الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٢٦ - عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثٍ: جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ، وَجُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا، وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا طَهُورًا إِذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(١٠)
بَابُ التَّيَمُّمِ
وَهُوَ لُغَةٌ: الْقَصْدُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وَشَرْعًا: قَصْدُ التُّرَابِ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ، وَلِاعْتِبَارِ الْقَصْدِ فِي مَفْهُومِهِ اللُّغَوِيِّ وَجَبَتِ النِّيَّةُ فِيهِ عِنْدَنَا بِخِلَافِ أَصْلَيْهِ مِنَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ، وَأَيْضًا الْغُسْلُ بِالْمَاءِ طَهَارَةٌ حِسِّيَّةٌ، فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا النِّيَّةُ إِلَّا لِخُصُوصِ الْأَجْرِ وَالْمَثُوبَةِ بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ، فَإِنَّهُ طَهَارَةٌ حُكْمِيَّةٌ، وَفِي الظَّاهِرِ إِنَّمَا هُوَ غَبْرَةٌ صُورِيَّةٌ، فَاحْتَاجَ إِلَى النِّيَّةِ ; لِيَصِيرَ بِهَا كَالطَّهَارَةِ الْحَقِيقِيَّةِ، ثُمَّ التَّيَمُّمُ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي وَقْتِ فَرْضِيَّتِهِ وَمَكَانِهَا وَسَبَبِهَا، وَأَجْمَعُوا عَلَى انْهُ مُخْتَصٌّ بِالْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ، وَإِنَّ كَانَ الْحَدَثُ أَكْبَرَ، وَهُوَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِجْمَاعًا.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٢٦ - (عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " فُضِّلْنَا "): بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مُشَدَّدًا (عَلَى النَّاسِ) أَيْ: فَضَّلَنَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى جَمِيعِ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ (بِثَلَاثٍ) أَيْ: بِثَلَاثِ خِصَالٍ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ وَاحِدَةٌ مِنْهَا ; لِأَنَّ الْأُمَمَ السَّالِفَةَ كَانُوا يَقِفُونَ فِي الصَّلَاةِ كَيْفَمَا اتُّفِقَ، وَلَمْ تَجُزْ لَهُمُ الصَّلَاةُ إِلَّا فِي الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ، وَلَمْ يَجُزْ لَهُمُ التَّيَمُّمُ، وَلَيْسَ فِيهِ انْحِصَارُ خُصُوصِيَّاتِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي الثَّلَاثِ ; لِأَنَّهُ ﵊ كَانَ تَنْزِلُ عَلَيْهِ خَصَائِصُ أُمَّتِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا، فَيُخْبِرُ عَنْ كُلِّ مَا نَزَلَ عَلَيْهِ عِنْدَ إِنْزَالِهِ مِمَّا يُنَاسِبُهُ (جُعِلَتْ صُفُوفُنَا) أَيْ: وُقُوفُنَا فِي الصَّلَاةِ (كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ) قِيلَ: فِي الْمَعْرَكَةِ، وَقِيلَ: فِي الصَّلَاةِ، وَقِيلَ: فِي الطَّاعَةِ. قَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْهُمْ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ - وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات: ١٦٥ - ١٦٦] (وَجُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ كُلُّهَا) تَأْكِيدٌ لِيَشْمَلَ مَا فِي حُكْمِهَا مِنَ الْجِبَالِ (مَسْجِدًا، وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا) أَيْ: تُرَابُ الْأَرْضِ لَنَا طَهُورًا) أَيْ: مُطَهِّرًا (إِذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ) وَمَفْهُومُ الْحَدِيثِ: أَنَّ غَيْرَ التُّرَابِ لَا يَكُونُ طَهُورًا، وَهُوَ مُعْتَبَرٌ عِنْدَنَا خِلَافًا لِغَيْرِنَا. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ٢ / ٤٨٠ ]
٥٢٧ - وَعَنْ عِمْرَانَ ﵁، قَالَ: «كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَلَمَّا انْفَتَلَ مِنْ صَلَاتِهِ، إِذَا هُوَ بَرْجَلٍ مُعْتَزِلٍ لَمْ يُصَلِّ مَعَ الْقَوْمِ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ يَا فُلَانُ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ الْقَوْمِ؟ قَالَ: أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ، وَلَا مَاءَ. قَالَ: " عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ ; فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ عِمْرَانَ) أَيْ: ابْنِ الْحُصَيْنِ الْخُزَاعِيِّ الْكَعْبِيِّ، أَسْلَمَ هُوَ وَأَبُوهُ (قَالَ: كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ): أَيْ: إِمَامًا (فَلَمَّا انْفَتَلَ): أَيْ: انْصَرَفَ وَفَرَغَ (مِنْ صَلَاتِهِ، إِذَا هُوَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (بِرَجُلٍ): فَهُوَ مُبْتَدَأٌ، وَخَبَرُهُ بِرَجُلٍ (مُعْتَزِلٍ): عَنِ الْقَوْمِ أَيْ: خَارِجٍ مِنْ بَيْنِهِمْ وَاقِفٍ فِي نَاحِيَةٍ لَمْ يُصَلِّ مَعَ الْقَوْمِ): وَالْجُمْلَةُ جَوَابٌ لِمَا، أَيْ: فَلَمَّا انْفَتَلَ فَاجَأَهُ رُؤْيَةُ رَجُلٍ مُعْتَزِلٍ غَيْرِ مُصَلٍّ (فَقَالَ): ﷺ: («مَا مَنَعَكَ يَا فُلَانُ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ الْقَوْمِ»؟): أَيْ: مِنْ صَلَاتِكَ مَعَهُمْ (قَالَ: «أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ، وَلَا مَاءَ»): أَيْ: مَوْجُودٌ هُنَا («قَالَ: عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ» "): اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى خُذْ وَالْزَمْ، وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ، أَوِ الْمَعْنَى: يَلْزَمُ عَلَيْكَ التَّيَمُّمُ بِالصَّعِيدِ، وَهُوَ التُّرَابُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَوَجْهُ الْأَرْضِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ، سَوَاءٌ كَانَ تُرَابًا أَمْ لَا ; لِأَنَّ الصَّعِيدَ مَا صَعِدَ عَلَى الْأَرْضِ، وَاسْتَثْنَى أَبُو حَنِيفَةَ مَا يَصِيرُ رَمَادًا أَوْ مُذَابًا (فَإِنَّهُ): أَيِ: الصَّعِيدُ (يَكْفِيكَ): أَيْ: لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ، وَيُغْنِيكَ وَيُجْزِئُكَ عَنِ الْمَاءِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٢ / ٤٨١ ]
٥٢٨ - وَعَنْ عَمَّارٍ ﵁، قَالَ «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أُصِبِ الْمَاءَ، فَقَالَ عَمَّارٌ لِعُمَرَ: أَمَا تَذْكُرُ أَنَّا كُنَّا فِي سَفَرٍ أَنَا وَأَنْتَ؟ فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فَصَلَّيْتُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا " فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ الْأَرْضَ وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَلِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ، وَفِيهِ: قَالَ: " «إِنَّمَا يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ الْأَرْضَ ثُمَّ تَنْفُخَ، ثُمَّ تَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ» ".
_________________
(١) (وَعَنْ عَمَّارٍ: أَيْ: ابْنِ يَاسِرٍ ﵁ (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، فَقَالَ): أَيِ: الرَّجُلُ سَائِلًا: (إِنِّي أَجْنَبْتُ): أَيْ: صِرْتُ جُنُبًا أَوْ دَخَلْتُ فِي الْجَنَابَةِ (فَلَمْ أَصِبُ الْمَاءَ): مِنَ الْإِصَابَةِ أَيْ: لَمْ أَجِدْهُ، وَجَاءَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ كَمَا بَيَّنَهُ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ فَقَالَ عُمَرُ فِي جَوَابِهِ: لَا تُصَلِّ حَتَّى تَجِدَ الْمَاءَ، وَيُمْكِنُ أَنَّ عُمَرَ لَمَّا سَكَتَ عَنِ الْجَوَابِ نَاسِيًا لِلْقَضِيَّةِ عَلَى وَجْهِ الصَّوَابِ (فَقَالَ عَمَّارٌ لِعُمَرَ: أَمَا تَذْكُرُ أَنَّا كُنَّا فِي سَفَرٍ): وَفِي الْمَصَابِيحِ: فِي سَرِيَّةٍ. أَيْ: طَائِفَةٍ مِنَ الْجَيْشِ (أَنَا وَأَنْتَ؟) تَأْكِيدٌ وَبَيَانٌ لِضَمِيرِ كُنَّا، فَالْمَعْنَى فَأَجْنَبْنَا كُلُّنَا (فَأَمَّا أَنْتَ): تَفْصِيلٌ لِلْمُجْمَلِ (فَلَمْ تُصَلِّ): لِأَنَّهُ كَانَ يَتَوَقَّعُ الْوُصُولَ إِلَى الْمَاءِ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، أَوْ لِاعْتِقَادِ أَنَّ التَّيَمُّمَ إِنَّمَا هُوَ عَنِ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ، وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ، وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَعْلَمِ الْحُكْمَ، وَلَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ سُؤَالُ الْحُكْمِ مِنْهُ ﵊ إِذْ ذَاكَ (وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ): أَيْ: تَمَرَّغْتُ وَتَقَلَّبْتُ فِي التُّرَابِ ظَنًّا بِأَنَّ إِيصَالَ التُّرَابِ إِلَى جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ وَاجِبٌ فِي الْجَنَابَةِ كَالْمَاءِ (فَصَلَّيْتُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ): أَيْ: فِعْلِي أَوْ مَا ذُكِرَ مِنَ امْتِنَاعِ عُمَرَ عَنِ الصَّلَاةِ وَتَمَعُّكِي فِي التُّرَابِ (لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: " إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ "): وَفِي نُسْخَةٍ: " إِنَّمَا يَكْفِيكَ هَكَذَا "، مُجْمَلٌ تَفْسِيرُهُ (فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ بِكَفَّيْهِ الْأَرْضَ): هَذَا تَعْلِيمٌ فِعْلِيٌّ أَوْقَعُ فِي النَّفْسِ مِنَ الْإِعْلَامِ الْقَوْلِيِّ (وَنَفَخَ فِيهِمَا): لِيَقِلَّ التُّرَابُ الَّذِي حَصَلَ فِي كَفَّيْهِ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إِنَّمَا هُوَ التَّطْهِيرُ لَا التَّغْيِيرُ الْمُوجِبُ لِلتَّنْفِيرِ (ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ): هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَكْفِي ضَرْبَةً وَاحِدَةً لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ تَبَعًا لِجَمْعٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ: فَلَا يَجُوزُ إِلَّا بِضَرْبَتَيْنِ أَوْ وَضْعَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا لِلْوَجْهِ وَالْأُخْرَى لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ; بِدَلِيلِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَارِّ فِي آخِرِ بَابِ مُخَالَطَةِ الْجُنُبِ. وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: الْمُرَادُ بِالْكَفَّيْنِ الذِّرَاعَانِ إِطْلَاقًا لِاسْمِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ اهـ. وَالذِّرَاعُ بِالْكَسْرِ مِنْ طَرَفِ الْمِرْفَقِ إِلَى طَرَفِ الْأُصْبُعِ وَهُوَ السَّاعِدُ، كَذَا فِي الْقَامُوسِ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَوَّلُ، وَفِيهِ أَنَّ هَذَا الْإِطْلَاقَ جَاءَ حَقِيقَةً فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى ارْتِكَابِ الْمَجَازِ، فَفِي الْقَامُوسِ: الْكَفُّ الْيَدُ أَوِ الْكُوعُ، وَمَعَ هَذَا لَابُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ مَرَّتَيْنِ بَعْدَ قَوْلِهِ: فَضَرَبَ - لِيَتِمَّ التَّأْوِيلُ الْمُوَافِقُ لِلْمَذْهَبِ، وَلِخَبَرِ أَبِي دَاوُدَ وَالْحَاكِمِ: «التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ»، وَأَخَذُوا بِهِ، وَإِنْ أُعِلَّ بِالْوَقْفِ وَالضَّعْفِ ; لِأَنَّ الْقِيَاسَ يُعَضِّدُهُ إِذْ هُوَ بَدَلٌ، فَالْأَصْلُ فِيهِ أَنْ يُحَاكِيَ الْمُبْدَلَ، وَلِأَنَّهُ أَحْوَطُ. وَأُجِيبَ عَنْ حَدِيثِ الْمَتْنِ: بِأَنَّ الْمُرَادَ صُورَةُ الضَّرْبِ لِلتَّعْلِيمِ لَا بَيَانُ جَمِيعِ مَا
[ ٢ / ٤٨١ ]
يَحْصُلُ بِهِ التَّيَمُّمُ، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّهُ يُكْتَفَى فِي التَّيَمُّمِ بِمَسْحِ الْيَدَيْنِ إِلَى الْكُوعَيْنِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ الْأَقْرَبُ إِلَى ظَاهِرِ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الِاقْتِصَارُ عَلَى الْكَفَّيْنِ أَصَحُّ رِوَايَةً، وَوُجُوبُ مَسْحِ الذِّرَاعَيْنِ أَشْبَهُ بِالْأُصُولِ، وَأَصَحُّ فِي الْقِيَاسِ اهـ.
أَيْ: لِأَنَّهُ بَدَلٌ، فَأُعْطِيَ حُكْمَ مُبْدَلِهِ، وَبِهِ يَعْتَضِدُ الْخَبَرُ الْمَوْقُوفُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، ثُمَّ ظَاهَرُ الْعَطْفِ بِالْوَاوِ أَنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ لَا يُشْتَرَطُ كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا فِي الْأَصْلِ أَيْضًا، وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ اشْتِرَاطُهُ قِيَاسًا عَلَى الْوُضُوءِ ; لِأَنَّهُ أَصْلُهُ، وَيُؤَيِّدُنَا مَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ: " «إِنَّمَا يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا "، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ نَفَضَهُمَا، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ وَجْهَهُ» اهـ. فَإِنَّهَا صَرِيحَةٌ فِي عَدَمِ التَّرْتِيبِ، وَاحْتِمَالُ أَنَّ ثُمَّ بِمَعْنَى الْوَاوِ بَعِيدٌ جِدًّا (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَلِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ): أَيْ: مَعْنَاهُ (وَفِيهِ): أَيْ: فِي مُسْلِمٍ، أَوْ فِي نَحْوِهِ (قَالَ): ﷺ: («إِنَّمَا يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ الْأَرْضَ، ثُمَّ تَنْفُخُ، ثُمَّ تَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ»): وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّهُ ﵊ جَمَعَ فِي التَّعْلِيمِ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ ; تَأْكِيدًا لِلْإِعْلَامِ؛ وَتَنْبِيهًا عَلَى الِاهْتِمَامِ.
[ ٢ / ٤٨٢ ]
٥٢٩ - وَعَنْ أَبِي الْجُهَيْمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ ﵁، قَالَ: «مَرَرْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَبُولُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ حَتَّى قَامَ إِلَى جِدَارٍ، فَحَتَّهُ بِعَصًى كَانَتْ مَعَهُ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى الْجِدَارِ، فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيَّ» . وَلَمْ أَجِدْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فِي: الصَّحِيحَيْنِ "، وَلَا فِي " كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ "، وَلَكِنْ ذَكَرَهُ فِي: " شَرْحِ السُّنَّةِ " قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي الْجُهَيْمِ): بِالتَّصْغِيرِ (ابْنِ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ): فِي جَامِعِ الْأُصُولِ وَغَيْرِهِ: بِكَسْرِ الصَّادِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ، وَقِيلَ: بِتَخْفِيفِهَا (قَالَ: مَرَرْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ): الْمُرُورُ يَتَعَدَّى بِالْبَاءِ وَعَلَى، (وَهُوَ): بِضَمِّ الْهَاءِ وَتُسَكَّنُ (يَبُولُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ): بِفَتْحِ الدَّالِّ هُوَ الْمُصَحَّحُ (عَلَيَّ): السَّلَامَ (حَتَّى قَامَ إِلَى جِدَارٍ): لَعَلَّهُ كَانَ جِدَارَ بَعْضِ أَصْحَابِهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ رِضَاهُ أَوْ كَانَ جِدَارَهُ (فَحَتَّهُ): بِالتَّاءِ الْفَوْقِيَّةِ، أَيْ: حَكَّهُ وَخَدَشَهُ (بِعَصًى كَانَتْ مَعَهُ): حَتَّى يَحْصُلَ مِنْهُ التُّرَابُ، قَصْدًا إِلَى الْأَفْضَلِ لِكَثْرَةِ الثَّوَابِ، أَوْ لِإِزَالَةِ الْقَاذُورَاتِ، أَوِ الْمُؤْذِيَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْجِدَارِ، فَلَا يَكُونُ نَصًّا عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَصِحُّ مَا لَمْ يَعْلَقْ بِالْيَدِ غُبَارٌ (ثُمَّ وَضَعَ يَدَيْهِ): أَيْ مَرَّتَيْنِ (عَلَى الْجِدَارِ): وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: " يَدَهُ " عَلَى الْإِفْرَادِ ; لِإِرَادَةِ الْجِنْسِ (فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ): مَعَ مِرْفَقَيْهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الضَّرْبَةَ الْوَاحِدَةَ كَافِيَةٌ، وَقَدْ قَالَ بِهِ أَحْمَدُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ، وَقَوْلٌ قَدِيمٌ لِلشَّافِعِيِّ (ثُمَّ رَدَّ عَلَيَّ): أَيِ: السَّلَامَ، وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ الطَّهَارَةِ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَعَلَى الْمُدَاوَمَةِ عَلَى الطَّهَارَةِ، وَفِي تَأْخِيرِهِ ﵊ رَدَّ الْجَوَابِ تَعْلِيمٌ بِأَنَّ رَدَّهُ عَلَى الْوَاجِبَاتِ الْمُطْلَقَةِ كَذَا قِيلَ، وَأَقُولُ: هَذَا مِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي ذَكَرُوهَا أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَسْتَحِقُّ الْجَوَابَ، فَيَكُونُ هَذَا مِنْ مَكَارِمِ أَخْلَاقِهِ ﵊، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (وَلَمْ أَجِدْ): أَيْ: نَقَلْتُ هَذَا الْحَدِيثَ هُنَا تَبَعًا لِلْمُصَنِّفِ، وَلَمْ أَجِدْ (هَذِهِ الرِّوَايَةَ): أَيْ: هَذَا اللَّفْظَ (فِي الصَّحِيحَيْنِ): وَرِوَايَتُهُمَا مَذْكُورَةٌ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ الثَّالِثِ مِنْ هَذَا الْبَابِ، (وَلَا فِي: كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ): فَالِاعْتِرَاضُ وَارِدٌ عَلَى صَاحِبِ الْمَصَابِيحِ حَيْثُ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الصِّحَاحِ الْمَوْضُوعِ فِي اصْطِلَاحِهِ لِحَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا. (وَلَكِنْ ذَكَرَهُ): أَيْ: صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ بِإِسْنَادِهِ أَيْ: هَذَا الْحَدِيثَ، وَفِي نُسْخَةٍ ذَكَرَهَا، أَيْ: هَذِهِ الرِّوَايَةَ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ): مَنْ كَتَبَهُ مِنْ طَرِيقِ الشَّافِعِيِّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَحْيَى بِسَنَدِهِ (وَقَالَ فِيهِ): أَيْ: فِي حَقِّهِ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ): فَكَأَنَّهُ غَفَلَ عَنْهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[ ٢ / ٤٨٢ ]
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٣٠ - عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ ; فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى النَّسَائِيُّ نَحْوَهُ إِلَى قَوْلِهِ: " عَشْرَ سِنِينَ ".
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّانِي
(٢) (عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِنَّ الصَّعِيدَ "): أَيِ: التُّرَابَ، أَوْ وَجْهَ الْأَرْضِ (الطَّيِّبَ): الطَّاهِرَ الْمُطَهَّرَ (وَضُوءُ الْمُسْلِمِ): بِفَتْحِ الْوَاوِ ; لِأَنَّ التُّرَابَ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ، وَقِيلَ: بِضَمِّ الْوَاوِ أَيْ: اسْتِعْمَالُ الصَّعِيدِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَخْصُوصِ كَوُضُوءِ الْمُسْلِمِ، فَهُوَ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ يُفِيدُ أَنَّ التَّيَمُّمَ رَافِعٌ لِلْحَدَثِ لَا مُبِيحٌ لَهُ، كَمَا قَالَ بِهِ الشَّافِعِيُّ، وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ أَنَّهُ يُصَلِّي بِوَاحِدٍ مَا شَاءَ مِنَ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ عِنْدَنَا خِلَافًا لَهُ (وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ): إِنْ لِلْوَصْلِ (عَشْرَ سِنِينَ) بِسُكُونِ الشِّينِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْكَثْرَةُ لَا الْمُدَّةُ الْمُقَدَّرَةُ، فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ خُرُوجَ الْوَقْتِ غَيْرُ نَاقِضٍ لِلتَّيَمُّمِ، بَلْ حُكْمُهُ حُكْمُ الْوُضُوءِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا، وَمَا صَحَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَإِنْ لَمْ يُحْدِثْ، مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُ الْبَيْهَقِيِّ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، بَلْ يُعَضِّدُهُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ - وَإِنَّ ضَعُفَ سَنَدُهُ -: مِنَ السُّنَّةِ أَنْ لَا يُصَلَّى بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ إِلَّا فَرِيضَةٌ وَاحِدَةٌ، ثُمَّ يُجَدِّدُ لِلثَّانِيَةِ تَيَمُّمًا، وَمَا قِيلَ: إِنَّ قَوْلَ الصَّحَابَةِ مِنَ السُّنَّةِ كَذَا فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ عَلَى الصَّحِيحِ، مَحَلُّهُ أَنَّهُ لَا مَجَالَ لِلرَّأْيِ فِيهِ مَعَ أَنَّهُ مَعَ رَفْعِهِ يَدُلُّ عَلَى السُّنِّيَّةِ لَا عَلَى الْفَرْضِيَّةِ، وَإِلَّا يَلْزَمُ أَنَّ الْحَدَثَ الْوَاحِدَ أَوْجَبَ طَهَارَتَيْنِ. وَقَوْلُ صَاحِبِ الْإِفْصَاحِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَيَلْزَمُ عَلَى مَنْ جَوَّزَ فَرَضَيْنِ بِتَيَمُّمٍ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ، وَاخْتَارَهُ الْمُتَوَلِّي وَالرُّوَيَانِيُّ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ قَبْلَ الْوَقْتِ ; لِأَنَّ التَّيَمُّمَ بِالنِّسْبَةِ لِلثَّانِيَةِ وَقَعَ قَبْلَ الْوَقْتِ - وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ - مَرْدُودٌ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ التَّيَمُّمَ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ جَائِزٌ عِنْدَنَا، فَإِنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْوُضُوءِ (فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ): أَيْ: كَافِيًا لِغُسْلِهِ أَوْ وُضُوئِهِ، وَفَاضِلًا عَنِ الِاحْتِيَاجِ إِلَى شُرْبِهِ، وَكَانَ قَادِرًا عَلَى اسْتِعْمَالِهِ (فَلْيُمِسَّهُ): بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ مِنَ الْإِمْسَاسِ (بَشَرَتَهُ): أَيْ: فَلْيُوصِلِ الْمَاءَ إِلَى بَشَرَتِهِ وَجِلْدِهِ، يَعْنِي: فَلْيَتَوَضَّأْ أَوْ يَغْتَسِلْ (فَإِنَّ ذَلِكَ): أَيِ: الْإِمْسَاسَ (خَيْرٌ): مِنَ الْخَيُورِ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ كِلَيْهِمَا جَائِزٌ عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ، لَكِنَّ الْوُضُوءَ خَيْرٌ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّ الْوُضُوءَ وَاجِبٌ عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: " ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤] " مَعَ أَنَّهُ لَا خَيْرَ وَلَا أَحْسَنِيَّةَ لِمُسْتَقَرِّ أَهْلِ النَّارِ ; لِمَا وَرَدَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى الصَّحِيحَةِ أَنَّهُ ﵊ «قَالَ لِأَبِي ذَرٍّ: " التُّرَابُ كَافِيكَ وَإِنْ لَمْ تَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ حُجَجٍ، وَإِنْ وَجَدْتَ الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ جِلْدَكَ» " وَهَذَا أَمْرٌ، وَهُوَ لِلْوُجُوبِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: فَإِنَّ ذَلِكَ - أَيْ: وُجُودَ الْمَاءِ - خَيْرٌ مِنْ فَقْدِهِ، فَإِنَّهُ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ وَمِنْحَةٌ جَسِيمَةٌ ; لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ طَهَارَةٌ حَقِيقِيَّةٌ حِسِّيَّةٌ وَحُكْمِيَّةٌ، وَإِنْ كَانَتِ الصَّلَاةُ صَحِيحَةً بِهِمَا، وَفِيهِمَا خَيْرٌ كَثِيرٌ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ): الْحَدِيثُ بِتَمَامِهِ لَفْظًا وَمَعْنًى. (وَرَوَى النَّسَائِيُّ نَحْوَهُ): أَيْ: مَعْنَاهُ (إِلَى قَوْلِهِ: عَشْرَ سِنِينَ ") .
[ ٢ / ٤٨٣ ]
٥٣١ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: «خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ، فَأَصَابَ رَجُلًا مَنَّا حَجَرٌ، فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ، فَاحْتَلَمَ فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ: هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ؟ قَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ. فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أُخْبِرَ بِذَلِكَ، قَالَ: " قَتَلُوهُ، قَتَلَهُمُ اللَّهُ، أَلَا سَأَلُوا إِذْا لَمْ يَعْلَمُوا ; فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ، إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ، وَيَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا، وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ، فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ): أَيْ: أَوْقَعَ الشَّجَّ فِيهِ نَحْوَ: يَجْرَحُ فِي عَرَاقِيبِهَا نَصْلِي، وَكَذَا قَوْلُهُ: خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. وَقَالَ مِيرَكُ: فِيهِ تَأَمَّلٌ، وَوَجْهُهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ " فِي " فِي سَفَرٍ " لَيْسَ لِلتَّعْدِيَةِ، بَلْ تَعْلِيلِيَّةٌ، أَيْ: خَرَجْنَا لِإِرَادَةِ سَفَرٍ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْجَارَّ وَالْمَجْرُورَ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى أَنَّهُ حَالٌ، أَيْ: خَرَجْنَا مُسَافِرِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّأْسَ لِزِيَادَةِ التَّأْكِيدِ، فَإِنَّ الشَّجَّ هُوَ كَسْرُ الرَّأْسِ، فَفِيهِ تَجْرِيدٌ، وَالْمَعْنَى: فَجَرَحَهُ فِي رَأْسِهِ (فَاحْتَلَمَ): وَفِي رِوَايَةٍ: «ثُمَّ احْتَلَمَ أَيْ أَصَابَتْهُ جَنَابَةٌ، وَخَافَ لَوِ اغْتَسَلَ أَنْ يُصِيبَ
[ ٢ / ٤٨٣ ]
الْمَاءُ الْجِرَاحَةَ فَيَضُرُّهَا» (فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ): أَيْ: مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى زَعْمِهِ، أَوْ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الظَّاهِرُ (هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً): وَهُوَ ضِدُّ الْعَزِيمَةِ (فِي التَّيَمُّمِ؟): أَيْ: فِي جَوَازِهِ، وَهُوَ وُجُودُ الْمَاءِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ (قَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتِ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ): الْجُمْلَةُ حَالٌ، حَمَلُوا الْوِجْدَانَ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ الْوِجْدَانَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ فِي حُكْمِ الْفُقْدَانِ (فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ): وَفِي نُسْخَةٍ: رَسُولِ اللَّهِ (ﷺ أُخْبِرَ): بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ (بِذَلِكَ. قَالَ: " قَتَلُوهُ "): أَسْنَدَ الْقَتْلَ إِلَيْهِمْ ; لِأَنَّهُمْ تَسَبَّبُوا لَهُ بِتَكْلِيفِهِمْ لَهُ بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ مَعَ وُجُودِ الْجُرْحِ فِي رَأْسِهِ ; لِيَكُونَ أَدَلَّ عَلَى الْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ (قَتَلَهُمُ اللَّهُ): أَيْ: لَعَنَهُمْ، إِنَّمَا قَالَهُ زَجْرًا وَتَهْدِيدًا، وَأُخِذَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا قَوَدَ وَلَا فِدْيَةَ عَلَى الْمُفْتِي، وَإِنْ أَفْتَى بِغَيْرِ الْحَقِّ.
(أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا): أَلَا بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ حَرْفُ تَحْضِيضٍ دَخَلَ عَلَى الْمَاضِي، فَأَفَادَ التَّنَدُّمَ، وَإِذَا ظَرْفٌ فِيهِ مَعْنَى التَّعْلِيلِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ إِذْ وَهُوَ الْأَصَحُّ مِنَ النُّسْخَتَيْنِ، وَالْفَاءُ الْآتِيَةِ لِلتَّسَبُّبِ، وَالْمَعْنَى: فَلَمْ يَسْأَلُوا، وَلَمْ يَتَعَلَّمُوا مَا لَا يَعْلَمُونَ.
(فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ): بِكَسْرِ الْعَيْنِ، وَهُوَ عَدَمُ الضَّبْطِ، وَالتَّحَيُّرِ فِي الْكَلَامِ وَغَيْرِهِ (السُّؤَالُ): فَإِنَّهُ لَا شِفَاءَ لِدَاءِ الْجَهْلِ إِلَّا التَّعَلُّمُ، عَابَهُمْ ﵊ بِالْإِفْتَاءِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَأَلْحَقَ بِهِمُ الْوَعِيدَ بِأَنْ دَعَا عَلَيْهِمْ لِكَوْنِهِمْ مُقَصِّرِينَ فِي التَّأَمُّلِ فِي النَّصِّ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ) (إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ) أَيِ: الرَّجُلَ الْمُحْتَلِمَ (أَنْ يَتَيَمَّمَ): أَوَّلًا (وَيَعْصِبَ): أَيْ: يَشُدَّ (عَلَى جُرْحِهِ): بِضَمِّ الْجِيمِ (خِرْقَةً): حَتَّى لَا يَصِلَ إِلَيْهِ الْمَاءُ (ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا): أَيْ: عَلَى الْخِرْقَةِ بِالْمَاءِ (وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ): وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ التَّيَمُّمِ وَغَسْلِ سَائِرِ الْبَدَنِ بِالْمَاءِ، دُونَ الِاكْتِفَاءِ بِأَحَدِهِمَا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَالْجَوَابُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ -: أَنَّ الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِلْقِيَاسِ، وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ مِنْهُ، وَحَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مَنْ خَافَ التَّلَفَ مِنَ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ بِلَا خِلَافٍ، فَإِنْ خَافَ الزِّيَادَةَ فِي الْمَرَضِ أَوْ تَأْخِيرَ الْبُرْءِ جَازَ لَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ: أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيُصَلِّيَ بِلَا إِعَادَةٍ، وَهُوَ الرَّاجِحُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَمَنْ كَانَ بِعُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ قَرْحٌ أَوْ كَسْرٌ أَوْ جُرْحٌ، وَأَلْصَقَ عَلَيْهِ جَبِيرَةً، وَخَافَ مِنْ تَرْكِهَا التَّلَفَ، فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَمْسَحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ، وَيَضُمُّ إِلَى الْمَسْحِ التَّيَمُّمَ، وَلَا يَقْضِي عَلَى الرَّاجِحِ إِنْ وَضَعَ الْجَبِيرَةَ عَلَى طُهْرٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ: إِذَا كَانَ بَعْضُ جَسَدِهِ جَرِيحًا أَوْ قَرِيحًا وَبَعْضُهُ صَحِيحًا ; إِذَا كَانَ الْأَكْثَرُ صَحِيحًا غَسَلَهُ، وَمَسَحَ عَلَى الْجُرْحِ، وَإِنْ كَانَ الْأَكْثَرُ جَرِيحًا تَيَمَّمَ، وَيَسْقُطُ الْغُسْلُ. وَقَالَ أَحْمَدُ: يَغْسِلُ الصَّحِيحَ، وَيَتَيَمَّمُ لِلْجُرْحِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ): وَكَذَا الدَّارَقُطْنِيُّ، وَضَعَّفَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَقَالَ: لَا يَثْبُتُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ. يَعْنِي: بَابَ الْمَسْحِ عَلَى الْعَصَائِبِ وَالْجَبَائِرِ، وَلَكِنْ صَحَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِعْلُهُ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ، كَذَا ذَكَرَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ.
[ ٢ / ٤٨٤ ]
٥٣٢ - وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ". عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
_________________
(١) (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ): قَالَ مِيرَكُ: وَكَذَا أَبُو دَاوُدَ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَقِيبَ رِوَايَةِ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ، فَلَا أَدْرِي مَا وَجْهُ التَّخْصِيصِ بِتَخْرِيجِ ابْنِ مَاجَهْ، وَكَأَنَّهُ ذَهَلَ عَنْهُ الْمُصَنِّفُ وَاللَّهُ الْهَادِي.
[ ٢ / ٤٨٤ ]
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي مَجْمُوعِهِ: وَهُوَ ضَعِيفٌ اتِّفَاقًا، كَخَبَرِ: «أَنَّهُ ﵊ أَمَرَ عَلِيًّا بِالْمَسْحِ عَلَى الْجَبَائِرِ» اهـ. وَقَوْلُ غَيْرِهِ: إِنَّ رِجَالَهُ ثِقَاتٌ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِلْجُمْهُورِ، مَدْفُوعٌ بِأَنَّ الْجَرْحَ مُقَدَّمٌ، وَدَعْوَى ابْنِ حَجَرٍ بِأَنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ لَهُ طَرِيقًا أُخْرَى صَحِيحَةٌ غَيْرُ صَحِيحَةٍ ; لِلِاحْتِيَاجِ إِلَى بَيَانِهَا، وَعَدَمِ الِاكْتِفَاءِ بِاحْتِمَالِهَا. وَقَوْلُهُ: وَمِنْ ثَمَّ سَكَتَ أَبُو دَاوُدَ عَلَيْهِ مَرْدُودٌ ; لِأَنَّ سُكُوتَهُ لَا يُقَاوِمُ تَصْرِيحَ غَيْرِهِ بِالتَّضْعِيفِ، وَمِنْ أَغْرَبِ الْغَرَائِبِ أَنَّ بَعْضَ الشَّافِعِيَّةِ نَظَرُوا إِلَى الِاسْتِدْلَالِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَسْأَلَةِ الْجَبِيرَةِ، مَعَ أَنَّ الْحَدِيثَ مُصَرِّحٌ بِهَا. وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ لَمَّا رَآهُ ابْنُ قَمِئَةَ قَالَ: رَأَيْتُهُ إِذَا تَوَضَّأَ حَلَّ عَنْ عِصَابَتِهِ، وَمَسَحَ عَلَيْهَا بِالْوَضُوءِ» . وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ، وَالْبَيْهَقِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ، «عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: انْكَسَرَتْ إِحْدَى زَنْدَيَّ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَمْسَحَ عَلَى الْجَبَائِرِ» . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَصَحَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى الْجَبِيرَةِ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مُخَالِفٌ مِنَ الصَّحَابَةِ. وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كَانَ يَمْسَحُ عَلَى الْجَبَائِرِ» وَقِيلَ: وَالْأَصَحُّ وَقْفُهُ، لَكِنَّ الْمَوْقُوفَ فِي هَذَا كَالْمَرْفُوعِ ; لِأَنَّ الْإِبْدَالَ لَا يُنْصَبُ بِالرَّأْيِ.
[ ٢ / ٤٨٥ ]
٥٣٣ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: «خَرَجَ رَجُلَانِ فِي سَفَرٍ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ، فَتَيَمَّمَا صَعِيدًا طَيِّبًا، فَصَلَّيَا، ثُمَّ وَجَدَا الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا الصَّلَاةَ بِوُضُوءٍ، وَلَمْ يَعُدِ الْآخَرُ. ثُمَّ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَا ذَلِكَ. فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ: أَصَبْتَ السُّنَّةَ، وَأَجْزَأَتْكَ صَلَاتُكَ، وَقَالَ لِلَّذِي تَوَضَّأَ وَأَعَادَ: " لَكَ الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ، وَرَوَى النَّسَائِيُّ نَحْوَهُ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - قَالَ: خَرَجَ رَجُلَانِ فِي سَفَرٍ فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ): أَيْ: جَاءَ وَقْتُهَا. (وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ، فَتَيَمَّمَا صَعِيدًا طَيِّبًا): أَيْ: قَصَدَاهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَخْصُوصِ، فَالْمُرَادُ بِهِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ، أَوْ فَتَيَمَّمَا بِالصَّعِيدِ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ، وَأُرِيدَ بِهِ الْمَعْنَى الشَّرْعِيُّ (فَصَلَّيَا، ثُمَّ وَجَدَا الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ): أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا رَأَى الْمَاءَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الصَّلَاةِ لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ بَاقِيًا، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدَ دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَقْطَعُهَا، وَهِيَ صَحِيحَةٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ: يَبْطُلُ تَيَمُّمُهُ، أَمَّا إِذَا تَيَمَّمَ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ قَبْلَ دُخُولِ الصَّلَاةِ، فَالْإِجْمَاعُ عَلَى بُطْلَانِ تَيَمُّمِهِ (فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا الصَّلَاةَ بِوُضُوءٍ) إِمَّا ظَنًّا بِأَنَّ الْأُولَى بَاطِلَةٌ، وَإِمَّا احْتِيَاطًا (وَلَمْ يُعِدِ الْآخَرُ): بِفَتْحِ الْخَاءِ بِنَاءً عَلَى ظَنِّ أَنَّ تِلْكَ الصُّورَةَ صَحِيحَةٌ (ثُمَّ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَا ذَلِكَ): أَيْ: مَا وَقَعَ لَهُمَا («فَقَالَ ﷺ لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ: " أَصَبْتَ السُّنَّةَ» ") أَيْ؟ صَادَفْتَ الشَّرِيعَةَ الثَّابِتَةَ بِالسُّنَّةِ (وَأَجْزَأَتْكَ صَلَاتُكَ): تَفْسِيرٌ لِمَا سَبَقَ (وَقَالَ لِلَّذِي تَوَضَّأَ): أَيْ: لِلصَّلَاةِ (وَأَعَادَ): أَيِ الصَّلَاةَ فِي الْوَقْتِ: («لَكَ الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ»): أَيْ: لَكَ أَجْرُ الصَّلَاةِ مَرَّتَيْنِ ; فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا صَحِيحَةٌ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مَثُوبَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضَيِّعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْعَمَلَ بِالْأَحْوَطِ أَفْضَلُ، كَمَا قَالَ ﷺ: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» " (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ): يَعْنِي مُتَّصِلًا (وَرَوَى النَّسَائِيُّ نَحْوَهُ): أَيْضًا.
[ ٢ / ٤٨٥ ]
٥٣٤ - وَقَدْ رَوَى هُوَ وَأَبُو دَاوُدَ أَيْضًا عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ مُرْسَلًا.
_________________
(١) (وَقَدْ رَوَى هُوَ): أَيِ: النَّسَائِيُّ (وَأَبُو دَاوُدَ أَيْضًا عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ مُرْسَلًا): اعْلَمْ أَنَّ أَبَا دَاوُدَ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مُتَّصِلًا، ثُمَّ قَالَ غَيْرُ ابْنِ نَافِعٍ يَرْوِيهِ: عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ عُمَيْرَةَ بْنِ أَبِي نَاجِيَةَ، عَنْ بَكْرِ بْنِ أَبِي سَوَادَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: وَذَكْرُ أَبِي سَعِيدٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، وَهُوَ مُرْسَلٌ اهـ. لَكِنْ قَالَ الْحَاكِمُ: رِوَايَةُ الِاتِّصَالِ صَحِيحَةٌ عَلَى شَرْطِهِمَا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[ ٢ / ٤٨٥ ]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٣٥ - عَنْ أَبِي الْجُهَيْمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ ﵁، قَالَ: «أَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الْجِدَارِ، فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ ﵇» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّالِثُ
(٢) (عَنْ أَبَى الْجُهَيْمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ): مَرَّ قَرِيبًا (قَالَ: أَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ): بِإِضَافَةٍ أَيْ: مِنْ جَانِبِ الْمَوْضِعِ الَّذِي يُعْرَفُ بِذَاكَ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ بِالْمَدِينَةِ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمِيمِ (فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ): هُوَ أَبُو الْجُهَيْمِ الرَّاوِي، بَيَّنَهُ الشَّافِعِيُّ فِي رِوَايَتِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْرَجِ، كَذَا ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهَذَا فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ حَيْثُ قَالَ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ. (فَلَمْ يَرُدَّ النَّبِيُّ ﷺ): أَيِ: السَّلَامَ عَلَيْهِ (حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الْجِدَارِ): وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ حَتَّهُ وَحَكَّهُ (فَمَسَحَ وَجْهَهُ): أَوَّلًا (وَيَدَيْهِ): ثَانِيًا (ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ): أَيْ: عَلَى الرَّجُلِ (السَّلَامَ): بِالنَّصْبِ، مَفْعُولُ رَدَّ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٢ / ٤٨٦ ]
٥٣٦ - «وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵁، أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ: أَنَّهُمْ تَمَسَّحُوا وَهُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالصَّعِيدِ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ، فَضَرَبُوا بِأَكُفِّهِمُ الصَّعِيدَ، ثُمَّ مَسَحُوا بِوُجُوهِهِمْ مَسْحَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ عَادُوا، فَضَرَبُوا بِأَكُفِّهِمُ الصَّعِيدَ مَرَّةً أُخْرَى، فَمَسَحُوا بِأَيْدِيهِمْ كُلِّهَا إِلَى الْمَنَاكِبِ وَالْآبَاطِ مِنْ بُطُونِ أَيْدِيهِمْ»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵁، أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ): يَرْوِي، أَيْ: لِلتَّابِعِينَ (أَنَّهُمْ): أَيِ: الصَّحَابَةَ (تَمَسَّحُوا): أَيْ: تَيَمَّمُوا (وَهُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ): جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ (بِالصَّعِيدِ): مُتَعَلِّقٌ بِتَمَسَّحُوا (لِصَلَاةِ الْفَجْرِ): أَيْ: لِأَدَائِهَا (فَضَرَبُوا بِأَكُفِّهِمُ الصَّعِيدَ) . . . إِلَخْ، بَيَانٌ لِتَمَسَّحُوا (ثُمَّ مَسَحُوا بِوُجُوهِهِمْ مَسْحَةً وَاحِدَةً): بِطَرِيقِ الِاسْتِيعَابِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنْ لَا يُكَرَّرَ مَسْحُ التَّيَمُّمِ (ثُمَّ عَادُوا): أَيْ: رَجَعُوا (فَضَرَبُوا بِأَكُفِّهِمُ الصَّعِيدَ مَرَّةً أُخْرَى): أَيْ: ضَرْبَةً أُخْرَى («فَمَسَحُوا بِأَيْدِيهِمْ كُلِّهَا إِلَى الْمَنَاكِبِ وَالْآبَاطِ»): بِالْمَدِّ جَمْعُ إِبِطٍ (مِنْ بُطُونِ أَيْدِيهِمْ): مِنْ لِلِابْتِدَاءِ أَيْ: ابْتَدَأُوا بِالْمَسْحِ مِنْ بُطُونِ الْأَيْدِي لَا مِنْ ظُهُورِهَا، كَمَا ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ فِي بَابِ الِاسْتِحْبَابِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِالِابْتِدَاءِ آلَةُ الْمَسْحِ لَا ابْتِدَاءُ الْمَمْسُوحِ، فَيُوَافِقُ مَا ذَكَرَهُ فِي ذَلِكَ الْبَابِ، وَهُوَ أَقْرَبُ لِلصَّوَابِ. قَالَ الْبَغَوِيُّ فِي الْمَعَالِمِ، عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣] ذَهَبَ الزُّهْرِيُّ إِلَى أَنَّهُ يَمْسَحُ الْيَدَيْنِ إِلَى الْمَنْكِبَيْنِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَمَّارٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: تَيَمَّمْنَا إِلَى الْمَنَاكِبِ، وَذَلِكَ حِكَايَةُ فِعْلِهِ لَمْ يَنْقِلْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: أَجْنَبْتُ فَتَمَعَّكْتُ، فَلَمَّا سَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ أَمْرِهِ بِالْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ انْتَهَى إِلَيْهِ. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: الْيَدُ اسْمٌ لِلْعُضْوِ إِلَى الْمَنْكِبِ، وَمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ تَيَمَّمَ وَمَسَحَ يَدَيْهِ إِلَى مِرْفَقَيْهِ، وَالْقِيَاسُ عَلَى الْوُضُوءِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَيْدِي هُنَا إِلَى الْمَرَافِقِ اهـ. وَيَعْنِي بِالْقِيَاسِ قِيَاسَ الْفَرْعِ عَلَى الْأَصْلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
[ ٢ / ٤٨٦ ]