الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٤٩ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: " أَنْ تَدْعُوَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ " قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: " أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ ". قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: " أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ ". فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَهَا: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨]» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) - بَابُ الْكَبَائِرِ جُمَعُ كَبِيرَةٍ، وَهِيَ السَّيِّئَةُ الْعَظِيمَةُ الَّتِي خَطِيئَتُهَا فِي نَفْسِهَا كَبِيرَةٌ، وَعُقُوبَةُ فَاعِلِهَا عَظِيمَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَعْصِيَةٍ لَيْسَتْ بِكَبِيرَةٍ، وَقِيلَ: الْكَبِيرَةُ مَا أَوْعَدَ عَلَيْهِ الشَّارِعُ بِخُصُوصِهِ، وَقِيلَ: مَا عُيِّنَ لَهُ حَدٌّ، وَقِيلَ: النِّسْبَةُ إِضَافِيَّةٌ، فَقَدْ يَكُونُ الذَّنْبُ كَبِيرَةً بِالنِّسْبَةِ لِمَا دُونَهُ، صَغِيرَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا فَوْقَهُ، وَقَدْ يَتَفَاوَتُ بِاعْتِبَارِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ كَمَا قِيلَ: حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ، وَقَدْ يَتَفَاوَتُ بِاعْتِبَارِ الْمَفْعُولِ، فَإِنَّ إِهَانَةَ السَّادَاتِ وَالْعُلَمَاءِ لَيْسَتْ كَإِهَانَةِ السُّوقَةِ وَالْجُهَلَاءِ، وَلِلشَّيْخِ ابْنِ حَجَرٍ كِتَابٌ نَفِيسٌ فِي هَذَا الْبَابِ يُسَمَّى: الزَّوَاجِرُ عَنِ الْكَبَائِرِ، وَقِيلَ: كُلُّ مَعْصِيَةٍ كَبِيرَةٌ نَظَرًا إِلَى عَظَمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقِيلَ: لَا صَغِيرَةَ مَعَ الْإِصْرَارِ، وَلَا كَبِيرَةَ مَعَ الِاسْتِغْفَارِ، وَقِيلَ: بِإِبْهَامِ الْكَبِيرَةِ مِنْ بَيْنِ الذُّنُوبِ؛ لِئَلَّا يَرْتَفِعَ الْخَوْفُ مِنَ الْقُلُوبِ. (وَعَلَامَاتُ النِّفَاقِ) تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ، أَوْ بَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
(٢) (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ -) يُكْنَى أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْهُذَلِيَّ، كَانَ إِسْلَامُهُ قَدِيمًا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ دُخُولِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي دَارِ الْأَرْقَمِ، وَقَبْلَ عُمَرَ بِزَمَانٍ، وَقِيلَ: كَانَ سَادِسًا فِي الْإِسْلَامِ، ثُمَّ ضَمَّ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - سِوَاكَهُ، وَنَعْلَيْهِ، وَطَهُورَهُ فِي السَّفَرِ، هَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ، وَشَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا مِنَ الْمَشَاهِدِ، وَشَهِدَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِالْجَنَّةِ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: («رَضِيتُ لِأُمَّتِي مَا رَضِيَ لَهَا ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ، وَسَخِطْتُ لَهَا مَا سَخِطَ لَهَا ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ») يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ، وَكَانَ يُشَبَّهُ بِالنَّبِيِّ - ﷺ - فِي سَمْتِهِ، وَدَلَّهُ، وَهَدْيِهِ، كَانَ خَفِيفَ اللَّحْمِ قَصِيرًا، شَدِيدَ الْأُدْمَةِ نَحِيفًا، طُوَالُ الرِّجَالِ تُوَازِيهِ جَالِسًا، وَلِي الْقَضَاءَ بِالْكُوفَةِ وَبَيْتَ مَالِهَا لِعُمْرَ وَصَدَرًا مِنْ خِلَافَةِ عُثْمَانَ، ثُمَّ صَارَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَمَاتَ بِهَا سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ، وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ، وَلَهُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ سَنَةً. رَوَى عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَهُوَ عِنْدَنَا أَفْقَهُ الصَّحَابَةِ بَعْدَ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ. (قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ؟) الذَّنْبُ مَا يُذَمُّ بِهِ الْآتِي بِهِ شَرْعًا، وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ لَا يُغْفَرُ بِلَا تَوْبَةٍ وَهُوَ الْكُفْرُ، وَقِسْمٌ يُرْجَى أَنْ يُغْفَرَ بِالِاسْتِغْفَارِ وَسَائِرِ الْحَسَنَاتِ وَهُوَ الصَّغَائِرُ، وَقِسْمٌ يُغْفَرُ بِالتَّوْبَةِ وَبِدُونِهَا تَحْتَ الْمَشِيئَةِ وَهُوَ الْكَبَائِرُ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَقِسْمٌ يَحْتَاجُ إِلَى التَّرَادِّ وَهُوَ حَقُّ الْآدَمِيِّ، وَالتَّرَادُّ إِمَّا فِي الدُّنْيَا بِالِاسْتِحْلَالِ أَوْ رَدِّ الْعَيْنِ، أَوْ بَدَلِهِ، وَإِمَّا فِي الْآخِرَةِ بِرَدِّ ثَوَابِ الظَّالِمِ لِلْمَظْلُومِ، أَوْ إِيقَاعِ سَيِّئَةِ الْمَظْلُومِ عَلَى الظَّالِمِ، أَوْ أَنَّهُ تَعَالَى يُرْضِيهِ بِفَضْلِهِ وَكَرَمِهِ. (قَالَ: (أَنْ تَدْعُوَ) أَيْ تَجْعَلَ (لِلَّهِ نِدًّا) بِالْكَسْرِ أَيْ مِثْلًا وَنَظِيرًا فِي دُعَائِكَ وَعِبَادَتِكَ، وَقِيلَ النِّدُّ: الْمِثْلُ الْمُزَاحِمُ الَّذِي يُضَادُّهُ فِي أُمُورِهِ مِنْ: نِدَّ: نَفَرَ، وَأَمَّا الضِّدُّ فَهُوَ أَحَدُ مُتَقَابِلَيْنِ لَا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُهُمَا (وَهُوَ خَلَقَكَ) الْجُمْلَةُ حَالٌ مِنَ اللَّهِ، أَوْ مِنْ فَاعِلِ " أَنْ تَدْعُوَ "، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا اسْتَحَقَّ بِهِ تَعَالَى أَنْ تَتَّخِذَهُ رَبًّا وَتَعْبُدَهُ؛ فَإِنَّهُ خَلَقَكَ، أَوْ إِلَى مَا بِهِ امْتِيَازُهُ تَعَالَى عَنْ غَيْرِهِ فِي كَوْنِهِ إِلَهًا، أَوْ إِلَى ضَعْفِ النِّدِّ أَيْ أَنْ تَدْعُوَ لَهُ نِدًّا، وَقَدْ خَلَقَكَ غَيْرُهُ، وَهُوَ لَا يَقْدِرُ عَلَى خَلْقِ شَيْءٍ، وَالْمُرَادُ أَنَّ أَكْبَرَ الْكَبَائِرِ هُوَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ، بَلِ الْكُفْرُ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا خُصَّ فَإِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ. (قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟) اسْتِفْهَامٌ بِالتَّنْوِينِ بَدَلٌ مِنَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، لَكِنْ يُحْذَفُ التَّنْوِينُ وَقْفًا بِمَعْنَى أَيُّ شَيْءٍ مِنَ الذُّنُوبِ أَكْبَرُ بَعْدَ الْكُفْرِ (قَالَ: أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ) مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ (أَنْ يَطْعَمَ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ أَيْ يَأْكُلَ (مَعَكَ) لَا خِلَافَ أَنَّ أَكْبَرَ الذُّنُوبِ بَعْدَ الْكُفْرِ قَتْلُ نَفْسِ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَالْمَعْنَى أَنَّ قَتْلَ الْوَلَدِ أَكْثَرُ مِنْ سَائِرِ الذُّنُوبِ، وَقَتْلُهُ مِنْ خَوْفِ أَنْ يَطْعَمَ أَيْضًا ذَنْبٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرَى الرِّزْقَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَيْسَ " ثُمَّ " فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِتَرَاخِي الزَّمَانِ؛ إِذْ لَا يُتَصَوَّرُ هَاهُنَا، وَلَا لِتَرَاخِي الرُّتْبَةِ؛ لِوُجُوبِ كَوْنِ
[ ١ / ١٢١ ]
الْمَعْطُوفِ بِهَا أَعْلَى مَرْتَبَةً، وَهُنَا بِالْعَكْسِ بَلْ هِيَ لِلتَّرَاخِي فِي الْإِخْبَارِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: أَخْبِرْنِي عَنْ أَوْجَبِ مَا يُهِمُّنِي السُّؤَالُ عَنْهُ مِنَ الذُّنُوبِ، ثُمَّ الْأَوْجَبُ فَالْأَوْجَبُ، كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لِتَرَاخِي الرُّتْبَةِ، وَقَدْ يَكُونُ الْمَعْطُوفُ بِهَا أَدْنَى مَرْتَبَةً كَمَا فِي قَوْلِهِ - ﵊ -: («أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَوْلِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ») .
وَحَاصِلُ الْكَلَامِ أَنَّ قَتْلَ النَّفْسِ الْمُسْلِمَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ كَبِيرَةٌ، وَأَفْحَشُ أَنْوَاعِهِ قَتْلُ الْقَرِيبِ؛ لِأَنَّكَ ضَمَمْتَ إِلَى مَعْصِيَةِ الْقَتْلِ مَعْصِيَةَ قَطِيعَةِ الرَّحِمِ، وَأَفْحَشُ أَنْوَاعِهِ قَتْلُ الْقَرِيبِ؛ قَتْلُ الْوَالِدِ ثُمَّ قَتْلُ الْوَلَدِ، فَكَوْنُ قَتْلِ الْوَلَدِ أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ بَعْدَ الْكُفْرِ إِنَّمَا هُوَ بِضَمِّ الْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ، فَإِنَّهُ يَضُمُّ إِلَى تِلْكَ الْقَبَائِحِ عَدَمُ رُؤْيَةِ الرِّزْقِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَانْتِفَاءُ التَّوَكُّلِ، وَالِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ فِي أَمْرِهِ مَعَ دَلَالَتِهِ عَلَى كَمَالِ قَسَاوَتِهِ بِقَتْلِ نَفْسٍ زَكِيَّةٍ صَغِيرَةٍ بِأَقْبَحِ أَنْوَاعِ الْقَتْلِ، وَهُوَ دَفْنُهُ حَيًّا. (قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: " أَنْ تُزَانِيَ ") أَيْ تَزْنِيَ (حَلِيلَةَ جَارِكَ) أَيْ زَوْجَتَهُ، مِنْ حَلَّ يَحِلُّ بِالْكَسْرِ، إِذْ كُلٌّ مِنْهُمَا حَلَالٌ لِلْآخَرِ، أَوْ مِنْ حَلَّ يَحُلُّ بِالضَّمِّ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَالٌّ عِنْدَ الْآخَرِ، فَمُطْلَقُ الزِّنَا ذَنْبٌ كَبِيرٌ، وَخَاصَّةً مَعَ مَنْ سَكَنَ جَارَكَ، وَالْتَجَأَ لِأَمَانَتِكَ، فَهُوَ زِنًا وَإِبْطَالُ حَقِّ الْجُوَارِ، وَالْخِيَانَةُ مَعَهُ أَقْبَحُ، فَحَاصِلُ الْقُيُودِ مِنَ النِّدِّ وَالْوَلَدِ وَالْجَارِ كَمَالُ تَقْبِيحِ هَذِهِ الْأَصْنَافِ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ، لَا أَنَّهَا قُيُودٌ احْتِرَازِيَّةٌ، وَإِلَّا فَأَفْحَشُ الزِّنَا أَنْ يَكُونَ بِالْمَحَارِمِ. ثُمَّ الْإِتْيَانُ بِقَوْلِهِ: (أَنْ تُزَانِيَ) بِصِيغَةِ الْمُفَاعَلَةِ مُبَالَغَةٌ لَا تَخْفَى، فَالْحَدِيثُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] أَوْ رِعَايَةً لِحَالِ السَّائِلِ، وَلِذَا قَيَّدَ الْكَبَائِرَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ لِكَوْنِهَا سَبْعًا، وَاقْتَصَرَ فِي بَعْضِهَا عَلَى ثَلَاثٍ مِنْهَا كَمَا هُنَا، أَوْ أَرْبَعٍ كَمَا يَأْتِي بِنَاءً عَلَى بَيَانِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهِ مِنْهَا وَقْتَ ذِكْرِهِ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ إِلَى السَّبْعِينَ أَقْرَبُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إِلَى السَّبْعِمِائَةِ أُقْرَبُ، قِيلَ: يَأْتِ بِاعْتِبَارِ أَصْنَافِ أَنْوَاعِهَا، وَقِيلَ: بَلْ هُوَ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (فَأَنْزَلَ اللَّهُ) وَفِي نُسْخَةٍ: ﷿ (تَصْدِيقَهَا) أَيْ تَصْدِيقَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، أَوِ الْأَحْكَامِ، أَوِ الْوَاقِعَةِ، وَنَصَبَهُ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، أَيْ أَنْزَلَ هَذِهِ الْآيَةَ تَصْدِيقًا لَهَا، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَقْرِيرِ السُّنَّةِ وَتَصْدِيقِهَا بِالْكِتَابِ، كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَلَا أَعْرِفُ لَهُ مُخَالِفًا فِي هَذَا الْمَقَالِ لِيَحْتَاجَ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ، وَيُمْكِنَ أَنْ يُرَادَ بِالتَّصْدِيقِ الْمُطَابَقَةُ وَالتَّوْفِيقُ، وَتَكُونُ السُّنَّةُ مُقْتَبَسَةً مِنَ الْآيَةِ مَعَ زِيَادَةِ التَّنْبِيهِ عَلَى أَقْبَحِ الْأَفْرَادِ ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] هَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْإِخْبَارِ عَنِ الْمُبْتَدَأِ الْمُتَقَدِّمِ، وَهُوَ عِبَادُ الرَّحْمَنِ ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ﴾ [الفرقان: ٦٨] يَعْنِي نَفْسَ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ وَالْمَعَاهِدِ ﴿الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [الفرقان: ٦٨] أَيْ قَتْلَهَا، وَالْمَعْنَى لَا يَقْتُلُونَ نَفْسَ غَيْرِ الْحَرْبِيِّ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُودِ، فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُفَرَّغٌ ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨] أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِالْقَتْلِ الْمُقَدَّرِ، وَقِيلَ: بِلَا يَقْتُلُونَ أَيْ بِإِحْدَى الْخِصَالِ الثَّلَاثَةِ، وَهِيَ الرِّدَّةُ، وَزِنَا الْإِحْصَانِ، وَالْقَصَاصِ ﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨] الْآيَةَ: بِتَمَامِهَا فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ، وَفِي كَوْنِ هَذِهِ الْآيَةِ مُصَدِّقَةً لِلْحَدِيثِ دَلِيلٌ وَاضِحٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ ذِكْرَ الْوَلَدِ، وَالْخَشْيَةَ، وَحَلِيلَةَ الْجَارِ إِنَّمَا هُوَ لِبَيَانِ زِيَادَةِ الْفُحْشِ لَا لِلتَّقْيِيدِ، وَإِلَّا لَمْ تَكُنِ الْآيَةُ الدَّالَّةُ عَلَى أَكْبَرِيَّةِ الْقَتْلِ وَالزِّنَا لَا بِقَيْدِ مُطَابَقَةٍ لِلْحَدِيثِ حَتَّى تُصَدِّقَهُ، بَلْ كَانَ الْحَدِيثُ مُقَيِّدًا لَهَا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.
[ ١ / ١٢٢ ]
٥٠ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «الْكَبَائِرُ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) - ﵁ - (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (الْكَبَائِرُ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ) هُوَ جَعْلُ أَحَدٍ شَرِيكًا لِلْآخَرِ، وَالْمُرَادُ هَاهُنَا اتِّخَاذُ إِلَهٍ غَيْرِ اللَّهِ، وَأَرَادَ بِهِ الْكُفْرَ، وَاخْتَارَ لَفْظَ الْإِشْرَاكِ لِأَنَّهُ كَانَ غَالِبًا فِي الْعَرَبِ (وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ) أَيْ قَطْعُ صِلَتِهِمَا، مَأْخُوذٌ مِنَ الْعَقِّ، وَهُوَ الشَّقُّ وَالْقَطْعُ، وَالْمُرَادُ عُقُوقُ أَحَدِهِمَا،
[ ١ / ١٢٢ ]
قِيلَ: هُوَ إِيذَاءٌ لَا يُحْتَمَلُ مِثْلُهُ مِنَ الْوَلَدِ عَادَةً، وَقِيلَ: عُقُوقُهُمَا مُخَالَفَةُ أَمْرِهِمَا فِيمَا لَمْ يَكُنْ مَعْصِيَةً، وَفِي مَعْنَاهُمَا الْأَجْدَادُ وَالْجَدَّاتُ، ثُمَّ اقْتِرَانُهُ بِالْإِشْرَاكِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْمُنَاسَبَةِ، إِذْ فِي كُلٍّ قَطْعُ حُقُوقِ السَّبَبِ فِي الْإِيجَادِ وَالْإِمْدَادِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِلَّهِ حَقِيقَةً وَلِلْوَالِدَيْنِ صُورَةً، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦] وَقَوْلُهُ ﷿: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤] (وَقَتْلُ النَّفْسِ) أَيْ بِغَيْرِ حَقٍّ (وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ) الَّذِي يَغْمِسُ صَاحِبَهُ فِي الْإِثْمِ ثُمَّ فِي النَّارِ، وَقِيلَ: فِي الْكَفَّارَةِ بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَمَعْنَاهُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى الْمَاضِي عَالِمًا بِكَذِبِهِ، وَقِيلَ: أَنْ يَحْلِفَ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا لِيَذْهَبَ بِمَالِ أَحَدٍ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: الْكَبِيرَةُ لَا تَنْحَصِرُ فِي عَدَدٍ، وَمَا قَالَهُ - ﵊ - مِنْ عَدَدٍ فَذَلِكَ بِسَبَبِ الْوَحْيِ أَوِ اقْتِضَاءِ الْمَقَامِ، وَالْأَنْسَبُ أَنْ يُضْبَطَ ذَلِكَ وَيُقَاسَ الذَّنْبُ إِلَى مَفْسَدَةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا، فَإِنْ نَقَصَتْ عَنْ أَقَلِّ الْمَفَاسِدِ فَهِيَ مِنَ الصَّغَائِرِ، وَإِلَّا فَهِيَ مِنَ الْكَبَائِرِ. هَذَا حَاصِلُ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا.
[ ١ / ١٢٣ ]
٥١ - وَفِي رِوَايَةِ أَنَسٍ: " وَشَهَادَةُ الزُّورِ " بَدَلُ: الْيَمِينُ الْغَمُوسُ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَفِي رِوَايَةِ أَنَسٍ ﵁) الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وَالْمُبْتَدَأُ قَوْلُهُ: (وَشَهَادَةُ الزُّورِ) أَيِ الْكَذِبِ، وَسُمِّيَ زُورًا لِمَيَلَانِهِ عَنْ جِهَةِ الْحَقِّ، وَقَوْلُهُ: (بَدَلَ (الْيَمِينُ الْغَمُوسُ) مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِ، وَعَامِلُهُ مَعْنَى الْفِعْلِ الَّذِي فِي " وَفِي رِوَايَةِ أَنَسٍ " أَيْ مَكَانَ الْيَمِينِ عَلَى الرَّفْعِ حِكَايَةً، وَعَلَى الْجَرِّ عَمَلًا بِالْإِضَافَةِ، وَإِطْلَاقُ الْبَدَلِ عَلَى الْمَكَانِ عَلَى سَبِيلِ الْكِنَايَةِ؛ لِأَنَّ مَنْ أَبْدَلَ شَيْئًا بِشَيْءٍ فَقَدْ وَضَعَهُ مَكَانَهُ، قِيلَ: وَلَعَلَّ مُخَالَفَةَ أَنَسٍ لِابْنِ عَمْرٍو لِاخْتِلَافِ الْمَجْلِسِ، أَوْ تَعَدُّدِ الْحَدِيثِ، أَوْ نِسْيَانِ كُلٍّ مِنْهُمَا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ مِيرَكُ: يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ الْجَزْرِيِّ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ.
[ ١ / ١٢٣ ]
٥٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: " الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ) أَيِ احْذَرُوا فِعْلَهَا (الْمُوبِقَاتِ) أَيِ الْمُهْلِكَاتِ، أَجْمَلَ بِهَا ثُمَّ فَصَّلَهَا لِيَكُونَ أَوْقَعَ فِي النَّفْسِ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: الْكَبَائِرُ سَبْعٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ أَقْرَبُ إِلَى السَّبْعِينَ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ صَاحِبُ قُوتِ الْقُلُوبِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ إِحْيَاءِ الْعُلُومِ لِلْغَزَالِيِّ: قَدْ جَمَعْتُ جَمِيعَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي هَذَا الْبَابِ فَوَجَدْتُ سَبْعَةَ عَشَرَ؛ أَرْبَعَةٌ فِي الْقَلْبِ: الشِّرْكُ، وَنِيَّةُ الْإِصْرَارِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَالْيَأْسُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ، وَأَرْبَعَةٌ فِي اللِّسَانِ: شَهَادَةُ الزُّورِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنِ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ، وَالسِّحْرُ، وَثَلَاثَةٌ فِي الْبَطْنِ: شُرْبُ الْخَمْرِ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَأَكْلُ مَالِ الرِّبَا، وَاثْنَانِ فِي الْفَرْجِ: الزِّنَا، وَاللُّوَاطُ، وَاثْنَانِ فِي الْيَدِ: الْقَتْلُ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَالسَّرِقَةُ، وَوَاحِدٌ فِي الرِّجْلِ: وَهُوَ الْفِرَارُ مِنَ الْكُفَّارِ يَوْمَ الزَّحْفِ، وَوَاحِدٌ يَشْمَلُ الْبَدَنَ وَهُوَ عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ. (قَالُوا) يَعْنِي بَعْضَ الصَّحَابَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ: قَالَ، أَيْ رَجُلٌ أَوْ أَبُو هُرَيْرَةَ («يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟) أَيْ تِلْكَ السَّبْعُ (قَالَ: (الشِّرْكُ بِاللَّهِ) أَيِ الْكُفْرُ بِهِ (وَالسِّحْرُ») قَالَ فِي الْمَدَارِكِ: إِنْ كَانَ فِي قَوْلِ السَّاحِرِ أَوْ فِعْلِهِ رَدُّ مَا لَزِمَ فِي شَرْطِ الْإِيمَانِ فَهُوَ كُفْرٌ، وَإِلَّا فَلَا. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهُوَ يَقَعُ كَمَا قَالَهُ الْقَرَافِيُّ عَلَى حَقَائِقَ مُخْتَلِفَةٍ: السِّيمِيَاءُ، وَالْهِيمْيَاءُ، وَخَوَاصُّ الْحَقَائِقِ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ وَغَيْرِهَا، وَالطَّلْسَمَاتُ، وَالْأَوْفَاقُ الرُّقَى الَّتِي تُحْدِثُ ضَرَرًا، وَالْعَزَائِمُ، وَالِاسْتِخْدَامَاتُ، ثُمَّ بَيَّنَ هَذِهِ الْأَنْوَاعَ بِمَا ذَكَرْتُهُ عَنْهُ فِي كِتَابِهِ الْآتِي ذِكْرُهُ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ يَقَعُ لِلسَّحَرَةِ أَنَّهُمْ يَجْمَعُونَ عَقَاقِيرَ، وَيَجْعَلُونَهَا فِي نَهْرٍ، أَوْ بِئْرٍ، أَوْ قَبْرٍ، أَوْ بَابِ يُفْتَحُ لِلشَّرْقِ فَيَحْدُثُ عَنْهَا آثَارٌ بِخَوَاصِّ نُفُوسِهِمُ الَّتِي طَبَعَهَا اللَّهُ عَلَى الرَّبْطِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ تِلْكَ الْآثَارِ عِنْدَ صِدْقِ الْعَزْمِ، وَقَدْ يَأْتِي السَّاحِرُ بِفِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ يَضُرُّ بِحَالِ الْمَسْحُورِ،
[ ١ / ١٢٣ ]
فَيَمْرَضُ وَيَمُوتُ مِنْهُ إِمَّا بِوَاصِلٍ إِلَى بَدَنِهِ مِنْ دُخَانٍ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ بِدُونِهِ. وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: السَّاحِرُ بِفِعْلِ مَنْ يَرْكَبُ مِكْنَسَةً فَتَسِيرُ بِهِ فِي الْهَوَاءِ أَوْ نَحْوَهُ، وَكَذَا مُعَزِّمٌ عَلَى الْجِنِّ، وَمَنْ يَجْمَعُهَا بِزَعْمِهِ، وَأَنَّهُ يَأْمُرُهَا فَتُطِيعُهُ، وَكَاهِنٌ، وَعَرَّافٌ، وَمُنَجِّمٌ، وَمُشَعْبِذٌ، وَقَائِلٌ يَزْجُرُ الطَّيْرَ، وَضَارِبُ عَصًا وَشَعِيرٍ وَقِدَاحٍ، وَمَنْ يَسْحَرُ بِدَوَاءٍ، أَوْ تَدْخِينٍ، أَوْ سَقْيٍ مُضِرٍّ. قَالَ بَعْضُ أَئِمَّتِهِمْ: وَمِنَ السِّحْرِ السَّعْيُ بِالنَّمِيمَةِ وَالْإِفْسَادِ بَيْنَ النَّاسِ؛ لِقَوْلِ جَمْعٍ مِنَ السَّلَفِ: يُفْسِدُ النَّمَّامُ وَالْكَذَّابُ فِي سَاعَةٍ مَا لَا يُفْسِدُهُ السَّاحِرُ فِي سَنَةٍ. وَاعْلَمْ أَنَّ لِلسِّحْرِ حَقِيقَةً عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وَأَبِي جَعْفَرٍ الِاسْتِرَابَاذِيِّ، ثُمَّ ظَاهِرُ عَطْفِ السِّحْرِ عَلَى الشِّرْكِ أَنَّهُ لَيْسَ بِكُفْرٍ، وَقَدْ كَثُرَ اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ، وَحَاصِلُ مَذْهَبِنَا أَنَّ فِعْلَهُ فِسْقٌ، وَفِي الْحَدِيثِ: («لَيْسَ مِنَّا مِنْ سَحَرَ أَوْ سُحِرَ لَهُ») . وَيَحْرُمُ تَعَلُّمُهُ خِلَافًا لِلْغَزَالِيِّ؛ لِخَوْفِ الِافْتِتَانِ وَالْإِضْرَارِ، وَلَا كُفْرَ فِي فِعْلِهِ وَتَعَلُّمِهِ وَتَعْلِيمِهِ إِلَّا إِنِ اشْتَمَلَ عَلَى عِبَادَةِ مَخْلُوقٍ، أَوْ تَعْظِيمِهِ كَمَا يُعَظَّمُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ، أَوِ اعْتِقَادَ أَنَّ لَهُ تَأْثِيرًا بِذَاتِهِ، أَوْ أَنَّهُ مُبَاحٌ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهِ، وَأَطْلَقَ مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ أَنَّ السَّاحِرَ كَافِرٌ، وَأَنَّ السِّحْرَ كُفْرٌ، وَأَنَّ تَعَلُّمَهُ وَتَعْلِيمَهُ كَفْرٌ، وَأَنَّ السَّاحِرَ يُقْتَلُ وَلَا يُسْتَتَابُ، سَوَاءً سَحَرَ مُسْلِمًا أَمْ ذِمِّيًّا. وَقَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ: إِنِ اعْتَقَدَ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَفْعَلُ لَهُ مَا يَشَاءُ فَهُوَ كَافِرٌ، وَإِنِ اعْتَقَدَ أَنَّ السِّحْرَ مُجَرَّدُ تَخْيِيلٍ وَتَمْوِيهٍ لَمْ يَكْفُرْ، وَاخْتَلَفَ الْحَنَابِلَةُ فِي كُفْرِهِ، وَفِي " التَّنْقِيحِ " مِنْ كُتُبِهِمْ: وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَةُ سَاحِرٍ يَكْفُرُ بِسِحْرِهِ، وَيُقْتَلُ سَاحِرٌ مُسْلِمٌ يَرْكَبُ الْمِكْنَسَةَ فَتَسِيرُ بِهِ فِي الْهَوَاءِ وَنَحْوَهُ، وَيَكْفُرُ هُوَ وَمَنْ يَعْتَقِدُ حِلَّهُ. وَفِي الْفُرُوعِ لَهُمْ أَيْضًا: أَنَّ مَنْ أَوْهَمَ قَوْمًا بِطَرِيقَتِهِ أَنَّهُ يَعْلَمُ الْغَيْبَ فَلِلْإِمَامِ قَتْلُهُ؛ لِسَعْيِهِ بِالْفَسَادِ، وَبَقِيَ لِهَذَا الْمَبْحَثِ مُتَمِّمَاتٌ بَسَطْتُهَا مَعَ ذِكْرِ فُرُوقٍ بَيْنَ الْمُعْجِزَةِ وَالسِّحْرِ فِي كِتَابِي: الْإِعْلَامُ بِقَوَاطِعِ الْإِسْلَامِ. («وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهَ) بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ (إِلَّا بِالْحَقِّ») وَهُوَ أَنْ يَجُوزَ قَتْلُهَا شَرْعًا بِالْقِصَاصِ وَغَيْرِهِ (وَأَكْلُ الرِّبَا) وَتَفْصِيلُهُ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ (وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ) إِلَّا بِالْمَعْرُوفِ، وَهُوَ صَغِيرٌ لَا أَبَّ لَهُ، وَالتَّعْبِيرُ فِيهِمَا بِالْأَكْلِ، وَالْمُرَادُ بِهِ سَائِرُ وُجُوهِ الِاسْتِعْمَالِ؛ لِأَنَّهُ أَغْلَبُهَا الْمَقْصُودُ مِنْهَا (وَالتَّوَلِّي) بِكَسْرِ اللَّامِ أَيِ الْإِدْبَارُ لِلْفِرَارِ (يَوْمَ الزَّحْفِ) وَهُوَ الْجَمَاعَةُ الَّتِي يَزْحَفُونَ إِلَى الْعَدُوِّ، أَيْ يَمْشُونَ إِلَيْهِمْ بِمَشَقَّةٍ، مِنْ زَحَفِ الصَّبِيِّ إِذَا دَبَّ عَلَى اسْتِهِ، وَقِيلَ: سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ لِكَثْرَتِهِ وَثِقَلِ حَرَكَتِهِ كَأَنَّهُ يَزْحَفُ، وَسُمُّوا بِالْمَصْدَرِ مُبَالَغَةً، وَإِذَا كَانَ بِإِزَاءِ كُلِّ مُسْلِمٍ أَكْثَرُ مِنْ كَافِرَيْنِ جَازَ التَّوَلِّي. (وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ) أَيِ الْعَفَائِفِ يَعْنِي رَمْيَهُنَّ بِالزِّنَا، وَهِيَ بِفَتْحِ الصَّادِ وَتُكْسَرُ أَيْ أَحْصَنَهَا اللَّهُ وَحِفْظَهَا، أَوِ الَّتِي حَفِظَتْ فَرْجَهَا مِنَ الزِّنَا (الْمُؤْمِنَاتُ) احْتِرَازٌ عَنْ قَذْفِ الْكَافِرَاتِ، فَإِنَّ قَذْفَهُ لَيْسَ مِنَ الْكَبَائِرِ، فَإِنْ كَانَتْ ذِمِّيَّةً فَقَذْفُهَا مِنَ الصَّغَائِرِ، وَلَا يُوجِبُ الْحَدَّ، وَفِي قَذْفِ الْأَمَةِ الْمُسْلِمَةِ التَّعْزِيرُ دُونَ الْحَدِّ، وَيَتَعَلَّقُ بِاجْتِهَادِ الْإِمَامِ، وَإِذَا كَانَ الْمَقْذُوفُ رَجُلًا يَكُونُ الْقَذْفُ أَيْضًا مِنَ الْكَبَائِرِ، وَيَجِبُ الْحَدُّ أَيْضًا، فَتَخْصِيصُهُنَّ لِمُرَاعَاةِ الْآيَةِ وَالْعَادَةِ. (الْغَافِلَاتُ) عَنِ الِاهْتِمَامِ بِالْفَاحِشَةِ كِنَايَةً عَنِ الْبَرِيئَاتِ، فَإِنَّ الْبَرِيءَ غَافِلٌ عَمَّا بُهِتَ بِهِ، وَالْغَافِلَاتُ مُؤَخَّرٌ عَنِ الْمُؤْمِنَاتِ فِي الْحَدِيثِ عَكْسَ الْآيَةِ عَلَى مَا فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، وَوَقَعَ فِي شَرْحِ ابْنِ حَجَرٍ بِالْعَكْسِ وَفْقَ الْآيَةِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ١ / ١٢٤ ]
٥٣ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَغُلُّ أَحَدُكُمْ حِينَ يَغُلُّ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ; فَإِيَّاكُمْ إِيَّاكُمْ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (لَا يَزْنِي) بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ خَطًّا (الزَّانِي حِينَ يَزْنِي، وَهُوَ مُؤْمِنٌ) الْوَاوُ لِلْحَالِ، وَظَاهِرُهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ، وَأَصْحَابُنَا أَوَّلُوهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ الْمُؤْمِنُ الْكَامِلُ فِي إِيمَانِهِ، أَوْ ذُو أَمْنٍ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوِ الْمُرَادُ الْمُؤْمِنُ الْمُطِيعُ لِلَّهِ، يُقَالُ: أَمِنَ لَهُ، إِذَا انْقَادَ وَأَطَاعَ، أَوْ مَعْنَاهُ الزَّجْرُ وَالْوَعِيدُ، أَوِ الْإِنْذَارُ لِمُرْتَكِبِ هَذِهِ الْكَبَائِرِ بِسُوءِ الْعَاقِبَةِ، إِذْ مُرْتَكِبُهَا لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ أَنْ يَقَعَ فِي الْكُفْرِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْإِيمَانِ، أَوْ أَنَّ الْإِيمَانَ إِذَا زَنَى الرَّجُلُ خَرَجَ مِنْهُ، وَكَانَ فَوْقَ رَأْسِهِ مِثْلَ الظُّلَّةِ، فَإِذَا انْقَلَعَ رَجَعَ إِلَيْهِ، وَسَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ. وَقِيلَ: مَعْنَى مُؤْمِنٍ مُسْتَحٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْحَيَاءَ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ، فَلَوِ اسْتَحَى مِنْهُ وَاعْتَقَدَ أَنَّهُ نَاظِرٌ لَمْ يَرْتَكِبْ هَذَا الْفِعْلَ الشَّنِيعَ، وَفِيهِ بَحْثٌ، إِذْ سُئِلَ الْجُنَيْدُ: أَيَزْنِي الْعَارِفُ؟ فَقَالَ: وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا. مَعَ أَنَّ هَذَا يَرْجِعُ إِلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ إِذَا انْتَفَى تِلْكَ الشُّعْبَةُ انْتَفَى كَمَالُ الْإِيمَانِ، لِأَنَّ الْكُلَّ يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ جُزْئِهِ،
[ ١ / ١٢٤ ]
وَنَظِيرُهُ: لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ، وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ. وَقِيلَ: إِنَّ صِيَغَ الْأَفْعَالِ وَإِنْ كَانَتْ وَارِدَةً عَلَى طَرِيقِ الْإِخْبَارِ فَالْمُرَادُ مِنْهَا النَّهْيُ، وَيَشْهَدُ لَهُ أَنَّهُ رُوِيَ: " لَا يَزْنِ " بِحَذْفِ الْيَاءِ، وَ" لَا يَشْرَبِ " بِكَسْرِ الْبَاءِ تَوْفِيقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا سَبَقَ مِنَ الدَّلَائِلِ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ التَّصْدِيقُ، وَالْأَعْمَالُ خَارِجَةٌ عَنْهُ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] وَنَظَائِرُهُ. وَفِي حَمْلِهِ عَلَى النَّهْيِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ جَوَازُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَهُوَ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ كَقَوْلِ الطَّبِيبِ: لَا تَشْرَبِ اللَّبَنَ وَأَنْتَ مَحْمُومٌ، وَأَمَّا حَذْفُ الْيَاءِ فَإِنْ صَحَّ، فَهُوَ عَلَى أُسْلُوبِ لَا تَكْذِبْ وَأَنْتَ عَالِمٌ أَيْ أَنَّ كَذِبَكَ عَالِمًا أَفْحَشُ مِنْهُ غَيْرَ عَالِمٍ («وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ)» أَيْ وَلَا يَشْرَبُ الشَّارِبُ الْخَمْرَ، وَكَذَا فِي غَيْرِهِ وَحُذِفَ، وَإِنْ كَانَ فَاعِلًا لِدَلَالَةِ الْمَقَامِ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ يَعُودُ إِلَى مُؤْمِنٍ. قَالَ الْمَالِكِيُّ: وَمِنْ حَذْفِ الْفَاعِلِ قَوْلُهُ ﵇: («وَلَا يَشْرَبُ، وَلَا يَنْتَهِبُ، وَلَا يَغُلُّ، وَلَا يَقْتُلُ») . أَيْ شَارِبٌ، وَنَاهِبٌ، وَغَالٌّ، وَقَاتِلٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٦٩] فِي قِرَاءَةِ هِشَامٍ أَيْ حَاسِبٌ، كَذَا نَقْلَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَوْلُهُ: غَالٌّ سَهْوٌ؛ إِذْ فَاعِلُهُ مَوْجُودٌ فِي الْحَدِيثِ، وَهُوَ أَحَدُكُمْ، وَقَوْلُهُ: قِرَاءَةُ هِشَامٍ يَعْنِي بِالْغَيْبَةِ فِي أَحَدِ وَجْهَيْهِ (وَلَا يَنْتَهِبُ) انْتَهَبَ وَنَهَبَ، إِذَا أَغَارَ عَلَى أَحَدٍ وَأَخَذَ مَالَهُ قَهْرًا (نُهْبَةً) بِالضَّمِّ: الْمَالُ الَّذِي يُنْتَهَبُ، فَهُوَ مَفْعُولٌ بِهِ، وَبِالْفَتْحِ الْمَصْدَرُ (يَرْفَعُ النَّاسُ) صِفَةُ نُهْبَةٍ (إِلَيْهِ) أَيْ إِلَى الْمُنْتَهِبِ (فِيهَا) أَيْ بِسَبَبِهَا وَلِأَجْلِهَا، أَوْ فِي حَالِ فِعْلِهَا أَوْ أَخْذِهَا (أَبْصَارَهُمْ) أَيْ تَعَجُّبًا مِنْ جَرَاءَتِهِ، أَوْ خَوْفًا مِنْ سَطْوَتِهِ، وَهُوَ مَفْعُولُ يَرْفَعُ (حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ) وَالْمَعْنَى لَا يَأْخُذُ رَجُلٌ مَالَ قَوْمٍ قَهْرًا وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَيَتَضَرَّعُونَ لَدَيْهِ، وَيَبْكُونَ، وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى دَفْعِهِ - وَهُوَ مُؤْمِنٌ، فَإِنَّ هَذَا ظُلْمٌ عَظِيمٌ لَا يَلِيقُ بِحَالِ الْمُؤْمِنِ (وَلَا يَغُلُّ أَحَدُكُمْ) الْغُلُولُ: الْجِنَايَةُ أَوِ الْخِيَانَةُ فِي الْغَنِيمَةِ، وَالْغِلُّ الْحِقْدُ، وَمُضَارِعُ الْأَوَّلِ بِالضَّمِّ وَهُوَ الْمُرَادُ، وَالثَّانِي بِالْكَسْرِ (حِينَ يَغِلُّ) أَيْ يَسْرِقُ شَيْئًا مِنْ غَنِيمَةٍ، أَوْ يَخُونُ فِي أَمَانَةٍ (وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَإِيَّاكُمْ إِيَّاكُمْ) نَصْبُهُ عَلَى التَّحْذِيرِ، وَالتَّكْرِيرُ تَوْكِيدٌ وَمُبَالَغَةٌ أَيْ أُحَذِّرُكُمْ مِنْ فِعْلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) إِلَّا قَوْلَهُ: " وَلَا يَغُلُّ " فَإِنَّهُ مِنْ أَفْرَادِ مُسْلِمٍ، كَذَا قَالَهُ مِيرَكُ.
[ ١ / ١٢٥ ]
٥٤ - وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -: «وَلَا يَقْتُلُ حِينَ يَقْتُلُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ» . قَالَ عِكْرِمَةُ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: كَيْفَ يُنْزَعُ الْإِيمَانُ؟ قَالَ: هَكَذَا، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ ثُمَّ أَخْرَجَهَا، فَإِنْ تَابَ عَادَ إِلَيْهِ هَكَذَا، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: لَا يَكُونُ هَذَا مُؤْمِنًا تَامًّا، وَلَا يَكُونُ لَهُ نُورُ الْإِيمَانِ. هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ.
_________________
(١) (وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄) زِيَادَةٌ («وَلَا يَقْتُلُ حِينَ يَقْتُلُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ») قَالَ عِكْرِمَةُ) مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ (قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: كَيْفَ يُنْزَعُ الْإِيمَانُ مِنْهُ؟ قَالَ: هَكَذَا) أَيْ تَفْسِيرُهُ (وَشَبَّكَ) أَوْ قَالَ: هَكَذَا وَفَعَلَ التَّشْبِيكَ، يَعْنِي جَمَعَ بَيْنَ قَوْلِهِ هَكَذَا وَفِعْلِ التَّشْبِيكِ (بَيْنَ أَصَابِعِهِ، ثُمَّ أَخْرَجَهَا) تَعْبِيرٌ لِلْأَمْرِ الْمَعْنَوِيِّ بِالْمُدْرَكِ الْحِسِّيِّ؛ تَقْرِيبًا لِلْفَهْمِ (قَالَ) كَذَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ أَيِ ابْنُ عَبَّاسٍ (فَإِنْ تَابَ عَادَ إِلَيْهِ هَكَذَا، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ) ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْإِيمَانَ يَخْرَجُ عَنْ مُرْتَكِبِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ حِينَ الِارْتِكَابِ، وَلَا يَعُودُ إِلَيْهِ إِلَّا بِالتَّوْبَةِ، وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ عَلَى قَوَاعِدِ أَهْلِ السُّنَّةِ؛ فَالتَّأْوِيلُ أَنَّ كَمَالَ الْإِيمَانِ وَنُورَهُ، وَثَمَرَتَهُ، وَنَتِيجَتَهُ مِنَ الْحَيَاءِ وَالْخَوْفِ، وَالرَّحْمَةِ، وَالشَّفَقَةِ، وَالدِّيَانَةِ - تُفَارِقُهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، وَالتَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ، وَيَنْصُرُهُ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، أَنَّ الْمَعْنَى يُنْزَعُ عَنْهُ اسْمُ الْمَدْحِ الَّذِي يُسَمَّى بِهِ أَوْلِيَاؤُهُ الْمُؤْمِنُونَ، وَيَسْتَحِقُّ اسْمَ الذَّمِّ فَيُقَالُ: سَارِقٌ، وَزَانٍ، وَفَاسِقٌ. (وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) أَيِ الْبُخَارِيُّ (لَا يَكُونُ هَذَا مُؤْمِنًا تَامًّا) أَيْ كَامِلًا (وَلَا يَكُونُ لَهُ نُورُ الْإِيمَانِ) أَيْ بَهَاؤُهُ، وَبَهْجَتُهُ، وَضِيَاؤُهُ، وَثَمَرَتُهُ، وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ) فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَفِي رِوَايَةٍ وَقَوْلُهُ، وَقَالَ، وَكَذَا فِي قَوْلِهِ، وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ سَمَاجَةٌ لَا تَخْفَى، قَالَهُ مِيرَكُ.
[ ١ / ١٢٥ ]
٥٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ» ". زَادَ مُسْلِمٌ: " «وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ» "، ثُمَّ اتَّفَقَا: («إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» ".
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -) وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ: وَعَنْهُ؛ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ رُجُوعُ الضَّمِيرِ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، أَوِ الْبُخَارِيِّ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (آيَةُ الْمُنَافِقِ) أَيْ عَلَامَةُ نِفَاقِهِ الدَّالِّ عَلَى قُبْحِ نِيَّتِهِ وَفَسَادِ طَوِيَّتِهِ، وَأَصْلِهِ مَنْ يُظْهِرُ خِلَافَ مَا يُضْمِرُ، ثُمَّ غَلَبَ عَلَى مَنْ يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ وَيُبْطِنُ الْكُفْرَ (ثَلَاثٌ) أَيْ خِصَالٌ، وَالْآيَةُ: الْعَلَامَةُ، وَإِفْرَادُهَا إِمَّا عَلَى إِرَادَةِ الْجِنْسِ أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا آيَةٌ أَنَّ الْعَلَّامَةَ إِنَّمَا تَحْصُلُ بِاجْتِمَاعِ الثَّلَاثِ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا وَرَدَ فِي صَحِيحِ أَبِي عَوَانَةَ بِلَفْظِ: عَلَامَاتُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ. فَإِنْ قِيلَ: ظَاهِرُ الْحَصْرِ فِي الثَّلَاثِ فَكَيْفَ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ بِلَفْظِ: أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ. . . الْحَدِيثَ؟ أَجَابَ الْقُرْطُبِيُّ بِاحْتِمَالِ أَنَّهُ - ﵊ - اسْتَجَدَّ لَهُ الْعِلْمُ بِخِصَالِهِمْ مَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ، وَقَالَ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ: لَيْسَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ تَعَارُضٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدِّ الْخَصْلَةِ كَوْنُهَا عَلَامَةً عَلَى أَنَّ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَا يَدُلُّ عَلَى إِرَادَةِ عَدَمِ الْحَصْرِ، فَإِنَّ لَفْظَهُ مِنْ عَلَامَةِ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ، فَيَكُونُ قَدْ أَخْبَرَ بِبَعْضِ الْعَلَامَاتِ فِي وَقْتٍ وَبَعْضَهَا فِي وَقْتٍ آخَرَ. (زَادَ مُسْلِمٌ: (وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى) التَّثْنِيَةُ لِلتَّكْرِيرِ وَالِاسْتِيعَابُ. أَيْ وَإِنْ عَمِلَ عَمَلَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْعِبَادَاتِ، وَفِي رِوَايَةٍ: وَإِنْ صَلَّى، وَصَامَ، وَحَجَّ، وَاعْتَمَرَ، وَقَالَ إِنِّي مُسْلِمٌ. وَهَذَا الشَّرْطُ اعْتِرَاضٌ وَارِدٌ لِلْمُبَالَغَةِ لَا يَسْتَدْعِي الْجَوَابَ. (وَزَعَمَ) أَيِ ادَّعَى (أَنَّهُ مُسْلِمٌ) أَيْ كَامِلٌ (ثُمَّ اتَّفَقَا) أَيِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، فَقَالَا: (إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ) وَهُوَ أَقْبَحُ الثَّلَاثَةِ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ (وَإِذَا وَعَدَ) أَيْ أَخْبَرَ بِخَيْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ إِذْ " وَعَدَ " يَغْلِبُ فِي الْخَيْرِ، وَ" أَوْعَدَ " فِي الشَّرِّ، وَأَيْضًا الْخُلْفُ فِي الْوَعِيدِ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، قَالَ الشَّاعِرُ: وَإِنِّي إِذَا أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ لِمُخْلِفُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي (أَخْلَفَ) أَيْ جَعَلَ الْوَعْدَ خِلَافًا بِأَنْ لَمْ يَفِ بِوَعْدِهِ، وَوَجْهُ الْمُغَايِرَةِ بَيْنَ هَذِهِ وَمَا قَبْلَهَا أَنَّ الْإِخْلَافَ قَدْ يَكُونُ بِالْفِعْلِ، وَهُوَ غَيْرُ الْكَذِبِ الَّذِي هُوَ لَازِمُ التَّحْدِيثِ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْوَفَاءِ بِالْوَعْدِ؛ لِأَنَّ ذَمَّ الْإِخْلَافِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ حَيْثُ تَضْمِينِهِ الْكَذِبَ الْمَذْمُومَ إِنْ عَزَمَ عَلَى الْإِخْلَافِ حَالَ الْوَعْدِ لَا إِنْ طَرَأَ لَهُ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ عَلَامَةَ النِّفَاقِ لَا يَلْزَمُ تَحْرِيمُهَا، إِذًا الْمَكْرُوهُ لِكَوْنِهِ يَجُرُّ إِلَى الْحَرَامِ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ عَلَامَةً عَلَى الْمُحَرَّمِ، وَنَظِيرُهُ عَلَامَاتُ السَّاعَةِ، فَإِنَّ مِنْهَا مَا لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ (وَإِذَا اؤْتُمِنَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ أَيْ جُعِلَ أَمِينًا. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي رِوَايَةٍ: اتُّمِنَ، بِتَشْدِيدِ التَّاءِ لِقَلْبِ هَمْزَتِهِ الثَّانِيَةِ وَاوًا وَإِبْدَالِهَا وَإِدْغَامِ التَّاءِ فِي التَّاءِ اهـ. وَلَعَلَّ هَذَا الْإِعْلَالَ قَبْلَ دُخُولِ إِذَا عَلَيْهِ، وَمَعَ هَذَا قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ﴾ [البقرة: ٢٨٣] قَرَأَ وَرْشٌ وَالسُّوسِيُّ " الَّذِي يَتَّمِنُ " بِقَلْبِ الْهَمْزَةِ يَاءً، وَقُرِئَ " وَالَّذِتُّمِنَ " بِإِدْغَامٍ، وَهُوَ خَطَأٌ لِأَنَّ الْمُنْقَلِبَةَ عَنِ الْهَمْزَةِ فِي حُكْمِهَا، فَلَا تُدْغَمُ اهـ. وَلِذَا قَالَ الْمُحَقِّقُونَ مِنَ الْقُرَّاءِ: قِرَاءَةُ هَذَا بِالتَّشْدِيدِ مُخَالِفٌ لِلرِّوَايَةِ وَالدِّرَايَةِ، فَالصَّحِيحُ فِي الرِّوَايَةِ هُنَا إِمَّا بِالْهَمْزَةِ السَّاكِنَةِ أَوْ إِبْدَالِهَا أَلِفًا (خَانَ) وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَإِنَّمَا خَصَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ بِالذِّكْرِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْمُخَالَفَةِ الَّتِي هِيَ عَلَيْهَا مَبْنَى النِّفَاقِ مِنْ مُخَالَفَةِ السِّرِّ الْعَلَنَ، فَالْكَذِبُ الْإِخْبَارُ عَلَى خِلَافِ الْوَاقِعِ، وَحَقُّ الْأَمَانَةِ أَنْ تُؤَدَّى إِلَى أَهْلِهَا، فَالْخِيَانَةُ مُخَالَفَةٌ لَهَا، وَإِخْلَافُ الْوَعْدِ ظَاهِرٌ؛ وَلِهَذَا صَرَّحَ بِـ " أَخْلَفَ ". فَإِنْ قِيلَ: هَذَا الْحَدِيثُ مُشْكِلٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّ هَذِهِ الْخِصَالَ قَدْ تُوجَدُ فِي الْمُسْلِمِ الْمُجْمَعِ عَلَى عَدَمِ الْحُكْمِ بِكُفْرِهِ، قُلْنَا: اللَّامُ فِي الْمُنَافِقِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ، فَهُوَ إِمَّا
[ ١ / ١٢٦ ]
عَلَى التَّشْبِيهِ لِنِفَاقِ الْعَمَلِ الَّذِي لَا يُنَافِي الْإِسْلَامَ بِنِفَاقِ الِاعْتِقَادِ الَّذِي يُنَافِيهِ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا فِيهِ إِظْهَارٌ بِخِلَافِ مَا أَبْطَنَ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ الِاعْتِيَادُ؛ وَلِذَا قَيَّدَ هَذَا بِإِذَا الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّكْرَارِ يَعْنِي أَنَّ النِّفَاقَ الْعَمَلِيَّ إِذَا وَقَعَ كَثِيرًا بِحَيْثُ إِنَّهُ يَصِيرُ عَادَةً قَدْ يَجُرُّ إِلَى النِّفَاقِ الْحَقِيقِيِّ بِخِلَافِ مَنْ وَقَعَتْ لَهُ هَذِهِ الْخِصَالُ، أَوْ بَعْضُهَا نَادِرًا، فَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْخِصَالُ، وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَامًّا لِيَنْزَجِرَ الْكُلُّ عَنْ هَذِهِ الْخِصَالِ عَلَى آكَدِ وَجْهٍ إِيذَانًا بِأَنَّهَا طَلَائِعُ النِّفَاقِ الَّذِي هُوَ أَسْمَجُ الْقَبَائِحِ؛ لِأَنَّهُ كُفْرٌ ضَمُّوا إِلَيْهِ الِاسْتِهْزَاءَ وَالْخِدَاعَ بِرَبِّ الْأَرْبَابِ، وَمُسَبِّبِ الْأَسْبَابِ، فَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهَا مُنَافِيَةٌ لِحَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَلَّا يَرْتَعَ حَوْلَهَا، فَإِنَّ مَنْ رَتَعَ حَوْلَ الْحَمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُنَافِقِ الْمُنَافِقُ الْعُرْفِيُّ، وَهُوَ مَنْ يُخَالِفُ سِرُّهُ عَلَنَهُ مُطْلَقًا، وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ: وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ، وَكَذَا قَوْلُهُ: خَالِصًا ; لِأَنَّ الْخِصَالَ الَّتِي يَتِمُّ بِهَا الْمُخَالَفَةُ بَيْنَ السِّرِّ وَالْعَلَنِ لَا تَزِيدُ عَلَى هَذَا. قَالَ النَّوَوِيُّ: حَصَلَ مِنَ الْحَدِيثَيْنِ خَمْسُ خِصَالٍ، وَقَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: إِذَا عَاهَدَ غَدَرَ دَاخِلٌ فِي إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ. وَبِاعْتِبَارِ ذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَى ثَلَاثٍ بَلْ إِلَى وَاحِدَةٍ هِيَ أَقْبَحُهَا، وَهِيَ الْكَذِبُ، قِيلَ: لَكِنَّ الْحَقَّ أَنَّهَا خَمْسَةٌ بِاعْتِبَارِ تَغَايُرِهَا عُرْفًا أَوْ تَغَايُرِ أَوْصَافِهَا وَلَوَازِمِهَا، وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ثَمَّةَ ثَلَاثٌ، وَهُنَا أَرْبَعٌ؛ لِأَنَّ مَفْهُومَ الْعَدَدِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، وَعَلَى مُقَابِلِهِ الَّذِي صَحَّحَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ - ﷺ - أَعْلَمَ بِالْوَحْيِ بِثَلَاثٍ، ثُمَّ بِأَرْبَعٍ، أَوْ مَعْنَاهُ الْإِنْذَارُ وَالتَّحْذِيرُ مِنْ أَنْ يَعْتَادَ هَذِهِ الْخِصَالَ فَتُفْضِي بِهِ إِلَى النِّفَاقِ الْخَالِصِ، وَإِمَّا لِلْعَهْدِ إِمَّا مِنْ مُنَافِقِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَإِمَّا مِنْ مُنَافِقٍ خَاصٍّ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ، أَوِ الْمُرَادُ بِالنِّفَاقِ هُوَ النِّفَاقُ الْعَمَلِيُّ لَا الْإِيمَانِيُّ، أَوِ الْمُرَادُ النِّفَاقُ الْعُرْفِيُّ، وَهُوَ مَا يَكُونُ سِرُّهُ خِلَافَ عَلَنِهِ، وَاسْتُحْسِنَ هَذَا؛ لِأَنَّ النِّفَاقَ الشَّرْعِيَّ وَهُوَ الِاعْتِقَادِيُّ الَّذِي هُوَ إِبِطَانُ الْكُفْرِ وَإِظْهَارُ الْإِسْلَامِ، وَعُرْفِيٌّ وَهُوَ الْعَمَلِيُّ الَّذِي هُوَ إِبِطَانُ الْمَعْصِيَةِ وَإِظْهَارُ الطَّاعَةِ، فَإِرَادَتُهُ هُنَا أَوْلَى. وَإِطْلَاقُ النِّفَاقِ عَلَى الْعَمَلِيِّ كَإِطْلَاقِ الْكُفْرِ عَلَى بَعْضِ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ فِي نَحْوِ قَوْلِهِ - ﵊ -: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ») . وَأَبَى الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ مَرَّةً هَذَا الْإِطْلَاقَ، وَمَرَّةً قَالَ بِهِ، فَسَمَّى صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ مُنَافِقًا، وَيُحْكَى أَنَّهُ رَجَعَ عَنِ الْأَوَّلِ لَمَّا أَرْسَلَ لَهُ عَطَاءٌ إِذْ بَلَغَهُ عَنْهُ ذَلِكَ أَنَّ إِخْوَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وُجِدَتْ فِيهِمْ تِلْكَ الثَّلَاثَةُ أَفَتَرَاهُمْ مُنَافِقِينَ؟ فَسُرَّ بِمَا نَبَّهَهُ عَلَيْهِ عَطَاءٌ، وَرُوِيَ «أَنَّ مُقَاتِلًا قَالَ لِابْنِ جُبَيْرٍ: إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ أَفْسَدَ عَلَيَّ مَعِيشَتِي لِأَنِّي أَظُنُّ أَلَّا أَسْلَمَ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثِ أَوْ بَعْضِهَا، فَضَحِكَ وَقَالَ: قَدْ أَهَمَّنِي ذَلِكَ. فَسَأَلْتُ عَنْهُ ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ فَضَحِكَا وَقَالَا: أَهَمَّنَا ذَلِكَ. فَسَأَلْنَا عَنْهُ النَّبِيَّ - ﷺ - فَضَحِكَ فَقَالَ: (مَا لَكُمْ وَمَا لَهُنَّ) ! أَمَّا قَوْلَيْ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ فَذَلِكَ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيَّ، ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]، وَأَمَّا إِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ فَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ٧٧] الْآيَةَ. وَأَمَّا إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ فَذَلِكَ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢] الْآيَةَ، وَأَنْتُمْ بُرَآءُ مِنْ ذَلِكَ» . قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمَا ذُكِرَ فِي أَوْلَادِ يَعْقُوبَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُمْ غَيْرُ أَنْبِيَاءَ، أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُمْ أَنْبِيَاءُ فَيَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُ مَا صَدَرَ مِنْهُمْ بِحَمْلِهِ عَلَى مُحَامِلِ التَّجَوُّزَاتِ وَالْكِنَايَاتِ الَّتِي تَقْتَضِي عَدَمَ وُقُوعِ حَقَائِقِ ذَلِكَ مِنْهُمْ؛ إِذِ الْأَنْبِيَاءُ مَعْصُومُونَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا عَنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ وَصِغَارِهَا، وَلَوْ سَهْوًا عَلَى مَا هُوَ الْحَقُّ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ، وَإِنْ كَانَ الْأَكْثَرُونَ عَلَى خِلَافِهِ، وَيُؤَيِّدُ الْقَوْلُ بِنُبُوَّتِهِمْ بَلْ يَصِحُّ بِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ [البقرة: ١٣٦] وَهُمْ - أَعْنِي الْأَسْبَاطَ - أَوْلَادُ يَعْقُوبَ، فَالْآيَةُ مُصَرِّحَةٌ بِوُجُوبِ الْإِيمَانِ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ، وَيَلْزَمُ مِنَ الْإِنْزَالِ إِلَيْهِمْ نُبُوَّتُهُمْ كُلُّهُمُ اهـ.
[ ١ / ١٢٧ ]
وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ السِّبْطَ عَلَى مَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي الْعُرْفِ وَاللُّغَةِ وَلَدُ الْوَلَدِ، فَفِي الْقَامُوسِ: السِّبْطُ - بِالْكَسْرِ - وَلَدُ الْوَلَدِ، وَالْقَبِيلَةُ مِنَ الْيَهُودِ، جَمْعُهُ أَسْبَاطٌ، وَفِي النِّهَايَةِ الْأَسْبَاطُ فِي أَوْلَادِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بِمَنْزِلَةِ الْقَبَائِلِ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَأَحَدُهُمْ سِبْطٌ، فَهُوَ وَاقِعٌ عَلَى أُمَّةٍ اهـ. وَلَا يَلْزَمُ مِنَ الْإِنْزَالِ إِلَيْهِمْ أَنْ يَكُونُوا كُلُّهُمْ أَنْبِيَاءَ، إِذْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمْ نَبِيًّا، وَالْبَاقُونَ مَأْمُورُونَ بِاتِّبَاعِهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦] ثُمَّ عَلَى ثُبُوتِ نُبُوَّتِهِمْ جَمِيعًا وَعَدَمِ تَجْوِيزِ الصَّغِيرَةِ وَلَوْ سَهْوًا يَنْسَدُّ بَابُ تَأْوِيلِ مَا صَدَرَ مِنْهُمْ مِنَ الْعُقُوقِ، وَقَطْعِ صِلَةِ الرَّحِمِ، وَبَيْعِ الْحُرِّ، وَقَوْلِهِمْ: ﴿أَكْلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٤] وَوَعْدِهِمْ بِالْحِفْظِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [يوسف: ١٢] وَإِتْيَانِهِمْ عِشَاءً يَبْكُونَ إِظْهَارًا لِلْحُزْنِ، وَقَوْلِهِمْ: ﴿مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾ [يوسف: ١١] وَقَوْلِهِمْ: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٩] وَطَرْحُهُمْ إِيَّاهُ فِي الْبِئْرِ مَعَ أَنَّ تَأْوِيلَهَا يُخَالِفُهُ أَقْوَالُ السَّلَفِ مِنْ إِلْزَامِ عَطَاءٍ وَالْتِزَامِ الْحَسَنِ. فَالصَّحِيحُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ تَجْوِيزُ وُقُوعِ الْكَبَائِرِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ سَهْوًا وَالصَّغَائِرِ عَمْدًا بَعْدَ الْوَحْيِ، وَأَمَّا قَبْلَ الْوَحْيِ فَلَا دَلِيلَ عَلَى امْتِنَاعِ صُدُورِ الْكَبِيرَةِ، وَذَهَبَ الْمُعْتَزِلَةُ إِلَى امْتِنَاعِهَا، وَنَفَتِ الشِّيعَةُ صُدُورَ الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ قَبْلَ الْوَحْيِ وَبَعْدَهُ.
[ ١ / ١٢٨ ]
٥٦ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بِالْوَاوِ (﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (أَرْبَعٌ) أَيْ خِصَالٌ أَرْبَعٌ، أَوْ أَرْبَعٌ مِنَ الْخِصَالِ، فَسَاغَ الِابْتِدَاءُ بِهِ (مَنْ كُنَّ فِيهِ) قِيلَ بِتَأْوِيلِ اعْتِقَادِ اسْتِحْلَالِهِنَّ (كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا) وَيُمْكِنُ أَلَّا يَجْتَمِعْنَ فِي مُؤْمِنٍ خُصُوصًا عَلَى وَجْهِ الِاعْتِيَادِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: (وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ) أَيْ مِنْ تِلْكَ الْخِصَالِ الْأَرْبَعِ (كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا) أَيْ يَتْرُكَهَا (إِذَا اؤْتُمِنَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ وُضِعَ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ (خَانَ) أَيْ بِالتَّصَرُّفِ غَيْرِ الشَّرْعِيِّ (وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ) أَيْ عَمْدًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ (وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ) أَيْ يَنْقُضُ الْعَهْدَ ابْتِدَاءً، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: إِذَا حَالَفَ تَرَكَ الْوَفْدَ (وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ) أَيْ شَتَمَ وَرَمَى بِالْأَشْيَاءِ الْقَبِيحَةِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: مَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ هَذِهِ الْخِصَالُ وَاسْتَمَرَّتْ فَبِالْحَرِيِّ أَنْ يَكُونَ مُنَافِقًا، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ الْمَفْتُونُ بِهَا فَإِنَّهُ لَا يُصِرُّ عَلَيْهَا، وَإِنْ وُجِدَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهَا عَدِمَ الْأُخْرَى، قِيلَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ كَالْمُنَافِقِ بِحَذْفِ أَدَاةِ التَّشْبِيهِ مِثْلَ " زَيْدٌ أَسَدٌ "، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مُخْتَصًّا بِأَهْلِ زَمَانِهِ، فَإِنَّهُ - ﵊ - عَرَفَ بِنُورِ الْوَحْيِ بَوَاطِنَ أَحْوَالِهِمْ، وَمَيَّزَ بَيْنَ مَنْ آمَنَ بِهِ صِدْقًا وَمَنْ أَذْعَنَ لَهُ نِفَاقًا، وَأَرَادَ اطِّلَاعَ أَصْحَابِهِ عَلَيْهِمْ لِيَحْذَرُوا مِنْهُمْ، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِأَسْمَائِهِمْ؛ لِعِلْمِهِ بِأَنَّ بَعْضَهُمْ يَتُوبُ، فَلَمْ يَفْضَحْهُمْ بَيْنَ النَّاسِ؛ وَلِأَنَّ تَرْكَ التَّصْرِيحِ أَوْقَعُ فِي النَّصِيحَةِ، وَأَدَلُّ عَلَى الشَّفَقَةِ، وَأَجْلَبُ إِلَى الدَّعْوَةِ إِلَى الْإِيمَانِ، وَأَبْعَدُ عَنِ النُّفُورِ وَالْمُخَاصَمَةِ وَالِالْتِحَاقِ بِالْمُخَالِفِينَ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَلَفْظُهُمْ: («إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ») .
[ ١ / ١٢٨ ]
٥٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مَثَلُ الْمُنَافِقِ كَالشَّاةِ الْعَائِرَةِ بَيْنَ الْغُنْمَيْنِ تَعِيرُ إِلَى هَذِهِ مَرَّةً وَإِلَى هَذِهِ مَرَّةً» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (مَثَلُ الْمُنَافِقِ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ أَيْ صِفَتُهُ الْعَجِيبَةُ الشَّأْنُ (كَالشَّاةِ الْعَائِرَةِ) أَيِ الطَّالِبَةِ لِلْفَحْلِ الْمُتَرَدِّدَةِ، مِنْ " عَارَ " ذَهَبَ وَبَعُدَ (بَيْنَ الْغَنَمَيْنِ) أَيِ الْقَطِيعَيْنِ فَإِنَّ الْغَنَمَ اسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ، لَا تَدْرِي أَيُّهُمَا تَتْبَعُ (تَعِيرُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، أَيْ
[ ١ / ١٢٨ ]
تَنْفِرُ، وَتَشْرُدُ (إِلَى هَذِهِ) أَيِ الْقِطْعَةِ (مَرَّةً، وَإِلَى هَذِهِ) أَيِ الْقِطْعَةِ الْأُخْرَى (مَرَّةً) أُخْرَى؛ لِيَضْرِبَهَا فَحْلُهَا، فَلَا ثَبَاتَ لَهَا عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنَّمَا هِيَ أَسِيرَةُ شَهْوَتِهَا، وَهُوَ تَشْبِيهٌ مُرَكَّبٌ مَحْسُوسٌ بِمَعْنًى مَعْقُولٍ تَقْرِيبًا إِلَى فَهْمِ الْمُخَاطَبِ، فَشَبَّهَ تَرَدُّدَهُ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ أَيِ الْمُسْلِمِينَ وَالْكَافِرِينَ تَبَعًا لِهَوَاهُ وَمُرَادَاتِهِ، وَقَصْدًا إِلَى شَهَوَاتِهِ - بِتَرَدُّدِ الشَّاةِ الْعَائِرَةِ الَّتِي لَا تَسْتَقِرُّ عَلَى حَالٍ، وَبِذَلِكَ وَصَفَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النساء: ١٤٣] . (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَكَذَا أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَزَادَ: لَا تَدْرِي أَيُّهُمَا تَتْبَعُ.
[ ١ / ١٢٩ ]
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٨ - «عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ قَالَ: قَالَ يَهُودِيٌّ لِصَاحِبِهِ: اذْهَبْ بِنَا إِلَى هَذَا النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: لَا تَقُلْ: نَبِيٌّ، إِنَّهُ لَوْ سَمِعَكَ لَكَانَ لَهُ أَرْبَعُ أَعْيُنٍ. فَأَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَسَأَلَاهُ عَنْ تِسْعِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَلَا تَمْشُوا بِبَرِيءٍ إِلَى ذِي سُلْطَانٍ لِيَقْتُلَهُ، وَلَا تَسْحَرُوا، وَلَا تَأْكُلُوا الرِّبَا، وَلَا تَقْذِفُوا مُحْصَنَةً، وَلَا تُوَلُّوا لِلْفِرَارِ يَوْمَ الزَّحْفِ، وَعَلَيْكُمْ خَاصَّةً - الْيَهُودَ - أَنْ لَا تَعْتَدُوا فِي السَّبْتِ ". قَالَ: فَقَبَّلَا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، وَقَالَا: نَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِيٌّ. قَالَ: " فَمَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تَتَّبَعُونِي؟ ". قَالَا: إِنَّ دَاوُدَ ﵇ دَعَا رَبَّهُ أَنْ لَا يَزَالَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ نَبِيٌّ، وَإِنَّا نَخَافُ إِنْ تَبِعْنَاكَ أَنْ تَقْتُلَنَا الْيَهُودُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٨ - (عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ) بِالْمُهْمَلَتَيْنِ وَتَشْدِيدِ الثَّانِيَةِ، هُوَ الْمُرَادِيُّ، وَسَكَنَ الْكُوفَةَ، وَحَدِيثُهُ فِيهِمْ (﵁ قَالَ: قَالَ يَهُودِيٌّ) أَيْ أَحَدٌ مِنَ الْيَهُودِ (لِصَاحِبِهِ) مِنَ الْيَهُودِ (اذْهَبْ بِنَا) الْبَاءُ لِلْمُصَاحَبَةِ أَوِ التَّعْدِيَةِ (إِلَى هَذَا النَّبِيِّ) أَيْ لِنَسْأَلَهُ عَنْ مَسَائِلَ (فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: لَا تَقُلْ) أَيْ لَهُ كَمَا فِي رِوَايَةٍ (نَبِيٌّ) أَيْ هُوَ نَبِيٌّ (إِنَّهُ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ اسْتِئْنَافٌ فِيهِ مَعْنَى التَّعْلِيلِ أَيْ لِأَنَّ النَّبِيَّ (لَوْ سَمِعَكَ) أَيْ سُمِعَ قَوْلُكَ إِلَى هَذَا النَّبِيِّ (لَكَانَ لَهُ أَرْبَعُ أَعْيُنٍ) أَيْ يَسُرُّ بِقَوْلِكَ هَذَا النَّبِيَّ سُرُورًا يَمُدُّ الْبَاصِرَةَ فَيَزْدَادُ بِهِ نُورًا عَلَى نُورٍ، كَذِي عَيْنَيْنِ أَصْبَحَ يُبْصِرُ بِأَرْبَعٍ، فَإِنَّ الْفَرَحَ يَمُدُّ الْبَاصِرَةَ، كَمَا أَنَّ الْهَمَّ وَالْحُزْنَ يُخِلُّ بِهَا؛ وَلِذَا يُقَالُ لِمَنْ أَحَاطَتْ بِهِ الْهُمُومُ: أَظْلَمَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا (فَأَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَسَأَلَاهُ) أَيِ امْتِحَانًا (عَنْ تِسْعِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ) أَيْ وَاضِحَاتٍ، وَالْآيَةُ: الْعَلَامَةُ الظَّاهِرَةُ، تُسْتَعْمَلُ فِي الْمَحْسُوسَاتِ كَعَلَامَةِ الطَّرِيقِ، وَالْمَعْقُولَاتِ كَالْحُكْمِ الْوَاضِحِ وَالْمَسْأَلَةِ الْوَاضِحَةِ، فَيُقَالُ لِكُلِّ مَا تَتَفَاوَتُ فِيهِ الْمَعْرِفَةُ بِحَسَبِ التَّفَكُّرِ فِيهِ وَالتَّأَمُّلِ، وَحَسَبِ مَنَازِلِ النَّاسِ فِي الْعِلْمِ: آيَةٌ وَلِلْمُعْجِزَةِ آيَةٌ، وَلِكُلِّ جُمْلَةٍ دَالَّةٍ عَلَى حُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ اللَّهِ آيَةٌ، وَلِكُلِّ كَلَامٍ مُنْفَصِلٍ بِفَصْلٍ لَفْظِيٍّ آيَةٌ، وَالْمُرَادُ بِالْآيَاتِ هَاهُنَا إِمَّا الْمُعْجِزَاتُ التِّسْعُ وَهِيَ: الْعَصَا، وَالْيَدُ، وَالطُّوفَانُ، وَالْجَرَادُ، وَالْقُمَّلُ، وَالضَّفَادِعُ، وَالدَّمُ، وَالسُّنُونُ، وَنَقْصٌ مِنَ الثَّمَرَاتِ، وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ: لَا تُشْرِكُوا، كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ ذَكَرَهُ عَقِيبَ الْجَوَابِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الرَّاوِي الْجَوَابَ اسْتِغْنَاءً بِمَا فِي الْقُرْآنِ أَوْ بِغَيْرِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي خَبَرِ التِّرْمِذِيِّ أَنَّهُمَا سَأَلَاهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ يَعْنِي: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١] وَأَمَّا الْأَحْكَامُ الْعَامَّةُ الشَّامِلَةُ لِلْمِلَلِ الثَّابِتَةِ فِي كُلِّ الشَّرَائِعِ، وَبَيَانُهَا مَا بَعْدَهَا، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى حَالِ مَنْ يَتَعَاطَى مُتَعَلِّقَهَا فِي الْآخِرَةِ مِنَ السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ، وَقَوْلُهُ: وَعَلَيْكُمْ خَاصَّةً، حُكْمٌ مُسْتَأْنَفٌ زَائِدٌ عَلَى الْجَوَابِ؛ وَلِذَا غَيَّرَ السِّيَاقَ («فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ») أَيْ بِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَعِبَادَتِهِ (شَيْئًا) مِنَ الْأَشْيَاءِ، أَوِ الْإِشْرَاكِ («وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ») سَبَقَ (وَلَا تَمْشُوا بِبَرِيءٍ) بِهَمْزَةٍ وَإِدْغَامٍ أَيْ بِمُتَبَرِّئٍ مِنَ الْإِثْمِ. الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ أَيْ لَا تَسْعَوْا، وَلَا تَتَكَلَّمُوا بِسُوءٍ فِيمَنْ لَيْسَ لَهُ ذَنْبٌ (إِلَى ذِي سُلْطَانٍ) أَيْ صَاحِبِ قُوَّةٍ، وَقُدْرَةٍ، وَغَلَبَةٍ، وَشَوْكَةٍ (لِيَقْتُلَهُ) يَعْنِي كَيْ لَا يَقْتُلَهُ مَثَلًا (وَلَا تَسْحَرُوا) بِفَتْحِ الْحَاءِ، فَإِنَّ بَعْضَ أَنْوَاعِهِ كُفْرٌ، وَبَعْضُهَا فِسْقٌ (وَلَا تَأْكُلُوا الرِّبَا) فَإِنَّهُ سُحْقٌ وَمَحْقٌ (وَلَا تَقْذِفُوا) بِكَسْرِ الذَّالِ (مُحْصَنَةً) بِفَتْحِ الصَّادِ
[ ١ / ١٢٩ ]
وَيُكْسَرُ، أَيْ لَا تَرْمُوا بِالزِّنَا عَفِيفَةً (وَلَا تُوَلُّوا لِلْفِرَارِ) أَيْ لِأَجْلِهِ، مِنَ التَّوَلِّي وَهُوَ الْإِعْرَاضُ وَالْإِدْبَارُ. أَصْلُهُ تَتَوَلَّوْا، فَحَذَفَ إِحْدَى التَّاءَيْنِ، وَقِيلَ: بِضَمِّ التَّاءِ وَاللَّامِ، مِنْ وَلَّى تَوْلِيَةً إِذَا أَدْبَرَ أَيْ وَلَا تُوَلُّوا أَدْبَارَكُمْ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْفِرَارُ بِلَا لَامِ الْعِلَّةِ مَنْصُوبًا عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ. (يَوْمَ الزَّحْفِ) أَيِ الْحَرْبِ مَعَ الْكُفَّارِ (وَعَلَيْكُمْ) ظَرْفٌ وَقَعَ خَبَرًا مُقَدَّمًا (خَاصَّةً) مَنَّوْنًا حَالٌ، وَالْمُسْتَتِرُ فِي الظَّرْفِ الْعَائِدِ إِلَى الْمُبْتَدَأِ، أَيْ مَخْصُوصِينَ بِهَذِهِ الْعَاشِرَةِ، أَوْ حَالَ كَوْنِ عَدَمِ الِاعْتِدَاءِ مُخْتَصًّا بِكُمْ دُونَ غَيْرِكُمْ مِنَ الْمِلَلِ، أَوْ تَمْيِيزٌ، وَالْخَاصَّةُ ضِدُّ الْعَامَّةِ (الْيَهُودَ) نَصْبٌ عَلَى التَّخْصِيصِ وَالتَّفْسِيرِ، أَيْ أَعْنِي الْيَهُودَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَاصَّةً بِمَعْنَى خُصُوصًا، وَيَكُونُ الْيَهُودُ مَعْمُولًا لِفِعْلِهِ أَيْ: أَخُصُّ الْيَهُودَ خُصُوصًا، وَفِي بَعْضِ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ " يَهُودُ " مَضْمُومًا بِلَا لَامٍ عَلَى أَنَّهُ مُنَادَى، وَقَوْلُهُ: (أَنْ لَا تَعْتَدُوا) بِتَأْوِيلِ الْمَصْدَرِ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ الْمُبْتَدَأُ مِنَ الْاعْتِدَاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: أَنْ لَا تَعْدُوا بِسُكُونِ الْعَيْنِ وَتَخْفِيفِ الدَّالِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ (فِي السَّبْتِ) أَيْ لَا تَتَجَاوَزُوا أَمْرَ اللَّهِ فِي تَعْظِيمِ السَّبْتِ بِأَنْ لَا تَصِيدُوا السَّمَكَ فِيهِ، وَقِيلَ: " عَلَيْكُمْ " اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى خُذُوا، وَ" أَنْ لَا تَعْتَدُوا " مَفْعُولُهُ، أَيِ الْزَمُوا تَرْكَ الِاعْتِدَاءِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ السُّؤَالُ عَنِ الْآيَاتِ التِّسْعِ وَالْأَحْكَامِ الْعَامَّةِ جَمِيعًا، وَأَخْبَرُوا عَنْ إِحْدَاهَا، وَأَضْمَرُوا عَنْ أُخْرَاهَا عَلَى طَرِيقِ التَّوْرِيَةِ، فَأَجَابَهُمْ عَنِ الْأَمْرَيْنِ وَحَذَفَ الرَّاوِي الْأَوَّلَ، أَوْ أَجَابَهُمْ عَنِ الْمُشْكِلِ أَوِ الْمُضْمَرِ، وَتَرَكَ الْمَشْهُورَ إِمَّا لِظُهُورِهِ، أَوْ عَلَى أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ؛ وَلِذَا أَذْعَنَّا لَهُ فِي الظَّاهِرِ. (قَالَ) صَفْوَانُ (فَقَبَّلَا) أَيِ الْيَهُودِيَّانِ (يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ) - ﷺ - (وَقَالَا: نَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِيٌّ) إِذْ هَذَا الْعِلْمُ مِنَ الْأُمِّيِّ مُعْجِزَةٌ، لَكِنْ نَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِيٌّ إِلَى الْعَرَبِ (قَالَ: (فَمَا يَمْنَعُكُمْ) فِيهِ أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ، أَوِ الْمُرَادُ أَنْتُمَا وَقَوْمُكُمَا (أَنْ تَتَّبَعُونِي) بِتَشْدِيدِ التَّاءِ، وَقِيلَ: بِالتَّخْفِيفِ أَيْ مِنْ أَنْ تَقْبَلُوا نُبُوَّتِي بِالنِّسْبَةِ إِلَيْكُمْ وَتَتَّبَعُونِي فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَيْكُمْ (قَالَا: إِنَّ دَاوُدَ - ﵊ - دَعَا رَبَّهُ أَنْ لَا يَزَالَ) أَيْ بِأَنْ لَا يَنْقَطِعَ (مِنْ ذُرِّيَّتِهِ نَبِيٌّ) إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَيَكُونُ مُسْتَجَابًا، فَيَكُونُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ نَبِيٌّ وَيَتَّبِعُهُ الْيَهُودُ، وَرُبَّمَا يَكُونُ لَهُمُ الْغَلَبَةُ وَالشَّوْكَةُ (وَإِنَّا نَخَافُ إِنْ تَبِعْنَاكَ أَنْ تَقْتُلَنَا الْيَهُودُ) أَيْ فَإِنْ تَرَكْنَا دِينَهُمْ، وَاتَّبَعْنَاكَ لِقَتَلَنَا الْيَهُودُ إِذَا ظَهَرَ لَهُمْ نَبِيٌّ وَقُوَّةٌ، وَهَذَا افْتِرَاءٌ مَحْضٌ عَلَى دَاوُدَ - ﵊ - لِأَنَّهُ قَرَأَ فِي التَّوْرَاةِ وَالزَّبُورِ بَعْثَ مُحَمَّدٍ - ﷺ - النَّبِيِّ، وَأَنَّهُ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَأَنَّهُ يُنْسَخُ بِهِ الْأَدْيَانُ، فَكَيْفَ يَدْعُو بِخِلَافِ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ شَأْنِ مُحَمَّدٍ - ﷺ؟ . وَلَئِنْ سَلِمَ فَعِيسَى مِنْ ذُرِّيَّتِهِ، وَهُوَ نَبِيٌّ بَاقٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. (وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) وَكَذَا الْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحٌ لَا يُعْرَفُ لَهُ عِلَّةٌ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ.
[ ١ / ١٣٠ ]
٥٩ - وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «ثَلَاثٌ مِنْ أَصْلِ الْإِيمَانِ؛ الْكَفُّ عَمَّنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، لَا تُكَفِّرْهُ بِذَنْبٍ، وَلَا تُخْرِجْهُ مِنَ الْإِسْلَامِ بِعَمَلٍ. وَالْجِهَادُ مَاضٍ مُذْ بَعَثَنِيَ اللَّهُ إِلَى أَنْ يُقَاتِلَ آخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ الدَّجَّالَ، لَا يُبْطِلُهُ جَوْرُ جَائِرٍ، وَلَا عَدْلُ عَادِلٍ. وَالْإِيمَانُ بِالْأَقْدَارِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (ثَلَاثٌ) أَيْ خِصَالٌ (مِنْ أَصْلِ الْإِيمَانِ) أَيْ أَسَاسُهُ وَقَاعِدَتُهُ، إِحْدَاهَا أَوْ مِنْهَا («الْكَفُّ عَمَّنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ») أَيْ الِامْتِنَاعُ عَنِ التَّعَرُّضِ بِأَهْلِ
[ ١ / ١٣٠ ]
الْإِسْلَامِ (لَا تُكَفِّرْهُ) بِالتَّاءِ نَهْيٌ، وَبِالنُّونِ نَفْيٌ، وَكَلَاهُمَا مَرْوِيٌّ، وَهُوَ بَيَانٌ لِلْكُفْرِ؛ وَلِذَا قَطَعَهُ عَنْهُ، وَالْإِكْفَارُ وَالتَّكْفِيرُ نِسْبَةُ أَحَدٍ إِلَى الْكُفْرِ (بِذَنْبٍ) أَيْ سِوَى الْكُفْرِ، وَلَوْ كَبِيرَةً خِلَافًا لِلْخَوَارِجِ (وَلَا تُخْرِجْهُ) بِالْوَجْهَيْنِ (مِنَ الْإِسْلَامِ بِعَمَلٍ) أَيْ وَلَوْ كَبِيرَةً سِوَى الْكُفْرِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ فِي إِخْرَاجِ صَاحِبِ الْكَبِيرَةِ إِلَى مَنْزِلَةٍ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ (وَالْجِهَادُ مَاضٍ) أَيِ الْخَصْلَةُ الثَّانِيَةُ اعْتِقَادُ كَوْنِ الْجِهَادِ مَاضِيًا، أَوْ ثَانِيَتُهَا الْجِهَادُ، أَوِ الْجِهَادُ مِنْ أَصْلِ الْإِيمَانِ. وَمَاضٍ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هُوَ مَاضٍ وَنَافِذٌ وَجَارٍ وَمُسْتَمِرٌّ (مُذْ) وَفِي نُسْخَةٍ بِالنُّونِ أَيْ مِنِ ابْتِدَاءِ زَمَانِ (بَعَثَنِي اللَّهُ) إِلَى الْمَدِينَةِ أَوْ بِالْجِهَادِ، فَمُذْ: حَرْفُ جَرٍّ، أَوْ أَوَّلُ مُدَّةِ نَفَاذِ الْجِهَادِ زَمَانَ بَعَثَنِي اللَّهُ، فَـ " مُذْ " مُبْتَدَأٌ، وَالزَّمَانُ الْمُقَدَّرُ خَبَرُهُ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرٌ آخِرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَاضٍ (إِلَى أَنَّ يُقَاتِلَ آخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ) أَيْ أُمَّةِ الْإِجَابَةِ، يَعْنِي عِيسَى أَوِ الْمَهْدِيَّ (الدَّجَّالَ) وَبَعْدَ قَتْلِ الدَّجَّالِ لَا يَكُونُ الْجِهَادُ بَاقِيًا، أَمَّا عَلَى يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ فَلِعَدَمِ الْقُدْرَةِ وَالطَّاقَةِ عَلَيْهِمْ، وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا وُجُوبَ عَلَيْهِمْ بِنَصِّ آيَةِ الْأَنْفَالِ، وَأَمَّا بَعْدَ إِهْلَاكِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ لَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ كَافِرٌ مَا دَامَ عِيسَى - ﵊ - حَيًّا فِي الْأَرْضِ، وَأَمَّا عَلَى مَنْ كَفَرَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ عِيسَى - ﵊ - فَلِمَوْتِ الْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ عَنْ قَرِيبٍ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَبَقَاءِ الْكُفَّارِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، وَتَجِيءُ هَذِهِ الْحِكَايَةُ فِي ذِكْرِ الدَّجَّالِ (لَا يُبْطِلُهُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ (جَوْرُ جَائِرٍ وَلَا عَدْلُ عَادِلٍ) أَيْ لَا يُسْقِطُ الْجِهَادَ كَوْنُ الْإِمَامِ ظَالِمًا أَوْ عَادِلًا، وَهُوَ صِفَةُ مَاضٍ، أَوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْخَبَرِ: («الْجِهَادُ وَاجِبٌ عَلَيْكُمْ مَعَ كُلِّ أَمِيرٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا») وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى الْمُنَافِقِينَ وَبَعْضِ الْكَفَرَةِ، فَإِنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّ دَوْلَةَ الْإِسْلَامِ تَنْقَرِضُ بَعْدَ أَيَّامٍ قَلَائِلَ، كَأَنَّهُ قِيلَ: الْجِهَادُ مَاضٍ، أَيْ أَعْلَامُ دَوْلَتِهِ مَنْشُورَةٌ، وَأَوْلِيَاءُ أُمَّتِهِ مَنْصُورَةٌ، وَأَعْدَاءُ مَلَّتِهِ مَقْهُورَةٌ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَلَعَلَّ مُحْيِيَ السُّنَّةِ أَوْرَدَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي بَابِ عَلَامَاتِ النِّفَاقِ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَكَذَا الْحَدِيثُ السَّابِقُ، فَإِنَّ الْيَهُودِيَّيْنِ نَافَقَا بِقَوْلِهِمْ: نَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِيٌّ، ثُمَّ قَوْلِهِمَا: إِنَّ دَاوُدَ - ﵊ - دَعَا رَبَّهُ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّهُمَا لَمْ يَقُولَا ذَلِكَ عَنِ اعْتِقَادٍ، كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِيهِ تَكْلَفٌ وَتَعَسُّفٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْبَابَ مَوْضُوعٌ لِشَيْئَيْنِ؛ لِلْكَبَائِرِ، وَعَلَامَاتِ النِّفَاقِ، فَهَذَا الْحَدِيثُ مُنَاسَبَتُهُ لِلْكَبَائِرِ فِي غَايَةِ الْوُضُوحِ كَمَا ظَهَرَ مِنْ مُخَالَفَةِ الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ، وَكَذَا الْجِهَادُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَقَدْ يَصِيرُ فَرْضَ عَيْنٍ، وَتَرْكُهُ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ السَّابِقُ فَفِيهِ الْآيَاتُ التِّسْعُ الَّتِي كُلُّهَا كَبَائِرُ، وَالْيَهُودِيَّانِ قَدْ صَرَّحَا بِثُبُوتِهِمَا عَلَى كُفْرِهِمَا، فَلَا يَكُونَانِ مُنَافِقَيْنِ، وَلَيْسَ تُوجَدُ دَلَالَةٌ فِي دُعَاءِ دَاوُدَ عَلَى أَنَّهُمَا لَمْ يَقُولَا ذَلِكَ عَنِ اعْتِقَادٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقِيلَ: مَعْنَى لَا يُبْطِلُهُ إِلَخْ: لَا يَجُوزُ تَرْكُ الْجِهَادِ بِأَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ ظَالِمًا بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِمُ الْمُوَافَقَةُ فِيهِ، وَلَا بِأَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ عَادِلًا فَلَا يَخَافُونَ مِنَ الْكُفَّارِ، وَلَا يَحْتَاجُونَ إِلَى الْغَنَائِمِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنَ الْجِهَادِ هُوَ إِعْلَاءُ كَلِمَةِ اللَّهِ، فَاحْتِيجَ لِهَذَا نَفْيًا لِهَذَا التَّوَهُّمِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ شَأْنِ عَدْلِ الْعَادِلِ أَنَّهُ لَا يُتَوَهَّمُ فِيهِ إِبْطَالُ الْجِهَادِ بَلْ تَقْوِيَتُهُ، وَلَمَّا نَظَرَ شَارِحٌ لِهَذَا قَالَ: تَتْمِيمٌ، وَإِلَّا فَعَدْلُ الْعَادِلِ لَا يُتَوَهَّمُ فِيهِ إِبْطَالٌ. وَقِيلَ: فَعَلَى هَذَا يَكُونُ النَّفْيُ بِمَعْنَى النَّهْيِ (وَالْإِيمَانُ بِالْأَقْدَارِ) أَيِ الْخَصْلَةُ الثَّالِثَةُ، أَوِ الْإِيمَانُ بِالْأَقْدَارِ مِنْ أَصْلِ الْإِيمَانِ، يَعْنِي بِأَنَّ جَمِيعَ مَا يَجْرِي فِي الْعَالِمِ هُوَ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ لِإِثْبَاتِهِمْ لِلْعِبَادِ الْقُدْرَةَ الْمُسْتَقِلَّةَ بِإِيجَادِ الْمَعْصِيَةِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
[ ١ / ١٣١ ]
٦٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «إِذَا زَنَى الْعَبْدُ خَرَجَ مِنْهُ الْإِيمَانُ، فَكَانَ فَوْقَ رَأْسِهِ كَالظُّلَّةِ، فَإِذَا خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ الْعَمَلِ رَجَعَ إِلَيْهِ الْإِيمَانُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (إِذَا زَنَى) أَيْ أَخَذَ وَشَرَعَ فِي الزِّنَا (الْعَبْدُ) أَيِ الْمُؤْمِنُ (خَرَجَ مِنْهُ الْإِيمَانُ) أَيْ نُورُهُ وَكَمَالُهُ أَوْ أَعْظَمُ شُعَبِهِ وَهُوَ الْحَيَاءُ مِنْ
[ ١ / ١٣١ ]
اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ يَصِيرُ كَأَنَّهُ خَرَجَ؛ إِذْ لَا يَمْنَعُ إِيمَانُهُ عَنْ ذَلِكَ كَمَا لَا يَمْنَعُ مَنْ خَرَجَ مِنْهُ الْإِيمَانُ، أَوْ أَنَّهُ مِنْ بَابِ التَّغْلِيظِ فِي الْوَعِيدِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: هَذَا مِنْ بَابِ الزَّجْرِ وَالتَّهْدِيدِ، وَهُوَ كَقَوْلِ الْقَائِلِ لِمَنِ اشْتُهِرَ بِالرُّجُولِيَّةِ وَالْمُرُوءَةِ ثُمَّ فَعَلَ مَا يُنَافِي شِيمَتَهُ: عُدِمَ عَنْهُ الرُّجُولِيَّةُ وَالْمُرُوءَةُ، تَعْيِيرًا وَتَنْكِيرًا لِيَنْتَهِيَ عَمَّا صَنَعَ، وَاعْتِبَارًا وَزَجْرًا لِلسَّامِعِينَ، وَلُطْفًا بِهِمْ وَتَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الزِّنَا مِنْ شِيَمِ أَهْلِ الْكُفْرِ وَأَعْمَالِهِمْ، فَالْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِيمَانِ كَالْجَمْعِ بَيْنَ الْمُتَنَافِيَيْنِ، وَفِي قَوْلِهِ - ﷺ -: (فَكَانَ فَوْقَ رَأْسِهِ كَالظُّلَّةِ) وَهُوَ أَوَّلُ سَحَابَةٍ تُظِلُّ، إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ وَإِنْ خَالَفَ حُكْمَ الْإِيمَانِ فَإِنَّهُ تَحْتَ ظِلِّهِ، لَا يَزُولُ عَنْهُ حُكْمُ الْإِيمَانِ، وَلَا يَرْتَفِعُ عَنْهُ اسْمُهُ (فَإِذَا خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ الْعَمَلِ) قِيلَ: أَيْ بِالتَّوْبَةِ (رَجَعَ إِلَيْهِ الْإِيمَانُ) قِيلَ: هَذَا تَشْبِيهُ الْمَعْنَى بِالْمَحْسُوسِ بِجَامِعٍ مَعْنَوِيٍّ، وَهُوَ الْإِشْرَافُ عَلَى الزَّوَالِ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ بِأَنَّ الْمُؤْمِنَ فِي حَالَةِ اشْتِغَالِهِ بِالْمَعْصِيَةِ يَصِيرُ كَالْفَاقِدِ لِلْإِيمَانِ، لَكِنْ لَا يَزُولُ حُكْمُهُ وَاسْمُهُ، بَلْ هُوَ بَعْدُ فِي ظِلِّ رِعَايَتِهِ، وَكَنَفِ بَرَكَتِهِ إِذَا نُصِبَ فَوْقَهُ كَالسَّحَابَةِ تُظِلُّهُ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ مَعْصِيَتِهِ عَادَ الْإِيمَانُ إِلَيْهِ، قُلْتُ: وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ فِي خَطَرٍ مِنَ الْكُفْرِ - نَعُوذُ بِاللَّهِ - لِأَنَّهُ صَدَرَ عَنْهُ مَا قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِعَدَمِ رُجُوعِ الْإِيمَانِ إِلَيْهِ؛ وَلِذَا قَالُوا: الْمَعَاصِي بَرِيدُ الْكُفْرِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) أَيْ تَعْلِيقًا (وَأَبُو دَاوُدَ) وَسَكَتَ عَلَيْهِ هُوَ وَالْمُنْذِرِيُّ وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا، وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيُّ.
[ ١ / ١٣٢ ]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٦١ - عَنْ مُعَاذٍ قَالَ: «أَوْصَانِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِعَشْرِ كَلِمَاتٍ، قَالَ: " لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا، وَإِنْ قُتِلْتَ وَحُرِّقْتُ، وَلَا تَعُقَّنَّ وَالِدَيْكَ وَإِنْ أَمَرَاكَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ، وَلَا تَتْرُكَنَّ صَلَاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا؛ فَإِنَّ مَنْ تَرَكَ صَلَاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ، وَلَا تَشْرَبَنَّ خَمْرًا فَإِنَّهُ رَأَسَ كُلِّ فَاحِشَةٍ، وَإِيَّاكَ وَالْمَعْصِيَةَ؛ فَإِنَّ بِالْمَعْصِيَةِ حَلَّ سَخْطُ اللَّهِ، وَإِيَّاكَ وَالْفِرَارَ مِنَ الزَّحْفِ، وَإِنْ هَلَكَ النَّاسُ، وَإِذَا أَصَابَ النَّاسَ مَوْتٌ وَأَنْتَ فِيهِمْ فَاثْبُتْ، (أَنْفِقْ عَلَى عِيَالِكَ مِنْ طَوْلِكَ، وَلَا تَرْفَعْ عَنْهُمْ عَصَاكَ أَدَبًا وَأَخِفْهُمْ فِي اللَّهِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ.
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٦١ - (عَنْ مُعَاذٍ) - ﵁ - (قَالَ: أَوْصَانِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -) أَيْ أَمَرَنِي (بِعَشْرِ كَلِمَاتٍ) بِعَشَرَةِ أَحْكَامٍ مِنَ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي لِأَعْمَلَ بِهَا وَأُعَلِّمَهَا النَّاسَ (قَالَ: (لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا) أَيْ بِقَلْبِكَ، أَوْ بِلِسَانِكَ أَيْضًا، فَإِنَّهُ أَفْضَلُ عِنْدَ الْإِكْرَاهِ (وَإِنْ قُتِلْتَ وَحُرِّقْتَ) أَيْ وَإِنْ عُرِّضْتَ لِلْقَتْلِ وَالتَّحْرِيقِ، شَرْطٌ جِيءَ بِهِ لِلْمُبَالَغَةِ، فَلَا يُطْلَبُ جَوَابًا، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: شَرْطٌ لِلْمُبَالَغَةِ بِاعْتِبَارِ الْأَكْمَلِ مِنْ صَبْرِ الْمُكْرَهِ عَلَى الْكُفْرِ عَلَى مَا هُدِّدَ بِهِ، وَهَذَا فِيمَنْ لَمْ يَحْصُلْ بِمَوْتِهِ وَهْنُ الْإِسْلَامِ، وَإِلَّا كَعَالَمٍ وَشُجَاعٍ يَحْصُلُ بِمَوْتِهِ ذَلِكَ فَالْأَوْلَى لَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِمَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ وَلَا يَصْبِرَ عَلَى مَا هُدِّدَ بِهِ؛ رِعَايَةً لِأَخَفِّ الْمَفْسَدَتَيْنِ، وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ أَصْلِ الْجَوَازِ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَلَفَّظَ وَأَنْ يَفْعَلَ مَا يَقْتَضِي الْكُفْرَ، كَسَبِّ الْإِسْلَامِ وَسُجُودًا لِصَنَمٍ إِذَا هُدِّدَ، وَلَوْ بِنَحْوِ ضَرْبٍ شَدِيدٍ، أَوْ أَخْذِ مَالٍ لَهُ وَقْعٌ كَمَا أَفَادَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] الْآيَةَ. (وَلَا تَعُقَّنَّ وَالِدَيْكَ) أَيْ تُخَالِفَنَّهُمَا، أَوْ أَحَدَهُمَا فِيمَا لَمْ يَكُنْ مَعْصِيَةً إِذْ لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ («وَإِنْ أَمَرَاكَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ أَهْلِكَ»)
[ ١ / ١٣٢ ]
أَيِ: امْرَأَتِكَ أَوْ جَارِيَتِكَ، أَوْ عَبْدِكَ بِالطَّلَاقِ أَوِ الْبَيْعِ أَوِ الْعِتْقِ أَوْ غَيْرِهَا (وَمَالِكَ): بِالتَّصَرُّفِ فِي مَرْضَاتِهِمَا. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: شَرْطٌ لِلْمُبَالَغَةِ بِاعْتِبَارِ الْأَكْمَلِ أَيْضًا أَيْ: لَا تُخَالِفْ وَاحِدًا مِنْهُمَا، وَإِنْ غَلَا فِي شَيْءٍ أَمَرَكَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ فِرَاقَ زَوْجَةٍ أَوْ هِبَةَ مَالٍ، أَمَّا بِاعْتِبَارِ أَصْلِ الْجَوَازِ فَلَا يَلْزَمُهُ طَلَاقُ زَوْجَةٍ أَمَرَاهُ بِفِرَاقِهَا، وَإِنْ تَأَذَّيًا بِبَقَائِهَا إِيذَاءً شَدِيدًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ لَهُ ضَرَرٌ بِهَا، فَلَا يُكَلَّفَهُ لِأَجْلِهِمَا؛ إِذْ مِنْ شَأْنِ شَفَقَتِهِمَا أَنَّهُمَا لَوْ تَحَقَّقَا ذَلِكَ لَمْ يَأْمُرَاهُ بِهِ فَإِلْزَامُهُمَا لَهُ مَعَ ذَلِكَ حُمْقٌ مِنْهُمَا، وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إِخْرَاجُ مَالِهِ (وَلَا تَتْرُكَنَّ صَلَاةً مَكْتُوبَةً) أَيْ: مَفْرُوضَةً (مُتَعَمِّدًا): احْتِرَازٌ مِنَ السَّهَرِ وَالنِّسْيَانِ وَالضَّرُورَةِ (فَإِنَّ مَنْ تَرَكَ صَلَاةً مَكْتُوبَةً) أَيْ: مَفْرُوضَةً وَلَوْ نَذْرًا عَنْ وَقْتِهَا (مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ) أَيْ: لَا يَبْقَى فِي أَمْنٍ مِنَ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا بِاسْتِحْقَاقِ التَّعْزِيرِ وَالْمَلَامَةِ، وَفِي الْعُقْبَى بِاسْتِحْقَاقِ الْعُقُوبَةِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: كِنَايَةٌ عَنْ سُقُوطِ احْتِرَامِهِ؛ لِأَنَّهُ بِذَلِكَ التَّرْكِ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلْعُقُوبَةِ بِالْحَبْسِ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَلِقَتْلِهِ حَدًّا لَا كُفْرًا بِشَرْطِ إِخْرَاجِهَا عَنْ وَقْتِهَا الضَّرُورِيِّ، وَأَمْرِهِ بِهَا فِي الْوَقْتِ عِنْدَ أَئِمَّتِنَا، وَلِقَتْلِهِ كُفْرًا فَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَلَا يُدْفَنُ بِمَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَآخَرِينَ. (وَلَا تَشْرَبَنَّ خَمْرًا فَإِنَّهُ) أَيْ: شُرْبُهَا (رَأْسُ كُلِّ فَاحِشَةٍ) أَيْ: قَبِيحَةٌ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنَ الْفَوَاحِشِ هُوَ الْعَقْلُ؛ وَلِذَا سُمِّيَ عَقْلًا؛ لِأَنَّهُ يَعْقِلُ صَاحِبَهُ عَنِ الْقَبَائِحِ فَبِزَوَالِهِ عَنِ الْإِنْسَانِ يَقَعُ فِي كُلِّ فَاحِشَةٍ عَرَضَتْ لَهُ، وَلِذَا سُمِّيَتْ أُمَّ الْخَبَائِثِ، كَمَا سُمِّيَتِ الصَّلَاةُ أُمَّ الْعِبَادَاتِ؛ لِأَنَّهَا تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ (وَإِيَّاكَ وَالْمَعْصِيَةَ): تَحْذِيرٌ وَتَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، وَإِيذَانٌ بِأَنَّ الْمَعَاصِيَ السَّابِقَةَ أَعْظَمُهَا ضَرَرًا (فَإِنَّ بِالْمَعْصِيَةِ حَلَّ سَخَطُ اللَّهِ) أَيْ: نَزَلَ، وَثَبَتَ عَلَى فَاعِلِهَا، وَاسْمُ إِنَّ ضَمِيرُ الشَّأْنِ الْمَحْذُوفِ أَيْ: فَإِنَّهُ، وَقِيلَ: ضَمِيرُ الشَّأْنِ لَا يُحْذَفُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ تَعْظِيمُ الْكَلَامِ فَيُنَافِي الِاخْتِصَارَ، وَرُدَّ بِحَذْفِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ١١٧] وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَحَذْفُهُ مَنْصُوبًا ضَعِيفٌ فَقَدْ ضَعَّفُوهُ أَيْضًا، كَيْفَ يَقُولُ ذَلِكَ، وَقَدْ جَاءَ فِي كَلَامِهِ - ﵊ - فِي النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي أَوْقَاتِ الْكَرَاهَةِ فِي خَبَرِ مُسْلِمٍ: «أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ»؟ ! أَيْ: فَإِنَّ الْأَمْرَ وَالشَّأْنَ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَكَ أَنْ تُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ ضَعِيفٌ قِيَاسًا لَا اسْتِعْمَالًا، وَمِثْلُهُ وَاقِعٌ فِي الْقُرْآنِ فِي: ﴿قَتْلُ أَوْلَادَهُمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] بِنَصْبِ (أَوْلَادَ) الْفَاصِلِ بَيْنَ الْمُضَافِ وَالْمُضَافِ إِلَيْهِ اهـ. وَأَرَادَ بِهِ قِرَاءَةَ ابْنِ عَامِرٍ، وَأَظْهَرُ مِنْهُ وُجُودُ أَبَى يَأْبَى فِي الْقُرْآنِ مَعَ كَوْنِهِ شَاذًّا فِي الْقِيَاسِ بِلَا خِلَافٍ («وَإِيَّاكَ وَالْفِرَارَ مِنَ الزَّحْفِ»): تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ (وَإِنْ هَلَكَ النَّاسُ) أَيْ: بِالْفِرَارِ أَوِ الْقَتْلِ، وَإِنْ وَصْلِيَّةٌ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: شَرْطٌ لِلْمُبَالَغَةِ بِاعْتِبَارِ الْأَكْمَلِ أَيْضًا، وَإِلَّا فَقَدَ عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٦] الْآيَةَ. أَنَّ الْكُفَّارَ حَيْثُ زَادُوا عَلَى الْمِثْلَيْنِ جَازَ الِانْصِرَافُ (وَإِذَا أَصَابَ النَّاسَ مَوْتٌ) أَيْ: طَاعُونٌ وَوَبَاءٌ (وَأَنْتَ فِيهِمْ): الْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ (فَاثْبُتْ): لِقَوْلِهِ - ﵊ -: («وَإِذَا وَقَعَ الطَّاعُونُ بِبَلَدٍ، وَأَنْتُمْ فِيهِ فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهُ، وَإِذَا وَقَعَ بِبَلَدٍ، وَلَسْتُمْ فِيهِ فَلَا تَدْخُلُوا إِلَيْهِ»)، وَحِكْمَةُ الْأَوَّلِ أَنَّ أَهْلَ الْبَلَدِ لَوْ مُكِّنُوا مِنْ ذَلِكَ لَذَهَبُوا، وَتَرَكُوا الْمَرْضَى فَيَضِيعُوا، وَالثَّانِي أَنَّ مَنْ قَدِمَ رُبَّمَا أَصَابَهُ؛ فَيُسْنِدُ ذَلِكَ إِلَى قُدُومِهِ فَيَزِلُّ قَدَمُهُ، وَمَحَلُّ الْأَمْرَيْنِ حَيْثُ لَا ضَرُورَةَ إِلَى الْخُرُوجِ، أَوِ الدُّخُولِ، وَإِلَّا فَلَا إِثْمَ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ. (وَأَنْفِقْ عَلَى عِيَالِكَ): بِكَسْرِ الْعَيْنِ أَيْ: مَنْ تَجِبُ عَلَيْكَ نَفَقَتُهُ شَرْعًا، وَمَحَلُّ بَسْطِهِ كُتُبُ الْفِقْهِ (مِنْ طَوْلِكَ): بِفَتْحِ أَوَّلِهِ أَيْ: فَضْلِ مَالِكَ، وَفِي مَعْنَاهُ الْكَسْبُ بِقَدْرِ الْوُسْعِ، وَالطَّاقَةِ عَلَى طَرِيقِ الِاقْتِصَادِ، وَالْوَسَطِ فِي الْمُعْتَادِ (وَلَا تَرْفَعْ عَنْهُمْ عَصَاكَ أَدَبًا): مَفْعُولٌ لَهُ أَيْ: لِلتَّأْدِيبِ لَا لِلتَّعْذِيبِ، وَالْمَعْنَى إِذَا اسْتَحَقُّوا الْأَدَبَ بِالضَّرْبِ فَلَا
[ ١ / ١٣٣ ]
تُسَامِحْهُمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] عَلَى التَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ (وَأَخِفْهُمْ فِي اللَّهِ) أَيْ: أَنْذِرْهُمْ فِي مُخَالَفَةِ أَوَامِرَ اللَّهِ. وَنَوَاهِيهِ بِالنَّصِيحَةِ، وَالتَّعْلِيمِ، وَبِالْحَمْلِ عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ مِنْ إِطْعَامِ الْفَقِيرِ وَإِحْسَانِ الْيَتِيمِ وَبِرِّ الْجِيرَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ): وَكَذَا الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، وَإِسْنَادُ أَحْمَدَ صَحِيحٌ لَوْ سَلِمَ مِنَ الِانْقِطَاعِ، فَإِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ جُبَيْرِ بْنَ نُفَيْرٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ مُعَاذٍ.
[ ١ / ١٣٤ ]
٦٢ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: إِنَّمَا النِّفَاقُ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَإِنَّمَا هُوَ الْكُفْرُ، أَوِ الْإِيمَانُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ حُذَيْفَةَ): ﵁ مَوْقُوفًا. هُوَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، وَاسْمُ الْيَمَانِ حُسَيْلٌ بِالتَّصْغِيرِ، وَالْيَمَانُ لَقَبُهُ، وَكُنْيَةُ حُذَيْفَةَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْعَبْسِيُّ - بِفَتْحِ الْعَيْنِ، وَسُكُونِ الْبَاءِ -، هُوَ صَاحِبُ سِرِّ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - رَوَى عَنْهُ عُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ، وَغَيْرُهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، وَمَاتَ بِالْمَدَائِنِ، وَبِهَا قَبْرُهُ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً. (قَالَ: إِنَّمَا النِّفَاقُ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -): يَعْنِي أَنَّ حُكْمَ الْمُنَافِقِينَ مِنْ إِبْقَاءِ أَرْوَاحِهِمْ، وَإِجْرَاءِ أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بِنَاءً عَلَى مَصَالِحَ مِنْهَا: أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا سَتَرُوا عَلَى الْمُنَافِقِينَ أَحْوَالَهُمْ خَفِيَ عَلَى الْمُخَالِفِينَ حَالُهُمْ، وَحَسِبُوا أَنَّهُمْ مِنْ جُمْلَةِ الْمُسْلِمِينَ فَيَجْتَنِبُوا عَنْ مُخَاشَنَتِهِمْ لِكَثْرَتِهِمْ، بَلْ أَدَّى ذَلِكَ إِلَى أَنْ يَخَافُوا، وَتَقِلَّ شَوْكَتُهُمْ، وَلِذَا قَالَ - ﵊ -: " «إِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِأَقْوَامٍ لَا خَلَاقَ لَهُمْ» ". وَمِنْهَا: أَنَّ الْكُفَّارَ إِذَا جَمَعُوا مُخَاشَنَةَ الْمُسْلِمِينَ مَعَ مَنْ يَصْحَبُهُمْ كَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِنُفْرَتِهِمْ مِنْهُ. وَمِنْهَا أَنَّ مَنْ شَاهَدَ حُسْنَ خُلُقِهِ - ﵊ - مَعَ مُخَالِفِهِ رَغِبَ فِي صُحْبَتِهِ، وَوَافَقَ مَعَهُ سِرًّا، وَعَلَانِيَةً، وَدَخَلَ فِي دِينِ اللَّهِ بِوُفُورٍ، وَنَشَاطٍ. (فَأَمَّا الْيَوْمُ) أَيْ: بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ - ﷺ - (فَإِنَّمَا هُوَ) أَيِ: الْأَمْرُ وَالْحُكْمُ يَدُلُّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْكَلَامِ أَيِ: الشَّأْنُ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الشَّرْعُ (الْكُفْرُ أَوِ الْإِيمَانُ): وَالضَّمِيرُ مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ مَا بَعْدَهُ أَيْ: لَيْسَ الْكَائِنُ الْيَوْمَ إِلَّا الْكُفْرَ أَوِ الْإِيمَانَ، وَلَا ثَالِثَ لَهُمَا يَعْنِي الْكُفْرَ الصَّرِيحَ، وَالْقَتْلَ، أَوِ الْإِيمَانَ سِرًّا وَعَلَانِيَةً، وَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦] (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ): فِي كِتَابِ الْفِتَنِ.
[ ١ / ١٣٤ ]