" الْفَصْلُ الْأَوَّلُ "
١٤٠١ - (عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ حِينَ تَمِيلُ الشَّمْسُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
_________________
(١) - بَابُ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ أَيْ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ، وَصَلَاتِهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِصِفَاتِهَا، وَكَمَالَاتِهِمَا، وَبَيَانِ أَوْقَاتِهِمَا. " الْفَصْلُ الْأَوَّلُ "
(٢) (عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ حِينَ تَمِيلُ الشَّمْسُ) أَيْ: إِلَى الْغُرُوبِ، وَتَزُولُ عِنْدَ اسْتِوَائِهَا يَعْنِي: بَعْدَ تَحَقُّقِ الزَّوَالِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ يَزِيدُ عَلَى الزَّوَالِ مَزِيدًا يُحِسُّ مَيَلَانَهَا أَيْ: كَانَ يُصَلِّي وَقْتَ الِاخْتِيَارِ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ لِلْحَدِيثِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْخَارِجِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُبَادِرُ بِهَا عَقِبَ دُخُولِ الْوَقْتِ، وَأَنَّ وَقْتَهَا لَا يَدْخُلُ إِلَّا بَعْدَ وَقْتِ الزَّوَالِ خِلَافًا لِأَحْمَدَ ; فَإِنَّهُ أَجَازَهَا مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ خَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ نَنْصَرِفُ وَلَيْسَ لِلْحِيطَانِ ظِلٌّ يُمْشَى فِيهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَنْفِ الظِّلَّ، بَلِ الظِّلَّ الَّذِي يُسْتَظَلُّ بِهِ بِدَلِيلِ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: نَتَّبِعُ الْفَيْءَ، وَعَلَى التَّنْزِيلِ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى شِدَّةِ التَّعْجِيلِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . قَالَ مِيرَكُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ:. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ: كُنَّا نُجَمِّعُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ الْحَدِيثَ. وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِيدَانَ بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ قَالَ: شَهِدْتُ الْجُمُعَةَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَكَانَ خُطْبَتُهُ قَبْلَ الزَّوَالِ. وَذَكَرَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ نَحْوَهُ قَالَ: فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا عَابَ ذَلِكَ وَلَا أَنْكَرَهُ، فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِ ابْنِ سِيدَانَ.
[ ٣ / ١٠٤٠ ]
١٤٠٢ - (وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: مَا كُنَّا نُقِيلُ وَلَا نَتَغَدَّى إِلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
_________________
(١) (وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: مَا كُنَّا نَقِيلُ) بِفَتْحِ النُّونِ أَيْ: مَا كُنَّا نَفْعَلُ الْقَيْلُولَةَ، وَهِيَ الِاسْتِرَاحَةُ بِنَوْمٍ وَغَيْرِهِ. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الْقَيْلُولَةُ وَالْمَقِيلُ عِنْدَ الْعَرَبِ: الِاسْتِرَاحَةُ نِصْفَ النَّهَارِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ ذَلِكَ نَوْمٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤] وَالْجَنَّةُ لَا نَوْمَ فِيهَا. (وَلَا نَتَغَدَّى) بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ فِي النِّهَايَةِ: هُوَ الطَّعَامُ الَّذِي يُؤْكَلُ أَوَّلَ النَّهَارِ. (إِلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ) أَيْ: بَعْدَ فَرَاغِ صَلَاتِهَا قَالَ الطِّيبِيُّ: هُمَا كِنَايَتَانِ عَنِ التَّكْبِيرِ أَيْ: لَا يَتَغَدَّوْنَ، وَلَا يَسْتَرِيحُونَ، وَلَا يَشْتَغِلُونَ بِمُهِمٍّ، وَلَا يَهْتَمُّونَ بِأَمْرٍ سِوَاهُ اهـ. وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ مَا ذُكِرَ بَعْدَ الْجُمُعَةِ عِوِضًا عَمَّا فَاتَهُمْ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَقَعُ تَغَدِّيهِمْ، وَمَقِيلُهُمْ بَعْدَ الْجُمُعَةِ حَقِيقَةً لِيَلْزَمَ وُقُوعُ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ قَبْلَ الزَّوَالِ فَيَكُونَ حُجَّةً لِأَحْمَدَ. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَفِيهِ رَدٌّ لِأَحْمَدَ ; لِأَنَّهُ ذَكَرَ هُنَا الْغَدَاءَ، وَلَا، لَا يَكُونُ بَعْدَ الزَّوَالِ فَاسْتِدْلَالٌ عَجِيبٌ، وَاسْتِنْبَاطٌ غَرِيبٌ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ بِمَعْنَاهُ.
[ ٣ / ١٠٤٠ ]
١٤٠٣ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا اشْتَدَّ الْبَرْدُ بَكَّرَ بِالصَّلَاةِ، وَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلَاةِ»، يَعْنِي الْجُمُعَةَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا اشْتَدَّ الْبَرْدُ بَكَّرَ) أَيْ: تَعَجَّلَ وَأَسْرَعَ (بِالصَّلَاةِ) أَيْ: صَلَّاهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ (وَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلَاةِ) أَيْ: صَلَّاهَا بَعْدَ أَنْ وَقَعَ ظِلُّ الْجِدَارِ فِي الطَّرِيقِ كَيْلَا يَتَأَذَّى النَّاسُ بِالشَّمْسِ، كَذَا قَالَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا. قَالَ التُّورْبَشْتِيُّ: وَيُحْمَلُ حَدِيثُهُ الْآخَرُ (كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ حِينَ تَمِيلُ الشَّمْسُ) عَلَى أَنَّهُ فِي فَصْلٍ دُونَ فَصْلٍ، وَلَمْ يُرِدْ بِقَوْلِهِ كَانَ عُمُومَ الْأَحْوَالِ لِيَتَّفِقَ الْحَدِيثَانِ اهـ. وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ يُسَنُّ الْإِبْرَادُ بِالْجُمُعَةِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ كَالظُّهْرِ، وَقَدْ خَالَفَهُ الشَّافِعِيَّةُ، وَحَمَلُوهُ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ، وَهُوَ بَعِيدٌ لِمَكَانِ كَانَ فَإِنَّهَا تَدُلُّ لُغَةً أَوْ عُرْفًا عَلَى الِاسْتِمْرَارِ (يَعْنِي الْجُمُعَةَ) تَفْسِيرٌ مِنَ الرَّاوِي (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
[ ٣ / ١٠٤١ ]
١٤٠٤ - (وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: كَانَ النِّدَاءُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوَّلُهُ إِذَا جَلَسَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ وَكَثُرَ النَّاسُ، زَادَ النِّدَاءَ الثَّالِثَ عَلَى الزَّوْرَاءِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
_________________
(١) (وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: كَانَ النِّدَاءُ) أَيِ: الْإِعْلَامُ (يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوَّلُهُ) وَهُوَ الْأَذَانُ (إِذَا جَلَسَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ) أَيْ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، وَثَانِيهِ وَهُوَ الْإِقَامَةُ إِذَا فَرَغَ مِنَ الْخُطْبَةِ وَنَزَلَ (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ) أَيْ: زَمَانِهِمْ (فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ) أَيْ: زَمَنُ خِلَافَتِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: كَانَ تَامَّةٌ أَيْ: حَصَلَ عَهْدُهُ وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيَصِحُّ كَوْنُهَا نَاقِصَةً وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ أَيْ: خَلِيفَةً، وَفِيهِ أَنَّ التَّقْدِيرَ إِنَّمَا يُصَارُ إِلَيْهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ (وَكَثُرَ النَّاسُ) أَيِ: الْمُؤْمِنُونَ بِالْمَدِينَةِ، وَصَارَ ذَلِكَ الْأَذَانُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيِ الْخَطِيبِ لَا يَسْمَعُهُ جَمِيعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَوْ لَمَّا ظَهَرَتِ الْبِدْعَةُ عَلَى مَا قِيلَ إِنَّهَا أَوَّلُ الْبِدَعِ، وَهُوَ تَرْكُ التَّكْبِيرِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ لِاسْتِبْعَادِ سَمَاعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ جَمِيعِهِمُ الْأَذَانَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ - ﵊ - (زَادَ) أَيْ: عُثْمَانُ (النِّدَاءَ الثَّالِثَ) أَيْ: حُدُوثًا، وَإِنْ كَانَ فِي الْوُقُوعِ أَوَّلًا ثُمَّ بَعْدَهُ أَذَانٌ آخَرُ قَدِيمًا مَعَ الْإِقَامَةِ فِي الْمَفَاتِيحِ أَيْ: فَأَمَرَ عُثْمَانُ أَنْ يُؤَذَّنَ أَوَّلَ الْوَقْتِ قَبْلَ أَنْ يَصْعَدَ الْخَطِيبُ الْمِنْبَرَ كَمَا فِي زَمَانِنَا اهـ. وَقَدْ حَدَثَ فِي زَمَانِنَا أَذَانٌ رَابِعٌ وَهُوَ الْأَذَانُ لِإِعْلَامِ دُخُولِ الْخَطِيبِ فِي الْمَسْجِدِ (عَلَى الزَّوْرَاءِ) بِفَتْحِ الزَّايِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بِالرَّاءِ وَالْمَدِّ: مَوْضِعٌ فِي سُوقِ الْمَدِينَةِ. قَالَ التُّورْبَشْتِيُّ: ذُكِرَ تَفْسِيرُهَا فِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ هِيَ دَارٌ فِي سُوقِ الْمَدِينَةِ، يَقِفُ الْمُؤَذِّنُونَ عَلَى سَطْحِهَا، وَلَعَلَّ هَذِهِ الدَّارَ سُمِّيَتْ زَوْرَاءَ لِمَيْلِهَا عَنْ عِمَارَةِ الْبَلَدِ. يُقَالُ: قَوْسٌ زَوْرَاءُ أَيْ: مَائِلَةٌ، وَأَرْضٌ زَوْرَاءُ أَيْ: بَعِيدَةٌ، نَقَلَهُ السَّيِّدُ وَقِيلَ: جِدَارٌ، وَقِيلَ: حَجَرٌ كَبِيرٌ، وَجَزَمَ ابْنُ بَطَّالٍ بِالْأَخِيرِ فَقَالَ: الزَّوْرَاءُ حَجَرٌ كَبِيرٌ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ وَابْنِ مَاجَهْ بِلَفْظِ: زَادَ النِّدَاءَ الثَّالِثَ عَلَى دَارٍ فِي السُّوقِ يُقَالُ لَهَا: الزَّوْرَاءُ فَكَانَ يُؤَذَّنُ عَلَيْهَا. نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ الشَّيْخِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: ثُمَّ نَقَلَ هِشَامٌ هَذَا الْأَذَانَ إِلَى الْمَسْجِدِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُرَادُ بِالنِّدَاءِ الثَّالِثِ هُوَ النِّدَاءُ قَبْلَ خُرُوجِ الْإِمَامِ لِيَحْضُرَ الْقَوْمُ، وَيَسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ، وَإِنَّمَا زَادَ عُثْمَانُ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ النَّاسِ فَرَأَى هُوَ أَنْ يُؤَذِّنَ الْمُؤَذِّنُ قَبْلَ الْوَقْتِ لِيَنْتَهِيَ الصَّوْتُ إِلَى نَوَاحِي الْمَدِينَةِ، وَيَجْتَمِعَ النَّاسُ قَبْلَ خُرُوجِ الْإِمَامِ ; لِئَلَّا يَفُوتَ عَنْهُمْ أَوَائِلُ الْخُطْبَةِ، وَسُمِّيَ هَذَا النِّدَاءُ ثَالِثًا، وَإِنْ كَانَ بِاعْتِبَارِ الْوُقُوعِ أَوَّلًا ; لِأَنَّهُ ثَالِثُ النِّدَاءَيْنِ اللَّذَيْنَ كَانَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَزَمَانِ الشَّيْخَيْنِ، وَهُمَا الْأَذَانُ بَعْدَ صُعُودِ الْخَطِيبِ، وَقَبْلَ قِرَاءَةِ الْخُطْبَةِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالنِّدَاءِ الْأَوَّلِ وَالْإِقَامَةِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الْقِرَاءَةِ عِنْدَ نُزُولِهِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالنِّدَاءِ الثَّانِي اهـ. وَقَوْلُهُ: يُؤَذِّنُ الْمُؤَذِّنُ قَبْلَ الْوَقْتِ مُخَالِفٌ لِكَلَامِ بَقِيَّةِ الشُّرَّاحِ وَعَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، وَعُرْفِ زَمَانِنَا إِلَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ قَبْلَ الْوَقْتِ الْمُعْتَادِ، وَهُوَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيِ الْإِمَامِ بَعْدَ طُلُوعِهِ الْمِنْبَرِ، وَيُحْمَلُ عَلَى مَا بَعْدَ الزَّوَالِ فَيَزُولُ الْإِشْكَالُ، وَأَمَّا مَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ: كَانَ الْأَذَانُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَذَانَيْنِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَيْ أَذَانٌ وَإِقَامَةٌ كَمَا بَيَّنَتْهُ رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ، ثُمَّ مَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُسَمِّيهِ بِدْعَةً قِيلَ: إِنَّهُ نَظَرَ إِلَى أَنَّ الْبِدْعَةَ مَا أُحْدِثَ بَعْدَهُ - ﵊ - وَلَوْ كَانَ حَسَنًا وَإِلَّا فَمَا أَحْدَثَهُ عُثْمَانُ أَجْمَعُوا عَلَيْهِ إِجْمَاعًا سُكُوتِيًّا، وَلَا يُعَارَضُ أَنَّ عُثْمَانَ أَحْدَثَ أَذَانًا، وَإِنَّمَا كَانَ يَأْمُرُ بِالْإِعْلَامِ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ مَا كَانَ فِي زَمَنِ عُمَرَ مِنْ مُجَرَّدِ الْإِعْلَامِ اسْتَمَرَّ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ، ثُمَّ رَأَى أَنْ يَجْعَلَهُ أَذَانًا عَلَى مَكَانٍ عَالٍ، فَفَعَلَ وَأَخَذَ النَّاسُ بِفِعْلِهِ فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ إِذْ ذَاكَ ; لِكَوْنِهِ خَلِيفَةً مُطَاعًا، وَقِيلَ: أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَهُ بِمَكَّةَ الْحَجَّاجُ، وَالْبَصْرَةِ زِيَادٌ، وَأَمَّا الَّذِي نَقَلَهُ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ عَنْ
[ ٣ / ١٠٤١ ]
ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّهُ فِي زَمَنِهِ - ﵊ - لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ بَلْ عَلَى الْمَنَارَةِ، وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّ الْأَذَانَ بَيْنَ يَدَيِ الْإِمَامِ لَيْسَ مِنَ الْأَمْرِ الْقَدِيمِ، وَمَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الطَّبَرَانِيِّ وَغَيْرِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّ بِلَالًا كَانَ يُؤَذِّنُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَدْ نَازَعَهُ كَثِيرُونَ، وَمِنْهُمْ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ بِأَنَّ الْأَذَانَ إِنَّمَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ - ﵊ - كَمَا اقْتَضَتْهُ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ هَذِهِ اهـ.
وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ مَا يَقْتَضِي شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، لَكِنْ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ بِأَنَّ الَّذِي اسْتَقَرَّ فِي آخِرِ الْأَمْرِ هُوَ الَّذِي كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ - ﷺ - أَوْ بِأَنَّ أَذَانَ بِلَالٍ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ كَانَ إِعْلَامًا فَيَكُونُ أَصْلَ إِعْلَامِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ، وَلَعَلَّهُ تُرِكَ أَيَّامَ الصِّدِّيقِ أَوْ أَوَاخِرَ زَمَنِهِ - ﵊ - أَيْضًا، فَلِهَذَا سَمَّاهُ عُمَرُ بِدْعَةً، وَتَسْمِيَتُهُ تَجْدِيدَ السُّنَّةِ بِدْعَةً عَلَى مِنْوَالِ مَا قَالَ فِي التَّرَاوِيحِ نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هِيَ، هَذَا وَقَدْ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: تَعَلَّقَ بِالْحَدِيثِ بَعْضُ مَنْ نَفَى أَنَّ لِلْجُمُعَةِ سُنَّةً أَيْ: قَبْلِيَّةً، فَإِنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ كَانَ - ﵊ - إِذَا رَقِيَ الْمِنْبَرَ أَخَذَ بِلَالٌ فِي الْأَذَانِ، فَإِذَا أَكْمَلَهُ أَخَذَ - ﵊ - فِي الْخُطْبَةِ، فَمَتَى كَانُوا يُصَلُّونَ السُّنَّةَ، وَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُمْ إِذَا فُرِغَ مِنَ الْأَذَانِ قَامُوا فَرَكَعُوا فَهُوَ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ، وَهَذَا مَدْفُوعٌ بِأَنَّ خُرُوجَهُ - ﵊ - كَانَ بَعْدَ الزَّوَالِ بِالضَّرُورَةِ ; فَيَجُوزُ كَوْنُهُ بَعْدَ مَا كَانَ يُصَلِّي الْأَرْبَعَ وَهُمْ أَيْضًا كَانُوا يَعْلَمُونَ الزَّوَالَ إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُؤَذِّنِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ ; لِأَنَّ اعْتِمَادَهُ فِي دُخُولِ الْوَقْتِ اعْتِمَادُهُمُ اهـ.
وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا: إِنَّهُ إِذَا أُذِّنَ الْأَوَّلُ تَرَكُوا الْبَيْعَ، وَسَعَوْا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] . قَالَ الطَّحَاوِيُّ: إِنَّمَا يَجِبُ السَّعْيُ وَتَرْكُ الْبَيْعِ إِذَا أُذِّنَ الْأَذَانُ وَالْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ ; لِأَنَّهُ الَّذِي كَانَ عَلَى عَهْدِهِ - ﵊ - وَزَمَنِ الشَّيْخَيْنِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، لَكِنْ قَالَ غَيْرُهُ: هُوَ الْأَذَانُ عَلَى الْمَنَارَةِ الْآنَ الَّذِي أُحْدِثَ فِي زَمَانِ عُثْمَانَ. قَالَ الشِّيمِيُّ: وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَاخْتَارَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ اهـ.
وَلَعَلَّهُمْ أَخَذُوا بِعُمُومِ لَفْظِ الْآيَةِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ - ﷺ - أَوْ نَظَرًا إِلَى أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِمُ السَّعْيُ، وَتَرْكُ الشُّغْلِ الْمَانِعِ قَبْلَ أَذَانِ الْخُطْبَةِ ; لِئَلَّا يَفُوتَهُمْ شَيْءٌ فَقَدَّرُوا الْأَذَانَ الْأَوَّلَ الَّذِي يَقَعُ أَوَّلَ الْوَقْتِ، وَيُؤَيِّدُهُ الْإِجْمَاعُ السُّكُوتِيُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . قَالَ مِيرَكُ وَالْأَرْبَعَةُ: قَالَ ابْنُ هَمَّامٍ: وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ زَادَ النِّدَاءَ الثَّانِي، أَيْ بِاعْتِبَارِ الْأَحْدَاثِ. وَفِي رِوَايَةٍ سُمِّيَ بِالْأَوَّلِ بِاعْتِبَارِ الْوُجُودِ.
[ ٣ / ١٠٤٢ ]
١٤٠٥ - (وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَتْ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - خُطْبَتَانِ، يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيُذَكِّرُ النَّاسَ، فَكَانَ صَلَاتُهُ قَصْدًا، وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
_________________
(١) (وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ - ﵁ - قَالَ: كَانَتْ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - خُطْبَتَانِ يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا) أَيْ: بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ خُطْبَتَهُ كَانَتْ حَالَةَ الْقِيَامِ، وَهُوَ شَرْطٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَسُنَّةٌ عِنْدَنَا، وَفَرْضٌ عِنْدَ مَالِكٍ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَجُلُوسُ مُعَاوِيَةَ إِنَّمَا هُوَ لِعُذْرٍ لَمَّا كَثُرَ شَحْمُ بَطْنِهِ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَهَذَا وَعَنِ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ كَأَكْثَرِ الْفَصْلِ الْعُلَمَاءِ: أَنَّ الْفَصْلَ غَيْرُ وَاجِبٍ. بَلْ قَالَ الطَّحَاوِيُّ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، لَمْ يَقُلْ بِهِ غَيْرُ الشَّافِعِيِّ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَلَمْ أَجِدْ لَهُ دَلِيلًا، وَالْفِعْلُ وَإِنِ اقْتَضَى الْوُجُوبَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِتَرْكِهِ، وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ الْجُلُوسِ قَبْلَهُمَا وَبَيْنَهُمَا، مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا ثَابِتٌ عَنْهُ - ﵊؟ ! قَالَ جَمْعٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَالْعَجَبُ إِيجَابُ هَذَا دُونَ الِاسْتِقْبَالِ، وَأَطَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْجَوَابِ بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ ; فَأَعْرَضْنَا عَنْ ذِكْرِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَأَخَذَ أَئِمَّتُنَا مِنْ قَوْلِهِ: يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ قِرَاءَةِ آيَةٍ فِي إِحْدَى الْخُطْبَتَيْنِ، وَأَخَذُوا مِنْ قَوْلِهِ: وَيُذَكِّرُ النَّاسَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْوَصِيَّةِ بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى ; لِأَنَّهَا مُعْظَمُ الْمَقْصُودِ مِنَ الْخُطْبَةِ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ هَذَا الْمَبْحَثِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (يَقْرَأُ الْقُرْآنَ) تَفْسِيرُ الْخُطْبَةِ، وَقَالَ الْقَاضِي: هُوَ صِفَةٌ ثَانِيَةٌ لِلْخُطْبَتَيْنِ، وَالرَّاجِعُ مَحْذُوفٌ، وَالتَّقْدِيرُ يَقْرَأُ فِيهِمَا، وَقَوْلُهُ: (يُذَكِّرُ النَّاسَ) عَطْفٌ عَلَيْهِ دَاخِلٌ فِي حُكْمِهِ، انْتَهَى، التَّذْكِيرُ هُوَ الْوَعْظُ وَالنَّصِيحَةُ، وَذِكْرُ مَا يُوجِبُ الْخَوْفَ وَالرَّجَاءَ مِنَ التَّرْهِيبِ وَالتَّرْغِيبِ (فَكَانَتْ صَلَاتُهُ قَصْدًا) أَيْ: مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ، مِنَ التَّقْصِيرِ وَالتَّطْوِيلِ (وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا) قَالَ الطِّيبِيُّ: الْقَصْدُ فِي الْأَصْلِ هُوَ الِاسْتِقَامَةُ فِي الطَّرِيقَةِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلتَّوَسُّطِ فِي الْأُمُورِ، وَالتَّبَاعُدِ عَنِ الْإِفْرَاطِ، ثُمَّ لِلتَّوَسُّطِ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ كَالْوَسَطِ، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي تَسَاوِيَ الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ ; لِيُخَالِفَ حَدِيثَ عَمَّارٍ أَيِ: الْآتِيَ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ: كَانَ - ﷺ - يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ، كَانَ يَجْلِسُ إِذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ حَتَّى يَفْرُغَ الْمُؤَذِّنُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ، ثُمَّ يَجْلِسُ فَلَا يَتَكَلَّمُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ.
[ ٣ / ١٠٤٢ ]
١٤٠٦ - (وَعَنْ عَمَّارٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ، وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ ; فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ، وَإِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
_________________
(١) (وَعَنْ عَمَّارٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ) أَيْ: إِطَالَتَهَا (وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ) بِكَسْرِ الْقَافِ، وَفَتْحِ الصَّادِ أَيْ: تَقْصِيرَهَا (مَئِنَّةٌ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَحُكِيَ فَتْحُ الْهَمْزَةِ فَغَيْرُ ثَابِتٍ فِي الْأُصُولِ (مِنْ فِقْهِهِ) أَيْ: عَلَامَةٌ يَتَحَقَّقُ بِهَا فِقْهُهُ، مَفْعِلَةٌ بُنِيَتْ مِنْ إِنَّ الْمَكْسُورَةِ الْمُشَدَّدَةِ، وَحَقِيقَتُهَا مَظِنَّةٌ، وَمَكَانٌ لِقَوْلِ الْقَائِلِ: أَنَّهُ فَقِيهٌ ; لِأَنَّ الصَّلَاةَ مَقْصُودَةٌ بِالذَّاتِ، وَالْخُطْبَةَ تَوْطِئَهٌ لَهَا، فَتُصْرَفُ الْعِنَايَةُ إِلَى الْأَهَمِّ، كَذَا قِيلَ أَوْ لِأَنَّ حَالَ الْخُطْبَةِ تَوَجُّهُهُ إِلَى الْخَلْقِ، وَحَالَ الصَّلَاةِ مَقْصَدَةُ الْخَالِقِ، فَمِنْ فَقَاهَةِ قَلْبِهِ إِطَالَةُ مِعْرَاجِ رَبِّهِ. وَقَالَ: فَكُلُّ شَيْءٍ دَلَّ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ مَئِنَّةٌ لَهُ، وَحَقِيقَتُهَا أَنَّهَا مَفْعِلَةٌ مِنْ مَعْنَى إِنَّ الَّتِي لِلتَّحْقِيقِ، غَيْرِ مُشْتَقَّةٍ مِنْ لَفْظِهَا ; لِأَنَّ الْحُرُوفَ لَا يُشْتَقُّ مِنْهَا، وَإِنَّمَا ضُمِّنَ حُرُوفَهَا دَلَالَةً عَلَى أَنَّ مَعْنَاهَا فِيهَا، وَلَوْ قِيلَ: إِنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنْهَا بَعْدَ مَا جُعِلَتِ اسْمًا لَكَانَ قَوْلًا، وَمِنْ أَغْرَبِ مَا قِيلَ فِيهَا: إِنَّ الْهَمْزَةَ بَدَلٌ مِنْ ظَاءِ الْمَظِنَّةِ، وَالْمِيمَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ زَائِدَةٌ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَعْنَاهُ أَنَّ هَذَا مِمَّا يَسْتَدِلُّ بِهِ - ﷺ - ذَلِكَ عَلَامَةٌ مِنْ فِقْهِهِ ; لِأَنَّ الصَّلَاةَ هِيَ الْأَصْلُ، وَالْخُطْبَةَ هِيَ الْفَرْعُ، وَمِنَ الْقَضَايَا الْفِقْهِيَّةِ أَنْ يُؤْثَرَ الْأَصْلُ عَلَى الْفَرْعِ بِزِيَادَةٍ، (فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ، وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْمُرَادُ بِهَذَا الطُّولِ مَا يَكُونُ عَلَى وِفَاقِ السُّنَّةِ، لَا أَقْصَرَ مِنْهَا وَلَا أَطْوَلَ ; لِيَكُونَ تَوْفِيقًا بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَالْحَدِيثِ قَبْلَهُ انْتَهَى. أَقُولُ: لَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا ; فَإِنَّ الْأَوَّلَ دَلَّ عَلَى الِاقْتِصَادِ فِيهِمَا، وَالثَّانِيَ عَلَى اخْتِيَارِ الْمَزِيَّةِ فِي الثَّانِيَةِ مِنْهُمَا، لَا يُنَافِي هَذَا مَا وَرَدَ فِي مُسْلِمٍ: «أَنَّهُ - ﷺ - صَلَّى الْفَجْرَ وَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَ إِلَى الظُّهْرِ، فَنَزَلَ وَصَلَّى ثُمَّ صَعِدَ وَخَطَبَ إِلَى الْعَصْرِ، ثُمَّ نَزَلَ وَصَلَّى، ثُمَّ صَعِدَ وَخَطَبَ إِلَى الْمَغْرِبِ، فَأَخْبَرَ بِمَا كَانَ، وَمَا هُوَ كَائِنٌ» اهـ. لِوُرُودِهِ نَادِرًا اقْتَضَاهُ، وَلِكَوْنِهِ بَيَانًا لِلْجَوَازِ، وَكَأَنَّهُ كَانَ وَاعِظًا، وَالْكَلَامُ فِي الْخُطَبِ الْمُتَعَارَفَةِ، (وَإِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا) أَيْ: بَعْضُ الْبَيَانِ يَعْمَلُ عَمَلَ السِّحْرِ، فَكَمَا يُكْتَسَبُ الْإِثْمُ بِالسِّحْرِ، يُكْتَسَبُ بِبَعْضِ الْبَيَانِ أَوْ مِنْهُ مَا يَصْرِفُ قُلُوبَ الْمُسْتَمِعِينَ إِلَى قَبُولِ مَا يَسْتَمِعُونَ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ حَقٍّ، فَفِي هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى بَيَانِ الْحِكْمَةِ فِي قِصَرِ الْخُطْبَةِ ; فَإِنَّهُ فِي مَعْرِضِ الْبَلِيَّةِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ الِاحْتِرَازُ مِنْ هَذِهِ الْمِحْنَةِ حَتَّى لَا يَقَعَ فِي الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ، وَابْتِغَاءِ الْفِتْنَةِ، فَهُوَ ذَمٌّ لِتَزْيِينِ الْكَلَامِ وَتَعْبِيرِهِ بِعِبَارَةٍ فِيهَا السَّامِعُ كَالتَّحَيُّرِ فِي السِّحْرِ، نُهِيَ عَنْهُ كَهُوَ عَنِ السِّحْرِ، وَقِيلَ: بَلْ هُوَ مَدْحٌ لِلْفَصَاحَةِ وَالْبَلَاغَةِ، يُرِيدُ أَنَّ الْبَلِيغَ - أَيِ: الَّذِي لَهُ مَلَكَةٌ يَقْتَدِرُ بِهَا تَأْلِيفَ كَلَامٍ بَلِيغٍ، أَيْ: مُطَابِقٍ لِمُقْتَضَى الْحَالِ - يَبْعَثُ النَّاسَ عَلَى حُبِّ الْآخِرَةِ، وَالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا، وَعَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَمَحَاسِنِ الْأَعْمَالِ، بِبَلَاغَتِهِ وَفَصَاحَتِهِ ; فَبَيَانُهُ هُوَ السِّحْرُ الْحَلَالُ فِي اجْتِذَابِ الْقُلُوبِ، وَالِاشْتِمَالِ عَلَى الدَّقَائِقِ وَاللَّطَائِفِ، فَهُوَ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ عَطْفِ الْجُمَلِ ذَكَرُهُ اسْتِطْرَادًا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْجُمْلَةُ حَالٌ مِنِ اقْصُرُوا، أَيِ: اقْصُرُوا الْخُطْبَةَ وَأَنْتُمْ تَأْتُونَ بِهَا مَعَانِيَ جَمَّةً فِي أَلْفَاظٍ يَسِيرَةٍ، وَهُوَ مِنْ أَعْلَى طَبَقَاتِ الْبَيَانِ ; وَلِذَا قَالَ - ﷺ: " «أُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ» ". قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ ذَمٌّ لِإِمَالَةِ الْقُلُوبِ وَصَرْفِهَا بِمَقَاطِعِ الْكَلَامِ، حَيْثُ يُكْتَسَبُ بِهِ مِنَ الْإِثْمِ مَا يُكْتَسَبُ بِالسِّحْرِ، وَأَدْخَلَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ فِي بَابِ مَا يُكْرَهُ مِنَ الْكَلَامِ، وَهَذَا مَذْهَبُهُ فِي تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَدْحٌ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى امْتَنَّ عَلَى عِبَادِهِ بِتَعْلِيمِ الْبَيَانِ، وَشُبِّهَ بِالسِّحْرِ لِمَيْلِ الْقُلُوبِ إِلَيْهِ، وَأَصْلُ السِّحْرِ الصَّرْفُ، وَالْبَيَانُ يَصْرِفُ الْقُلُوبَ وَيُمِيلُهَا إِلَى مَا يَدْعُو إِلَيْهِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ٣ / ١٠٤٣ ]
١٤٠٧ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ: صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ وَيَقُولُ بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ، وَيَقْرُنُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَابَةِ وَالْوُسْطَى» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا خَطَبَ) أَيْ: لِلْجُمُعَةِ، وَيُحْتَمَلُ غَيْرُهَا (احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ) لِمَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ بَوَارِقُ أَنْوَارِ الْجَلَالِ الصَّمَدَانِيَّةِ، وَلَوَامِعُ أَضْوَاءِ الْكَمَالِ الرَّحْمَانِيَّةِ، وَشُهُودُ أَحْوَالِ الْأُمَّةِ الْمَرْحُومَةِ، وَتَقْصِيرُ أَكْثَرِهِمْ فِي امْتِثَالِ الْأُمُورِ الْمَعْلُومَةِ، (وَعَلَا صَوْتُهُ) بِالرَّفْعِ وَيُنْصَبُ أَيِ: ارْتَفَعَ كَلَامُهُ لِنُزُولِ الْهُمُومِ، أَوْ رَفَعَ صَوْتَهَ لِإِفَادَةِ الْعُمُومِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: لِإِبْلَاغِ وَعْظِهِمْ إِلَى آذَانِهِمْ، وَتَعْظِيمِ ذَلِكَ الْخَبَرِ فِي خَوَاطِرِهِمْ، وَتَأْثِيرِهِ فِيهِمْ (وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ) أَيْ: أَثَارَ الْغَضَبَ النَّاشِئَ مِمَّا تَفْعَلُهُ الْأُمَّةُ مِنْ قِلَّةِ الْأَدَبِ فِي مَعْصِيَةِ الرَّبِّ (حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ) إِضَافَةٌ إِلَى الْمَفْعُولِ أَيْ: كَمَنْ يُنْذِرُ قَوْمًا مِنْ قُرْبِ جَيْشٍ عَظِيمٍ قَصَدُوا الْغَارَةَ عَلَيْهِمْ (يَقُولُ) صِفَةٌ لِمُنْذِرٍ، أَوْ حَالٌ مِنْهُ (صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ)
[ ٣ / ١٠٤٣ ]
التَّشْدِيدُ فِيهِمَا. قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ: أَيْ سَيُصَبِّحُكُمُ الْعَدُوُّ، وَسَيُمَسُّونَكُمْ يَعْنِي سَيَأْتِيكُمْ وَقْتَ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ صَبَّحَكُمُ الْعَدُوُّ كَذَا أَمْسَاكُمْ، وَالْمُرَادُ الْإِنْذَارُ بِإِغَارَةِ الْجَيْشِ فِي الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ، وَيَقُولُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِـ " مُنْذِرُ جَيْشٍ "، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنِ اسْمِ كَانَ، وَالْعَامِلُ مَعْنَى التَّشْبِيهِ، فَالْقَائِلُ إِذًا الرَّسُولُ - ﷺ - وَيَقُولُ: الثَّانِي عُطِفَ عَلَى الْأَوَّلِ، وَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ عُطِفَ عَلَى جُمْلَةِ " كَأَنَّهُ " اهـ. الصَّحِيحُ بَلِ الصَّوَابُ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ ; إِذْ لَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ فِي الْمِنْبَرِ صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ إِعَادَةُ الصَّحَابِيِّ لَفْظَ (وَيَقُولُ) أَيِ: النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ إِشَارَةٍ إِلَى أَنَّ قَوْلَ الْمُنْذِرِ: ثُمَّ قَبْلَهُ ثُمَّ الصَّحِيحُ، أَنَّهُ عَطْفٌ عَلَى احْمَرَّتْ ; لِأَنَّ الرِّوَايَةَ فِي يَقُولُ الرَّفْعُ، فَارْتَفَعَ احْتِمَالَ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى مَدْخُولِ حَتَّى. (بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ) بِالرَّفْعِ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ، وَهُوَ أَبْلَغُ، وَإِنْ كَانَ النَّصْبُ أَظْهَرُ مَعْنًى. قَالَ فِي الْمَفَاتِيحِ بِنَصْبِهَا وَرَفْعِهَا، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى الضَّمِيرِ، وَبِالنَّصْبِ مَفْعُولٌ مَعَهُ، أَيْ: يَعْنِي إِلَيْكُمْ قَرِيبًا مِنَ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أُكِّدَ الضَّمِيرُ الْمُنْفَصِلُ لِيَصِحَّ الْعَطْفُ (كَهَاتَيْنِ) يَعْنِي أَنَّهَا سَتَأْتِيكُمْ بَغْتَةً فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ كَإِتْيَانِ الْجَيْشِ بَغْتَةً فِي الْوَقْتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ (وَيَقْرُنُ) بِضَمِّ الرَّاءِ، وَفِي لُغَةٍ بِكَسْرِهَا، كَذَا فِي الْمَصَابِيحِ (بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَةِ) بِالْجَرِّ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ، وَجُوِّزَ الرَّفْعُ أَيِ: الْمُسَبِّحَةِ (وَالْوُسْطَى) قَالَ الطِّيبِيُّ: مَثَّلَ حَالَ الرَّسُولِ - ﷺ - فِي خُطْبَتِهِ، وَإِنْذَارَهُ الْقَوْمَ بِمَجِيءِ الْقِيَامَةِ، وَقُرْبِ وُقُوعِهَا، وَتَهَالُكِ النَّاسِ فِيمَا يُرْدِيهِمْ أَيْ: يُهْلِكُهُمْ - بِحَالِ مَنْ يُنْذِرُ قَوْمَهُ عَنْ غَفْلَتِهِمْ بِجَيْشٍ قَرِيبٍ مِنْهُمْ، يَقْصِدُ الْإِحَاطَةَ بِهِمْ بَغْتَةً مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَكَمَا أَنَّ الْمُنْذِرَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ، وَتَحْمَرُّ عَيْنَاهُ، وَيَشْتَدُّ غَضَبُهُ عَلَى تَغَافُلِهِمْ، وَنَظِيرُ هَذَا أَنَّهُ «لَمَّا نَزَلَ ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] صَعِدَ - ﷺ - الصَّفَا فَجَعَلَ يُنَادِي بُطُونَ قُرَيْشٍ، وَأَعْمَامَهُ، وَعَمَّاتِهِ، وَأَوْلَادَهُ، وَيَقُولُ: لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ، كَذَلِكَ حَالُ الرَّسُولِ - ﷺ - عِنْدَ الْإِنْذَارِ، وَإِلَى قُرْبِ الْمَجِيءِ أَشَارَ بِأُصْبُعَيْهِ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ٣ / ١٠٤٤ ]
١٤٠٨ - (وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقْرَأُ عَلَى الْمِنْبَرِ: " ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧]» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
_________________
(١) (وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ) بِالتَّصْغِيرِ (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقْرَأُ عَلَى الْمِنْبَرِ: (وَنَادَوْا) أَيْ: يَقُولُ الْكُفَّارُ لِمَالِكٍ خَازِنِ النَّارِ ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] أَيْ: بِالْمَوْتِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: مِنْ قَضَى عَلَيْهِ أَيْ: أَمَاتَهُ. " ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥] " وَالْمَعْنَى: سَلْ رَبَّكَ أَنْ يَقْضِيَ عَلَيْنَا، يَقُولُونَ هَذَا لِشِدَّةِ مَا بِهِمْ ; فَيُجَابُونَ بِقَوْلِهِ: إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ أَوْ خَالِدُونَ، وَفِيهِ نَوْعُ اسْتِهْزَاءٍ بِهِمْ دَلَّ الْحَدِيثُ وَمَا قَبْلَهُ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: " ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٣] " وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]، وَقَوْلُهُ: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]، عَلَى أَنَّ النَّاسَ إِلَى الْإِنْذَارِ وَالتَّخْوِيفِ أَحْوَجُ مِنْهُمْ إِلَى التَّبْشِيرِ لِتَمَادِيهِمْ فِي الْغَفْلَةِ، وَانْهِمَاكِهِمْ فِي الشَّهْوَةِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ لِيُبَيِّنَ لَنَا قَدْرَ لُبْثِنَا فِي النَّارِ، فَيَقُولُ لَهُمْ مَالِكٌ: إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ أَيْ: لَكُمْ لُبْثٌ طَوِيلٌ فِيهَا لَا نِهَايَةَ لَهُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قِرَاءَةَ آيَةِ الْوَعْظِ وَالتَّخْوِيفِ عَلَى الْمِنْبَرِ سُنَّةٌ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ قَالَ مِيرَكُ.
[ ٣ / ١٠٤٤ ]
١٤٠٩ - (وَعَنْ أُمِّ هِشَامٍ بِنْتِ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ قَالَتْ: «مَا أَخَذْتُ ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ إِلَّا عَنْ لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - يَقْرَؤُهَا كُلَّ جُمُعَةٍ عَلَى الْمِنْبَرِ إِذَا خَطَبَ النَّاسَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
_________________
(١) (وَعَنْ أُمِّ هِشَامٍ) بِكَسْرِ الْهَاءِ صَحَابِيَّةٌ مَشْهُورَةٌ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي أَصْلِ ابْنِ حَجَرٍ بِلَفْظِ هَاشِمٍ فَهُوَ سَهْوُ قَلَمٍ (بِنْتِ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ قَالَتْ: مَا أَخَذْتُ) أَيْ: مَا حَفِظْتُ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١] أَيْ: هَذِهِ السُّورَةَ (إِلَّا عَنْ لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - يَقْرَؤُهَا كُلَّ جُمُعَةٍ عَلَى الْمِنْبَرِ إِذَا خَطَبَ النَّاسَ) . قَالَ الطِّيبِيُّ نَقْلًا عَنِ الْمُظْهِرِ وَتَبِعَهُ ابْنُ الْمَلَكِ: أَنَّ الْمُرَادَ أَوَّلُ السُّورَةِ لَا جَمِيعُهَا ; لِأَنَّهُ - ﷺ - لَمْ يَقْرَأْ جَمِيعَهَا فِي الْخُطْبَةِ اهـ. وَفِيهِ أَنَّهُ لَمْ يُحْفَظْ أَنَّهُ - ﷺ - كَانَ يَقْرَأُ أَوَّلَهَا فِي كُلِّ جُمُعَةٍ وَإِلَّا لَكَانَتْ قِرَاءَتُهَا وَاجِبَةً أَوْ سُنَّةً مُؤَكَّدَةً، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ بَعْضَهَا ; فَحَفِظَتِ الْكُلَّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَجَرٍ قَالَ: قَوْلُهُ: يَقْرَؤُهَا أَيْ: كُلَّهَا، وَحَمْلُهَا عَلَى أَوَّلِ السُّورَةِ صَرْفٌ لِلنَّصِّ عَنْ ظَاهِرِهِ اهـ. وَفِيهِ أَنَّ الظَّاهِرَ مَعَ الطِّيبِيِّ، لَكِنْ نَحْنُ نَصْرِفُهُ عَنْ ظَاهِرِهِ بِحَمْلِ كُلِّهَا عَلَى الْخُطَبِ الْمُتَعَدِّدَةِ ; إِذِ الْحَمْلُ عَلَى كُلِّ السُّورَةِ فِي كُلِّ خُطْبَةِ مُسْتَبْعَدٌ جِدًّا. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ)، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ كَانَ يَقْرَأُ ق فِي خُطْبَتِهِ كُلَّ جُمُعَةٍ. وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ: أَنَّهُ - ﷺ - خَطَبَ بِبَرَاءَةَ.
[ ٣ / ١٠٤٤ ]
١٤١٠ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - خَطَبَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ، قَدْ أَرْخَى طَرَفَيْهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
_________________
(١) (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ) بِالتَّصْغِيرِ الْقُرَشِيِّ الْمَخْزُومِيِّ: رَأَى النَّبِيَّ - ﷺ - وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، وَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ، وَقِيلَ: قُبِضَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَلَهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً، وَلِيَ إِمَارَةَ الْكُوفَةِ. ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ (أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - خَطَبَ) وَفِي الشَّمَائِلِ خَطَبَ النَّاسَ. (وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الشَّمَائِلِ: عِصَابَةٌ. قَالَ فِي الْمُغْرِبِ: وَتُسَمَّى بِهَا الْعِمَامَةُ، وَقَدْ جَاءَ فِي خَبَرٍ ضَعِيفٍ: «صَلَاةٌ بِعِمَامَةٍ خَيْرٌ مِنْ سَبْعِينَ صَلَاةً بِغَيْرِ عِمَامَةٍ» " (سَوْدَاءُ) وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ دَسْمَاءُ أَوْ سَوْدَاءُ، وَقِيلَ: مُلَطَّخَةٌ بِدُسُومَةِ شَعْرِهِ - ﷺ - إِذْ كَانَ يَكْثُرُ دُهْنُهُ، (قَدْ أَرْخَى) أَيْ: سَدَلَ وَأَرْسَلَ (طَرَفَيْهَا) بِالتَّثْنِيَةِ أَيْ: طَرَفَيْ عِمَامَتِهِ (بَيْنَ كَتِفَيْهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) . قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ أَنَّ لُبْسَ الزِّينَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْعِمَامَةِ السَّوْدَاءِ، وَإِرْسَالَ طَرَفَيْهَا بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ سُنَّةٌ. قَالَ مِيرَكُ فِي حَاشِيَةِ الشَّمَائِلِ: هَذِهِ الْخُطْبَةُ وَقَعَتْ فِي مَعْرِضِ النَّبِيِّ - ﷺ - الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ. وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ: يُسَنُّ لُبْسُ السَّوَادِ لِحَدِيثٍ فِيهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الْمَدْخَلِ أَنَّ عِمَامَتَهُ - ﷺ - كَانَتْ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ، نَقَلَهُ ابْنُ حَجَرٍ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . قَالَ مِيرَكُ: وَالْأَرْبَعَةُ وَفِي الشَّمَائِلِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا اعْتَمَّ سَدَلَ عِمَامَتَهُ أَيْ: أَرْخَى طَرَفَيْهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ. قَالَ نَافِعٌ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ. قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: وَرَأَيْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ وَسَالِمًا يَفْعَلَانِ ذَلِكَ. وَذَكَرَ السُّيُوطِيُّ فِي ثَلْجِ الْفُؤَادِ فِي لُبْسِ السَّوَادِ عَنْ عَلَيٍّ: أَنَّهُ لَبِسَ عِمَامَةً سَوْدَاءَ قَدْ أَرْخَاهَا مِنْ خَلْفِهِ. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ عَلَى عَلَيٍّ عِمَامَةً سَوْدَاءَ يَوْمَ قُتِلَ عُثْمَانُ، وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: أَنَّهُ خَطَبَ وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ سُودٌ، وَعِمَامَةٌ سَوْدَاءُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ يُرْخِيهَا شِبْرًا أَوْ أَقَلَّ مِنْ شِبْرٍ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ اعْتَمَّ بِعِمَامَةٍ سَوْدَاءَ قَدْ أَرْخَى مِنْ خَلْفِهِ نَحْوًا مِنْ ذِرَاعٍ. وَنَقَلَ السُّيُوطِيُّ لُبْسَ الْعِمَامَةِ السَّوْدَاءِ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ مِنْهُمْ: أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، وَمُعَاوِيَةُ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ، وَالْبَرَاءُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَوَاثِلَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَغَيْرُهُمْ، ثُمَّ قَالَ: وَأَخْرَجَ ابْنُ عُدَيٍّ فِي الْكَامِلِ، وَأَبُو نُعَيْمٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ كِلَاهُمَا فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَرَرْتُ بِالنَّبِيِّ - ﷺ - وَإِذَا مَعَهُ جِبْرِيلُ، وَأَنَا أَظُنُّهُ دِحْيَةَ الْكَلْبِيَّ. فَقَالَ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ: " «إِنَّهُ لَوَضِحُ الثِّيَابِ، وَإِنَّ وَلَدَهُ يَلْبَسُونَ الثِّيَابَ السُّودَ» . وَقَالَ السُّيُوطِيُّ فِي رِسَالَتِهِ الْمَعْمُولَةِ فِي إِرْسَالِ الْعَذَبَةِ، «عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: عَمَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَسَدَلَهَا بَيْنَ يَدِيَّ وَمِنْ خَلْفِي» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَفِي رِوَايَةٍ أَرْسَلَ مِنْ خَلْفِهِ أَرْبَعَ أَصَابِعَ وَنَحْوَهَا، ثُمَّ قَالَ هَكَذَا فَاعْتَمَّ، فَإِنَّهُ أَغْرَبُ وَأَحْسَنُ. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ لَا يُوَلِّي وَالِيًا حَتَّى يُعَمَّمَ يُرْخِيَ لَهَا مِنْ جَانِبِهِ الْأَيْمَنِ نَحْوَ الْأُذُنِ. رَوَاهُمَا الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ. قَالَ السُّيُوطِيُّ: وَقَوْلُ الشَّيْخِ مَجْدِ الدِّينِ: مَا فَارَقَ الْعَذَبَةَ قَطُّ. لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ فِي حَدِيثٍ، بَلْ ذَكَرَ صَاحِبُ الْهُدَى: أَنَّهُ كَانَ يَعْتَمُّ تَارَةً بِعَذَبَةٍ وَتَارَةً بِلَا عَذَبَةٍ، وَأَمَّا حَدِيثُ: «خَالِفُوا الْيَهُودَ» إِلَخْ، وَحَدِيثُ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عِمَامَةٍ صَمَّاءَ» فَلَا أَصْلَ لَهُمَا، وَمَنْ عَلِمَ أَنَّهَا سُنَّةٌ وَتَرَكَهَا اسْتِنْكَافًا عَنْهَا أَثِمَ، أَوْ غَيْرَ مُسْتَنْكِفٍ فَلَا. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: يَجُوزُ لُبْسُ الْعِمَامَةِ بِإِرْسَالِ طَرَفِهَا، وَبِغَيْرِ إِرْسَالِهِ، وَلَا كَرَاهَةَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَمْ يَصِحَّ فِي النَّهْيِ عَنْ تَرْكِ إِرْسَالِهَا شَيْءٌ، وَإِرْسَالُهَا إِرْسَالًا فَاحِشًا كَإِرْسَالِ الثَّوْبِ، فَيَحْرُمُ لِلْخُيَلَاءِ، وَيُكْرَهُ لِغَيْرِهِ ; لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: " «لَا إِسْبَالَ فِي الْإِزَارِ، وَالْقَمِيصِ، وَالْعِمَامَةِ، مَنْ جَرَّ شَيْئًا خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَأَمَّا إِذَا اقْتَدَى الشَّخْصُ بِهِ - ﵊ - فِي عَمَلِ الْعَذَبَةِ، وَحَصَلَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ خُيَلَاءُ فَدَوَاؤُهُ أَنْ يُعْرِضَ عَنْهُ، وَيُعَالِجَ نَفْسَهُ عَلَى تَرْكِهِ، وَلَا يُوجِبُ ذَلِكَ تَرْكَ الْعَذَبَةِ، فَإِنْ لَمْ يَزُلْ إِلَّا بِتَرْكِهَا فَلْيَتْرُكْهَا مُدَّةً حَتَّى تَزُولَ ; لِأَنَّ تَرْكَهَا لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ، وَإِزَالَةَ الْخُيَلَاءِ وَاجِبَةٌ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ فِي السَّوَادِ أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِ الْمَاوَرْدِيِّ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَلْبَسَ السَّوَادَ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ هَذَا، لَكِنْ ضَعَّفَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ الَّذِي وَاظَبَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - ﷺ - وَالْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ إِنَّمَا هُوَ الْبَيَاضُ، ثُمَّ قَالَ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَلْبَسُ الْبَيَاضَ دُونَ السَّوَادِ، إِلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ تَرَتُّبُ مَفْسَدَةٍ عَلَيْهِ لِذَلِكَ مِنْ جِهَةِ السُّلْطَانِ أَوْ غَيْرِهِ وَفِي الْإِحْيَاءِ فِي مَوْضِعٍ تَبَعًا لِقَوْلِ أَبِي طَالِبٍ الْمَكِّيِّ: يُكْرَهُ لُبْسُ السَّوَادِ. وَأَفْتَى ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: بِأَنَّ الْمُوَاظَبَةَ عَلَى لُبْسِ السُّودِ بِدْعَةٌ، وَأَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ لُبْسَهُ فِي الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ بَنُو الْعَبَّاسِ فِي خِلَافَتِهِمْ، مُحْتَجِّينَ بِأَنَّ الرَّايَةَ الَّتِي عُقِدَتْ لِجَدِّهِمُ الْعَبَّاسِ يَوْمَ الْفَتْحِ وَحُنَيْنٍ كَانَتْ سَوْدَاءَ. قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: وَلِأَنَّهُ أَبْعَدُ الْأَلْوَانِ مِنَ الزِّينَةِ، وَأَقْرَبُهَا إِلَى الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا، وَلِذَلِكَ يَلْبَسُهُ الْعُبَّادُ وَالنُّسَّاكُ.
[ ٣ / ١٠٤٥ ]
١٤١١ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَلِيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
_________________
(١) (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَهُوَ يَخْطُبُ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ، (إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ) أَيْ: يُرِيدُ أَوْ يَقْرُبُ أَنْ يَخْطُبَ، (فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَلِيَتَجَوَّزْ) بِكَسْرِ اللَّامِ وَيُسَكَّنُ، (فِيهِمَا) أَيْ: لِيُخَفِّفْ. قِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ يَنْوِيَ سُنَّةَ الْجُمُعَةِ ; لِأَنَّ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ تَحْصُلُ بِهَا بِخِلَافِ عَكْسِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ وَتَبِعَهُ ابْنُ الْمَلَكِ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِلْمَذْهَبِ: إِنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ مُسْتَحَبَّةٌ فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . قَالَ مِيرَكُ: وَاللَّفْظُ لَهُ، وَلِلْبُخَارِيِّ بِمَعْنَاهُ، وَلَمْ يَقُلْ: " وَلِيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا ". قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: أَنْ سُلَيْكًا الْغَطَفَانِيَّ جَاءَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالنَّبِيُّ - ﷺ - يَخْطُبُ فَجَلَسَ ; فَقَالَ لَهُ: " سُلَيْكُ، قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا، ثُمَّ قَالَ: إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ " إِلَخْ. قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: وَلِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْلُهُ - ﵊ - «إِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ فَلَا صَلَاةَ وَلَا كَلَامَ» . قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: رَفْعُهُ غَرِيبٌ، وَالْمَعْرُوفُ كَوْنُهُ مِنْ كَلَامِ الزُّهْرِيِّ. رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ. قَالَ: خُرُوجُهُ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ، وَكَلَامُهُ يَقْطَعُ الْكَلَامَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ: عَنْ عَلَيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ، كَانُوا يَكْرَهُونَ الصَّلَاةَ وَالْكَلَامَ بَعْدَ خُرُوجِ الْإِمَامِ. وَأَخْرَجَ عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: إِذَا قَعَدَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ فَلَا صَلَاةَ. وَعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ فِي الرَّجُلِ يَجِيءُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ: يَجْلِسُ وَلَا يُصَلِّي. وَالْحَاصِلُ أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ فَيَجِبُ تَقْلِيدُهُ عِنْدَنَا إِذَا لَمْ يَنْفِهِ شَيْءٌ آخَرُ مِنَ السُّنَّةِ، وَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ قَوْلِهِ: إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَخْ، لَا يَنْفِي كَوْنَ الْمُرَادِ أَنْ يَرْكَعَ مَعَ سُكُوتِ الْخَطِيبِ ; لِمَا ثَبَتَ فِي السُّنَّةِ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ لَكَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الصَّلَاةِ فِي حَالِ الْخُطْبَةِ انْتَهَى. وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ لِيَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَابْنُ حِبَّانَ: أَنَّهُ - ﵊ - كَرَّرَ أَمْرَهُ لَهُ بِالصَّلَاةِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فِي ثَلَاثِ جُمَعٍ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْقَصْدَ كَانَ التَّصَدُّقَ عَلَيْهِ، وَجَاءَ مِنْ طُرُقٍ أَنَّهُ حَصَلَ لَهُ فِي الْجُمُعَةِ الْأُولَى ثَوْبَيْنِ، فَدَخَلَ بِهِمَا فِي الثَّانِيَةِ فَتَصَدَّقَ بِأَحَدِهِمَا فِيهَا - ﷺ - وَأَمَرَهُ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ انْتَهَى. فَيَكُونُ الْحُكْمُ مِنْ بَابِ التَّخْصِيصِ ; لِأَنَّ الْقَائِلِينَ بِالْمَنْعِ لَا يُجِيزُونَ ذَلِكَ لِعِلَّةِ التَّصَدُّقِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ.
[ ٣ / ١٠٤٦ ]
١٤١٢ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَعْنِي صَلَاةَ الْجُمُعَةِ. (مَعَ إِمَامٍ)، قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا مُخْتَصٌّ بِالْجُمُعَةِ، بَيَّنَهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ. (فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ) قَالَ الشَّافِعِيُّ: أَيْ: لَمْ تَفُتْهُ، وَمَنْ لَمْ تَفُتْهُ الْجُمُعَةُ صَلَّاهَا رَكْعَتَيْنِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فَيَقُومُ بَعْدَ تَسْلِيمِ الْإِمَامِ، وَيُصَلِّي رَكْعَةً أُخْرَى اهـ. وَالْأَظْهَرُ حَمْلُ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى الْعُمُومِ كَمَا سَبَقَ فِي بَابِ مَا عَلَى الْمَأْمُومِ مِنْ قَوْلِهِ - ﷺ: " «وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» "، وَقَدْ قَدَّمْنَا مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مُفَصَّلًا فَرَاجِعْهُ، وَلَا يُنَافِيهِ مَا وَرَدَ فِي خُصُوصِ الْجُمُعَةِ فِي حَدِيثِ: «مَنْ أَدْرَكَ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» . وَفِي حَدِيثِ: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً فَلْيَصِلْ إِلَيْهَا أُخْرَى» . ضَبَطَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِضَمٍّ فَفَتْحٍ فَتَشْدِيدٍ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ لِوُجُودِ " إِلَيْهَا ". فَالصَّوَابُ بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ وَسُكُونِ لَامٍ مُخَفَّفَةٍ ; لِأَنَّ الْوُصُولَ يَتَعَدَّى بِإِلَى. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٣ / ١٠٤٦ ]
١٤١٣ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ، كَانَ يَجْلِسُ إِذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ حَتَّى يَفْرُغَ أُرَاهُ الْمُؤَذِّنَ ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ، ثُمَّ يَجْلِسُ وَلَا يَتَكَلَّمُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ) أَيْ: يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَهَذَا إِجْمَالٌ وَتَفْصِيلُهُ: (كَانَ يَجْلِسُ) اسْتِئْنَافٌ مُبَيِّنٌ (إِذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ) قَالَ الْعُلَمَاءُ: أَيْ: يُسْتَحَبُّ الْخُطْبَةُ عَلَى الْمِنْبَرِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِلَّا بِمَكَّةَ ; فَإِنَّ الْخُطْبَةَ عَلَى مِنْبَرِهَا بِدْعَةٌ، وَإِنَّمَا السُّنَّةُ أَنْ يَخْطُبَ عَلَى بَابِ الْكَعْبَةِ كَمَا فَعَلَهُ - ﷺ - يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ، وَإِنَّمَا أَحْدَثُ ذَلِكَ بِمَكَّةَ مُعَاوِيَةُ، وَفِيهِ أَنَّهُ فَعَلَهُ، وَأَقَرَّهُ السَّلَفُ مَعَ اعْتِرَاضِهِمْ عَلَيْهِ فِي وَقَائِعَ أُخْرَى تَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ. (حَتَّى يَفْرُغَ أُرَاهُ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ (الْمُؤَذِّنَ) بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ لِأُرَاهُ، وَبِالرَّفْعِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ لِيَفْرُغَ، أَيْ: قَالَ الرَّاوِي: عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: حَتَّى يَفْرُغَ الْمُؤَذِّنُ كَذَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ قَالَ الرَّاوِي: أَظُنُّ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَرَادَ بِإِطْلَاقِ قَوْلِهِ: حَتَّى يَفْرُغَ تَقْيِيدُهُ بِالْمُؤَذِّنِ، وَالْمَعْنَى كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَجْلِسُ عَلَى الْمِنْبَرِ مِقْدَارَ مَا يَفْرُغُ الْمُؤَذِّنُ مِنْ
[ ٣ / ١٠٤٦ ]
أَذَانِهِ. (ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ، ثُمَّ يَجْلِسُ) أَيْ: جَلْسَةً خَفِيفَةً. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالْأَوْلَى أَنْ تَكُونَ قَدْرَ الْإِخْلَاصِ. (وَلَا يَتَكَلَّمُ) أَيْ: حَالَ جُلُوسِهِ بِغَيْرِ الذِّكْرِ، أَوِ الدُّعَاءِ، أَوِ الْقِرَاءَةِ سِرًّا. وَالْأَوْلَى الْقِرَاءَةُ لِرِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ كَانَ الرَّسُولُ - ﷺ - يَقْرَأُ فِي جُلُوسِهِ كِتَابَ اللَّهِ. قِيلَ: وَالْأَوْلَى قِرَاءَةُ الْإِخْلَاصِ، كَذَا فِي شَرْحِ الطِّيبِيِّ. (ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ) فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ يُكْرَهُ أَشَدَّ الْكَرَاهَةِ وَصْفُ السَّلَاطِينِ بِمَا لَيْسَ فِيهِمْ ; لِأَنَّ فِيهِ خَلْطَ الْعِبَادَةِ بِالْمَعْصِيَةِ، وَهِيَ الْكَذِبُ انْتَهَى.
وَقَالَ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا: مَنْ قَالَ لِسُلْطَانِ زَمَانِنَا: عَدَلَ، كَفَرَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجِبُ الْإِنْصَاتُ إِلَى أَنْ يُشْرَعَ فِي مَدْحِ الظَّلَمَةِ، وَلِذَا ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْبُعْدَ فِي زَمَانِنَا عَنِ الْخَطِيبِ أَفْضَلُ كَيْلَا يَسْمَعَ مَدْحَ الظَّلَمَةِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) . قَالَ مِيرَكُ: وَفِي إِسْنَادِهِ عَبْدُ اللَّهِ الْعُمَرِيُّ وَفِيهِ مَقَالٌ.
[ ٣ / ١٠٤٧ ]
١٤١٤ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا اسْتَوَى عَلَى الْمِنْبَرِ اسْتَقْبَلْنَاهُ بِوُجُوهِنَا») . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، ذَاهِبُ الْحَدِيثِ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا اسْتَوَى عَلَى الْمِنْبَرِ اسْتَقْبَلْنَاهُ بِوُجُوهِنَا) . قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ: تَوَجَّهْنَاهُ، فَالسُّنَّةُ أَنْ يَتَوَجَّهَ الْقَوْمُ الْخَطِيبَ، وَالْخَطِيبُ الْقَوْمَ اهـ. وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ يُسْتَحَبُّ لِلْقَوْمِ أَنْ يَسْتَقْبِلُوا الْإِمَامَ عِنْدَ الْخُطْبَةِ، لَكِنَّ الرَّسْمَ الْآنَ أَنَّهُمْ يَسْتَقْبِلُونَ الْقِبْلَةَ لِلْحَرَجِ فِي تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ لِكَثْرَةِ الزِّحَامِ، كَذَا فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ لِلسُّرُوجِيِّ. قُلْتُ: لَا يَلْزَمُ مِنِ اسْتِقْبَالِهِمُ الْإِمَامَ تَرْكُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ عَلَى مَا يَشْهَدُ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الْآتِي فِي أَوَّلِ بَابِ الْعِيدِ، فَيَقُومَ مُقَابِلَ النَّاسِ جُلُوسٌ عَلَى صُفُوفِهِمْ. نَعَمْ، الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مُتَعَذِّرٌ فِي غَيْرِ جِهَةِ الْإِمَامِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عِنْدَ اجْتِمَاعِ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ، وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَإِذَا صَعِدَ الْخَطِيبُ الْمِنْبَرَ لَا يُسَلِّمُ عَلَى الْقَوْمِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ اهـ. وَمِنْ عَجَائِبِ مَا وَقَعَ لِي أَنِّي كُنْتُ بَعْدَ فَرَاغِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ أَذْهَبُ إِلَى الْخَطِيبِ الشَّافِعِيِّ، وَأَقُولُ لَهُ: وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَتَعَجَّبَ مِنِّي مَرَّةً. فَقُلْتُ: إِنَّكَ أَوَّلُ مَا تُسَلِّمُ يُؤَذِّنُ الْمُؤَذِّنُ، وَلَا يَرُدُّ أَحَدٌ الْجَوَابَ وَلَوْ رَدَّ أَحَدٌ لَمْ تَسْمَعْ فَلَا يُفِيدُ إِسْقَاطُ الْفَرْضِ، فَإِمَّا أَنْ تَأْمُرَ الْمُؤَذِّنَ بِأَنْ يَرُدَّ عَلَيْكَ السَّلَامَ، وَإِلَّا تَتْرُكِ السَّلَامَ لِئَلَّا يَقَعَ النَّاسُ فِي الْحَرَجِ الْعَامِّ، وَالْإِثْمِ التَّامِّ. فَقَالَ لِي: هَذَا غَيْرُ مُمْكِنٍ فَإِنَّهُ خَرْقٌ لِلْعَادَةِ. قُلْتُ: الْإِرَادَةُ تَرْكُ الْعَادَةِ، وَبِتَرْكِهَا تَصِيرُ الْعَادَةُ عِبَادَةً. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ أَيِ: ابْنِ عَطِيَّةَ قَالَهُ مِيرَكُ. (وَهُوَ ضَعِيفٌ) أَيْ: فِي الرِّوَايَةِ. (ذَاهِبُ الْحَدِيثِ) أَيْ: وَاهِمٌ فِي نَقْلِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ: ذَاهِبٌ حَدِيثُهُ، غَيْرُ حَافِظٍ لِلْحَدِيثِ، وَهُوَ عَطْفُ بَيَانٍ لِقَوْلِهِ ضَعِيفٌ.
[ ٣ / ١٠٤٧ ]
١٤١٥ - («وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَخْطُبُ قَائِمًا ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ قَائِمًا، فَمَنْ نَبَّأَكَ أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ جَالِسًا فَقَدْ كَذَبَ فَقَدَ وَاللَّهِ صَلَّيْتُ مَعَهُ أَلْفَيْ صَلَاةٍ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
_________________
(١) (عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَخْطُبُ قَائِمًا)، فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: كُلُّ بَلَدٍ فُتِحَ بِالسَّيْفِ يُخْطَبُ فِيهَا بِالسَّيْفِ كَمَكَّةَ، وَالَّتِي أَسْلَمَ أَهْلُهَا طَوْعًا كَالْمَدِينَةِ يُخْطَبُ فِيهَا بِلَا سَيْفٍ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْقِيَامِ. (ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ قَائِمًا) . فِي الْيَنَابِيعِ: الْجَهْرُ فِي الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ دُونَ الْجَهْرِ فِي الْأُولَى. (فَمَنْ نَبَّأَكَ) بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: أَخْبَرَكَ وَحَدَّثَكَ. (أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ جَالِسًا، فَقَدْ كَذَبَ) أَيِ: افْتَرَى. (فَقَدَ وَاللَّهِ، صَلَّيْتُ)، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَاللَّهِ، قَسَمٌ اعْتَرَضَ بَيْنَ قَدْ وَمُتَعَلِّقِهِ وَهُوَ دَالٌّ عَلَى جَوَابِ الْقَسَمِ، وَالْفَاءُ فِي فَمَنْ جَوَابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، وَفِي فَقَدْ كَذَبَ جَوَابُ مَنْ، وَفِي فَقَدَ وَاللَّهِ، سَبَبِيَّةٌ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ كَاذِبٌ ظَاهِرُ الْكَذِبِ ; بِسَبَبِ أَنِّي صَلَّيْتُ. (مَعَهُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَيْ صَلَاةٍ) أَيْ: مِنَ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا، أَوْ أَرَادَ التَّكْثِيرَ لَا التَّحْدِيدَ ; لِأَنَّهُ - ﵊ - لَمْ يُقِمْ بِالْمَدِينَةِ إِلَّا عَشْرَ سِنِينَ، وَأَوَّلُ جُمُعَةٍ صَلَّاهَا هِيَ الْجُمُعَةُ الَّتِي تَلِي قُدُومَهُ الْمَدِينَةَ، فَلَمْ يُصَلِّ أَلْفَيْ جُمُعَةٍ بَلْ نَحْوَ خَمْسِمِائَةٍ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ٣ / ١٠٤٧ ]
١٤١٦ - (وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أُمِّ الْحَكَمِ يَخْطُبُ قَاعِدًا. فَقَالَ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الْخَبِيثِ يَخْطُبُ قَاعِدًا، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١] . رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
_________________
(١) (وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ) بِضَمِّ الْعَيْنِ، وَسُكُونِ الْجِيمِ، نَزَلَ الْكُوفَةَ، وَمَاتَ بِالْمَدِينَةِ، رَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي الصَّحَابَةِ. (أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ أَمِّ الْحَكَمِ) بِفَتْحَتَيْنِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَظُنُّهُ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ. قُلْتُ: أَوْ مِنْ أَتْبَاعِهِمْ. (يَخْطُبُ قَاعِدًا فَقَالَ) أَيْ: كَعْبٌ مِنْ غَايَةِ الْغَضَبِ. (انْظُرُوا إِلَى هَذَا الْخَبِيثِ) بِعَيْنِ الْعَجَبِ فِي تَرْكِ الْأَدَبِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فِيهِ جَوَازُ التَّغْلِيظِ عَلَى مَنِ ارْتَكَبَ حَرَامًا عِنْدَ مَنْ قَالَ بِهِ أَوْ مَكْرُوهًا عِنْدَ غَيْرِهِ ; لِأَنَّ إِظْهَارَ خِلَافِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ - ﵊ - عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ يُنْبِئُ عَنْ خُبْثٍ أَيِّ خُبْثٍ. (يَخْطُبُ قَاعِدًا) وَقَالَ اللَّهُ وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَإِذَا رَأَوْا) أَيْ: أَبْصَرُوا أَوْ عَرَفُوا. (تِجَارَةً) أَيْ: بَيْعًا وَشِرَاءً. (أَوْ لَهْوًا) أَيْ: طَبْلًا وَصَدًّا. (انْفَضُّوا) أَيْ: تَفَرَّقُوا. (إِلَيْهَا) أَيْ: إِلَى التِّجَارَةِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهَا، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الِاكْتِفَاءِ وَمُرَاعَاةِ أَقْرَبِ الْمَذْكُورِينَ، أَوِ اخْتُصَّتْ بِالذِّكْرِ ; لِأَنَّهَا الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ مِنَ الْأَمْرَيْنِ، فَإِنَّ الطَّبْلَ إِنَّمَا كَانَ لِإِعْلَامِ مَجِيءِ أَسْبَابِ التِّجَارَةِ، وَكَانُوا إِذَا أَقْبَلَتِ الْعِيرُ اسْتَقْبَلُوهَا بِالتَّصْفِيقِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ قَدْ قَالَ اللَّهُ حَالٌ مُقَرِّرَةٌ لِجِهَةِ الْإِنْكَارِ رَأَى كَيْفَ يَخْطُبُ قَاعِدًا وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١]، وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَصَابَهُمْ جُوعٌ وَغَلَاءٌ، فَقَدِمَ تِجَارَةٌ مِنْ زَيْتِ الشَّامِ وَالنَّبِيُّ - ﷺ - يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَائِمًا فَتَرَكُوهُ قَائِمًا وَمَا بَقِيَ مَعَهُ إِلَّا يَسِيرٌ اهـ. وَهُمْ ثَمَانِيَةٌ أَوِ اثْنَا عَشَرَ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِمَا فِي مُسْلِمٍ: عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ الْبَاقِينَ اثْنَا عَشَرَ مِنْهُمْ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ - ﵃ - وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ ﵇: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ خَرَجُوا جَمِيعًا لَأَضْرَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْوَادِيَ نَارًا. وَاعْلَمْ أَنَّ مِنْ شَرَائِطِ صِحَّةِ أَدَاءِ الْجُمُعَةِ الْوَقْتَ ; فَإِنَّهَا لَا تَصِحَّ بَعْدَهُ بِخِلَافِ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَوَقْتُهَا وَقْتُ الظُّهْرِ إِجْمَاعًا، وَلَا تَجُوزُ قَبْلَ الزَّوَالِ إِلَّا فِي قَوْلِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَلَا بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الْعَصْرِ خِلَافًا لِمَالِكٍ، وَمِنْ شُرُوطِهَا الْخُطْبَةُ وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَشَرْطُهَا كَوْنُهَا فِي الْوَقْتِ، وَلَا تَصِحُّ قَبْلَهُ، وَأَنْ تَكُونَ بِحَضْرَةِ الْجَمَاعَةِ، وَرُكْنُهَا مُطْلَقُ ذِكْرِ اللَّهِ بِنِيَّتِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا ذِكْرٌ طَوِيلٌ يُسَمَّى خُطْبَةً، وَوَاجِبُهَا كَوْنُهَا مَعَ الطَّهَارَةِ، وَالْقِيَامِ، وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَسُنَّتُهَا: كَوْنُهَا خُطْبَتَيْنِ بِجِلْسَةٍ بَيْنَهُمَا، يَشْتَمِلُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى الْحَمْدِ وَالتَّشَهُّدِ، أَيْ: لَفَظِ الشَّهَادَةِ، وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَالْأُولَى عَلَى تِلَاوَةِ آيَةٍ وَالْوَعْظِ، وَالثَّانِيَةُ عَلَى الدُّعَاءِ لِلْمُؤْمِنِينَ بَدَلَ الْوَعْظِ، وَهَذِهِ كُلُّهَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - ﵀ - أَرْكَانٌ فَلَوْ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَوْ سُبْحَانَ اللَّهِ، أَوْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ أَجْزَأَ إِنْ كَانَ عَلَى قَصْدِ الْخُطْبَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ كَذَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: فَالْقِيَامُ فِيهَا أَفْضَلُ ; لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِعْلَامِ إِذَا كَانَ أَنْشَرَ لِلصَّوْتِ فَكَانَتْ مُخَالَفَتُهُ مَكْرُوهَةً. قَالَ: وَلَمْ يَحْكُمْ هُوَ أَيْ: كَعْبٌ، وَلَا غَيْرُهُ بِفَسَادِ تِلْكَ الصَّلَاةِ فَعُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِشُرُوطٍ عِنْدَهُمْ أَيْ: عِنْدَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، فَيَكُونَ كَالْإِجْمَاعِ. قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ لِأَبِي حَنِيفَةَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ بَيْنَ كَوْنِهِ ذِكْرًا طَوِيلًا يُسَمَّى خُطْبَةً، أَوْ ذِكْرًا لَا يُسَمَّى خُطْبَةً، فَكَانَ الشَّرْطُ الذِّكْرَ الْأَعَمَّ بِالْقَاطِعِ غَيْرَ أَنَّ الْمَأْثُورَ عَنْهُ - ﵊ - اخْتِيَارُ أَحَدِ الْفَرْدَيْنِ أَعْنِي الذِّكْرَ الْمُسَمَّى بِالْخُطْبَةِ وَالْمُوَاظَبَةَ عَلَيْهِ، فَكَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا أَوْ سُنَّهً، لَا أَنَّهُ الشَّرْطُ الَّذِي لَا يُجَزِئُ غَيْرُهُ ; إِذْ لَا يَكُونُ بَيَانًا لِعَدَمِ الْإِجْمَالِ فِي لَفْظِ الذِّكْرِ، وَقَدْ عُلِمَ وُجُوبُ تَنْزِيلِ الْمَشْرُوعَاتِ عَلَى حَسَبِ أَدِلَّتِهَا، فَهَذَا الْوَجْهُ يُغْنِي عَنْ قِصَّةِ عُثْمَانَ، فَإِنَّهَا لَمْ تُعْرَفْ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ بَلْ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ، وَهِيَ أَنَّهُ لَمَّا خَطَبَ فِي أَوَّلِ جُمُعَةٍ وُلِّيَ الْخِلَافَةَ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ فَارْتُجَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: إِنْ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانَا يُعِدَّانِ لِهَذَا الْمَقَامِ مَقَالًا، وَأَنْتُمْ إِلَى إِمَامٍ فَعَّالٍ أَحْوَجُ إِلَى إِمَامٍ قَوَّالٍ، وَسَتَأْتِيكُمُ الْخُطَبُ بَعْدُ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، وَنَزَلَ وَصَلَّى بِهِمْ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ، فَكَانَ إِجْمَاعًا مِنْهُمْ إِمَّا عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِهَا، وَإِمَّا عَلَى كَوْنِ نَحْوِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَنَحْوِهَا يُسَمَّى خُطْبَةً لُغَةً، وَإِنْ لَمْ يُسَمَّ عُرْفًا، وَلِهَذَا قَالَ - ﵊: لِلَّذِي قَالَ: مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى، بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ، فَسَمَّاهُ خَطِيبًا بِهَذَا الْقَدْرِ مِنَ الْكَلَامِ، وَالْخِطَابُ الْقُرْآنِيُّ إِنَّمَا تَعَلُّقُهُ بِاعْتِبَارِ الْمَفْهُومِ اللُّغَوِيِّ ; لِأَنَّ الْخِطَابَ مَعَ أَهْلِ تِلْكَ اللُّغَةِ بِلُغَتِهِمْ يَقْتَضِي ذَلِكَ، وَلِأَنَّ هَذَا الْعُرْفَ إِنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي مُحَاوَرَاتِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ لِلدَّلَالَةِ عَلَى غَرَضِهِمْ، فَأَمَّا فِي أَمْرٍ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ تَعَالَى فَيُعْتَبَرُ فِيهِ حَقِيقَةُ اللَّفْظِ لُغَةً اهـ. كَلَامُ الْمُحَقِّقِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ٣ / ١٠٤٨ ]
١٤١٧ - «وَعَنْ عُمَارَةَ بْنِ رُوَيْبَةَ - ﵁: أَنَّهُ رَأَى بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ عَلَى الْمِنْبَرِ رَافِعًا يَدَيْهِ، فَقَالَ: قَبَّحَ اللَّهُ هَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ، لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - مَا يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَقُولَ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ الْمُسَبِّحَةِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ عُمَارَةَ): بِضَمِّ الْعَيْنِ، وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ. (ابْنِ رُوَيْبَةَ): بِالتَّصْغِيرِ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي الصَّحَابَةِ. (أَنَّهُ رَأَى بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ عَلَى الْمِنْبَرِ) . فِي الْقَامُوسِ: نَبَرَ الشَّيْءَ: رَفَعَهُ، وَمِنْهُ الْمِنْبَرُ بِكَسْرِ الْمِيمِ. (رَافِعًا يَدَيْهِ) أَيْ: عِنْدَ التَّكَلُّمِ، كَمَا هُوَ دَأْبُ الْوُعَّاظِ إِذْ جَمُّوا يَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ: وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ الْمُسَبِّحَةِ. قَالَهُ الطِّيبِيُّ: (فَقَالَ) أَيْ: عُمَارَةُ. (قَبَّحَ اللَّهُ هَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ): دُعَاءٌ عَلَيْهِ، أَوْ إِخْبَارٌ عَنْ قُبْحِ صُنْعِهِ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] . (لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - مَا يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَقُولَ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ الْمُسَبِّحَةِ): بِالْجَرِّ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: يَقُولُ أَيْ: يُشِيرُ عِنْدَ التَّكَلُّمِ فِي الْخُطْبَةِ بِإِصْبَعِهِ يُخَاطِبُ النَّاسَ، وَيُنَبِّهُهُمْ عَلَى الِاسْتِمَاعِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ٣ / ١٠٤٩ ]
١٤١٨ - وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَالَ: «لَمَّا اسْتَوَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ: " اجْلِسُوا " فَسَمِعَ ذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَجَلَسَ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ " تَعَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: «لَمَّا اسْتَوَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ: " اجْلِسُوا» "): قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ التَّكَلُّمِ فِي الْمِنْبَرِ اهـ. وَعِنْدَنَا كَلَامُ الْخَطِيبِ فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ مَكْرُوهٌ، إِذَا لَمْ يَكُنْ أَمْرًا بِالْمَعْرُوفِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ رَأَى أَحَدًا مِنَ الْحَاضِرِينَ قَامَ لِيُصَلِّيَ، فَأَمَرَهُ بِالْجُلُوسِ لِحُرْمَةِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَالِسِ بِجُلُوسِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ إِجْمَاعًا. (فَسَمِعَ ذَلِكَ) أَيْ: أَمْرَهُ - ﷺ - بِالْجُلُوسِ. (ابْنُ مَسْعُودٍ، فَجَلَسَ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ): مُبَادَرَةً إِلَى الِامْتِثَالِ. (فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: " تَعَالَ ") أَيِ: ارْتَفِعْ عَنْ صَفِّ النِّعَالِ إِلَى مَقَامِ الرِّجَالِ، وَهَلُمَّ إِلَى الْمَسْجِدِ. وَقَالَ الرَّاغِبُ: أَصْلُهُ أَنْ يُدْعَى الْإِنْسَانُ إِلَى مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ، ثُمَّ جُعِلَ لِلدُّعَاءِ إِلَى كُلِّ مَكَانٍ، وَتَعَلَّى ذَهَبَ صَاعِدًا يُقَالُ: عَلَّيْتُهُ فَتَعَلَّى. (" يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ "): خِطَابُ تَشْرِيفٍ وَتَخْصِيصٍ ; لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ أَرْبَابِ الْخُصُوصِ وَالْكَمَالِ حَيْثُ حَبَاهُ - ﷺ - بِخُصُوصِيَّاتٍ لَمْ يَجْعَلْهَا لِغَيْرِهِ، وَيَكْفِيهِ قَوْلُهُ - ﵊ - فِي حَقِّهِ: " «رَضِيتُ لِأُمَّتِي مَا رَضِيَ لَهَا ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ» ". وَلِذَا كَانَ إِمَامُنَا الْأَعْظَمُ يُقَدِّمُ قَوْلَهُ عَلَى سَائِرِ الصَّحَابَةِ مَا عَدَا الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
[ ٣ / ١٠٤٩ ]
١٤١٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً فَلْيَصِلِّ إِلَيْهَا أُخْرَى، وَمَنْ فَاتَتْهُ الرَّكْعَتَانِ فَلْيُصَلِّ أَرْبَعًا» " أَوْ قَالَ: " الظُّهْرَ ". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً فَلْيَصِلْ "): مِنَ الْوَصْلِ. (" إِلَيْهَا ") أَيْ: إِلَى تِلْكَ الرَّكْعَةِ. (" أُخْرَى "): كَمَا مَرَّ فَتَذَكَّرْ. (" وَمَنْ فَاتَتْهُ الرَّكْعَتَانِ ") أَيْ: صَلَاتُهَا، وَقِيلَ: أَيِ: الرُّكُوعَانِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بِأَنْ يُدْرِكَ الْإِمَامَ بَعْدَ رُكُوعِ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ أَنَّ الْجُمُعَةَ صَلَاةُ الْكَامِلِينَ، وَالْجَمَاعَةُ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا ; فَاحْتِيطَ لَهَا مَا لَمْ يُحْتَطْ لِغَيْرِهَا، فَلَمْ تُدْرَكْ إِلَّا بِإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ
[ ٣ / ١٠٤٩ ]
كَامِلَةٍ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ هَذَا الْحَدِيثُ وَالْحَدِيثُ السَّابِقُ اهـ. وَفِيهِ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ بَابِ التَّصْرِيحِ، بَلْ مِنْ بَابِ مَفْهُومِ الْمُخَالِفِ الْمُعْتَبَرِ عِنْدَهُمُ، الْمَمْنُوعِ عِنْدَنَا عَلَى الصَّحِيحِ. (" فَلْيُصَلِّ "): بِضَمٍّ فَفَتْحٍ فَتَشْدِيدٍ. (" أَرْبَعًا ") أَيِ: الظُّهْرَ. (أَوْ قَالَ: " الظُّهْرَ ") أَيْ: بَدَلَ (أَرْبَعًا) . (رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ): وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَبِلَفْظِ: " «مَنْ أَدْرَكَ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» ". وَقَالَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا إِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَاعْتَرَضَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ ضَعْفٍ، وَيُغْنِي عَنْهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ خَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: " «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةٍ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» ". وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِيهِمَا صَلَّى مَعَهُ مَا أَدْرَكَ، وَبَنَى عَلَيْهِ الْجُمُعَةَ، وَإِنْ أَدْرَكَهُ فِي التَّشَهُّدِ أَوْ سُجُودِ السَّهْوِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إِنْ أَدْرَكَ مَعَهُ رُكُوعَ الثَّانِيَةِ بَنَى عَلَيْهَا الْجُمُعَةَ، وَإِنْ أَدْرَكَهَا فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ بَنَى عَلَيْهَا الظُّهْرَ.
قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: لَهُمَا إِطْلَاقُ قَوْلِهِ - ﵊ - أَخْرَجَهُ السِّتَّةُ فِي كُتُبِهِمْ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا تَمْشُونَ، وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» ". وَفِي رِوَايَةٍ: " فَاقْضُوا ". قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَبَيْنَ اللَّفْظَيْنِ فَرْقٌ فِي الْحُكْمِ، فَمَنْ أَخَذَ بِلَفْظِ: " أَتِمُّوا " قَالَ: مَا يُدْرِكُهُ الْمَسْبُوقُ أَوَّلُ صَلَاتِهِ، وَمَنْ أَخَذَ بِلَفْظِ " فَاقْضُوا " قَالَ: مَا يُدْرِكُهُ آخِرُهَا، ثُمَّ قَالَ: وَمَا رَوَاهُ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْجُمُعَةِ أَضَافَ إِلَيْهَا رَكْعَةً أُخْرَى وَإِلَّا صَلَّى أَرْبَعًا لَمْ يَثْبُتْ. اهـ.
وَأَمَّا لَفْظُ الْمِشْكَاةِ عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ، فَلَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى صِحَّةِ الْمُخَالَفَةِ، لِأَنَّ مَعْنَى مَنْ فَاتَتْهُ الرَّكْعَتَانِ أَيْ: مَنْ لَمْ يُدْرِكْ شَيْئًا مِنْهُمَا، فَلْيُصَلِّ الظُّهْرَ أَيْ: لَا قَضَاءَ الْجُمُعَةِ. وَأَمَّا تَفْسِيرُ الرَّكْعَتَانِ بِالرُّكُوعَانِ، فَمِنْ بَابِ صَرْفِ النَّصِّ عَنْ ظَاهِرِهِ مِنْ غَيْرِ دَاعٍ إِلَيْهِ، وَلَا حَدِيثٍ دَالٍّ عَلَيْهِ، هَذَا وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْفَوْتِ الْحُكْمِيِّ، وَهُوَ مَا لَا يُوجَدُ فِي الْجُمُعَةِ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِهَا، فَإِنَّ مِنْهَا الْمِصْرَ، لِمَا رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مَوْقُوفًا عَنْ عَلِيٍّ - ﵁ -: لَا جُمُعَةَ، وَلَا تَشْرِيقَ، وَلَا صَلَاةَ فِطْرٍ، وَلَا أَضْحَى، إِلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ، أَوْ فِي مَدِينَةٍ عَظِيمَةٍ.
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: صَحَّحَهُ ابْنُ حَزْمٍ وَكَفَى بِعَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - قُدْوَةً، وَمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَبِيهِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ جَمَّعَ بِنَا فِي حَرَّةِ بَنِي بَيَاضَةَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، وَكَانَ كَعْبٌ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ تَرَحَّمَ عَلَى أَسْعَدَ لِذَلِكَ قَالَ: قُلْتُ: كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ. فَكَانَ قَبْلَ مَقْدِمِ النَّبِيِّ - ﷺ - الْمَدِينَةَ. ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَلَا يَلْزَمُ حُجَّةً ; لِأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الْجُمُعَةُ، وَبِغَيْرِ عِلْمِهِ - ﷺ - أَيْضًا، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ بَعْدَ قُدُومِ النَّبِيِّ - ﷺ - الْمَدِينَةَ، وَلَوْ سُلِّمَ فَتِلْكَ الْحَرَّةُ مِنْ أَفْنِيَةِ الْمِصْرِ، وَلِلْفِنَاءِ حُكْمُ الْمِصْرِ، فَيَسْلَمُ حَدِيثُ عَلِيٍّ عَنِ الْمُعَارِضِ، ثُمَّ يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى كَوْنِهِ سَمَاعًا ; لِأَنَّ دَلِيلَ الِافْتِرَاضِ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى يُفِيدُهُ عَلَى الْعُمُومِ فِي الْأَمْكِنَةِ، فَإِقْدَامُهُ عَلَى نَفْيِهَا فِي بَعْضِ الْأَمَاكِنِ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ سَمَاعٍ ; لِأَنَّهُ خِلَافُ الْقِيَاسِ الْمُسْتَمِرِّ فِي مِثْلِهِ، وَفِي الصَّلَوَاتِ الْبَاقِيَاتِ أَيْضًا، وَلِذَا لَمْ يُنْقَلْ عَنِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ حِينَ فَتَحُوا الْبِلَادَ اشْتَغَلُوا بِنَصْبِ الْمَنَابِرِ وَالْجُمَعِ إِلَّا فِي الْأَمْصَارِ دُونَ الْقُرَى، وَلَوْ كَانَ لَنُقِلَ وَلَوْ آحَادًا اهـ.
وَاخْتَلَفُوا فِي حَدِّ الْمِصْرِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا قَلَّمَا يَتَّفِقُ وُقُوعُهُ فِي بَلَدٍ، وَلِذَا قَالُوا: فِي كُلِّ مَوْضِعٍ وَقَعَ الشَّكُّ فِي جَوَازِ الْجُمُعَةِ، يَنْبَغِي أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا بَعْدَ الْجُمُعَةِ يَنْوِي بِهَا آخِرَ فَرْضٍ أَدْرَكْتُ وَقْتَهُ، وَلَمْ أُؤَدِّهِ بَعْدُ، فَإِنْ لَمْ تَصِحَّ الْجُمُعَةُ وَقَعَتْ ظُهْرًا، وَإِنْ صَحَّتْ وَكَانَ عَلَيْهِ ظُهْرٌ يَسْقُطُ عَنْهُ، وَإِلَّا فَنَفْلٌ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُصَلِّيَ قَبْلَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعًا بِنِيَّةِ سُنَّةِ الْوَقْتِ، ثُمَّ أَرْبَعًا بِالنِّيَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ بِنِيَّةِ سُنَّةِ الْوَقْتِ، فَإِنْ صَحَّتِ الْجُمُعَةُ يَكُونُ الْمُصَلِّي قَدْ أَدَّى سُنَّتَهَا عَلَى وَجْهِهَا، وَإِلَّا فَقَدَ صَلَّى الظُّهْرَ مَعَ سُنَّتِهِ. قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: يَنْبَغِي أَنْ يَقْرَأَ السُّورَةَ مَعَ الْفَاتِحَةِ فِي الْأَرْبَعِ الَّتِي بِنِيَّةِ آخِرِ الظُّهْرِ ; فَإِنَّهُ إِنْ وَقَعَ فَرْضًا فَلَا تَضُرُّهُ قِرَاءَةُ السُّورَةِ، وَإِنْ وَقَعَ نَفْلًا فَقِرَاءَةُ السُّورَةِ وَاجِبَةٌ اهـ.
وَلَا تَغْتَرَّ بِقَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ كُلًّا مِنَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ مِصْرٌ لِصَلَاتِهِ - ﵊ - فِيهِمَا ; لِأَنَّ الْأَوْصَافَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ، وَأَيْضًا مِنْ جُمْلَةِ حَدِّ الْمِصْرِ - عَلَى مَا صَحَّحَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ - أَنَّهُ الْمَوْضِعُ الَّذِي لَهُ أَمِيرٌ وَقَاضٍ يُنَفِّذُ الْأَحْكَامَ، وَيُقِيمُ الْحُدُودَ، وَلَا شَكَّ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْقَاضِيَ الْمُنَفِّذَ لِلْأَحْكَامِ عَزِيزٌ، بَلْ مَعْدُومٌ مِنْ بَيْنِ الْأَنَامِ ; لِأَنَّ غَالِبَ الْقُضَاةِ يَأْخُذُونَ الْقَضَاءَ بِالدَّرَاهِمِ، وَاخْتُلِفَ فِي صِحَّةٍ تَقَلُّدِهِ، ثُمَّ غَالِبُهُمْ يَأْخُذُونَ الرِّشَا، وَاخْتُلِفَ فِي انْعِزَالِهِمْ مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى اسْتِحْقَاقِ انْعِزَالِهِمْ، ثُمَّ أَكْثَرُهُمْ مَا يُنَفِّذُونَ الْأَحْكَامَ إِمَّا لِجَهْلِهِمْ أَوْ لِعَدَمِ الْتِفَاتِهِمْ، وَوُجُودِ فِسْقِهِمْ، وَلَوْ فُرِضَ فَرْدٌ مِنْهُمْ مُتَّصِفٌ بِأَوْصَافِ الْقَضَاءِ، وَأَرَادُوا إِجْرَاءَ الْأَحْكَامِ عَلَى وَفْقِ نِظَامِ الْإِسْلَامِ مَنَعَهُمُ الْأُمَرَاءُ وَالْحُكَّامُ، وَالِاحْتِيَاطُ فِي الدِّينِ مِنْ شِيَمِ الْمُتَّقِينَ.
[ ٣ / ١٠٥٠ ]