الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٩٣٩ - عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ، - يَقُولُ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَفِتْنَةِ الْمَمَاتِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَمِنَ الْمَغْرَمِ "، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ تَسْتَعِيذُ مِنَ الْمَغْرَمِ! فَقَالَ: " إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ: حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ» "، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) - بَابُ الدُّعَاءِ فِي التَّشَهُّدِ. أَيْ: فِي آخِرِهِ أَوْ عَقِبَهُ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَفِي كَيْفِيَّةِ الِانْصِرَافِ عَنْهُ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ.
(٢) (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ)، أَيْ: آخِرَهَا قَبْلَ السَّلَامِ لِلْحَدِيثِ الْآتِي عَقِبَ هَذَا، (يَقُولُ): بَدَلٌ أَوْ بَيَانٌ (" اللَّهُمَّ إِنِّي "): بِفَتْحِ الْيَاءِ وَسُكُونِهَا (" أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ "): وَمِنْهُ شِدَّةُ الضَّغْطَةِ وَوَحْشَةُ الْوَحْدَةِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِيهِ أَبْلَغُ الرَّدِّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ فِي إِنْكَارِهِمْ لَهُ، وَمُبَالَغَتِهِمْ فِي الْحَطِّ عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ فِي إِثْبَاتِهِمْ لَهُ، حَتَّى وَقَعَ لِسُنِّيٍّ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى مُعْتَزِلِيٍّ فَقَالَ فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ أَذِقْهُ عَذَابَ الْقَبْرِ فَإِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَيُبَالِغُ فِي نَفْيِهِ وَيُخَطِّئُ مُثْبِتَهُ اهـ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يُعَامَلُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، بِمُقْتَضَى مُعْتَقَدِهِ، بِخِلَافِ الرُّؤْيَةِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مَحْرُومًا مِنْهَا، وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ فَإِنَّهُ مُعَذَّبٌ فِي الصُّورَتَيْنِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، (" «وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ» ")، أَيِ: ابْتِلَائِهِ وَامْتِحَانِهِ (" الدَّجَّالِ ")، أَيِ: الْخَدَّاعِ، وَفِي مَعْنَاهُ كُلُّ مُفْسِدٍ مُضِلٍّ، وَقِيلَ: سُمِّيَ مَسِيحًا ; لِأَنَّ إِحْدَى عَيْنَيْهِ مَمْسُوحَةٌ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، أَيْ: عَيْنُهُ ذَاهِبَةٌ، أَوْ هُوَ مَمْسُوحٌ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ، أَيْ: مُبْعَدٌ عَنْهُ، أَوْ لِأَنَّ أَحَدَ شِقَّيْ وَجْهِهِ خُلِقَ مَمْسُوحًا لَا عَيْنَ فِيهِ وَلَا حَاجِبَ، وَقِيلَ: فَعِيلٌ، بِمَعْنَى فَاعِلٍ مِنَ الْمَسَاحَةِ ; لِأَنَّهُ يَمْسَحُ الْأَرْضَ، أَيْ: يَقْطَعُهَا بِتَرَدُّدِهِ فِيهَا فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ إِلَّا مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَمَاهُمَا مِنْهُ بِفَضْلِهِ، أَوْ يُقَدِّرُهَا بِالذِّرَاعِ وَالشِّبْرِ،
[ ٢ / ٧٥١ ]
وَيَقْطَعُهَا بِحَيْثُ لَا يَكُونُ بَلَدٌ إِلَّا دَخَلَهُ غَيْرَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَآخِرُ الْأَمْرِ يَقْتُلُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ فِي مُحَاصَرَةِ الْقُدْسِ، وَأَمَّا الْمَسِيحُ الَّذِي هُوَ لَقَبُ عِيسَى فَأَصْلُهُ الْمَسِيحَا بِالْعِبْرَانِيَّةِ وَهُوَ الْمُبَارَكُ، أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ يُكْثِرُ الْمَسْحَ يَمْسَحُ ذَا آفَةٍ فَيَبْرَأُ، أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ سَيَّاحًا كَثِيرَ السَّيْرِ فِي الْأَرْضِ، أَوْ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ مَمْسُوحًا بِالدُّهْنِ، وَقِيلَ: لِأَنَّ زَكَرِيَّا مَسَحَهُ، وَقِيلَ: إِذَا أُرِيدَ بِهِ الدَّجَّالُ قُيِّدَ بِهِ، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَنِ: الْمِسِّيحُ بِالتَّثْقِيلِ الدَّجَّالُ، وَبِالتَّخْفِيفِ عِيسَى، قَالَ الشَّيْخُ: الْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ، وَحُكِيَ عَنِ الْبَعْضِ أَنَّهُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ فِي الدَّالِ، وَنُسِبَ قَائِلُهُ إِلَى التَّصْحِيفِ، قَالَهُ الْأَبْهَرِيُّ، وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ هُوَ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ فَقَطْ، (" «وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ» "): مَفْعَلٌ مِنَ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: فِتْنَةُ الْمَحْيَا الِابْتِلَاءُ مَعَ زَوَالِ الصَّبْرِ، وَالرِّضَا وَالْوُقُوعِ فِي الْآفَاتِ، وَالْإِصْرَارِ عَلَى السَّيِّئَاتِ، وَفِتْنَةُ الْمَمَاتِ سُؤَالُ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ مَعَ الْحَيْرَةِ، وَالْخَوْفِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ اهـ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِفِتْنَةِ الْمَمَاتِ الِابْتِلَاءَ عِنْدَ النَّزْعِ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْفِتْنَتَيْنِ عَذَابَ الدُّنْيَا وَعِقَابَ الْعُقْبَى، وَالْأَشَدُّ مِنْهُمَا حِجَابُ الْمَوْلَى، وَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ، وَقُدِّمَ عَذَابُ الْقَبْرِ عَلَى فِتْنَةِ الدَّجَّالِ، لِأَنَّهُ أَطْوَلُ زَمَانًا وَأَعْظَمُ شَأْنًا وَأَعَمُّ امْتِحَانًا، (" «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ» "): إِمَّا مَصْدَرُ أَثِمَ الرَّجُلُ، أَوْ مَا فِيهِ الْإِثْمُ، أَوْ مَا يُوجِبُ الْإِثْمَ (" وَالْمَغْرَمِ "): وَفِي نُسْخَةٍ: " مِنَ الْمَغْرَمِ " وَهُوَ كُلُّ مَا يَلْزَمُ الْإِنْسَانَ أَدَاؤُهُ؛ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْغَرَامَةِ، وُضِعَ مَوْضِعَ الِاسْمِ، قِيلَ: إِنَّهُ كَالْغُرْمِ، بِمَعْنَى الدَّيْنِ، وَيُرِيدُ بِهِ مَا اسْتُدِينَ فِيمَا يَكْرَهُهُ اللَّهُ، أَوْ فِيمَا يَجُوزُ، ثُمَّ عَجَزَ عَنْهُ، وَإِمَّا دَيْنٌ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ وَيَقْدِرُ عَلَى أَدَائِهِ فَلَا يُسْتَعَاذُ مِنْهُ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَالظَّاهِرُ الْإِطْلَاقُ لِمَا وَرَدَ: أَنَّ الدَّيْنَ شَيْنِ الدِّينِ ; لِأَنَّ فِيهِ الذُّلَّ حَالًا، وَخَطَرَ عَدَمِ الْوَفَاءِ اسْتِقْبَالًا، وَالضَّرُورَاتُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ، (فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ)، أَيْ: عَائِشَةُ كَمَا فِي النَّسَائِيِّ ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ (مَا أَكْثَرَ): بِالنَّصْبِ وَمَا تَعَجُّبِيَّةٌ (مَا تَسْتَعِيذُ): مَا مَصْدَرِيَّةٌ، أَيِ: اسْتِعَاذَتُكَ (مِنَ الْمَغْرَمِ! فَقَالَ: " إِنَّ الرَّجُلَ "): الْمُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ وَغَالِبُ حَالِهِ إِذَا أُغْرِمَ، أَيْ: لَزِمَهُ دَيْنٌ، وَالْمُرَادُ اسْتَدَانَ وَاتَّخَذَ ذَلِكَ دَأْبَهُ وَعَادَتَهُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ (حَدَّثَ) أَيْ: أَخْبَرَ عَنْ مَاضِي الْأَحْوَالِ لِتَمْهِيدِ عُذْرٍ فِي التَّقْصِيرِ (" فَكَذَبَ "): لِأَنَّهُ إِذَا تَقَاضَاهُ رَبُّ الدَّيْنِ وَلَمْ يَحْضُرْهُ مَا يُؤَدِّي بِهِ دَيْنُهُ يَكْذِبُ لِيَتَخَلَّصَ مِنْ يَدِهِ، وَيَقُولَ: لِي مَالٌ غَائِبٌ إِذَا حَضَرَ أُؤَدِّي دَيْنَكَ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ حَدَّثَ النَّاسَ عَنْ حَالِهِ وَمُعَامَلَتِهِ، فَكَذَبَ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَحْمِلَهُمْ عَلَى إِدَانَتِهِ وَإِنْ كَانَ مُعْدِمًا، أَوِ الصَّبْرِ عَلَيْهِ لِيَرْبَحَ فِيهِ شَيْئًا يَبْقَى لَهُ قَبْلَ وَفَائِهِ (" وَوَعَدَ ")، أَيْ: فِي الْمُسْتَقْبَلِ بِأَنْ يَقُولَ: أُعْطِيكَ غَدًا أَوْ فِي الْمُدَّةِ الْفُلَانِيَّةِ (" فَأَخْلَفَ ")، أَيْ: فِي وَعْدِهِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَوَعَدَ بِالْوَفَاءِ أَوْ غَيْرِهِ مُطْلَقًا أَوْ فِي وَقْتٍ مَعْلُومٍ فَأَخْلَفَ طَمَعًا فِي بَقَاءِ الْمَالِ فِي يَدِهِ، أَوْ لِسُوءِ تَدْبِيرِهِ وَتَصَرُّفِهِ، وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّ (غَرِمَ)، شَرْطٌ وَ(حَدَّثَ) جَزَاءٌ وَ(كَذَبَ) مُتَرَتِّبٌ عَلَى الْجَزَاءِ (وَوَعَدَ)، عَطْفٌ عَلَى حَدَّثَ (وَحَدَّثَ) لَا عَلَى (غَرِمَ) خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ لِفَسَادِ الْمَعْنَى حِينَئِذٍ، كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَ(أَخْلَفَ) مُتَرَتِّبٌ عَلَيْهِ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ): قَالَ مِيرَكُ: رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
[ ٢ / ٧٥٢ ]
٩٤٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الْآخِرِ، فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ» "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «وَإِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الْآخِرِ» ") أَيْ: آخِرِ الصَّلَاةِ، وَلَوْ كَانَ أَوَّلًا قَالَ الطِّيبِيُّ: تَصْرِيحٌ بِاسْتِحْبَابِ التَّعَوُّذِ فِي التَّشَهُّدِ الْآخِرِ، وَإِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ فِي الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّحْفِيفِ اهـ ; وَلِأَنَّ مَحَلَّ الدُّعَاءِ هُوَ وَقْتُ الِانْتِهَاءِ، لِمَنْ طَلَبَ الْأَمَلَ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ تَمَامِ الْعَمَلِ، (" فَلْيَتَعَوَّذْ "): وَفِي نُسْخَةٍ: فَلْيَسْتَعِذْ (بِاللَّهِ): وَالْأَمْرُ لِلنَّدْبِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقِيلَ: لِلْوُجُوبِ (" وَمِنْ أَرْبَعٍ: مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ "): قُدِّمَ، فَإِنَّهُ أَشَدُّ وَأَبْقَى، بَدَلٌ بِإِعَادَةِ الْجَارِ (" «وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ» ")، أَيْ: عِنْدَ النَّزْعِ (" وَمِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ "): مِنَ الدَّجَلِ، وَهُوَ الْحِيلَةُ أُخِّرَ هُنَا ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَقَعُ آخِرَ الزَّمَانِ قُرْبَ السَّاعَةِ قِيلَ: لَهُ شَرٌّ وَخَيْرٌ، فَخَيْرُهُ: أَنْ يَزْدَادَ الْمُؤْمِنُ إِيمَانًا، وَيَقْرَأَ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مِنْ أَنَّهُ كَافِرٌ فَيَزِيدَ إِيقَانًا، وَشَرُّهُ: أَنْ لَا يَقْرَأَهُ الْكَافِرُ وَلَا يَعْلَمَهُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: حَاصِلُ أَحَادِيثِ الْبَابِ اسْتِحْبَابُ التَّعَوُّذِ بَيْنَ التَّشَهُّدِ، وَالتَّسْلِيمِ، قُلْتُ: الْأَظْهَرُ بَيْنَ الصَّلَاةِ، وَالتَّسْلِيمِ، قَالَ: وَالْجَمْعُ بَيْنَ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَفِتْنَةِ الدَّجَّالِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ مِنْ بَابِ ذِكْرِ الْخَاصِّ مَعَ الْعَامِّ وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ، (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ٢ / ٧٥٢ ]
٩٤١ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ هَذَا الدُّعَاءَ كَمَا يُعَلِّمُهُمُ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، يَقُولُ: " قُولُوا: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ» "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ)، أَيْ: أَصْحَابَهُ أَوْ أَهْلَ بَيْتِهِ (هَذَا الدُّعَاءَ كَمَا يُعَلِّمُهُمُ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، يَقُولُ: " قُولُوا "): قَالَ النَّوَوِيُّ: ذَهَبَ طَاوُسٌ إِلَى وُجُوبِهِ، وَأَمَرَ ابْنَهُ لِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ حِينَ لَمْ يَدْعُ هَذَا الدُّعَاءَ فِيهَا، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ، (" «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ» "): فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا تَخَلُّصَ مِنْ عَذَابِهَا إِلَّا بِالِالْتِجَاءِ إِلَى بَارِئِهَا، (" «وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» "): فِيهِ اسْتِعَاذَةٌ لِلْأُمَّةِ أَوْ تَعْلِيمٌ لَهُمْ ; لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يُعَذَّبُونَ (" «وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ» ")، أَيْ: عَلَى تَقْدِيرِ لُقِيِّهِ (" «وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ» "): تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، وَكَرَّرَ أَعُوذُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ إِظْهَارًا لِعِظَمِ مَوْقِعِهَا، وَإِنَّهَا حَقِيقَةٌ بِإِعَاذَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ وَقَعَ فِي نُسْخَةِ ابْنِ حَجَرٍ خَطَأٌ عَظِيمٌ فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ مِنْ تَكْرَارِ: " «وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ» "، وَسُقُوطِ: " «وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ» "، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي نُسَخِ الْمِشْكَاةِ جَمِيعًا، ثُمَّ بُنِيَ عَلَيْهِ الْكَلَامُ فِي تَوْجِيهِهِ وَقَالَ: اقْتَصَرَ عَلَيْهَا، أَيْ: عَلَى فِتْنَةِ الْمَسِيحِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، بِخِلَافِ مَا مَرَّ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ ; لِأَنَّهَا أَعْظَمُ فِتَنِ الدُّنْيَا مَعَ أَنَّهَا تُؤَدِّي إِلَى عَذَابِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ جَهَنَّمَ، وَلِذَا كَرَّرَهَا إِعْلَامًا بِعِظَمِ شَأْنِهَا حَتَّى يُكَرِّرَ النَّاسُ الِاسْتِعَاذَةَ مِنْهَا، فَاسْتُغْنِيَ بِهَا عَنْ بَقِيَّةِ فِتَنِ الدُّنْيَا لِسُهُولَتِهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا، كَمَا اسْتُغْنِيَ بِالْأَوَّلَيْنِ عَنْ بَقِيَّةِ فِتَنِ الْآخِرَةِ لِسُهُولَتِهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا، (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ٢ / ٧٥٣ ]
٩٤٢ - وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - ﵁ - قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي، قَالَ: " قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - ﵁ - قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي»)، أَيْ: عَقِبَ التَّشَهُّدِ كَمَا قَيَّدَهُ بَعْضُ عُلَمَائِنَا («قَالَ: " قُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا» "): فِي الْأَذْكَارِ: فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ بِالْمُثَلَّثَةِ، وَهَكَذَا ضَبَطْنَاهُ، وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ بِالْمُوَحَّدَةِ، وَكِلَاهُمَا حَسَنٌ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا فَيُقَالَ: كَثِيرًا كَبِيرًا "، كَذَا ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ، وَنَظِيرُهُ مَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ: إِنَّ الْمُصَلِّيَ يَنْبَغِي أَنْ يَجْمَعَ بَعْدَ التَّحْرِيمَةِ بَيْنَ سُبْحَانَكَ وَبَيْنَ وَجَّهْتُ وَجْهِيَ، وَالْأَظْهَرُ فِي الْجَمْعِ أَنْ يَقُولَ مَرَّةً كَذَا وَمَرَّةً كَذَا، أَوْ يَأْتِي فِي الْفَرَائِضِ بِالْمُخْتَارِ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَبِلَفْظِ: " كَثِيرًا " عَلَى أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ، وَفِي النَّوَافِلِ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَقَدِ اعْتَرَضَ عَلَى النَّوَوِيِّ ابْنُ جَمَاعَةَ، وَتَبِعَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَنْطِقْ بِهِمَا كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنْ يُقَالَ هَذَا مَرَّةً وَهَذَا مَرَّةً، وَالِاتِّبَاعُ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِذَلِكَ لَا بِالْجَمْعِ، وَأَجَابَ عَنْهُ ابْنُ حَجَرٍ بِمَا لَا يَصْلُحُ جَوَابًا، (" «وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ» "): لِأَنَّ غُفْرَانَ جَمِيعِ الذُّنُوبِ لَا يُتَصَوَّرُ، إِلَّا مِنْهُ تَعَالَى، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، (" فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً "): التَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ، أَيْ: غُفْرَانًا لَا يُكْتَنَهُ كُنْهُهُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِي الْوَصْفِ بِقَوْلِهِ: (" مِنْ عِنْدِكَ ")، مُبَالَغَةٌ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى الْمُرَادِ بِالتَّنْكِيرِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يُرِيدُ بِذَلِكَ التَّعْظِيمَ ; لِأَنَّ مَا يَكُونُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَا يُحِيطُ بِهِ وَصْفُ وَاصِفٍ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ مِنْ مَحْضِ فَضْلِكَ لَا بِاسْتِحْقَاقٍ مِنِّي، (" «وَارْحَمْنِي، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» "): قَالَ مِيرَكُ: وَهَذَا الدُّعَاءُ مِنَ الْجَوَامِعِ ; لِأَنَّ فِيهِ الِاعْتِرَافَ بِغَايَةِ التَّقْصِيرِ وَطَلَبَ غَايَةِ الْأَنْعَامِ، فَالْمَغْفِرَةُ سَتْرُ الذُّنُوبِ وَمَحْوُهَا، وَالرَّحْمَةُ إِيصَالُ الْخَيْرَاتِ، فَفِي الْأَوَّلِ طَلَبُ الزَّحْزَحَةِ عَنِ النَّارِ، وَفِي الثَّانِي: طَلَبُ إِدْخَالِ الْجَنَّةِ مَعَ الْأَبْرَارِ، وَهَذَا هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَالنَّعِيمُ الْمُقِيمُ، رَزَقَنَا اللَّهُ بِفَضْلِهِ الْكَرِيمِ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ): قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.
[ ٢ / ٧٥٣ ]
٩٤٣ - وَعَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ - ﵁ - قَالَ: «كُنْتُ أَرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ حَتَّى أَرَى بَيَاضَ خَدِّهِ»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «كُنْتُ أَرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ يَمِينِهِ»)، أَيْ: أَوَّلًا (وَعَنْ يَسَارِهِ)، أَيْ: ثَانِيًا (حَتَّى أَرَى بَيَاضَ خَدِّهِ)، أَيْ: صَفْحَةَ وَجْهِهِ، وَهُوَ كَذَا بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، وَجَعَلَ ابْنُ حَجَرٍ خَدَّيْهِ بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ أَصْلًا، ثُمَّ قَالَ: وَفِي نُسْخَةٍ: " خَدَّهُ "، وَلَا تَخَالُفَ بَيْنَهُمَا ; لِأَنَّ مَعْنَى الْأَوَّلِ حَتَّى أَرَى بَيَاضَ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ فِي الْأُولَى، وَالْأَيْسَرِ فِي الثَّانِيَةِ، بِدَلِيلِ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْآتِي: «كَانَ ﷺ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، حَتَّى يُرَى خَدُّهُ الْأَيْمَنَ، وَعَنْ يَسَارِهِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الْأَيْسَرِ» اهـ. وَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّ الْمُطَابَقَةَ بَيْنَهُمَا عَلَى صِيغَةِ الْإِفْرَادِ ظَاهِرَةٌ لَا تَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلٍ، بِخِلَافِ صِيغَةِ التَّثْنِيَةِ مَعَ إِيهَامِ التَّثْنِيَةِ فَإِنَّهُ يُسَنُّ أَنْ يُرَى فِي كُلٍّ مِنْهُمَا خَدُّهُ لَا خَدَّاهُ، ثُمَّ لَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ السَّلَامَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ لَا تَصِحُّ إِلَّا بِهِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ: إِنَّهُ ﵊ لَمَّا عَلَّمَهُ التَّشَهُّدَ قَالَ لَهُ: " «إِذَا قُلْتَ هَذَا فَقَدْ قَضَيْتَ صَلَاتَكَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ تَقُومَ فَقُمْ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَقْعُدَ فَاقْعُدْ» "، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، فَإِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ هُوَ الْقَائِلُ إِنْ شِئْتَ. . .، إِلَخْ بِاتِّفَاقِ الْحُفَّاظِ. قُلْتُ: عَلَى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ فَمَا قَبْلَهُ حُجَّةٌ بِالِاتِّفَاقِ، مَعَ أَنَّ هَذَا الْمَوْقُوفَ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَإِنْ سَلَّمَ أَنَّهُ مِنَ الْحَدِيثِ فَمَعْنَى قَضَيْتَ قَارَبْتَ أَوْ قَضَيْتَ مُعْظَمَهَا - فَمُنَاقِضٌ لِأَوَّلِ كَلَامِهِ، لِأَنَّهُ تَحَقَّقَ مِنْ قَوْلِهِ: إِنَّ مَا قِيلَ إِنْ شِئْتَ مَرْفُوعٌ بِلَا خِلَافٍ، وَالتَّأْوِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ بَعِيدٌ مَعَ عَدَمِ الْمُوجِبِ لِذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا خَبَرُ: " «إِذَا رَفَعَ الْإِمَامُ رَأَسَهُ مِنْ آخِرِ رَكْعَةٍ وَقَعَدَ، ثُمَّ أَحْدَثَ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ» " فَضَعِيفٌ، وَإِنْ صَحَّ فَحُمِلَ عَلَى مَا بَعْدَ التَّسْلِيمَةِ الْأُولَى. قُلْتُ: هُوَ صَحِيحٌ وَيَأْبَى قَوْلُهُ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الْبُعْدِ، عَلَى أَنَّهُ جَاءَ صَرِيحًا فِي خَبَرِ: «إِذَا أَحْدَثَ وَقَدْ قَعَدَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَقَدْ جَازَتْ صَلَاتُهُ»، وَفِي خَبَرٍ آخَرَ: «إِذَا جَلَسَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ، ثُمَّ أَحْدَثَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ»، وَلَهُ طُرُقٌ أُخْرَى ذَكَرَهَا الطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُ تَرْتَقِي إِلَى حَدِّ الْحَسَنِ، وَيَدُلُّ عَلَى قُوَّةِ أَصْلِهِ تَعَلُّقُ الْمُجْتَهِدِ بِهِ، وَلَا يَضُرُّ حُصُولُ الضَّعْفِ الطَّارِئِ بَعْدَهُ، فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَهُمَا ضَعِيفَانِ بِاتِّفَاقِ الْحُفَّاظِ مُجَرَّدُ دَعْوَى بِلَا دَلِيلٍ، هَذَا وَرُوِيَ الِاقْتِصَارُ عَلَى تَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ طُرُقٍ، وَكَذَا، الْإِتْيَانُ بِتَسْلِيمَتَيْنِ، وَحُمِلَ الْأَوَّلُ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ، أَوْ عَلَى اقْتِصَارِ الرَّاوِي، وَفِي خَبَرِ عَائِشَةَ الِاقْتِصَارُ عَلَى تَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، لَكِنْ ضَعَّفَهُ جَمَاعَةٌ آخَرُونَ، وَيُرْوَى: (حَتَّى يُرَى)، مَجْهُولًا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ: أَيْ وَجْنَتَهُ الْخَالِيَةَ عَنِ الشَّعَرِ، وَكَانَ مُشْرَبًا بِالْحُمْرَةِ، رَزَقَنَا اللَّهُ تَعَالَى لِقَاءَهُ، كَذَا فِي الْأَصْلِ مُكَرَّرًا وَلَعَلَّهُ قَصَدَ لِقَاءَ الصَّحَابِيِّ وَلِقَاءَ النَّبِيِّ ﷺ وَلِقَاءَهُ، (رَوَاهُ مُسْلِمٌ): قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
[ ٢ / ٧٥٤ ]
٩٤٤ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵄، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا صَلَّى صَلَاةً، أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ»، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ): بِضَمِّ الدَّالِّ وَيُفْتَحُ (قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَقَبْلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ»): قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ يَصْرِفُ وَجْهَهُ يَمِينًا وَيَسَارًا عِنْدَ التَّسْلِيمِ، قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ ﵊ كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ اسْتَقَبْلَ الْمَأْمُومِينَ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَوْ بَعْدَ التَّسْلِيمِ لِمَا يَأْتِي أَنَّهُ كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنَ التَّسْلِيمِ جَعَلَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ يَمِينَهُ إِلَيْهِمْ، وَيَسَارَهُ إِلَى الْقِبْلَةِ، (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ): فِي عَشَرَةِ مَوَاضِعَ مُطَوَّلًا وَمُقَطَّعًا، مِنْهَا فِي الصَّلَاةِ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، كُلُّهُمْ فِي الرُّؤْيَا مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ.
[ ٢ / ٧٥٤ ]
٩٤٥ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْصَرِفُ عَنْ يَمِينِهِ»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ)، أَيْ: أَحْيَانًا (يَنْصَرِفُ)، أَيْ: عَنْ مُصَلَّاهُ (عَنْ يَمِينِهِ): فِي شَرْحِ السُّنَّةِ، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا كَانَتْ حَاجَتُهُ عَنْ يَمِينِهِ أَخَذَ عَنْ يَمِينِهِ، وَإِنْ كَانَتْ عَنْ يَسَارِهِ أَخَذَ عَنْ يَسَارِهِ»، فَقُلْتُ: إِذَا كَانَ الْمُصَلِّي لَهُ حَاجَةٌ يَنْصَرِفُ إِلَى جَانِبِ حَاجَتِهِ، فَإِنِ اسْتَوَى الْجَانِبَانِ فَيَنْصَرِفُ إِلَى أَيِّ جَانِبٍ شَاءَ، وَالْيَمِينُ أَوْلَى ; لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَكَانَ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ إِذَا لَمْ يُرِدِ الْخُرُوجَ مِنَ الْمَسْجِدِ بِوَجْهِهِ مِنْ جَانِبِ يَمِينِهِ، وَالْأَحَادِيثُ الْأَرْبَعَةُ - أَعْنِي: حَدِيثَ عَامِرٍ، وَسَمُرَةَ، وَأَنَسٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ - دَخِيلَةٌ فِي هَذَا الْبَابِ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، لَكِنَّهَا لَمَّا كَانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِالدُّعَاءِ فِي التَّشَهُّدِ ذُكِرَتْ فِي هَذَا الْبَابِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ): قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
[ ٢ / ٧٥٥ ]
٩٤٦ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: «لَا يَجْعَلْ أَحَدُكُمْ لِلشَّيْطَانِ شَيْئًا مِنْ صَلَاتِهِ يَرَى أَنَّ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْصَرِفَ إِلَّا عَنْ يَمِينِهِ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَثِيرًا يَنْصَرِفُ عَنْ يَسَارِهِ»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَا يَجْعَلْ): قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: وَفِي رِوَايَةٍ لِلْكُشْمِيهَنِيِّ: لَا " يَجْعَلَنَّ "، («أَحَدُكُمْ لِلشَّيْطَانِ شَيْئًا مِنْ صَلَاتِهِ يَرَى»): بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِهَا، أَيْ: يَظُنَّ أَحَدُكُمْ أَوْ يَعْتَقِدْ، وَهُوَ اسْتِئْنَافٌ، كَأَنَّ قَائِلًا يَقُولُ: كَيْفَ يَجْعَلُ أَحَدُنَا حَظًّا لِلشَّيْطَانِ مِنْ صَلَاتِهِ؟ فَقَالَ: يَرَى (أَنَّ حَقًّا)، أَيْ: وَاجِبًا (عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْصَرِفَ)، أَيْ: يَذْهَبَ أَنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْصَرِفَ إِذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ (إِلَّا عَنْ يَمِينِهِ)، أَيْ: جَانِبِ يَمِينِهِ، فَمَنِ اعْتَقَدَ ذَلِكَ فَقَدْ تَابَعَ الشَّيْطَانَ فِي اعْتِقَادِهِ أَحَقِّيَّةَ مَا لَيْسَ بِحَقٍّ عَلَيْهِ، فَذَهَبَ كَمَالُ صَلَاتِهِ. قَالَ الْأَبْهَرِيُّ، فَإِنْ قُلْتَ: " أَنْ لَا يَنْصَرِفَ " مَعْرِفَةٌ إِذْ تَقْدِيرُهُ عَدَمُ الِانْصِرَافِ، وَقَدْ صَرَّحَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِتَعْرِيفِ مِثْلِهِ، فَكَيْفَ وَقَعَ خَبَرًا لِأَنَّ، وَاسْمُهُ نَكِرَةٌ؟ قُلْتُ: إِمَّا لِأَنَّ النَّكِرَةَ الْمَخْصُوصَةَ كَالْمُعَرَّفِ، أَوْ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْقَلْبِ، أَيْ: يَرَى أَنَّ عَدَمَ الِانْصِرَافِ حَقٌّ عَلَيْهِ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنْ بِغَيْرِ التَّشْدِيدِ، فَهِيَ إِمَّا مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وَحَقًّا مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ وَفِعْلُهُ مَحْذُوفٌ، أَيْ: قَدْ حَقَّ حَقًّا، وَ" أَنْ لَا يَنْصَرِفَ " فَاعِلُ الْفِعْلِ الْمُقَدَّرِ، وَإِمَّا مَصْدَرِيَّةٌ، («لقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَثِيرًا يَنْصَرِفُ عَنْ يَسَارِه»: هَذَا يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ اطِّلَاعِ الرَّاوِي عَلَى أَحْوَالِهِ ﷺ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِيهِ أَنَّ مَنْ أَصَرَّ عَلَى أَمْرٍ مَنْدُوبٍ، وَجَعَلَهُ عَزْمًا، وَلَمْ يَعْمَلْ بِالرُّخْصَةِ فَقَدْ أَصَابَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْإِضْلَالِ فَكَيْفَ مَنْ أَصَرَّ عَلَى بِدْعَةٍ أَوْ مُنْكَرٍ؟ وَجَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " «إِنَّ اللَّهَ - ﷿ - يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ» اهـ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ أَنْ يُقَالَ انْصَرَفْنَا مِنَ الصَّلَاةِ ; وَإِنْ كَرِهَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ - ﵁ - مُحْتَجًّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢٧]، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ): قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
[ ٢ / ٧٥٥ ]
٩٤٧ - وَعَنِ الْبَرَاءِ - ﵁ - قَالَ «كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحْبَبْنَا أَنْ نَكُونَ عَنْ يَمِينِهِ ; يُقْبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، قَالَ: فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: " رَبِّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ - أَوْ تَجْمَعُ - عِبَادَكَ» "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: «كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحْبَبْنَا أَنْ نَكُونَ عَنْ يَمِينِهِ»): لِكَوْنِ يَمِينِ الصَّفِّ أَفْضَلَ، وَلِكَوْنِهِ ﵊ (يُقْبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ): أَيْ عِنْدَ السَّلَامِ أَوَّلًا قَبْلَ أَنْ يُقْبِلَ عَلَى مَنْ عَلَى يَسَارِهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ يُقْبِلُ عَلَيْنَا عِنْدَ الِانْصِرَافِ (قَالَ)، أَيِ: الْبَرَاءُ (فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ)، أَيْ: بَعْدَ التَّسْلِيمِ قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ سَمِعَهُ فِي الصَّلَاةِ (" رَبِّ قِنِي عَذَابَكَ ")، أَيِ: احْفَظْنِي مِنْهُ بِفَضْلِكَ وَكَرَمِكَ، وَهُوَ تَعْلِيمٌ لِأُمَّتِهِ، أَوْ تَوَاضُعٌ مَعَ رَبِّهِ (" يَوْمَ تَبْعَثُ - أَوْ تَجْمَعُ - عِبَادَكَ "): شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (رَوَاهُ مُسْلِمٌ): قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
[ ٢ / ٧٥٥ ]
٩٤٨ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - ﵂ - قَالَتْ: «إِنَّ النِّسَاءَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُنَّ إِذَا سَلَّمْنَ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ قُمْنَ، وَثَبَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ صَلَّى مِنَ الرِّجَالِ مَا شَاءَ اللَّهُ، فَإِذَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَامَ الرِّجَالُ»، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ فِي بَابِ الضَّحِكِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
_________________
(١) (وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ): أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ (قَالَتْ: إِنَّ النِّسَاءَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ)، أَيْ: زَمَانِهِ (ﷺ كُنَّ إِذَا سَلَّمْنَ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ قُمْنَ): لِلرُّجُوعِ إِلَى بُيُوتِهِنَّ (وَثَبَتَ)، أَيْ: عَلَى الْقُعُودِ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ): لِيَنْصَرِفَ النِّسَاءُ لِئَلَّا يَخْتَلِطَ الرِّجَالُ بِهِنَّ (وَمَنْ صَلَّى): عُطِفَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَيْ: وَثَبَتَ مَنْ صَلَّى (مِنَ الرِّجَالِ مَا شَاءَ اللَّهُ)، أَيْ: زَمَانًا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَلْبَثُوا فِيهِ («فَإِذَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَامَ الرِّجَالُ»): قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يُعْلَمُ مِنْ هَذَا ثَبَاتُ الْإِمَامِ لِهَذَا الْغَرَضِ، وَاسْتِحْبَابُ عَدَمِ الْقِيَامِ لِلْمَأْمُومِينَ قَبْلَ قِيَامِ الْإِمَامِ، (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ): قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. (وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ): يَعْنِي: الَّذِي ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ هُنَا بِلَفْظِ: " وَكَانَ - يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ - «لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبْحَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ فَيَأْخُذُونَ فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، أَيْ: يَتَحَدَّثُونَ بِمَا جَرَى فِي الْإِسْلَامِ فَيَضْحَكُونَ وَيَتَبَسَّمُ ﷺ» " قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ اسْتِمَاعِ كَلَامٍ مُبَاحٍ يَعْنِي فِي الْمَسْجِدِ، وَلَكِنْ قَدْ يُقَالُ: كَلَامُهُمْ لَمْ يَكُنْ خَالِيًا عَنِ الْفَوَائِدِ الدِّينِيَّةِ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْمُبَاحِ الْمُجَرَّدِ، (فِي بَابِ الضَّحِكِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى)، لَا يَخْفَى أَنَّ إِبْقَاءَهُ فِي هَذَا الْبَابِ أَوْلَى مِنْ تَغْيِيرِ الْمُصَنِّفِ الْمُفْتَقِرِ إِلَى الِاعْتِذَارِ الْمُتَضَمِّنِ لِلِاعْتِرَاضِ فَإِنَّ الْحَدِيثَ الطَّوِيلَ إِذَا كَانَ مُشْتَمِلًا عَلَى أُمُورٍ مُخْتَلِفَةٍ يَصْلُحُ لِكُلِّ بَابٍ إِيرَادُهُ فِيهِ لِمُنَاسَبَةِ أَمْرٍ مَا، وَلِهَذَا أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثًا وَاحِدًا فِي أَبْوَابٍ كَثِيرَةٍ فِي كِتَابِهِ، مَعَ أَنَّ أَوَّلَ هَذَا الْحَدِيثِ أَوْلَى بِهَذَا الْمَقَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْمَرَامِ، وَهُوَ الْهَادِي بِالْإِلْهَامِ.
[ ٢ / ٧٥٦ ]
الْفَصْلُ الثَّانِي
٩٤٩ - عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - ﵁ - قَالَ: أَخَذَ بِيَدِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " «إِنِّي لَأُحِبُّكَ يَا مُعَاذُ " فَقُلْتُ: وَأَنَا أُحِبُّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: فَلَا تَدَعْ أَنْ تَقُولَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ: رَبِّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» "، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ ; إِلَّا أَنَّ دَاوُدَ لَمْ يَذْكُرْ: قَالَ مُعَاذُ: وَأَنَا أُحِبُّكَ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّانِي
(٢) (عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: أَخَذَ بِيَدِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ): كَأَنَّهُ عَقْدُ مَحَبَّةٍ وَبَيْعَةُ مَوَدَّةٍ، (فَقَالَ: " إِنِّي لَأُحِبُّكَ "): لَامُهُ لِلِابْتِدَاءِ، وَقِيلَ: لِلْقَسَمِ (" يَا مُعَاذُ "): وَفِيهِ أَنَّ مَنْ أَحَبَّ أَحَدًا يُسْتَحَبُّ لَهُ إِظْهَارُ الْمَحَبَّةِ لَهُ (فَقُلْتُ: وَأَنَا أُحِبُّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ): قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: مُخَاطَبَتُهُ ﷺ بِالْمَحَبَّةِ لِمُعَاذٍ أَشَدُّ تَأْكِيدًا مِنْ مُخَاطَبَةِ مُعَاذٍ لَهُ بِهَا، قُلْتُ: لِأَنَّهُ لَا يُحْتَاجُ التَّأْكِيدُ مِنْ جَانِبِ مُعَاذٍ إِذْ لَا يُمْكِنُ عَدَمُ مَحَبَّتِهِ لَهُ ﵊، وَلَعَلَّ مُعَاذًا مَا كَانَ بَلَغَهُ مَا وَرَدَ أَنَّهُ يُقَالُ فِي الْجَوَابِ: " أَحَبَّكَ اللَّهُ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي لَهُ " أَوِ اخْتَصَرَ الرَّاوِي، (قَالَ: " فَلَا تَدَعْ ")، أَيْ: إِذَا كُنْتَ تُحِبُّنِي، أَوْ إِذَا كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ تَحَابُبٌ، أَوْ إِذَا أَرَدْتَ ثَبَاتَ هَذِهِ الْمُحَابَبَةِ فَلَا تَتْرُكْ (" أَنْ تَقُولَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ ")، أَيْ: عَقِبَهَا وَخَلْفَهَا، أَوْ فِي آخِرِهَا (" رَبِّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ "): مِنْ طَاعَةِ اللِّسَانِ (" وَشُكْرِكَ "): مِنْ طَاعَةِ الْجَنَانِ (" وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ "): مِنْ طَاعَةِ الْأَرْكَانِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: ذِكْرُ اللَّهِ مُقَدِّمَةُ انْشِرَاحِ الصَّدْرِ، وَشُكْرُهُ وَسِيلَةُ النِّعَمِ الْمُسْتَجْلَبَةِ وَحُسْنُ الْعِبَادَةِ الْمُطْلُوبُ مِنْهُ التَّجَرُّدُ عَمَّا يَشْغَلُهُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، (رَوَاهُ أَحْمَدُ): قَالَ النَّوَوِيُّ: إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ، (وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ): قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، (إِلَّا أَنَّ أَبَا دَاوُدَ لَمْ يَذْكُرْ: قَالَ مُعَاذٌ): فِيهِ نَقْلٌ بِالْمَعْنَى (وَأَنَا أُحِبُّكَ): قَالَ السَّخَاوِيُّ: فِي بَحْثِ الْمُسَلْسَلِ مِنْ أُصُولِ الْحَدِيثِ كَحَدِيثِ أَنَّهُ ﵊ قَالَ لِمُعَاذٍ: " «إِنِّي أُحِبُّكَ، فَقُلْ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» "، فَقَدْ تَسَلْسَلَ لَنَا بِقَوْلِ كُلٍّ مِنْ رُوَاتِهِ: وَإِنِّي أُحِبُّكَ فَقُلْ، إِلَخْ.
[ ٢ / ٧٥٦ ]
٩٥٠ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ: " السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ "، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ، وَعَنْ يَسَارِهِ " السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ " حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الْأَيْسَرِ»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَلَمْ يَذْكُرِ التِّرْمِذِيُّ: حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ): وَفِي نُسْخَةٍ، قَالَ: إِنَّ (رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُسَلِّمُ)، أَيْ: مِنْ صَلَاتِهِ حَالَ كَوْنِهِ مُلْتَفِتًا بِخَدِّهِ (عَنْ يَمِينِهِ): قَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ: مُجَاوِزًا نَظَرُهُ عَنْ يَمِينِهِ كَمَا يُسَلِّمُ أَحَدٌ عَلَى مَنْ فِي يَمِينِهِ، وَقَوْلُهُ: (" وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ "): إِمَّا حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ، أَيْ: يُسَلِّمُ قَائِلًا: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَوْ جُمْلَةٌ اسْتِئْنَافِيَّةٌ عَلَى تَقْدِيرِ: مَاذَا كَانَ يَقُولُ؟ اهـ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَا يَزَالُ مُلْتَفِتًا بِخَدِّهِ مَعَ سَلَامِهِ كَذَلِكَ (حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ، وَعَنْ يَسَارِهِ)، أَيْ: وَكَانَ يُسَلِّمُ مُلْتَفِتًا بِخَدِّهِ عَنْ يَسَارِهِ (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ "): قَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: يُسْتَحَبُّ زِيَادَةُ: " وَبَرَكَاتُهُ "، وَرَدَّ عَلَيْهِمُ ابْنُ الصَّلَاحِ بِأَنَّ مَا قَالُوهُ شَاذٌّ نَقْلًا وَدَلِيلًا (حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الْأَيْسَرِ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ): وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، نَقَلَهُ مِيرَكُ، (وَالنَّسَائِيُّ، وَلَمْ يَذْكُرِ التِّرْمِذِيُّ: حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ)، أَيْ: فِي الْوَجْهَيْنِ.
[ ٢ / ٧٥٧ ]
٩٥١ - وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ.
_________________
(١) (وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ)، أَيْ: لَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، الظَّاهِرُ أَنَّ مَرْوِيَّهُ تَمَامُ الْحَدِيثِ لَا بَعْضُهُ، كَالتِّرْمِذِيِّ لِإِطْلَاقِهِ، وَإِلَّا لَقَالَ: وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
[ ٢ / ٧٥٧ ]
٩٥٢ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: «كَانَ أَكْثَرُ انْصِرَافِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ صَلَاتِهِ إِلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ إِلَى حُجْرَتِهِ»، رَوَاهُ فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ ".
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ انْصِرَافُ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ صَلَاتِهِ إِلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ إِلَى حُجْرَتِهِ): قَالَ الطِّيبِيُّ: كَانَ بَابُ حُجْرَتِهِ مَفْتُوحًا إِلَى الْمَسْجِدِ عَنْ يَسَارِ الْمِحْرَابِ، فَهُوَ يَنْصَرِفُ إِلَى جَانِبِ يَسَارِهِ وَيَدْخُلُ حُجْرَتَهُ، (رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ): قَالَ مِيرَكُ نَقْلًا عَنِ التَّصْحِيحِ: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ هَذَا لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكُتُبِ، وَرَوَاهُ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ.
[ ٢ / ٧٥٧ ]
٩٥٣ - وَعَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ الْمُغِيرَةِ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «لَا يُصَلِّي الْإِمَامُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ حَتَّى يَتَحَوَّلَ» "، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ: عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ لَمْ يُدْرِكِ الْمُغِيرَةَ.
_________________
(١) (وَفِي عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " لَا يُصَلِّي الْإِمَامُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي صَلَّى ")، أَيِ: الْفَرْضَ (" فِيهِ "): قِيلَ: هَذَا فِي صَلَاةٍ بَعْدَهَا سُنَّةٌ رَاتِبَةٌ، وَأَمَّا الَّتِي لَا رَاتِبَةَ بَعْدَهَا كَالصُّبْحِ فَلَا، وَقِيلَ: ذَلِكَ فِي مُطْلَقِ الصَّلَاةِ، وَفِي الْأَزْهَارِ: لَيْسَ التَّقْيِيدُ بِالْإِمَامِ لِتَخْصِيصِهِ بِذَلِكَ، بَلْ يَعُمُّ الْمَأْمُومَ، وَقَالَ الْقَاضِي: نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ أَنَّهُ بَعْدُ فِي الْمَكْتُوبَةِ، وَقَوْلُهُ: (" حَتَّى يَتَحَوَّلَ ")، أَيْ: يَنْتَقِلَ إِلَى مَوْضِعٍ، جَاءَ لِلتَّأْكِيدِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: لَا يُصَلِّي فِي مَوْضِعٍ صَلَّى - فِيهِ أَفَادَ مَا أَفَادَهُ، وَقَالَ الْمُظْهِرُ: وَنُهِيَ عَنْ ذَلِكَ لِيَشْهَدَ لَهُ الْمَوْضِعَانِ بِالطَّاعَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلِذَلِكَ يُسْتَحَبُّ تَكْثِيرُ الْعِبَادَةِ فِي مَوَاضِعَ مُخْتَلِفَةٍ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ)، أَيْ: أَبُو دَاوُدَ (عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ): مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (لَمْ يُدْرِكِ الْمُغِيرَةَ): قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا بَيَانُ وَجْهِ تَضْعِيفِ الْحَدِيثِ، قَالَ مِيرَكُ: وَقَدْ ضَعَّفَ غَيْرُ أَبِي دَاوُدَ هَذَا الْحَدِيثَ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: " قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ: وَلَمْ يَذْكُرْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفْعَهُ: لَا يَتَطَوَّعُ الْإِمَامُ فِي مَكَانِهِ " وَلَمْ يَصِحَّ، " وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي فِي مَكَانِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْفَرِيضَةَ وَفَعَلَهُ الْقَاسِمُ، وَقَالَ
[ ٢ / ٧٥٧ ]
٩٥٤ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَضَّهُمْ عَلَى الصَّلَاةِ، وَنَهَاهُمْ أَنْ يَنْصَرِفُوا قَبْلَ انْصِرَافِهِ مِنَ الصَّلَاةِ»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَضَّهُمْ)، أَيْ: حَثَّهُمْ وَرَغَّبَهُمْ، يُقَالُ: حَضَّهُ وَحَضَضَهُ، (عَلَى الصَّلَاةِ)، أَيْ: عَلَى مُلَازَمَةِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، أَوْ مُطْلَقِ الصَّلَاةِ وَالْإِكْثَارِ مِنْهَا، (وَنَهَاهُمْ أَنْ يَنْصَرِفُوا قَبْلَ انْصِرَافِهِ مِنَ الصَّلَاةِ): قَالَ الطِّيبِيُّ: عِلَّةُ نَهْيِهِ ﵊ أَصْحَابَهُ عَنِ انْصِرَافِهِمْ قَبْلَهُ أَنْ تَذْهَبَ النِّسَاءُ اللَّاتِي يُصَلِّينَ خَلْفَهُ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَثْبُتُ فِي مَكَانِهِ حَتَّى يَنْصَرِفَ النِّسَاءُ، ثُمَّ يَقُومُ وَيَقُومُ الرِّجَالُ، قَالَ مِيرَكُ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الِانْصِرَافِ هُوَ الْخُرُوجُ مِنَ الصَّلَاةِ قَبْلَ خُرُوجِهِ بِالسَّلَامِ، قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ الِانْصِرَافِ قِيَامَ الْمَسْبُوقِ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ، فَإِنَّهُ عِنْدَنَا حَرَامٌ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ): قَالَ مِيرَكُ: وَسَكَتَ عَلَيْهِ هُوَ وَالْمُنْذِرِيُّ.
[ ٢ / ٧٥٨ ]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٩٥٥ - عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ - ﵁ - قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الْأَمْرِ، وَأَسْأَلُكَ الْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ، وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ قَلْبًا سَلِيمًا، وَلِسَانًا صَادِقًا، وَأَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا تَعْلَمُ» " رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَرَوَى أَحْمَدُ نَحْوَهُ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّالِثُ
(٢) (عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ)، أَيْ: بَعْدَ التَّشَهُّدِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ فِي آخِرِهَا، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ: فِيهَا أَوْ دُبُرَهَا، (" اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الْأَمْرِ ")، أَيْ: فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِأَمْرِ الدِّينِ، (" وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ "): وَهِيَ كَالْعَزْمِ عَقْدُ الْقَلْبِ عَلَى إِمْضَاءِ الْأَمْرِ، وَقَدَّمَ الثَّبَاتَ عَلَى الْعَزِيمَةِ، وَإِنْ كَانَ فِعْلُ الْقَلْبِ مُقَدَّمًا عَلَى الْفِعْلِ، وَالثَّبَاتُ عَلَيْهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ ; لِأَنَّ الْغَايَاتِ مُقَدَّمَةٌ فِي الرُّتْبَةِ وَإِنْ كَانَتْ مُؤَخَّرَةً فِي الْوُجُودِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ - عَلَّمَ الْقُرْآنَ - خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ [الرحمن: ١ - ٣] كَذَا حَقَّقَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِي الصِّحَاحِ: عَزَمْتُ عَلَى الْأَمْرِ عَزْمًا وَعَزِيمَةً إِذَا أَرَدْتَ فِعْلَهُ وَقَطَعْتَ عَلَيْهِ اهـ. وَالرُّشْدُ: بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ، وَيُرْوَى بِفَتْحِهِمَا، بِمَعْنَى الْهِدَايَةِ، وَالْمُرَادُ لُزُومُهَا وَدَوَامُهَا، (" وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ ")، أَيِ: التَّوْفِيقَ عَلَى شُكْرِهَا بِصَرْفِ النِّعْمَةِ فِي طَاعَةِ الْمُنْعِمِ، وَهُوَ الْقِيَامُ بِالْأَوَامِرِ وَاجْتِنَابُ الزَّوَاجِرِ، (" وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ "): بِأَدَاءِ شَرَائِطِهَا وَأَرْكَانِهَا وَالْقِيَامِ بِإِخْلَاصِهَا (" وَأَسْأَلُكَ قَلْبًا سَلِيمًا "): قَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ: مِنَ الْعَقَائِدِ الْفَاسِدَةِ وَالْمَيْلِ إِلَى الشَّهَوَاتِ ; فَإِنَّهَا مَرَضُ الْقَلْبِ، وَصِحَّتُهُ الْعِلْمُ وَالْأَخْلَاقُ الْفَاضِلَةُ اهـ، أَوِ الْمُرَادُ سَلِيمًا مِنَ الْغِلِّ وَالْغِشِّ وَالْحِقْدِ، وَسَائِرِ الصِّفَاتِ الرَّدِيئَةِ، وَالْأَحْوَالِ الدَّنِيَّةِ، أَوْ قَلْبًا مُنْقَادًا لِأَمْرِ مَوْلَاهُ، أَوْ خَالِيًا عَمَّا سِوَاهُ، (" وَلِسَانًا صَادِقًا "): نِسْبَةُ الصِّدْقِ إِلَى اللِّسَانِ مَجَازٌ بِأَنَّهُ لَا يَبْرُزُ عَنْهُ إِلَّا الْحَقُّ الْمُطَابِقُ لِلْوَاقِعِ، (" وَأَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ "): قَالَ الطِّيبِيُّ: مَا مَوْصُولَةٌ أَوْ مَوْصُوفَةٌ وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ، وَمَنْ يُجَوِّزُ أَنْ تَكُونَ زَائِدَةً عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَزِيدُهَا فِي الْإِثْبَاتِ، أَوْ بَيَانِيَّةٌ وَالْمُبَيَّنُ مَحْذُوفٌ، أَيْ: أَسْأَلُكَ شَيْئًا هُوَ خَيْرُ مَا تَعْلَمُ أَوْ تَبْعِيضِيَّةٌ - سَأَلَهُ إِظْهَارًا لِهَضْمِ النَّفْسِ، وَأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ إِلَّا يَسِيرًا مِنَ الْخَيْرِ، وَعَلَيْهِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ: (اهْدِنَا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا)، عَلَى أَنَّ التَّنْكِيرَ لِلتَّقْلِيلِ، ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ، (" وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا تَعْلَمُ ")، أَيِ: أَطْلُبُ الْمَغْفِرَةَ لِأَجْلِ مَا تَعْلَمُهُ مِنَ الذُّنُوبِ، وَالتَّقْصِيرَاتِ، وَالْمُشْغِلَاتِ، وَفِي الْحِصْنِ: بِمَا تَعْلَمُ وَزَادَ: إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ. (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَرَوَى أَحْمَدُ نَحْوَهُ): وَفِي الْحِصْنِ: رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ مِيرَكُ: كُلُّهُمْ عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، وَزَادَ الْحَاكِمُ: " وَخُلُقًا مُسْتَقِيمًا "، أَيْ: بَعْدَ قَوْلِهِ: " وَقَلْبًا سَلِيمًا "، وَقَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ.
[ ٢ / ٧٥٨ ]
٩٥٦ - وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ: " أَحْسَنُ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ، وَأَحْسَنُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ» "، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ)، أَيْ: أَحْيَانًا (فِي صَلَاتِهِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ: " أَحْسَنُ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ، وَأَحْسَنُ الْهَدْيِ ")، أَيِ: السِّيرَةِ وَالطَّرِيقَةِ مِنَ الْأَحْوَالِ وَالْأَفْعَالِ الَّتِي يُهْتَدَى بِهَا وَيُقْتَدَى بِصَاحِبِهَا، (" هَدْيُ مُحَمَّدٍ "): مَدْحُ كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مَدْحٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهُوَ فِي مَعْنَى التَّسْبِيحِ وَالذِّكْرِ وَالصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِهِ، فَانْدَفَعَ مَا قِيلَ هُوَ مُشْكِلٌ عَلَى مَنْ يَرَى بُطْلَانَ الصَّلَاةِ بِالنُّطْقِ بِغَيْرِ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ ; لِأَنَّا نَقُولُ: الْعِبْرَةُ بِالْمَعْنَى لَا بِاللَّفْظِ، وَلِذَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا: لَوْ قِيلَ لِأَحَدٍ فِي الصَّلَاةِ: مَاتَ فُلَانٌ، فَقَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ ; لِأَنَّهُ فِي الْمَعْنَى جَوَابٌ لِكَلَامِ الْقَائِلِ مَعَ كَوْنِهِ لَفْظَ الْقُرْآنِ، وَقَالُوا: لَا يَدْعُو بَعْدَ التَّشَهُّدِ، بِمَا يُطْلَبُ مِنَ الْمَخْلُوقِ، فَلَوْ قَالَ: اللَّهُمَّ أَعْطِنِي مَالًا أَوْ جَارِيَةً تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: اللَّهُمَّ أَغْنِنِي وَزَوِّجْنِي الْحُورَ الْعِينَ، (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) .
[ ٢ / ٧٥٩ ]
٩٥٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَلِّمُ فِي الصَّلَاةِ تَسْلِيمَةً تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، ثُمَّ يَمِيلُ إِلَى الشِّقِّ الْأَيْمَنِ شَيْئًا،» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَائِشَةَ): كَذَا فِي أُصُولِ الْمِشْكَاةِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ، وَعَنْهُ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: وَعَنْ عَائِشَةَ فَمَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ نُسْخَتَهُ لَمْ تَكُنْ صَحِيحَةً، (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَلِّمُ فِي الصَّلَاةِ تَسْلِيمَةً تِلْقَاءَ وَجْهِهِ)، أَيْ: يَبْدَأُ بِالتَّسْلِيمِ مُحَاذَاةَ وَجْهِهِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ، أَيْ: يَبْتَدِئُ بِهَا وَهُوَ مُسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةِ، (ثُمَّ يَمِيلُ إِلَى الشِّقِّ الْأَيْمَنِ شَيْئًا)، أَيْ: يَسِيرًا حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ، يَعْنِي ثُمَّ يَمِيلُ إِلَى الشِّقِّ الْأَيْسَرِ شَيْئًا يَسِيرًا حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ سَائِرُ الْأَحَادِيثِ، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
[ ٢ / ٧٥٩ ]
٩٥٨ - وَعَنْ سَمُرَةَ - ﵁ - قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَرُدَّ عَلَى الْإِمَامِ، وَنَتَحَابَّ، وَأَنْ يُسَلِّمَ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ سَمُرَةَ، قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَرُدَّ عَلَى الْإِمَامِ)، أَيْ: نَنْوِيَ الرَّدَّ عَلَى الْإِمَامِ بِالتَّسْلِيمَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ عَلَى يَمِينِهِ، وَبِالْأُولَى مِنْ عَلَى يَسَارِهِ، وَهُمَا مِنْ عَلَى مُحَاذَاتِهِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: قِيلَ: رَدُّ الْمَأْمُومِ عَلَى الْإِمَامِ سَلَامُهُ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ: يُسَلِّمُ الْمَأْمُومُ ثَلَاثَ تَسْلِيمَاتٍ: تَسْلِيمَةٌ يَخْرُجُ بِهَا مِنَ الصَّلَاةِ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ وَيَتَيَامَنُ يَسِيرًا، وَتَسْلِيمَةٌ عَلَى الْإِمَامِ، وَتَسْلِيمَةٌ عَلَى مَنْ كَانَ عَلَى يَسَارِهِ، (وَنَتَحَابَّ): تَفَاعُلٌ مِنَ الْمَحَبَّةِ، أَيْ: وَأَنْ نَتَحَابَّ مَعَ الْمُصَلِّينَ وَسَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنْ يَفْعَلَ كُلٌّ مِنَّا مِنَ الْخَلَاقِ الْحَسَنَةِ، وَالْأَفْعَالِ الصَّالِحَةِ، وَالْأَقْوَالِ الصَّادِقَةِ، وَالنَّصَائِحِ الْخَالِصَةِ، مَا يُؤَدِّي إِلَى الْمَحَبَّةِ وَالْمَوَدَّةِ، (وَأَنْ يُسَلِّمَ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ)، أَيْ: فِي الصَّلَاةِ وَمَا قَبْلَهُ مُعْتَرِضَةٌ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ الْبَزَّارُ وَلَفْظُهُ: وَأَنْ نُسَلِّمَ عَلَى أَئِمَّتِنَا، وَأَنْ يُسَلِّمَ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فِي الصَّلَاةِ، أَيْ: يَنْوِيَ الْمُصَلِّي مِنْ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ مِنَ الْبَشَرِ، وَكَذَا مِنَ الْمَلَكِ، فَإِنَّهُ أَحَقُّ بِالتَّسْلِيمِ الْمُشْعِرِ بِالتَّعْظِيمِ، قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: هَذِهِ سُنَّةٌ تَرَكَهَا النَّاسُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا فِي خَارِجِ الصَّلَاةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا عَطْفُ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ ; لِأَنَّ التَّحَابَّ أَشْمَلُ مَعْنًى مِنَ التَّسْلِيمِ لِيُؤْذَنَ بِأَنَّهُ فَتَحَ بَابَ الْمَحَبَّةِ وَمُقَدِّمَتَهَا. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ أَوْ صَحِيحٌ، وَرَوَى أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، وَكَانَ ﷺ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا وَبَعْدَهَا أَرْبَعًا، وَقَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا يَفْصِلُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ بِالتَّسْلِيمِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ وَالنَّبِيِّينَ، وَمِنْ مَعَهُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اهـ، وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَحْمُولٌ عَلَى تَسْلِيمِ التَّشَهُّدِ حَيْثُ يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، فَإِنَّ عِنْدَ التَّسْلِيمِ بِالْخُرُوجِ عَنِ الصَّلَاةِ لَا يَنْوِي الْأَنْبِيَاءَ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ.
[ ٢ / ٧٥٩ ]