[ ٢ / ٤٨٦ ]
(١١) بَابُ الْغُسْلِ الْمَسْنُونِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٣٧ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(١١)
بَابُ الْغُسْلِ الْمَسْنُونِ
الْغَسْلُ بِالْفَتْحِ مَصْدَرٌ، وَبِالْكَسْرِ مَا يُغْسَلُ بِهِ، وَبِالضَّمِّ غُسْلٌ مَخْصُوصٌ، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٣٧ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ): رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ "): بِالرَّفْعِ أَصَحُّ (الْجُمُعَةَ): بِضَمِّ الْمِيمِ وَتُسَكَّنُ مَنْصُوبَةٌ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ أَيْ: إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْتِيَ الْجُمُعَةَ كَمَا جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ عَنْ نَافِعٍ أَيْ: صَلَاتَهَا (فَلْيَغْتَسِلْ)، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْغُسْلَ لِلصَّلَاةِ لَا لِلْيَوْمِ ; وَهُوَ الصَّحِيحُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْجُمُعَةَ فَاعِلٌ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ﴾ [الأعراف: ١٣١] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: " ﴿أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكَمُ الْمَوْتُ﴾ [المنافقون: ١٠] " وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ غُسْلُ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الصُّبْحِ.
قَالَ مِيرَكُ - وَفِيهِ تَأَمُّلٌ -: فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْعَكْسِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْغُسْلَ عَقِيبُ الْمَجِيءِ، وَلَيْسَ بِمُرَادٍ، فَالصَّحِيحُ أَنَّ الْفَاءَ لِلْجَزَاءِ. قَالَ: وَكَلَامُ الطِّيبِيِّ غَفْلَةٌ عَنِ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَهِيَ: " مَنْ أَتَى الْجُمُعَةَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِهَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ غُسْلٌ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ " وَسَنَدُهَا صَحِيحٌ اهـ. ثُمَّ الْأَمْرُ بِالْغُسْلِ لِلِاسْتِحْبَابِ الْمُؤَكَّدِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لِمَا سَيَأْتِي، وَعِنْدَ مَالِكٍ وَاجِبٌ، وَعَلَيْهِ الظَّاهِرِيَّةُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٢ / ٤٨٧ ]
٥٣٨ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ): أَيِ: الْخِدْرِيِّ: كَمَا فِي نُسْخَةٍ (رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ "): مِنْ بَابِ إِضَافَةِ الْمَظْرُوفِ إِلَى الظَّرْفِ كَمَكْرِ اللَّيْلِ، وَأُخِذَ مِنْ إِضَافَتِهِ إِلَى يَوْمِهَا لَا إِلَى وَقْتِهَا أَنَّ وَقْتَ غُسْلِهَا يَدْخُلُ بِفَجْرِ يَوْمِهَا، فَلَا يَجُوزُ قَبْلَهُ خِلَافًا لِلْأَوْزَاعِيِّ، وَبَعْضِ الْفُقَهَاءِ، وَمِنْهُمْ بَعْضُ عُلَمَائِنَا، وَلَا يُتَوَقَّفُ عَلَى الرَّوَاحِ خِلَافًا لِمَالِكٍ (وَاجِبٌ): أَيْ: ثَابِتٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُتْرَكَ ; لَا أَنَّهُ يَأْثَمُ تَارِكُهُ، خِلَافًا لِمَالِكٍ. قِيلَ: هَذَا وَأَمْثَالُهُ تَأْكِيدٌ لِلِاسْتِحْبَابِ كَمَا يُقَالُ: رِعَايَةُ فُلَانٍ عَلَيْنَا وَاجِبَةٌ (عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ) أَيْ: بَالِغٍ مُدْرِكٍ أَوَانَ الِاحْتِلَامِ، وَسَبَبُهُ أَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا يَعْمَلُونَ فِي الْمِهْنَةِ، وَيَلْبَسُونَ الصُّوفَ وَثِيَابَ الْمِهْنَةِ، وَكَانَ الْمَسْجِدُ ضَيِّقًا مُتَقَارِبَ السَّقْفِ، فَإِذَا عَرِقُوا تَأَذَّى بَعْضُهُمْ بِرَائِحَةِ بَعْضٍ، خُصُوصًا فِي بِلَادِهِمُ الَّتِي فِي غَايَةٍ مِنَ الْحَرَارَةِ، فَنَدَبَهُمْ ﵊ إِلَى الِاغْتِسَالِ بِلَفْظِ الْوُجُوبِ ; لِيَكُونَ أَدْعَى إِلَى الْإِجَابَةِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٢ / ٤٨٧ ]
٥٣٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا يَغْسِلُ فِيهِ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " حَقٌّ "): أَيْ: ثَابِتٌ وَلَازِمٌ، أَوْ جَدِيرٌ وَلَائِقٌ (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ): أَيْ: بَالِغٍ عَاقِلٍ (أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا): وَالْمُرَادُ غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، كَمَا بَيَّنَتْهُ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى (يَغْسِلُ فِيهِ رَأْسَهُ): أَوَّلًا (وَجَسَدَهُ) أَيْ: سَائِرَ بَدَنِهِ ثَانِيًا، وَاسْتَثْنَى دَاخِلَ الْعَيْنَيْنِ، وَالْجُمْلَةُ بَيَانٌ لِيَغْتَسَلَ مُشْعِرٌ بِبَيَانِ عِلَّةِ الْحُكْمِ، إِذِ الرَّأْسُ وَالْجَسَدُ مَحَلَّانِ لِلْوَسَخِ غَالِبًا، وَيُسْتَحَبُّ التَّيَامُنُ وَتَقْدِيمُ الْوُضُوءِ، وَأَمَّا الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ فَفِي الْوُضُوءِ سُنَّتَانِ، وَفِي الْغُسْلِ فَرْضَانِ عِنْدَنَا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٢ / ٤٨٧ ]
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٤٠ - عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّانِي
(٢) (عَنْ سَمُرَةَ): بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْمِيمِ (ابْنِ جُنْدُبٍ): بِضَمِّ الْجِيمِ وَالدَّالِ وَتُفْتَحُ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ» "): الْمُخْتَارُ فِيهَا كَسْرُ النُّونِ وَسُكُونُ الْعَيْنِ، وَيَجُوزُ فَتْحُ النُّونِ وَكَسْرُ الْعَيْنِ، وَهَذَا كَلَامٌ يُطْلَقُ لِلتَّجْوِيزِ وَالتَّحْسِينِ، وَتَقْدِيرُهُ بِتِلْكَ الْفِعْلَةِ هِيَ، وَقِيلَ: الضَّمِيرُ فِي " فَبِهَا " لِلسُّنَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَهَا ذِكْرٌ لَفْظًا وَلَا مَعْنًى، بَلْ حُكْمًا مِنْ قَرِينَةِ الْحَالِ، وَالْبَاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمُقَدَّرٍ، وَرُوِيَ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ أَنَّ التَّقْدِيرَ: فَبِالسُّنَّةِ أَخَذَ، وَنِعْمَتِ الْخَصْلَةُ هِيَ، قِيلَ: وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَكُونُ أَخْذًا بِالسُّنَّةِ إِذَا اغْتَسَلَ، وَأَمَّا إِذَا تَوَضَّأَ فَإِنَّمَا أَتَى بِالْفَرْضِ الَّذِي عَلَيْهِ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: فَبِالشَّرِيعَةِ أَوِ الرُّخْصَةِ أَوِ الْفِعْلَةِ أَوِ الْخَصْلَةِ اهـ. وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: فَبِالرُّخْصَةِ ; إِذِ الْفِعْلَةُ وَالْخَصْلَةُ مُبْهَمَةٌ، وَالشَّرِيعَةُ عَامَّةٌ شَامِلَةٌ، قِيلَ: فَبِالرُّخْصَةِ أَخَذَ، وَنِعْمَتِ السُّنَّةُ الَّتِي تَرَكَهَا، أَيِ: الْغُسْلُ، وَهَذَا وَإِنْ قَوِيَ مَعْنًى ضَعِيفٌ لَفْظًا ; لِاخْتِلَافِ مَرْجِعِ الضَّمِيرَيْنِ مَعَ عَدَمِ مَا يَدُلُّ عَلَى مَرْجِعِ الثَّانِي، فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ التَّقْدِيرُ: فَبِالْفَرْضِيَّةِ أَخَذَ، وَنِعْمَتِ الْفَرْضِيَّةُ هِيَ، أَيْ: أَوْ بِخَصْلَةِ النَّظَافَةِ أَخَذَ، وَنِعْمَتِ الْخَصْلَةُ هِيَ. (وَمَنِ اغْتَسَلَ): أَيْ: يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِصَلَاتِهَا، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ غُسْلُ الْجُمُعَةِ إِلَّا قَبْلَ الْفَرْضِ، ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ (فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ): لِأَنَّهُ تَطْهِيرٌ أَكْمَلُ، وَهَذَا الْحَدِيثُ صَرِيحٌ بِأَنَّ غُسْلَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ سُنَّةٌ لَا وَاجِبٌ، وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا خَبَرُ مُسْلِمٍ: " «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ فَدَنَا وَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ» ". (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ): وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ، بَلْ صَحَّحَهُ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ، وَلَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغِ الْقَائِلَ بِالْوُجُوبِ، وَأَمَّا ادِّعَاءُ أَنَّ حَدِيثَ الْوُجُوبِ أَصَحُّ فَقُدِّمَ عَلَى هَذَا فَغَيْرُ صَحِيحٍ ; لِأَنَّ أَصَحِّيَّتَهُ لَا تَقْتَضِي تَقْدِيمَهُ إِلَّا عَلَى ضِدِّهِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَأَمَّا مَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فَلَا يَجُوزُ إِلْغَاءُ الصَّحِيحِ بِالْأَصَحِّ، بَلْ يَتَعَيَّنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، فَمِنْ ثَمَّ أَوَّلْنَا الْأَصَحَّ بِمَا يُوَافِقُ الصَّحِيحَ لَا الْعَكْسُ ; لِتَعَذُّرِهِ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْوُجُوبَ يُطْلَقُ كَثِيرًا شَائِعًا عَلَى التَّأْكِيدِ ; كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ لِصَاحِبِهِ: حَقُّكَ وَاجِبٌ عَلَيَّ، وَأَمَّا مَدْحُ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْوُضُوءِ، وَجَعْلُ الْغُسْلِ أَفْضَلُ مِنْهُ فَلَا يُطْلَقُ ذَلِكَ مَعَ فَرْضِ وُجُوبِ الْغُسْلِ مُطْلَقًا.
[ ٢ / ٤٨٨ ]
٥٤١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ» " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَزَادَ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ: " وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ ".
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " مَنْ غَسَّلَ "): بِالتَّخْفِيفِ وَيُشَدَّدُ (" مَيِّتًا "): بِالتَّشْدِيدِ وَيُخَفَّفُ (" فَلْيَغْتَسِلْ "): لِإِزَالَةِ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُ مِنْهُ، وَالْأَمْرُ لِلِاسْتِحْبَابِ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ: لَيْسَ عَلَيْكُمْ فِي مَيِّتِكُمْ غُسْلٌ إِذَا غَسَّلْتُمُوهُ، وَقِيلَ: أَمْرُ وُجُوبٍ ; لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يُصِيبَهُ شَيْءٌ مِنْ رَشَاشِ الْمَغْسُولِ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ مَكَانَهُ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ بَدَنِهِ، فَإِنْ عَلِمَ بِعَدَمِهَا فَلَا، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الدَّلِيلَ الْمَبْنِيَّ عَلَى الشَّكِّ لَا يُفِيدُ الْوُجُوبَ، مَعَ أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ طَاهِرٌ عَلَى الصَّحِيحِ (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ): قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذَا مَنْسُوخٌ، سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلِ سُئِلَ عَنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ؟ قَالَ: يُجْزِئُهُ الْوُضُوءُ. كَذَا فِي التَّصْحِيحِ.
[ ٢ / ٤٨٨ ]
(وَزَادَ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ): وَحَسَّنَهُ وَضَعَّفَهُ الْجُمْهُورُ، وَأَنْكَرُوا عَلَى التِّرْمِذِيِّ تَحْسِينَ هَذَا الْحَدِيثِ.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ: وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: خَرَّجَ بَعْضُهُمْ لِتَصْحِيحِهِ مِائَةً وَعِشْرِينَ طَرِيقًا، نَقَلَهُ مِيرَكُ. (وَأَبُو دَاوُدُ: " وَمَنْ حَمَلَهُ "): أَيِ: الْمَيِّتَ يَعْنِي مَسَّهُ أَوْ أَرَادَ حَمْلَهُ وَهُوَ الْأَظْهَرُ (فَلْيَتَوَضَّأْ): أَيْ: لِيَكُنْ عَلَى وُضُوءٍ حَالَ حَمْلِهِ ; لِيَتَهَيَّأَ لَهُ الصَّلَاةُ عِنْدَ وَضْعِ الْجِنَازَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِمُجَرَّدِ الْحَمْلِ فَإِنَّهُ قُرْبَةٌ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: لِيُجَدِّدَ الْوُضُوءَ احْتِيَاطًا ; لِأَنَّهُ رُبَّمَا خَرَجَ مِنْهُ رِيحٌ لِشِدَّةِ دَهْشَتِهِ وَخَوْفِهِ مِنْ حَمْلِ الْجِنَازَةِ وَثِقَلِ حَمْلِهَا، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِذَلِكَ، وَعَلَى كُلٍّ فَالْأَمْرُ هُنَا لِلنَّدْبِ اتِّفَاقًا.
[ ٢ / ٤٨٩ ]
٥٤٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كَانَ يَغْتَسِلُ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنَ الْجَنَابَةِ، وَيَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَمِنَ الْحِجَامَةِ، وَمِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ): أَيْ: يَرَى الْغُسْلَ (مِنْ أَرْبَعٍ): أَيْ: يَأْمُرُ بِالِاغْتِسَالِ مِنْهُنَّ ; إِذْ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ غَسَّلَ مَيِّتًا فَاغْتَسَلَ مِنْ غُسْلِهِ، فَإِنَّهُ مَا غَسَّلَ مَيِّتًا قَطُّ، وَهَذَا كَرِوَايَةِ مَاعِزٍ أَنَّهُ رَجَمَ مَاعِزًا أَيْ: أَمَرَ بِرَجْمِهِ، فَالْمُرَادُ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ الْغَسَّالَ بِالِاغْتِسَالِ. وَقَوْلُهَا: (مِنَ الْجَنَابَةِ): بَدَلٌ بِإِعَادَةِ الْجَارِّ أَيْ: مِنْ أَجْلِهَا فَمِنْ تَعْلِيلِيَّةٌ، وَقِيلَ: ابْتِدَائِيَّةٌ، وَهِيَ لَا تَخْلُو عَنْ تَكَلُّفٍ بَلْ تَعَسُّفٍ، ثُمَّ لَا دَلِيلَ فِي عَطْفِ مَا بَعْدَهُ عَلَيْهِ عَلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ مِثْلُهُ ; لِأَنَّ دَلَالَةَ الِاقْتِرَانِ غَيْرُ حُجَّةٍ كَمَا بُيِّنَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] وَالْأَكْلُ جَائِزٌ، وَالْإِيتَاءُ وَاجِبٌ إِجْمَاعًا فِيهِمَا (وَيَوْمِ الْجُمُعَةِ): بِالْجَرِّ، وَهُوَ الْمُلَائِمُ لِلسَّابِقِ وَاللَّاحِقِ، وَإِنْ صَحَّ النَّصْبُ فَيَكُونُ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ عَطْفٌ عَلَى الْجَنَابَةِ، لَكِنْ لَا مَعْنَى لِلْغُسْلِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ إِلَّا بِجَعْلِ مِنَ الْمُقَدَّرَةِ فِيهِ بِمُقْتَضَى الْعَطْفِ لِلتَّعْلِيلِ، وَبِهَذَا يُعْلَمُ رَدُّ مَا قِيلَ، وَإِنَّمَا لَمْ يُؤْتَ بِمَنْ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ ; لِأَنَّ الِاغْتِسَالَ لَهُ وَلِكَرَامَتِهِ، وَفِيهِ أَنَّهُ إِذَا كَانَ لَهُ وَلِكَرَامَتِهِ ﷺ أَنْ يَكُونَ بِسَبَبِهِ فَلَمْ يَصْلُحِ التَّغَايُرُ بَيْنَهُمَا اهـ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي تَرْكِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ إِشَارَةٌ إِلَى الْغُسْلِ الْوَاحِدِ فِيهِ يَنُوبُ عَنِ الْجَنَابَةِ وَعَنِ السُّنَّةِ (وَمِنَ الْحِجَامَةِ): بِكَسْرِ الْحَاءِ أَيْ: لِلْمَحْجُومِ، وَاغْتِسَالُهُ مِنَ الْحِجَامَةِ لِإِمَاطَةِ الْأَذَى، وَلَمَّا لَا يُؤْمَنُ أَنْ يُصِيبَهُ مِنْ رَشَاشِ الْحِجَامَةِ فَتُسْتَحَبُّ النَّظَافَةُ، وَتَرْدِيدُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْغُسْلَ هَلْ هُوَ سُنَّةٌ لِلْمَحْجُومِ أَوْ لَهُ وَلِلْحَاجِمِ؟ لَا وَجْهَ لَهُ ; لِأَنَّهُ ﵊ اغْتَسَلَ لَمَّا حَجَمَهُ غَيْرُهُ، وَلَا يُحْتَمَلُ أَنَّهُ اغْتَسَلَ مِنْ حَجْمِهِ هُوَ لِغَيْرِهِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يُنْقُلْ عَنْهُ، وَلَا يَلِيقُ نِسْبَتُهُ لِمَقَامِهِ الشَّرِيفِ. ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَفِيهِ بَحْثٌ فَتَدَبَّرْ (وَمَنْ غَسَّلَ الْمَيِّتَ) . قَالَ ابْنُ حَجَرٍ الْمَكِّيُّ: هُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ ﵊ غَسَّلَ مَيِّتًا وَاغْتَسَلَ مِنْهُ، وَاسْتَبْعَدَهُ بَعْضٌ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ. قُلْتُ: سَنَدُهُ أَنَّهُ لَوْ فَعَلَ لَنُقِلَ، وَأَمَّا هَذَا فَغَيْرُ صَرِيحٍ بَلْ مُحْتَمَلٌ، مَعَ أَنَّ لَفْظَ كَانَ غَالِبًا لِلِاسْتِمْرَارِ وَإِفَادَةِ التِّكْرَارِ، وَهُوَ بِأَصْلِهِ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ، ثُمَّ أَغْرَبَ وَاعْتَرَضَ عَلَى قَوْلِ الطِّيبِيِّ كَمَا فِي رَجَمَ مَاعِزًا أَيْ: أَمَرَ بِرَجْمِهِ، بِقَوْلِهِ: وَفِيهِ رَكَاكَةٌ هُنَا كَمَا لَا يَخْفَى ; لِأَنَّ عَائِشَةَ نَاقِلَةٌ عَنْهُ أَنَّهُ اغْتَسَلَ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ، فَأَيُّ إِسْنَادٍ إِلَيْهِ هُنَا، حَتَّى يُحْمَلَ عَلَى الْأَمْرِ، بَلْ يَلْزَمُ عَلَيْهِ فَسَادٌ لَوْ تُصُوِّرَ وُجُودُهُ، إِذْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: وَمِنْ أَمْرِهِ بِغُسْلِ الْمَيِّتِ، وَهَذَا سَفْسَافٌ اهـ. قُلْتُ: الرَّكَاكَةُ وَالْفَسَادُ إِنَّمَا ظَهَرَ لِفَسَادِ الْفَهْمِ فِي مَحَلِّ إِسْنَادٍ، فَالطِّيبِيُّ لَمَّا نَظَرَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ، وَرَأَى مَا يُوهِمُ أَنَّهُ ﵊ غَسَّلَ الْمَيِّتَ، وَلَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ حَمْلُ قَوْلِ عَائِشَةَ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ: " كَانَ يَغْتَسِلُ " عَلَى الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ لِتَعَذُّرِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ فَقَالَ: مَعْنَى يَغْتَسِلُ أَيْ: كَانَ يَأْمُرُ النَّاسَ بِالِاغْتِسَالِ مِنْ أَرْبَعٍ، وَلِذَا جَعَلَ نَظِيرَهُ رَجْمَ مَاعِزٍ، فَإِنَّ الرَّجْمَ مَا وَقَعَ مِنْهُ ﵊ اتِّفَاقًا، بَلْ وَقَعَ بِأَمْرِهِ، فَتَأَمَّلْ لِيَظْهَرْ لَكَ مَوْضِعُ الزَّلَلِ وَمَوْضِعُ الْخَطَلِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ): وَقَالَ مِيرَكُ شَاهْ: لَمْ يُنْقُلْ عَنْهُ أَنَّهُ ﵊ غَسَّلَ مَيِّتًا قَطُّ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ أَحْمَدَ أَنَّهُ ﵊ قَالَ: " يَغْتَسَلُ "، وَسَاقَهُ.
[ ٢ / ٤٨٩ ]
٥٤٣ - وَعَنْ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ ﵁، أَنَّهُ أَسْلَمَ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ «يَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ
_________________
(١) (وَعَنْ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ ﵁، أَنَّهُ أَسْلَمَ): قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي وَفْدِ تَمِيمٍ وَأَسْلَمَ، فَلَمَّا رَآهُ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: «هَذَا سَيِّدُ أَهْلِ الْوَبَرِ»، وَكَانَ مَشْهُورًا بِالْحِلْمِ، يُعَدُّ فِي الْبَصْرِيِّينَ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ حَكِيمٌ، وَخَلْقٌ سِوَاهُ. (فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ): ذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى اسْتِحْبَابِ اغْتِسَالِ مَنْ أَسْلَمَ وَغَسْلِ ثِيَابِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَزِمَهُ غُسْلٌ فِي حَالِ الْكُفْرِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ تَطْهِيرُهُ مِنَ النَّجَاسَةِ الْمُحْتَمَلَةِ عَلَى أَعْضَائِهِ مِنَ الْوَسَخِ وَالرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ، وَإِنَّمَا أَمَرَهُ ﵊ بِالْغُسْلِ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّنْظِيفِ ; لِأَنَّهُ يُطَيِّبُ الْجَسَدَ، وَاغْتِسَالُهُ مُؤَخَّرٌ عَنْ قَوْلِ كَلِمَتَيِ الشَّهَادَةِ فِي الْأَصَحِّ، وَعِنْدَ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ: يَجِبُ الْغُسْلُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جُنُبًا، وَأَمَّا إِذَا أَسْلَمَ وَقَدْ جَامَعَ أَوِ احْتَلَمَ فِي الْكُفْرِ، فَيُفْرَضُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ وَإِنِ اغْتَسَلَ فِيهِ. عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى النِّيَّةِ وَهِيَ عِبَادَةٌ لَا تَصِحُّ مِنَ الْكَافِرِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَكْفِيهِ اغْتِسَالُهُ فِيهِ، وَيُسَنُّ أَيْضًا حَلْقُ رَأْسِهِ قَبْلَ الْغُسْلِ لَا بَعْدَهُ ; لِقَوْلِهِ ﵊: «أَلْقِ عَنْكَ شَعْرَ الْكُفْرِ وَاغْتَسِلْ» ". (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ): وَحَسَّنَهُ (وَأَبُو دَاوُدَ): وَسَكَتَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُضَعِّفْهُ الْمُنْذِرِيُّ (وَالنَّسَائِيُّ): وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ.
[ ٢ / ٤٩٠ ]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٤٤ - عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: إِنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ جَاءُوا فَقَالُوا: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، أَتَرَى الْغُسْلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبًا؟ قَالَ: لَا ; وَلَكِنَّهُ أَطْهَرُ وَخَيْرٌ لِمَنِ اغْتَسَلَ، وَمَنْ لَمْ يَغْتَسِلْ فَلَيْسَ عَلَيْهِ بِوَاجِبٍ. وَسَأُخْبِرُكُمْ كَيْفَ بَدْءُ الْغُسْلِ: كَانَ النَّاسُ مَجْهُودِينَ يَلْبَسُونَ الصُّوفَ، وَيَعْمَلُونَ عَلَى ظُهُورِهِمْ، وَكَانَ مَسْجِدُهُمْ ضَيِّقًا مُقَارِبَ السَّقْفِ، إِنَّمَا هُوَ عَرِيشٌ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي يَوْمٍ حَارٍّ، وَعَرِقَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ الصُّوفِ، حَتَّى ثَارَتْ مِنْهُمْ رِيَاحٌ، آذَى بِذَلِكَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. فَلَمَّا وَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تِلْكَ الرِّيَاحَ، قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِذَا كَانَ هَذَا الْيَوْمُ ; فَاغْتَسِلُوا، وَلْيَمَسَّ أَحَدُكُمْ أَفْضَلَ مَا يَجِدُ مِنْ دُهْنِهِ وَطِيبِهِ " قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ثُمَّ جَاءَ اللَّهُ بِالْخَيْرِ، وَلَبِسُوا غَيْرَ الصُّوفِ، وَكُفُوا الْعَمَلَ، وَوُسِّعَ مَسْجِدُهُمُ، وَذَهَبَ بَعْضُ الَّذِي كَانَ يُؤْذِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا مِنَ الْعَرَقِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّالِثُ
(٢) (عَنْ عِكْرِمَةَ): هُوَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، أَصْلُهُ مِنَ الْبَرْبَرِ، وَهُوَ أَحَدُ فُقَهَاءِ مَكَّةَ وَتَابِعِيهَا، سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ وَغَيْرَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَرَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ وَمِائَةَ وَلَهُ ثَلَاثٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً. قِيلَ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ هَلْ أَحَدٌ أَعْلَمُ مِنْكَ؟ قَالَ: عِكْرِمَةُ. (قَالَ: إِنَّ نَاسًا): وَفِي نُسْخَةٍ: أُنَاسًا (مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ): وَهُوَ بِلَادٌ مِنْ عَبَّادَانِ إِلَى مَوْصِلٍ طُولًا، وَمِنَ الْقَادِسِيَّةِ إِلَى حُلْوَانَ عَرْضًا، وَالْعِرَاقَانِ: الْكُوفَةُ وَالْبَصْرَةُ. كَذَا فِي الْقَامُوسِ. (جَاءُوا فَقَالُوا: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ): جَرَوْا فِيهِ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ مِنْ عَدَمِ رِعَايَةِ مَزِيدِ الْأَدَبِ فِي الْخِطَابِ مَعَ الْأَكَابِرِ (أَتَرَى): بِفَتْحِ التَّاءِ مِنَ الرَّأْيِ: تَعْتَقِدُ (الْغُسْلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ): ظَرْفٌ لِلْغُسْلِ (وَاجِبًا؟ قَالَ: لَا): أَيْ: لَا أَرَاهُ وَاجِبًا (وَلَكِنَّهُ أَطْهَرُ): أَيْ: أَكْمَلُ طَهَارَةً وَأَفْضَلُ مَثُوبَةً ; لِأَنَّهُ وَرَدَ الْأَمْرُ بِالسُّنَّةِ (وَخَيْرٌ): أَيْ: نَفْعٌ كَثِيرٌ (لِمَنِ اغْتَسَلَ): وَأَفْضَلُ لَهُ مِنَ الْوُضُوءِ (وَمَنْ لَمْ يَغْتَسِلْ): وَاكْتَفَى بِالْوُضُوءِ (فَلَيْسَ عَلَيْهِ بِوَاجِبٍ): هَذَا دَلِيلٌ لِجَوَابٍ مُقَدَّرٍ، تَقْدِيرُهُ: فَلَا بَأْسَ ; إِذْ لَيْسَ الْغُسْلُ فِيهِ وَاجِبًا (وَسَأُخْبِرُكُمْ): السِّينُ لِلتَّأْكِيدِ لَا لِلِاسْتِقْبَالِ (كَيْفَ بَدْءُ الْغُسْلِ): بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيْ: سَبَبُ ابْتِدَاءِ مَشْرُوعِيَّتِهِ، أَوْ سُنِّيَّتِهِ لِلْجُمُعَةِ (كَانَ النَّاسُ): اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ، وَالْمُرَادُ مِنَ النَّاسِ الصَّحَابَةُ ; فَإِنَّهُمْ هُمُ النَّاسُ (مَجْهُودِينَ): يُقَالُ: جَهُدَ الرَّجُلُ بِالضَّمِّ فَهُوَ مَجْهُودٌ، إِذَا وَجَدَ مَشَقَّةً، كَذَا فِي النِّهَايَةِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ مُسَلَّطًا عَلَيْهِمُ الْجُهْدُ وَالْمَشَقَّةُ فِي أَمْرِ دُنْيَاهُمْ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اخْتَارَ لَهُمْ أَكْمَلَ الْأَحْوَالِ وَأَوْلَاهَا، وَهُوَ التَّنَزُّهُ عَنِ الدُّنْيَا وَقَوَاطِعِهَا إِلَّا مَا يُضْطَرُّ إِلَى مُبَاشَرَتِهِ مِنْ أَسْبَابِهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ مَحْذُورِهَا (يَلْبَسُونَ الصُّوفَ): جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ (وَيَعْمَلُونَ عَلَى ظُهُورِهِمْ) أَيْ: فَيَعْرَقُونَ (وَكَانَ مَسْجِدُهُمْ): أَيْ: مَسْجِدُهُ ﵊، وَأُضِيفَ إِلَيْهِمْ لِصَلَاتِهِمْ فِيهِ (ضَيِّقًا): بِالطُّولِ وَالْعَرْضِ (مُقَارِبَ السَّقْفِ): لِعَدَمِ ارْتِفَاعِهِ فَيَكُونُ غَيْرَهَا (إِنَّمَا هُوَ عَرِيشٌ): أَيْ: كَانَ سَقْفُ الْمَسْجِدِ كَعَرِيشِ الْكَرْمِ يَعْنِي الْقَصْدَ مِنْهُ الِاسْتِظْلَالُ،
[ ٢ / ٤٩٠ ]
وَإِنْ كَانَ عَلَى رَأْسِ الْوَاقِفِ (فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي يَوْمٍ حَارٍّ): مِنْ أَيَّامِ الْجُمُعَةِ (وَعَرِقَ النَّاسُ): جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ، أَوْ عَطْفٌ عَلَى فَخَرَجَ (فِي ذَلِكَ الصُّوفِ): أَيِ: الَّذِي يَعْمَلُونَهُ عَلَى ظُهُورِهِمْ حِينَ لُبْسِهِ (حَتَّى ثَارَتْ): أَيْ: انْتَشَرَتْ (مِنْهُمْ رِيَاحٌ، آذَى بِذَلِكَ) أَيْ: بِمَا ذُكِرَ مِنَ الْعَرَقِ وَالرِّيَاحِ (بَعْضُهُمْ بَعْضًا): وَتَأَذَّى الْكُلُّ (فَلَمَّا وَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تِلْكَ الرِّيَاحَ): أَيْ: أَحَسَّهَا أَوْ وَجَدَ أَثَرَهَا وَتَأْثِيرَهَا مِنَ الْأَذَى (قَالَ: " أَيُّهَا النَّاسُ "): أَيْ: يَا أَيُّهَا كَمَا فِي نُسْخَةٍ (" إِذَا كَانَ هَذَا الْيَوْمُ ") إِشَارَةٌ إِلَى الْجِنْسِ، أَوِ الْمُرَادُ مِثْلُ هَذَا الْيَوْمِ (" فَاغْتَسِلُوا "): أَيْ: لِحُضُورِ الْجُمُعَةِ (وَلْيَمَسَّ أَحَدُكُمْ): بِسُكُونِ اللَّامِ وَيَجُوزُ كَسْرِهَا، وَبِفَتْحِ الْمِيمِ وَالسِّينِ (أَفْضَلَ مَا يَجِدُ): أَيْ أَحْسَنَهُ (مِنْ دَهْنِهِ): أَيْ: لِشَعْرِهِ (وَطِيبِهِ): أَيْ: لِسَائِرِ بَدَنِهِ. وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ بِقَوْلِهِ: عَطْفُ عَامٍّ عَلَى خَاصٍّ؛ إِذِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ ﵊ لَمْ يُرِدْ مُجَرَّدَ الدُّهْنِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الدُّهْنَ الْمُطَيِّبَ، فَإِنَّهُ عَلَى تَسْلِيمِهِ لَيْسَ مِنْ بَابِ عَطْفِ الْعَامِّ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْخَاصِّ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا كَالْخَبَرِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ ﵊ «كَانَ يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ، وَيَقُصُّ شَارِبَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الْخُرُوجِ إِلَى الصَّلَاةِ»، وَرِوَايَةُ خِلَافِهِ عَنِ ابْنَيْ عُمَرَ وَعَبَّاسٍ بَاطِلَةٌ اهـ.
وَهُوَ كَلَامٌ مُوهِمٌ مُخَالِفٌ لِلْأَدَبِ، فَإِنَّهُ إِنْ أَرَادَ بِهِ سَنَدَ الرِّوَايَةِ فَكَانَ عَلَيْهِ بَيَانُهُ، وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهَا فَلَا دَلَالَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَلَا غَيْرِهِ عَلَى بُطْلَانِهِ، بَلْ ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ تُفْعَلُ فِي هَذَا الْيَوْمِ، وَإِنْ كَانَ الْجُمْهُورُ قَيَّدُوهَا مِمَّا قَبْلَ الصَّلَاةِ لِمَا قَامَ عِنْدَهُمْ مِنَ الدَّلِيلِ النَّقْلِيِّ أَوِ الْعَقْلِيِّ وَكَلَامُهُمْ غَيْرُ حُجَّةٍ عَلَيْهِمَا. (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ): أَعَادَهُ لِطُولِ الْكَلَامِ (ثُمَّ جَاءَ اللَّهُ بِالْخَيْرِ): أَيِ: الْمَالِ أَوِ الرَّفَاهِيَةِ، عَطْفٌ عَلَى أَوَّلِ الْقِصَّةِ، وَهُوَ " كَانَ النَّاسُ " أَوْ عَلَى " بَدْءِ الْغُسْلِ " وَآثَرَ ثُمَّ لِدَلَالَتِهَا عَلَى التَّرَاخِي فِي الزَّمَانِ ; لِأَنَّهُمْ مَكَثُوا مَجْهُودِينَ مُدَّةً طَوِيلَةً، وَالْفُتُوحَاتُ إِنَّمَا حَصَلَتْ أَوَاخِرَ حَيَاتِهِ ﷺ. قِيلَ: وَعَلَى التَّرَاخِي فِي الرُّتْبَةِ أَيْضًا ; وَلِذَا نَسَبَهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى اهـ.
وَوَجْهُهُ أَنَّ أَحْوَالَ جُهْدِهِمْ كَانَتْ مُنْبِئَةً عَنْ عَدَمِ ظُهُورِ الْإِسْلَامِ بِخِلَافِ أَحْوَالِ سَعَتِهِمْ، فَإِنَّهَا مُنْبِئَةٌ عَنْ ظُهُورِهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الْغِنَى خَيْرٌ مِنَ الْفَقْرِ لِيَكُونَ الشُّكْرُ أَفْضَلَ مِنَ الصَّبْرِ، فَإِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى خِلَافِهِ (وَلَبِسُوا غَيْرَ الصُّوفِ): عَطْفُ تَفْسِيرٍ (وَكُفُوا): بِالتَّخْفِيفِ مَجْهُولًا (الْعَمَلَ): مَفْعُولٌ ثَانِي أَيْ: كَفَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى الْعَمَلَ بِاسْتِغْنَائِهِمْ أَوْ بِإِعْطَائِهِمُ الْخَدَمَ (وَوُسِّعَ مَسْجِدُهُمْ): مِنْ كُلِّ جَانِبٍ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَسَّعَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي آخِرِ عُمْرِهِ (وَذَهَبَ بَعْضُ الَّذِي كَانَ يُؤْذِي): أَيْ: بِهِ: (بَعْضُهُمْ بَعْضًا): وَيَتَأَذَّى الْكُلُّ (مِنَ الْعَرَقِ): بَيَانٌ لِلْبَعْضِ، أَوْ تَعْلِيلٌ إِنْ كَانَ حُكْمُهُ التَّعْبِيرَ بِالْبَعْضِ الَّذِي الْمُرَادُ بِهِ الْأَكْثَرُ، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الِاحْتِيَاطِ فِي الْأَخْبَارِ ; لِأَنَّ بَعْضَهُمْ رُبَّمَا تَسَاهَلَ فِي إِزَالَتِهِ، فَآذَى غَيْرَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْعُرَ بِذَلِكَ، ثُمَّ ظَاهِرُ فَحْوَى كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْغُسْلَ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ وَاجِبًا؛ لِكَثْرَةِ الْإِيذَاءِ بِالرِّيحِ الْكَرِيهَةِ حِينَئِذٍ، ثُمَّ لَمَّا خَفَّتْ نُسِخَ وُجُوبُهُ، فَإِنْ صَحَّ هَذَا بِهِ يُجْمَعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وَسَكَتَ عَلَيْهِ، وَرِجَالُ إِسْنَادِهِ ثِقَاتٌ.
[ ٢ / ٤٩١ ]