولِ بَعْدَ السُّؤَالِ نَوْعُ تَرَاخٍ غَالِبًا اهـ. وَهُوَ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ ; إِذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَصْحُوبًا بِالْبَرَكَةِ مِنْ أَوَّلِ الْوَهْلَةِ كَانَ مُضْمَحِلًّا، نَعَمْ ظُهُورُ الْبَرَكَةِ قَدْ يَكُونُ مُتَرَاخِيًا مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ، وَعَلَى تَسْلِيمِ صِحَّةِ مَا قَالَ فِي الْخَارِجِ مَثَلًا، فَهُوَ لَا يُنَاسِبُ مَقَامَ الطَّلَبِ وَالدُّعَاءِ أَصْلًا.
(وَإِنَّ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ)، أَيْ: الْمَذْكُورَ أَوِ الْمُضْمَرَ، فَاللَّامُ لِلْعَهْدِ (شَرٌّ لِي)، أَيْ: غَيْرُ صَالِحٍ (فِي دِينِي، وَمَعَاشِي، وَعَاقِبَةِ أَمْرِي)، أَيْ: مَعَادِي (أَوْ قَالَ)، أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ بَدَلُ مَا تَقَدَّمَ، أَوْ قَالَ الْمُسْتَخِيرُ بَدَلَهُ (فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ): " فَأَوْ " عَلَى الْأَوَّلِ لِلشَّكِّ وَعَلَى الثَّانِي لِلتَّخْيِيرِ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَلَا يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا كَمَا قِيلَ: وَإِنْ جَمَعَ بِأَنْ حَذَفَ، قَالَ: لِيَكُونَ مِنْ بَابِ التَّأْكِيدِ فَلَا بَأْسَ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَرْوِيَّ فِي سَائِرِ أَحَادِيثِ الِاسْتِخَارَةِ انْحَصَرَ عَلَى الْأَوَّلِ. (فَاصْرِفْهُ عَنِّي)، أَيْ: بِالْبُعْدِ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَبِعَدَمِ إِعْطَاءِ الْقُدْرَةِ لِي عَلَيْهِ وَبِالتَّعْوِيقِ وَالتَّعْسِيرِ فِيهِ. (وَاصْرِفْنِي عَنْهُ): قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: فَاصْرِفْهُ ; لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مَصْرُوفًا عَنْهُ إِلَّا وَيَكُونُ هُوَ مَصْرُوفًا عَنْهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِقَوْلِهِ: فَاصْرِفْهُ عَنِّي لَا تَقْدِرْنِي عَلَيْهِ، وَبِقَوْلِهِ: اصْرِفْنِي عَنْهُ اصْرِفْ خَاطِرِي عَنْهُ، حَتَّى لَا يَكُونَ سَبَبَ اشْتِغَالِ الْبَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ.
(وَاقَدِرْ لِيَ الْخَيْرَ)، أَيْ: يَسِّرْهُ لِي وَاجْعَلْهُ مَقْدُورًا لِفِعْلِي. (حَيْثُ كَانَ)، أَيِ: الْخَيْرُ مِنْ زَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ: حَيْثُ كُنْتُ، وَفِي رِوَايَةِ الْبَزَّارِ: وَإِنْ كَانَ غَيْرُ ذَلِكَ خَيْرًا فَوَفِّقْنِي لِلْخَيْرِ حَيْثُ كَانَ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ: " وَإِنْ كَانَ غَيْرُ ذَلِكَ خَيْرًا لِي فَاقْدُرْ لِيَ الْخَيْرَ حَيْثُمَا كَانَ "، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: "، أَيْنَمَا كَانَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ". (ثُمَّ أَرْضِنِي بِهِ)، أَيْ: بِالْخَيْرِ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ: بِقَضَائِكَ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ، أَيِ اجْعَلْنِي رَاضِيًا بِخَيْرِكَ الْمَقْدُورِ ; لِأَنَّهُ رُبَّمَا قُدِّرَ لَهُ مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ فَرَآهُ شَرًّا، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: " ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ " مِنَ التَّرْضِيَةِ، وَهُوَ جَعْلُ الشَّيْءِ رَاضِيًا وَأَرْضَيْتُ وَرَضِيتُ بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنًى، قَالَ مِيرَكُ وَهُوَ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ. (قَالَ)، أَيِ: الرَّاوِي وَهُوَ جَابِرٌ أَوْ غَيْرُهُ (وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ)، أَيْ: عِنْدَ قَوْلِهِ هَذَا الْأَمْرِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ إِمَّا حَالٌ مِنْ فَاعِلِ يَقُلْ، أَيْ: فَلْيَقُلْ هَذَا مُسَمِّيًا، أَوْ عَطْفٌ عَلَى لِيَقُلْ عَلَى التَّأْوِيلِ ; لِأَنَّهُ أَيْ: يُسَمَّى فِي مَعْنَى الْأَمْرِ اهـ. وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ لَفْظِ النُّبُوَّةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَيَشْهَدُ عَلَيْهِ الْأُصُولُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ فِيهَا، وَأَيْضًا لَا يُشْتَرَطُ فِي إِبْرَازِ الْأَمْرِ وَتَعْيِينِهِ التَّسْمِيَةُ وَالْإِظْهَارُ، بَلْ يَكْفِي فِي تَبْيِينِهِ النِّيَّةُ وَالْإِضْمَارُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْأَسْرَارِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ): قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَلْتُ: وَزَادَ ابْنُ حِبَّانَ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ كِلَاهُمَا، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ: فَإِنْ كَانَ زَوَاجًا فَلْيَكْتُمُ الْخِطْبَةَ، أَيْ: بِالْكَسْرِ، ثُمَّ لْيَتَوَضَّأْ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ ثُمَّ لْيُصَلِّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ، ثُمَّ لْيَحْمَدِ اللَّهَ وَيُمَجِّدْهُ، ثُمَّ لْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعَلُّمُ وَلَا أَعْلَمَ وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ، فَإِنْ رَأَيْتَ، أَيْ عَلِمْتَ أَنَّ فِي فُلَانَةٍ وَيُسَمِّيهَا، أَيْ يَذْكُرُهَا بِاسْمِهَا، أَيْ: فِي لِسَانِهِ أَوْ قَلْبِهِ خَيْرًا لِي فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَآخِرَتِي فَاقْدُرْهَا لِي، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهَا خَيْرًا لِي مِنْهَا فِي دِينِي وَآخِرَتِي فَاقْدُرْهَا لِي اهـ.
وَفِي تَرْكِ الدُّنْيَا فِي الْفِقْرَةِ الْأَخِيرَةِ نُكْتَةٌ لَا تَخْفَى، وَرَوَى الْحَاكِمُ وَالتِّرْمِذِيُّ، مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ وَلَفْظُهُ: " «مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ كَثْرَةُ اسْتِخَارَتِهِ اللَّهَ وَرِضَاهُ بِمَا قَضَى اللَّهُ تَعَالَى لَهُ، وَمِنْ شَقَاوَةِ ابْنِ آدَمَ تَرْكُهُ اسْتِخَارَةِ اللَّهِ وَسُخْطُهُ بِمَا قَضَى اللَّهُ لَهُ» "، وَلَفْظُ الْحَاكِمِ: " مِنْ «سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ كَثْرَةُ اسْتِخَارَتِهِ اللَّهَ، وَمِنْ شِقْوَتِهِ تَرْكُهُ اسْتِخَارَةِ اللَّهِ» "، وَفِي الصِّحَاحِ: الشِّقْوَةُ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ لُغَةً الشَّقَاوَةُ، وَفِي الْحَدِيثِ: " «مَا خَابَ مَنِ اسْتَخَارَ، وَلَا نَدِمَ مَنِ اسْتَشَارَ، وَلَا عَالٍ مَنِ اقْتَصَدَ» ". رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ أَنَسٍ ﵁، قِيلَ: وَيَمْضِي بَعْدَ الِاسْتِخَارَةِ لِمَا يَنْشَرِحُ لَهُ صَدْرُهُ انْشِرَاحًا خَالِيًا عَنْ هَوَى النَّفْسِ، فَإِنْ لَمْ يَنْشَرِحْ لِشَيْءٍ، فَالَّذِي يُظْهِرُ أَنَّهُ يُكَرِّرُ الصَّلَاةَ حَتَّى يَظْهَرَ لَهُ الْخَيْرُ، قِيلَ: إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ، وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَجَلَةً فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ خِرْ لِي بِكَسْرِ الْخَاءِ، وَاخْتَرْ لِي وَاجْعَلْ لِيَ الْخَيَرَةَ بِفَتْحِ الْيَاءِ فِيهِ، أَوِ اللَّهُمَّ خِرْ لِي وَاخْتَرْ لِي، وَلَا تَكِلُنِي إِلَى اخْتِيَارِي، وَنُقِلَ عَنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ هَذِهِ الِاسْتِخَارَةُ الْمَنْظُومَةُ.
يَا خَائِرًا لِعَبِيدِهِ لَا تَتْرُكَّنَ أَحَدًا سُدَى خِرْ لِي إِلَيْكَ طَرِيقَةً بِيَدَيْكَ أَسْبَابُ الْهُدَى وَمِنَ الدَّعَوَاتِ الْمَأْثُورَةِ: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي لِصَالِحِ الْأَعْمَالِ وَالْأَخْلَاقِ، لَا يَهْدِي لِصَالِحِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا، لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ» .
[ ٣ / ٩٨٧ ]
الْفَصْلُ الثَّانِي
١٣٢٤ - عَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ - وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا، ثُمَّ يَقُومُ فَيَتَطَهَّرُ، ثُمَّ يُصَلِّي، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، إِلَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥] . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ ; إِلَّا أَنَّ ابْنَ مَاجَهْ لَمْ يَذْكُرِ الْآيَةَ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّانِي
(٢) (عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ - وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ - ﵁): وَهَذَا مِنْ بَابِ رِوَايَةِ الْأَقْرَانِ، كَرِوَايَةِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ذَلِكَ وَعَكْسَهُ، وَرِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَسَيَأْتِي وَجْهُ قَوْلِهِ: وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيَّنَ بِهَا عَلِيٌّ ﵁ جَلَالَةَ أَبِي بَكْرٍ ﵁، وَمُبَالَغَتَهُ فِي الصِّدْقِ، حَتَّى سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صِدِّيقًا. (قَالَ)، أَيْ: أَبُو بَكْرٍ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " مَا مِنْ رَجُلٍ)، أَيْ: أَوِ امْرَأَةٍ، وَمِنْ زَائِدَةٌ لِزِيَادَةِ إِفَادَةِ الِاسْتِغْرَاقِ (يُذْنِبُ ذَنْبًا)، أَيْ: أَيُّ ذَنْبٍ كَانَ (ثُمَّ يَقُومُ): قَالَ الطِّيبِيُّ: ثُمَّ لِلتَّرَاخِي فِي الرُّتْبَةِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لِلتَّرَاخِي الزَّمَانِيِّ، يَعْنِي وَلَوْ تَأَخَّرَ الْقِيَامُ بِالتَّوْبَةِ عَنْ مُبَاشَرَةِ الْمَعْصِيَةِ ; لِأَنَّ التَّعْقِيبَ لَيْسَ بِشَرْطٍ، فَالْإِتْيَانُ بِثُمَّ لِلرَّجَاءِ، وَالْمَعْنَى ثُمَّ يَسْتَيْقِظُ مِنْ نَوْمِ الْغَفْلَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ﴾ [سبأ: ٤٦] (فَيَتَطَهَّرُ)، أَيْ: فَيَتَوَضَّأُ كَمَا فِي رِوَايَةٍ. وَالْغَسْلُ أَفْضَلُ، وَبِالْمَاءِ الْبَارِدِ أَكْمَلُ، كَذَا قِيلَ، وَلَعَلَّ مَأْخَذَهُ قَوْلُهُ - ﵊: " «اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ» "، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى تَبْرِيدِ الْقَلْبِ عَنْ حَرَارَةِ هَوَى النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (ثُمَّ يُصَلِّي): وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ السُّنِّيِّ: رَكْعَتَيْنِ، أَيْ: بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] وَالْإِخْلَاصِ، أَوْ بِالْآيَةِ الْآتِيَةِ، وَبِآيَةِ: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠] (ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ)، أَيْ: لِذَلِكَ الذَّنْبِ كَمَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ السُّنِّيِّ، وَالْمُرَادُ بِالِاسْتِغْفَارِ التَّوْبَةُ بِالْمُدَاوَمَةِ وَالْإِقْلَاعِ وَالْعَزْمِ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ إِلَيْهِ أَبَدًا، وَأَنْ يَتَدَارَكَ الْحُقُوقَ إِنْ كَانَتْ هُنَاكَ، وَثُمَّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ لِمُجَرَّدِ الْعَطْفِ التَّعْقِيبِي (إِلَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ): وَفِي الْحِصْنِ: إِلَّا غَفَرَ لَهُ، أَيْ ذُنُوبَهُ كُلَّهَا، بَلْ وَبُدِّلَتْ سَيِّئَاتُهُ حَسَنَاتٌ عَلَى مَا يَشْهَدُ لَهُ آيَةُ الْفَرْقَانِ وَنِهَايَةِ الْغُفْرَانِ (ثُمَّ قَرَأَ)، أَيْ: النَّبِيُّ ﷺ اسْتِشْهَادًا وَاعْتِضَادًا، أَوْ قَرَأَ أَبُو بَكْرٍ تَصْدِيقًا وَتَوْفِيقًا (وَالَّذِينَ): عَطْفٌ عَلَى الْمُتَّقِينَ لِبَيَانِ أَنَّ الْجَنَّةَ كَمَا أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ أُعِدْتَ لِلتَّائِبِينَ، أَوْ هُوَ مُبْتَدَأُ خَبَرُهُ سَيَأْتِي وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ ; لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنْ لَا يُفْصَلَ بَيْنَ الْمُتَعَاطِفَيْنِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْعَطْفُ تَفْسِيرِيًّا فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: وَهُمُ الَّذِينَ ﴿إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ [آل عمران: ١٣٥]، أَيْ: فَعِلَةٌ مُتَزَايِدَةٌ فِي الْقُبْحِ ﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥]: بِالصَّغَائِرِ كَالْقُبْلَةِ وَاللَّمْسِ وَالنَّظَرِ الْحَرَامِ وَالْكَذِبِ، وَالْغَيْبَةِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: أَيُّ ذَنْبٍ كَانَ مِمَّا يُؤَاخَذُونَ بِهِ اهـ. فَيَكُونُ تَعْمِيمًا بَعْدَ تَخْصِيصٍ. ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، أَيْ: ذَكَرُوا عِقَابَهُ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، أَوْ وَعِيدَهُ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ مَعْنَاهُ: صَلُّوا، لَكِنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، فَالْمَعْنَى ذَكَرُوا اللَّهَ بِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الذِّكْرِ مِنْ ذِكْرِ الْعِقَابِ، أَوْ تَذْكُرِّ الْحِجَابَ، أَوْ تَعْظِيمَ رَبِّ الْأَرْبَابِ، أَوْ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ، أَوْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، أَوْ بِالصَّلَاةِ الَّتِي تَجْمَعُهَا (فَاسْتَغْفَرُوا)، أَيْ: طَلَبُوا الْمَغْفِرَةَ مَعَ وُجُودِ التَّوْبَةِ وَالنَّدَامَةِ، فَإِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ الِاسْتِقَامَةِ (لِذُنُوبِهِمْ): اللَّامُ مَعْدِيَّةٌ أَوْ تَعْلِيلِيَّةٌ قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْآيَةَ اهـ. وَتَمَامُهَا: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ﴾ [آل عمران: ١٣٥] أَيْ: لَا يَغْفِرُهَا (إِلَّا اللَّهَ)، أَيِ: الْمَوْصُوفَ بِصِفَةِ الْغَفُورِ وَالْغَفَّارِ، فَالْأُولَى مُبَالَغَةٌ لِكَثْرَةِ الذُّنُوبِ، وَالثَّانِيَةُ لِكَثْرَةِ الْمُذْنِبِينَ، فَالِاسْتِفْهَامُ بِمَعْنَى النَّفْيِ اعْتِرَاضٌ بَيْنَ الْمُتَعَاطِفَيْنِ، (وَلَمْ يُصِرُّوا)، أَيْ: لَمْ يَدِيمُوا وَلَمْ
[ ٣ / ٩٨٨ ]
يَسْتَمِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا مِنَ الذُّنُوبِ، فَإِنَّ الْإِصْرَارَ عَلَى الصَّغَائِرِ يُعَدُ مِنَ الْكَبَائِرِ، فَمَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ مَا وَقَعَ مِنْهُمْ زَلَّةٌ صَدَرَ عَنْهُمْ تَوْبَةٌ لِقَوْلِهِ - ﵊: " «مَا أَصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وَإِنْ عَادَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ. وَهُمْ يَعْلَمُونَ حَالَ مَنْ يُصِرُّوا، أَيْ: وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى قَبِيحِ فِعْلِهِمْ عَالِمَيْنِ بِهِ.
قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: أَوْ يَعْلَمُونَ جَزَاءَ الْإِصْرَارِ أَوْ ثَوَابَ الِاسْتِغْفَارِ، أَوْ صِفَةَ رَبِّهِمُ الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ، كَمَا وَرَدَ فِي الْأَخْبَارِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «إِنَّ عَبْدًا أَصَابَ ذَنْبًا، فَقَالَ: رَبِّ أَذْنَبْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْهُ لِي، فَقَالَ رَبُّهُ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا، فَقَالَ: رَبِّ أَذْنَبْتُ ذَنْبًا آخَرَ فَاغْفِرْهُ لِي، فَقَالَ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِهِ، غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا، فَقَالَ: رَبِّ أَذْنَبْتُ ذَنْبًا آخَرَ فَاغْفِرْهُ لِي، فَقَالَ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، غَفَرْتُ لِعَبْدِي " ثَلَاثًا. " فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ» ". رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ، قِيلَ: فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ قَدْ يُطْلِقُ الْأَمْرَ لِلتَّلَطُّفِ ; وَإِظْهَارِ الْعِنَايَةِ وَالرَّحْمَةِ، كَمَا تَقُولُ لِمَنْ تُرَاقِبُهُ وَتَتَقَرَّبُ إِلَيْهِ وَهُوَ يُبَاعِدُ وَيُقَصِّرُ فِي حَقِّكَ: افْعَلْ مَا شِئْتَ فَلَسْتُ أُعْرِضُ عَنْكَ، وَلَا أَتْرُكُ وِدَادَكَ، وَهُوَ فِي الْحَدِيثِ بِهَذَا الْمَعْنَى، أَيْ: إِنْ فَعَلَتْ أَضْعَافَ مَا كُنْتَ تَفْعَلُ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَ عَنْهُ غَفَرْتُ لَكَ فَإِنِّي أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا مَا دُمْتَ عَنْهَا مُسْتَغْفِرًا إِيَّاهَا، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ: فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ إِذَا كَانَ بِالْوَصْفِ السَّابِقِ، كَمَا يَتَبَادَرُ فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ الْأَمْرَ بِالْمَعْصِيَةِ وَالتَّوْبَةِ، وَهُوَ لَا يَصِحُّ فَتَأَمَّلْ، وَخَبَرُ الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ هُوَ الْآيَةُ الثَّانِيَةُ، وَهِيَ: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٦] . (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
قَالَ مِيرَكُ: مِنْ طَرِيقِ قُتَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ أَسْمَاءِ بْنِ الْحَكَمِ الْفَزَارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا ﵁ يَقُولُ: إِنِّي كُنْتُ رَجِلًا إِذَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا يَنْفَعُنِي اللَّهُ مِنْهُ بِمَا شَاءَ، وَإِذَا حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنَ الصَّحَابَةِ اسْتَحْلَفْتُهُ، فَإِذَا حَلَفَ لِي صَدَّقْتُهُ، وَإِذَا حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ - وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ.
قُلْتُ: وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ الصِّدِّيقَ ﵁ كَانَ مُلْتَزِمًا أَنْ لَا يَرْوِيَ إِلَّا إِذَا كَانَ مَحْفُوظُهُ بِالْمَبْنَى دُونَ الْمَرْوِيِّ بِالْمَعْنَى، بِخِلَافِ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ، وَلِذَا قَلَّتْ رِوَايَتُهُ كَأَبِي حَنِيفَةَ تَبَعًا لَهُ فِي هَذِهِ الْخُصُوصِيَّةِ، فَهَذَا وَجْهٌ لِقَوْلِهِ: وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ إِلَخْ.
قَالَ مِيرَكُ: وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَنَسٍ، وَأَبِي أُمَامَةَ، وَمُعَاذٍ، وَوَاثِلَةٍ، وَأَبِي الْيُسْرِ، وَاسْمُهُ كَعْبُ بْنُ عَمْرٍو، انْتَهَى.
أَقُولُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقٍ مُسَدَّدٍ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةَ بِمِثْلِ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَكَأَنَّ صَاحِبَ الْمِشْكَاةِ لَمْ يَقِفْ عَلَى مَوْضِعِ إِيرَادِهِ فِي سُنَنِهِ، فَتَرَكَ ذِكْرَهُ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ كَمَا قَالَهُ الْمَقْدِسِيُّ فِي السِّلَاحِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَابْنُ مَاجَهْ إِلَّا أَنَّ ابْنَ مَاجَهْ): وَضَعَ الظَّاهِرَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ أَنْ يَقُولَ إِلَّا أَنَّهُ (لَمْ يَذْكُرِ الْآيَةَ) .
[ ٣ / ٩٨٩ ]
وَذَكَرَ الْجَزَرِيُّ فِي الْحِصْنِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا: " «وَإِذَا أَخْطَأَ أَوْ أَذْنَبَ، فَأَحَبَّ أَنْ يَتُوبَ إِلَى اللَّهِ فَلْيَمُدَّ يَدَيْهِ إِلَى اللَّهِ ﷿، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَتُوبُ إِلَيْكَ مِنْهَا لَا أَرْجِعُ إِلَيْهَا أَبَدًا، فَإِنَّهُ يَغْفِرُ لَهُ مَا لَمْ يَرْجِعْ فِي عَمَلِهِ ذَلِكَ» ". رَوَاهُ الْحَاكِمُ.
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمِنْهَاجِ: إِذَا أَرَدْتَ التَّوْبَةَ تَغَسَّلْ وَاغْسِلْ ثِيَابَكَ، وَصَلِّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكَ، ثُمَّ ضَعْ وَجْهَكَ عَلَى الْأَرْضِ فِي مَكَانٍ خَالٍ لَا يَرَاكَ إِلَّا اللَّهُ ﷾، ثُمَّ اجْعَلِ التُّرَابَ عَلَى رَأْسِكَ، وَمَرِّغْ وَجْهَكَ الَّذِي هُوَ أَعَزُّ أَعْضَائِكَ فِي التُّرَابِ بِدَمْعٍ جَارٍ، وَقَلْبٍ حَزِينٍ، وَصَوْتٍ عَالٍ، وَاذْكُرْ ذُنُوبَكَ وَاحِدًا وَاحِدًا مَا أَمْكَنَكَ، وَلُمْ نَفْسَكَ الْعَاصِيَةَ عَلَيْهَا وَوَبِّخْهَا، وَقُلْ: أَمَا تَسْتَحِينَ يَا نَفْسُ؟ أَمَا آنَ لَكِ أَنْ تَتُوبِي وَتَرْجِعِي؟ أَلَكِ طَاقَةٌ بِعَذَابِ اللَّهِ؟ أَلَكِ حَاجِزٌ عَنْ سَخَطِ اللَّهِ؟ وَاذْكُرْ مِنْ هَذَا كَثِيرًا مَعَ الْبُكَاءِ، وَارْفَعْ يَدَيْكَ إِلَى الرَّبِّ الرَّحِيمِ، وَقُلْ: يَا إِلَهِي عَبْدُكَ الْآبِقُ رَجَعَ إِلَى بَابِكَ، عَبْدُكَ الْعَاصِي رَجَعَ إِلَى الصُّلْحِ، عَبْدُكَ الْمُذْنِبُ أَتَاكَ بِالْعُذْرِ، فَاعْفُ عَنِّي بِجُودِكَ وَتَقَبَلْنِي بِفَضْلِكَ، وَانْظُرْ إِلَيَّ بِرَحْمَتِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا سَلَفَ مِنَ الذُّنُوبِ، وَاعْصِمْنِي فِيمَا بَقِيَ مِنَ الْأَجَلِ، فَإِنَّ الْخَيْرَ كُلَّهُ بِيَدِكَ وَأَنْتَ بِنَا رَءُوفٌ رَحِيمٌ.
[ ٣ / ٩٩٠ ]
١٣٢٥ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا حَزَبَهُ): بِالْبَاءِ، أَيْ: أَهَمَّهُ، وَيُرْوَى بِالنُّونِ، أَيْ: أَغَمَّهُ (أَمْرٌ)، أَيْ: أَصَابَهُ هَمٌّ أَوْ نَزَلَ بِهِ غَمٌّ، قَالَ فِي تَيْسِيرِ الْوُصُولِ: حَزَبَهُ بِالْبَاءِ وَالنُّونِ، أَيْ نَزَلَ بِهِ، وَأَوْقَعَهُ فِي الْحُزْنِ اهـ. وَهُوَ لَفٌّ وَنَشْرٌ. (صَلَّى)، أَيْ: تَسْهِيلًا لِلْأَمْرِ وَامْتِثَالًا لِلْأَمْرِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥]، أَيْ: بِالصَّبْرِ عَلَى الْبَلَايَا وَالِالْتِجَاءِ إِلَى الصَّلَاةِ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢] (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ): وَهَذِهِ الصَّلَاةُ يَنْبَغِي أَنْ تُسَمَّى بِصَلَاةِ الْحَاجَاتِ ; لِأَنَّهَا غَيْرُ مُقَيَّدَةٍ بِكَيْفِيَّةٍ مِنَ الْكَيْفِيَّاتِ وَلَا مُخْتَصَّةٌ بِوَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ.
[ ٣ / ٩٩٠ ]
١٣٢٦ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁، قَالَ: «أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَدَعَا بِلَالًا، فَقَالَ: " بِمَ سَبَقْتَنِي إِلَى الْجَنَّةِ؟ مَا دَخَلْتُ الْجَنَّةَ قَطُّ إِلَّا سَمِعْتُ خَشْخَشَتَكَ أَمَامِي "، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا أَذَّنْتُ قَطُّ إِلَّا صَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ، وَمَا أَصَابَنِي حَدَثٌ قَطُّ إِلَّا تَوَضَّأْتُ عِنْدَهُ وَرَأَيْتُ أَنَّ لِلَّهِ عَلَيَّ رَكْعَتَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " بِهِمَا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ)، أَيْ: ذَاتَ يَوْمٍ (فَدَعَا بِلَالًا)، أَيْ: بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ كَمَا مَرَّ (فَقَالَ: " بِمَا): وَفِي نُسْخَةِ الْمَصَابِيحِ: " بِمَ " (سَبَقْتَنِي)، أَيْ: خُدَّامِي، أَوْ قُدَّامِي (إِلَى الْجَنَّةِ؟): وَمَا وَجْهُ تَخْصِيصِكَ بِالْخِدْمَةِ بَيْنَ يَدِي حِينَ دُخُولِ الْجَنَّةِ؟ إِذْ دَرَجَاتُ الْجَنَّةِ عَلَى وَفْقِ زِيَادَاتِ الطَّاعَةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ، أَيْ: بِأَيِّ عَمَلٍ يُوجِبُ دُخُولَ الْجَنَّةِ سَبَقْتَ وَأَقْدَمْتَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ آمُرَكَ وَأَدْعُوَكَ إِلَيْهِ؟ جُعِلَ السَّبَبُ فِيمَا يُوجِبُ دُخُولَ الْجَنَّةِ كَالسَّبْقِ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ، يَعْنِي جَعَلَ السَّبْقَ فِي السَّبَبِ كَالسَّبْقِ فِي الْمُسَبِّبِ، ثُمَّ رَشَّحَهُ عَلَيْهِ بِأَنْ رُتِّبَ عَلَيْهِ سَمَاعُ الْخَشْخَشَةِ أَمَامَهُ، وَهِيَ سَمَاعُ حَرَكَتِهِ أَوْ دَفِيفِ النَّعْلِ بَيْنَ يَدَيْهِ حَيْثُ قَالَ: (مَا دَخَلْتُ الْجَنَّةَ قَطُّ): يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّهُ رَأَى بِلَالًا كَذَلِكَ مَرَّاتٍ، وَلَعَلَّ إِحْدَاهَا لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ، وَالثَّانِيَةَ فِي الْمَنَامِ، وَالثَّالِثَةَ فِي عَالَمِ الْكَشْفِ (إِلَّا سَمِعْتُ خَشْخَشَتَكَ)، أَيْ: حَرَكَةً لَهَا صَوْتٌ كَصَوْتِ السِّلَاحِ (أَمَامِي)، أَيْ: قُدَّامِي، وَلَا يَجُوزُ إِجْرَاؤُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ إِذْ لَيْسَ لِنَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَنْ يَسْبِقَهُ - ﵊ - فَكَيْفَ لِأَحَدٍ مِنْ أُمَّتِهِ؟ (قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا أَذَّنْتُ)، أَيْ: مَا
[ ٣ / ٩٩٠ ]
أَرَدْتُ التَّأْذِينَ (قَطُّ إِلَّا صَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ): نَفْلًا قَبْلَ الْأَذَانِ، وَالْأَظْهَرُ مَا أَذَّنْتُ إِلَّا صَلَّيْتُ قَبْلَ الْإِقَامَةِ رَكْعَتَيْنِ، وَهُوَ قَابِلٌ لِاسْتِثْنَاءِ الْمَغْرِبِ ; إِذْ مَا مِنْ عَامٍّ إِلَّا وَخُصَّ، وَإِنْ خُصَّ هَذَا الْعَامُّ أَيْضًا، (وَمَا أَصَابَنِي حَدَثٌ)، أَيْ: حَقِيقِيٌّ أَوْ حُكْمِيٌّ. (قَطُّ إِلَّا تَوَضَّأْتُ عِنْدَهُ)، أَيْ: بَعْدَ حُدُوثِ ذَلِكَ الْحَدَثِ، وَفِي إِيثَارِ (عِنْدَهُ) عَلَى بَعْدِهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْمُبَالَغَةِ فِي الْمُحَافَظَةِ عَلَى مُدَاوَمَةِ الطَّهَارَةِ. (وَرَأَيْتُ): عَطْفٌ عَلَى تَوَضَّأُتُ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ، أَيْ: ظَنَنْتُ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: اعْتَقَدْتُ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ، إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْمُبَالَغَةِ، وَالْأَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الرَّأْيِ، أَيِ اخْتَرْتُ. (أَنَّ لِلَّهِ عَلَيَّ رَكْعَتَيْنِ): شُكْرًا لَهُ تَعَالَى عَلَى إِزَالَةِ الْأَذِيَّةِ وَتَوْفِيقِ الطَّهَارَةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: كِنَايَةٌ عَنْ مُوَاظَبَتِهِ عَلَيْهِمَا اهـ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ جَعَلَهُمَا نَذْرًا عَلَى نَفْسِهِ.
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " بِهِمَا)، أَيْ: بِهِمَا نِلْتَ مَا نِلْتَ أَوْ عَلَيْكَ بِهِمَا، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَهُوَ أَحْسَنُ مِمَّا قِيلَ بِهَاتَيْنِ الْخَصْلَتَيْنِ دَخَلْتَ الْجَنَّةَ، ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ ضَمِيرَ التَّثْنِيَةِ رَاجِعٌ إِلَى الْقَرِيبَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، وَهُمَا دَوَامُ الطَّهَارَةِ وَتَمَامُهَا بِأَدَاءِ شُكْرِ الْوُضُوءِ، فَيُوَافِقُ الْحَدِيثَ السَّابِقَ أَوَّلَ الْبَابِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الصَّلَاةِ بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ، وَالصَّلَاةِ بَعْدَ كُلِّ طَهَارَةٍ، أَوْ إِلَى الصَّلَاةِ بَيْنَ الْأَذَانَيْنِ، وَمَجْمُوعِ دَوَامِ الْوُضُوءِ، وَشُكْرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ): وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، نَقَلَهُ مِيرَكُ.
[ ٣ / ٩٩١ ]
١٣٢٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «مَنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ إِلَى اللَّهِ أَوْ إِلَى أَحَدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ فَلْيَتَوَضَّأْ فَلْيَحْسُنِ الْوُضُوءَ ثُمَّ لْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ لْيُثْنِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَلْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ لْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ، سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، وَالْغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ، وَالسَّلَامَةَ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ، لَا تَدَعْ لِي ذَنْبًا إِلَّا غَفَرْتَهُ، وَلَا هَمًّا إِلَّا فَرَّجْتَهُ، وَلَا حَاجَةً هِيَ لَكَ رِضًى إِلَّا قَضَيْتَهَا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " مَنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ)، أَيْ: دِينِيَّةٌ أَوْ دُنْيَوِيَّةٌ (إِلَى اللَّهِ أَوْ إِلَى أَحَدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ فَلْيَتَوَضَّأْ فَلْيُحْسِنِ الْوُضُوءَ): وَفِي الْحِصْنِ: وُضُوءَهُ (ثُمَّ لْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ): بِكَسْرِ اللَّامِ، وَتُسَكَّنُ، (ثُمَّ لْيُثْنِ): مِنَ الْإِثْنَاءِ (عَلَى اللَّهِ ﷿، وَلْيُصَلِّ): بِالْوَجْهَيْنِ (عَلَى النَّبِيِّ ﷺ): وَالْأَصَحُّ الْأَفْضَلُ لَفْظُ صَلَاةِ التَّشَهُّدِ (ثُمَّ لْيَقُلْ): وَفِي الْحِصْنِ: وَلْيَقُلْ، أَيْ عَوْدًا لِلثَّنَاءِ عَلَى الْبَدْءِ، (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْحَلِيمُ): الَّذِي لَا يُعَجِّلُ بِالْعُقُوبَةِ (الْكَرِيمُ): الَّذِي يُعْطِي بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ وَبِدُونِ الْمِنَّةِ. (سُبْحَانَ اللَّهِ): وَمَا أَحْسَنَ مَوْقِعَ تَقْدِيمِ التَّنْزِيهِ عَلَى (رَبِّ الْعَرْشِ)، أَيْ: الْمُحِيطِ بِجَمِيعِ الْمُكَوِّنَاتِ، وَالْإِضَافَةُ تَشْرِيفِيَّةٌ لِتَنَزُّهِهِ تَعَالَى عَنْ الِاحْتِيَاجِ إِلَى شَيْءٍ، وَعَنْ جَمِيعِ سِمَاتِ الْحُدُوثِ مِنْ الِاسْتِوَاءِ وَالِاسْتِقْرَارِ، وَالْجِهَةِ وَالْمَكَانِ وَالزَّمَانِ، وَاخْتُلِفَ فِي كَوْنِ (الْعَظِيمِ): صِفَةٌ لِلرَّبِّ أَوِ الْعَرْشِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ - ﵊: " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ " نَقَلَ ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّهُ رَوَاهُ بِرَفْعِ الْعَظِيمِ، عَلَى أَنَّهُ نَعْتٌ لِلرَّبِّ، وَالَّذِي ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ الْجُمْهُورِ عَلَى أَنَّهُ نَعْتٌ لِلْعَرْشِ، وَكَذَلِكَ قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٩]، وَ﴿رَبِّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦] بِالْجَرِّ، وَقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالرَّفْعِ فِيهِمَا، وَجَاءَ ذَلِكَ أَيْضًا، أَيْ: شَاذًّا عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وَأَبِي جَعْفَرٍ الْمَدَنِيِّ، وَأُعْرِبَ بِوَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: مَا تَقَدَّمَ، وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَعَ الرَّفْعِ نَعْتًا لِلْعَرْشِ، عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ قُطِعَ عَمَّا قَبْلَهُ لِلْمَدْحِ، وَرُجِّحَ لِحُصُولِ تَوَافَقِ الرِّوَايَتَيْنِ، وَرَجَّحَ أَبُو بَكْرٍ الْأَصَمُّ الْأَوَّلَ ; لِأَنَّ وَصْفَ الرَّبِّ بِالْعَظِيمِ أَوْلَى مِنْ وَصْفِ الْعَرْشِ، وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ وَصْفَ مَا يُضَافُ لِلْعَظِيمِ بِالْعَظِيمِ أَقْوَى فِي تَعْظِيمِ الْعَظِيمِ، وَقَدْ نَعَتَ الْهُدْهُدُ عَرْشَ بِلْقِيسَ بِأَنَّهُ عَرْشٌ عَظِيمٌ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ سُلَيْمَانُ، نَقَلَهُ مِيرَكُ. وَبَيْنَ الْعَرْشَيْنِ بَوْنٌ عَظِيمٌ، وَالْمَعْنَى الْمُرَادُ فِي الْمَقَامِ أَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الْعَجْزِ، فَإِنَّ الْقَادِرَ عَلَى الْعَرْشِ الْعَظِيمِ لَا يَعْجِزُ عَنْ إِعْطَاءِ مَسْئُولِ عَبْدِهِ الْمُتَوَجِّهِ إِلَى رَبِّهِ الْكَرِيمِ. (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، أَيْ: مَالِكِهِمْ وَخَالِقِهِمْ، وَمُرَبِّيهِمْ وَمُصْلِحِ أُمُورِهِمْ، وَمُعْطِي حَاجَاتِهِمْ، وَمُجِيبِ دَعَوَاتِهِمْ، وَفِي الْحِصْنِ بِدُونِ الْعَاطِفِ،
[ ٣ / ٩٩١ ]
وَخَتَمَ الثَّنَاءَ بِمَا هُوَ مِنْ مَجَامِعِهِ، بَلْ قِيلَ: إِنَّهُ مِنْ أَفْضَلِ صِيَغِ الْحَمْدِ لِافْتِتَاحِ الْقُرْآنِ بِهِ إِشَارَةً إِلَى التَّفَاؤُلِ بِزَوَالِ النِّقْمَةِ وَحُصُولِ النِّعْمَةِ، وَإِيمَاءً إِلَى أَنَّهُ حَامِدٌ لَهُ تَعَالَى عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَرَاضٍ عَنْهُ بِكُلِّ فِعَالٍ. (أَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ): بِكَسْرِ الْجِيمِ، أَيْ: أَسْبَابَهَا، وَمَا فِي نُسْخَةِ جَلَالٍ مِنْ فَتْحِ الْجِيمِ غَيْرُ ظَاهِرٍ، قَالَ الطِّيبِيُّ: جَمْعُ مُوجِبَةٍ وَهِيَ الْكَلِمَةُ الْمُوجِبَةُ لِقَائِلِهَا الْجَنَّةَ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَعْنِي الْأَفْعَالَ وَالْأَقْوَالَ وَالصِّفَاتَ الَّتِي تَحْصُلُ رَحْمَتُكَ بِسَبَبِهَا. (وَعَزَائِمَ مغْفِرَتِكَ)، أَيْ: مُؤَكِّدَاتِهَا.
قَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ: أَعْمَالًا تَتَعَزَّمُ وَتَتَأَكَّدُ بِهَا مَغْفِرَتُكَ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: جَمْعُ عَزِيمَةٍ وَهِيَ الْخَصْلَةُ الَّتِي يَعْزِمُهَا الرَّجُلُ، يَعْنِي الْخِصَالَ الَّتِي تَحْصُلُ مَغْفِرَتُكَ بِسَبَبِهَا، أَيْ: أَسْأَلُكَ أَنْ تُعْطِيَ نَصِيبًا وَافِرًا مِنْهُمَا. (وَالْغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ)، أَيْ: طَاعَةٍ وَعِبَادَةٍ فَإِنَّهُمَا غَنِيمَةٌ مَأْخُوذَةٌ بِغَلَبَةِ دَوَاعِي عَسْكَرِ الرُّوحِ عَلَى جُنْدِ النَّفْسِ، فَإِنَّ الْحَرْبَ قَائِمٌ بَيْنَهُمَا عَلَى الدَّوَامِ، وَلِهَذَا يُسَمَّى الْجِهَادَ الْأَكْبَرَ ; لِأَنَّ أَعْدَى عَدِوِّكَ نَفْسُكَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْكَ. (وَالسَّلَامَةَ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ)، أَيْ: الْخَلَاصَ مِنْ كُلِّ مَا يَجْرَحُ دِينَ السَّالِكِ. (لَا تَدَعْ)، أَيْ: لَا تَتْرُكْ (لِي ذَنْبًا إِلَّا غَفَرْتَهُ)، أَيْ: إِلَّا مَوْصُوفًا بِوَصْفِ الْغُفْرَانِ، فَالِاسْتِثْنَاءُ فِيهِ وَفِيمَا يَلِيه مُفَرَّغٌ مِنْ أَعَمِّ الْأَحْوَالِ (وَلَا هَمًّا)، أَيْ: غَمًّا (إِلَّا فَرَّجْتَهُ): بِالتَّشْدِيدِ وَيُخَفُّ، أَيْ: أَزَلْتَهُ وَكَشَفْتَهُ (وَلَا حَاجَةً هِيَ): تِلْكَ الْحَاجَةُ (لَكَ رِضًا)، أَيْ: بِهَا، يَعْنِي مُرْضِيَةً (إِلَّا قَضَيْتَهَا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ): وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ، انْتَهَى. نَقَلَهُ مِيرَكُ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يَنْدُبُ تَحَرِّي غَدَاةَ السَّبْتِ لِحَاجَتِهِ لِقَوْلِهِ - ﵊: " «مَنْ غَدَا يَوْمَ السَّبْتِ فِي طَلَبِ حَاجَةٍ يَحِلُّ طَلَبُهَا فَأَنَا ضَامِنٌ لِقَضَائِهَا» ". وَذَكَرَ «الْجَزَرِيُّ» فِي الْحِصْنِ: صَلَاةُ حِفْظِ الْقُرْآنِ تَخْصِيصًا مِنْ بَيْنِ حَاجَاتِ الْإِنْسَانِ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُلْحِقَهَا بِهَا هُنَا، قَالَ: وَمَنْ أَرَادَ حِفْظَ الْقُرْآنِ فَإِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ الْجُمْعَةِ فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَقُومَ فِي ثُلُثِ اللَّيْلِ الْآخَرِ فَلْيَقُمْ، فَإِنَّهَا سَاعَةٌ مَشْهُودَةٌ، وَالدُّعَاءُ فِيهَا مُسْتَجَابٌ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَفِي وَسَطِهَا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَفِي أَوَّلِهَا، فَيُصَلِّي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ يَقْرَأُ فِي الْأُولَى الْفَاتِحَةَ وَسُورَةَ يس، وَفِي الثَّانِيَةِ الْفَاتِحَةَ وَحم الدُّخَانِ، وَفِي الثَّالِثَةِ الْفَاتِحَةَ وَالم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ، وَفِي الرَّابِعَةِ الْفَاتِحَةَ وَتَبَارَكَ الْمُلْكِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنَ التَّشَهُّدِ، فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَلِيُحْسِنِ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ، وَلِيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَعَلَى سَائِرِ النَّبِيِّينَ، وَيَسْتَغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَلِإِخْوَانِهِ الَّذِينَ سَبَقُوهُ بِالْإِيمَانِ، ثُمَّ لْيَقُلْ فِي آخِرِ ذَلِكَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي بِتَرْكِ الْمَعَاصِي أَبَدًا مَا أَبْقَيْتَنِي، وَارْحَمْنِي أَنْ أَتَكَلَّفَ مَا لَا يَعْنِينِي، وَارْزُقْنِي حُسْنَ النَّظَرِ فِيمَا يُرْضِيكَ عَنِّي، اللَّهُمَّ بَدِيعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، وَالْعِزَّةِ الَّتِي لَا تُرَامُ - أَيْ: لَا تُدْرَكْ - أَسْأَلُكَ يَا اللَّهُ يَا رَحْمَانُ بِجَلَالِكَ وَنُورِ وَجْهِكَ - أَيْ: ذَاتِكَ - أَنْ تُلْزِمَ قَلْبِي حِفْظَ كِتَابِكَ، كَمَا عَلَّمْتَنِي، وَارْزُقْنِي أَنْ أَتْلُوَهُ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي يُرْضِيكَ عَنِّي، اللَّهُمَّ بَدِيعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، وَالْعِزَّةِ الَّتِي لَا تُرَامُ، أَسْأَلُكَ يَا اللَّهُ يَا رَحْمَانُ بِجَلَالِكَ وَنُورِ وَجْهِكِ أَنْ تُنَوِّرَ بِكِتَابِكَ بَصَرِي، وَأَنْ تُطْلِقَ بِهِ لِسَانِي، وَأَنْ تُفَرِّجَ بِهِ عَنْ قَلْبِي، وَأَنْ تَشْرَحَ بِهِ صَدْرِي، وَأَنْ تَسْتَعْمِلَ - وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: وَأَنْ تَغْسِلَ - بِهِ بَدَنِي، فَإِنَّهُ لَا يُعِينُنِي عَلَى الْحَقِّ غَيْرُكَ، وَلَا يُؤْتِيهِ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَ جُمَعٍ أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا يُجَابُ بِإِذْنِ اللَّهِ، وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ مَا أَخْطَأَ مُؤْمِنًا قَطُّ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَقَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا.
[ ٣ / ٩٩٢ ]