_________________
(١) بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ أَوْ عَطْفُ تَفْسِيرٍ، وَالْمَسْجِدُ لُغَةً مَحَلُّ السُّجُودِ، وَشَرْعًا: الْمَحَلُّ الْمَوْقُوفُ لِلصَّلَاةِ فِيهِ، وَقِيلَ: الْأَرْضُ كُلُّهَا لِخَبَرِ: «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا» . وَرُدَّ: بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَسْجِدِ فِيهِ، مَا تَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ ; احْتِرَازًا مِنْ بَقِيَّةِ الْأَنَامِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا لَا تَجُوزُ لَهُمُ الصَّلَاةُ إِلَّا فِي بِيَعِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ، كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ، وَفِي أُخْرَى عِنْدَ الْبَزَّارِ: وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ يُصَلِّي حَتَّى يَبْلُغَ مِحْرَابَهُ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبَى شَيْبَةَ: «أَنَّ أَبَا ذَرٍّ قَالَ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ لِيَكُنِ الْمَسْجِدُ بَيْتَكَ ; فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (الْمَسَاجِدُ بُيُوتُ الْمُتَّقِينَ، فَمَنْ يَكُنِ الْمَسْجِدُ بَيْتَهُ ; تَضَمَّنَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ الرَّوْحَ وَالرَّحْمَةَ وَالْجَوَازَ عَلَى الصِّرَاطِ إِلَى الْجَنَّةِ») . وَعَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْقِلٍ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ الْمَسْجِدَ حِصْنٌ حَصِينٌ مِنَ الشَّيْطَانِ. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: الْمَسَاجِدُ بُيُوتُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، وَحَقٌّ عَلَى الْمَزُورِ أَنْ يُكْرِمَ زَائِرَهُ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَا يُعَارِضُ خَبَرَ أَبِي دَاوُدَ. وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ نَقْرِ الْغُرَابِ، وَافْتِرَاشِ السَّبْعِ، وَأَنْ يُوَطِّنَ الرَّجُلُ الْمُقَامَ أَيِ: الْمَكَانَ مِنَ الْمَسْجِدِ كَمَا يُوَطِّنُ الْبَعِيرَ» . وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ: «وَأَنَّ يُوَطِّنَ الرَّجُلُ الْمُقَامَ لِلصَّلَاةِ كَمَا يُوَطِّنُ الْبَعِيرَ»، وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَدَارُهُ عَلَى تَمِيمِ بْنِ مَحْمُودٍ، وَقَدْ نَظَرَ فِيهِ الْبُخَارِيُّ، وَأَجَابَ عَنْهُ ابْنُ حُبَابٍ عَلَى تَسْلِيمِ صِحَّتِهِ بِأَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا هُوَ عَنِ اتِّخَاذِ مَحَلٍّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَسْجِدِ لِغَيْرِ الصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ، وَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِمَا أَخْرَجَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: («لَا يُوطِنُ الرَّجُلُ الْمَسْجِدَ لِلصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ، وَإِلَّا تَبَشْبَشَ اللَّهُ تَعَالَى كَمَا يَتَبَشْبَشُ أَهْلُ الْغَائِبِ إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِمْ غَائِبُهُمْ») . وَالتَّبَشْبُشُ مَعْنَاهُ هُنَا: أَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ بِالرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ اهـ. وَالظَّاهِرُ فِي الْجَوَابِ أَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا هُوَ عَنِ اتِّخَاذِ مَكَانٍ خَاصٍّ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَلَوْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ، بِحَيْثُ إِنَّهُ لَا يَجْلِسُ فِي غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ يَخَافُ عَلَيْهِ مِنَ الرِّيَاءِ، وَالْفَضَائِلُ مَحْمُولَةٌ عَلَى اتِّخَاذِ الْمَسْجِدِ مَسْكَنًا لِلصَّلَاةِ، وَذِكْرِ اللَّهِ، لَا لِغَرَضٍ آخَرَ مِنَ الْأَغْرَاضِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْحُظُوظِ النَّفْسِيَّةِ.
[ ٢ / ٥٨١ ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٦٨٩ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «لَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْبَيْتَ، دَعَا فِي نَوَاحِيهِ كُلِّهَا وَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى خَرَجَ مِنْهُ، فَلَمَّا خَرَجَ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي قُبُلِ الْكَعْبَةِ، وَقَالَ: (هَذِهِ الْقِبْلَةُ») . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
٦٩٠ - وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْهُ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
(٢) (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْبَيْتَ) أَيِ: الْكَعْبَةَ، وَهُوَ بَيْتُ اللَّهِ الْحَرَامُ وَقِبْلَةُ الْمَسَاجِدِ الْعِظَامِ، وَأَفْضَلُ مَسَاجِدِ الْأَنَامِ، وَقِيلَ: أَفْضَلُ مِنْ عَرْشِ اللَّهِ الْمَلِكِ الْعَلَّامِ. . (دَعَا فِي نَوَاحِيهِ كُلِّهَا وَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى خَرَجَ مِنْهُ) قَالَ الطِّيبِيُّ: عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ عَلَى جَوَازِ النَّفْلِ دَاخِلَ الْكَعْبَةِ ; لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَاخْتُلِفَ فِي الْفَرْضِ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى جَوَازِهِ، وَمَنَعَ مِنْهُ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ، وَحَكَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْفَرْضُ وَالنَّفْلُ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قُلْتُ: فِي اسْتِدْلَالِهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الصَّلَاةِ عَدَمُ الْجَوَازِ، وَأَمَّا مَنْعُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ الْفَرْضَ دُونَ النَّفْلِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] أَيْ: قُبَالَتَهُ، وَمَنْ فِيهِ مُسْتَدْبِرٌ لِبَعْضِهِ، فَلَهُ وَجْهٌ وَجِيهٌ لِحُصُولِ التَّعَارُضِ فِي الْجُمْلَةِ، وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ ﵇ صَلَّى الْفَرْضَ دَاخِلَهُ، وَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ ﵇ صَلَّى النَّفْلَ ; إِذْ يُسَامَحُ فِي النَّافِلَةِ مَا لَا يُسَامَحُ فِي الْفَرِيضَةِ، وَأَمَّا تَعْلِيلُ ابْنِ حَجَرٍ فِي تَصْوِيرِ اسْتِدْلَالِهِمَا بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ كُلُّهُ قُبَالَتَهُ، ثُمَّ رَدُّهُ وَتَزْيِيفُهُ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ مَنْ صَلَّى خَارِجَهَا وَاسْتَقْبَلَ بَعْضَهَا فَقَطْ جَازَ - فَمُدْخَلٌ وَمَعْلُولٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْحَدِيثِ عَلَى الْأَخْذِ بِرِوَايَةِ بِلَالٍ لِأَنَّهُ مُثْبَتٌ وَمَعَهُ زِيَادَةُ عِلْمٍ، وَالْمُرَادُ بِالصَّلَاةِ أَيِ: الْمَعْهُودَةُ، يَعْنِي لَا اللُّغَوِيَّةُ بِمَعْنَى الدُّعَاءِ كَمَا قِيلَ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ: نَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَهُ كَمْ صَلَّى. وَأَمَّا نَفْيُ أُسَامَةَ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ اشْتُغِلَ بِالدُّعَاءِ وَلَمْ يَشْعُرْ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَأَمَّا بِلَالٌ فَقَدْ تَحَقَّقَهَا. (فَلَمَّا خَرَجَ رَكَعَ) أَيْ: صَلَّى (رَكْعَتَيْنِ فِي قُبُلِ الْكَعْبَةِ): بِضَمِّهِمَا وَيُسَكَّنُ الثَّانِي أَيْ: مُقَدَّمِهَا، وَالْقُبُلُ خِلَافُ الدُّبُرِ يَعْنِي: مُسْتَقْبِلٌ بَابَ الْكَعْبَةِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: قِيلَ مَعْنَاهُ مُقَابِلَهَا، وَقِيلَ مَا اسْتَقْبَلَكَ مِنْهَا، وَهُوَ وَجْهُهَا الَّذِي فِيهِ الْبَابُ، وَيُؤَيِّدُ الثَّانِي رِوَايَةُ ابْنِ عُمَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي وَجْهِ الْكَعْبَةِ، وَهِيَ صَحِيحَةٌ، وَهَلْ يُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يُسَنُّ لِمَنْ خَرَجَ مِنَ الْكَعْبَةِ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ فِي وَجْهِهَا اقْتِدَاءً بِهِ ﵇ أَوْ لَا؟ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ ﵇، إِنَّمَا صَلَّى لِيُبَيِّنَ انْحِصَارَ الْقِبْلَةِ فِي عَيْنِ الْكَعْبَةِ كَمَا أَفَادَهُ قَوْلُ الرَّاوِي: (وَقَالَ: (هَذِهِ) أَيِ: الْكَعْبَةُ وَهِيَ الْبُقْعَةُ الَّتِي فِيهَا الْبِنَاءُ (الْقِبْلَةُ) سُمِّيَتْ بِهَا لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يُقَابِلُهَا - يَعْنِي الْمُشَارَ إِلَيْهِ - الْقِبْلَةُ فَلَا يُنْسَخُ إِلَى غَيْرِهَا فَصَلُّوا إِلَى الْكَعْبَةِ أَبَدًا. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ هَذِهِ الْكَعْبَةُ هِيَ الْقِبْلَةُ لَا غَيْرُهَا كَمَا أَفَادَهُ تَعْرِيفُ الْجُزْأَيْنِ، وَهِيَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ الَّذِي أُمِرْتُمْ بِاسْتِقْبَالِهِ فِي الْآيَةِ، لَا الْمَسْجِدُ حَوْلَهَا وَلَا كُلُّ الْحَرَمِ، وَخَبَرُ الْبَيْهَقِيِّ فِي سُنَنِهِ: «الْبَيْتُ قِبْلَةٌ لِأَهْلِ الْمَسْجِدِ»، وَالْمَسْجِدُ قِبْلَةٌ لِأَهْلِ الْحَرَمِ، وَالْحَرَمُ قِبْلَةٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ ضَعِيفٌ اهـ. وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ فِي مَذْهَبِنَا، وَأَمَّا مَا اشْتُهِرَ مِنْ فِعْلِ الدَّاخِلِينَ أَنَّهُمْ يَطُوفُونَ بَعْدَ دُخُولِهَا فَلَا أَصْلَ لَهُ، بَلْ يَتَأَكَّدُ فِي حَقِّهِمْ إِذَا دَخَلُوا الْمَسْجِدَ أَنْ يَطُوفُوا أَوَّلًا ثُمَّ يَدْخُلُوا ثَانِيًا، وَيَحْتَمِلُ وَجْهًا آخَرَ وَهُوَ: أَنَّهُ ﵇ فِي مَقَامِ الْإِمَامِ، وَاسْتِقْبَالُهُ الْكَعْبَةَ مِنْ وَجْهِ الْكَعْبَةِ دُونَ أَرْكَانِهَا وَجَوَانِبِهَا الثَّلَاثَةِ، وَإِنْ كَانَتْ مُجْزِئَةً قَالَهُ الطِّيبِيُّ. قُلْتُ: هَذَا إِنَّمَا يَتِمُّ فِي الْجُمْلَةِ لَوْ كَانَ صَلَّى صَلَاةَ فَرْضٍ جَمَاعَةً. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) قِيلَ: فِي رِوَايَتِهِ تَوَهُّمُ إِرْسَالٍ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمْ يَكُنْ مَعَ النَّبِيِّ فِي حِينِ دَخَلَ، وَلَعَلَّ الْعُذْرَ يُقَالُ بِاخْتِلَافِ الزَّمَانِ وَتَعَدُّدِ دُخُولِهِ ﵇، أَوْ أَنَّ الْكَاتِبَ أَسْقَطَ مِنْهُ الَّذِي رَوَى عَنْهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، أَوْ يُقَالُ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَعَ مَنْ دَخَلَ الْكَعْبَةَ، لَكِنَّهُ لَمْ يَشْعُرْ بِالصَّلَاةِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. وَقَالَ مِيرَكُ: وَفِي كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ نَظَرٌ يُعْرَفُ بِالتَّأَمُّلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَقَدَّمُوا رِوَايَةَ بِلَالٍ ; لِأَنَّهَا مُثْبِتَةٌ وَتِلْكَ نَافِيَةٌ، وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ لِزِيَادَةِ عِلْمِهِ، وَلِأَنَّ رُوَاتَهَا أَكْثَرُ، وَالْكَثْرَةُ تُفِيدُ التَّرْجِيحَ فِي الرِّوَايَةِ، وَلِاضْطِرَابِ تِلْكَ فَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي الْكَعْبَةِ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ» . وَالدَّارَقُطْنِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّهُ ﷺ دَخَلَهُ وَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ»، وَلِأَنَّ خَبَرَ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا أُعِلَّ بِالْإِرْسَالِ لِأَنَّهُ رَوَاهُ عَنْ أَخِيهِ الْفَضْلِ، كَمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ فَهُوَ لَمْ يَرْوِ عَنْ مُشَاهَدَتِهِ وَمُشَافَهَتِهِ، بَلْ عَنْ غَيْرِهِ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ قَوْلُ مَنْ قَالَ: فِي كَوْنِ الْحَدِيثِ مُرْسَلًا بَحْثٌ.
(٣) (وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْهُ): أَيْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ): قَالَ مِيرَكُ: وَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
[ ٢ / ٥٨٢ ]
٦٩١ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ الْكَعْبَةَ هُوَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ الْحَجْبِيُّ، وَبِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ، فَأَغْلَقَهَا عَلَيْهِ وَمَكَثَ فِيهَا، فَسَأَلْتُ بِلَالًا حِينَ خَرَجَ: مَاذَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ; فَقَالَ: جَعَلَ عَمُودًا مِنْ يَسَارِهِ، وَعَمُودَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ، وَثَلَاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ، وَكَانَ الْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةِ، ثُمَّ صَلَّى» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ الْكَعْبَةَ هُوَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ») بِرَفْعِ أُسَامَةَ عَلَى الْعَطْفِ، وَهُوَ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ الْحَجْبِيُّ) الْحَاجِبُ: الْبَوَّابُ، الْجَمْعُ حَجَبَةٌ، وَالْمُرَادُ بِهِ فَاتِحُ بَيْتِ اللَّهِ (وَبِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ): بِفَتْحِ الرَّاءِ ; مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (فَأَغْلَقَهَا) أَيِ: الْكَعْبَةَ يَعْنِي بَابَهَا، وَالْفَاعِلُ بِلَالٌ، فَإِنَّهُ أَقْرَبُ أَوْ عُثْمَانُ فَإِنَّهُ أَنْسَبُ، (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَفِي رِوَايَةٍ: عَلَيْهِمْ، وَهُوَ ظَاهِرٌ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْفَاعِلُ هُوَ النَّبِيَّ ﵇ بِمَعْنَى الْآمِرِ، وَيُلَائِمُهُ قَوْلُهُ (وَمَكُثَ فِيهَا): بِضَمِّ الْكَافِ وَفَتْحِهَا أَيْ: تَوَقَّفَ فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ وَاشْتُغِلَ بِالدُّعَاءِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِنَّمَا أَغْلَقَ ﵇ الْبَابَ ; لِئَلَّا يَجْتَمِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ، ثُمَّ رَأَيْتُ الْأَبْهَرِيَّ قَالَ: ضَمِيرُ الْفَاعِلِ فِي أَغْلَقَهَا عَائِدٌ إِلَى عُثْمَانَ كَمَا وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِهِ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: فَأَغْلَقَاهَا، فَالضَّمِيرُ لِعُثْمَانَ وَبِلَالٍ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ: فَأَغْلَقُوا وَالْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ: أَنَّ عُثْمَانَ هُوَ الْمُبَاشِرُ، فَأَمَّا ضَمُّ بِلَالٍ فَلَعَلَّهُ سَاعَدَهُ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا الْجَمْعُ فَبِاعْتِبَارِ أَنَّ غَيْرَهُمَا أُمِرَ بِذَلِكَ اهـ. وَالْأَحْسَنُ فِي الْجَمْعِ أَنْ يَكُونَ بِمُسَاعَدَةِ أُسَامَةَ وَبِأَمْرِهِ ﵇، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الظَّاهِرُ إِنَّمَا أَغْلَقَهُ ; خَوْفًا مِنَ الزَّحْمَةِ وَوُقُوعِ الضُّرِّ، وَلِيَكُونَ أَسْكَنَ لِقَلْبِهِ وَأَجْمَعَ لِخُشُوعِهِ. قَالَ: ثُمَّ رَأَيْتُ النَّوَوِيَّ صَرَّحَ بِذَلِكَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنَّمَا أَغْلَقَهُ لِوُجُوبِ الصَّلَاةِ إِلَى جِدَارٍ مِنْ جُدْرَانِهَا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ صَلَّى إِلَى الْبَابِ وَهُوَ مَفْتُوحٌ، وَلَمْ تَكُنْ عَتَبَتُهُ مُرْتَفِعَةً ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ لَمْ يَصِحَّ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَقْبِلْ مِنْهَا شَيْئًا، وَهُوَ تَعْلِيلٌ غَرِيبٌ وَتَفْرِيعٌ عَجِيبٌ. وَوَقَعَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ: أَنَّهُ إِنَّمَا أَغْلَقَهُ لِئَلَّا يَسْتَدْبِرَ شَيْئًا مِنَ الْبَيْتِ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ إِذَا أُغْلِقَ صَارَ كَأَنَّهُ جِدَارُ الْبَيْتِ، ثُمَّ لَمَّا هَدَمَهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ وَضَعَ أَعْمِدَةً وَسَتَرَ عَلَيْهَا السُّتُورَ لِاسْتِقْبَالِ الْمُسْتَقْبِلِينَ وَطَوَافِ الطَّائِفِينَ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنْ كُنْتَ هَادِمَهَا فَلَا تَدَعِ النَّاسَ لَا قِبْلَةَ لَهُمْ أَيْ: لَا عَلَامَةَ لِلْقِبْلَةِ، فَلَا دَلَالَةَ عَلَى أَنَّ بُقْعَةَ الْبَيْتِ لَيْسَتْ عِنْدَهُمَا كَالْبَيْتِ، كَمَا فَهِمَ ابْنُ حَجَرٍ ; لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِقْبَالِ إِلَى هَوَاءِ الْكَعْبَةِ مِنَ الْخَارِجِ، وَلِهَذَا قَالَ جَابِرٌ: صَلُّوا إِلَى مَوَاضِعِهَا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الدَّاخِلِ وَالْخَارِجِ، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي اعْتِبَارِ الْهَوَاءِ لِلْخَارِجِ دُونَ الدَّاخِلِ. (فَسَأَلْتُ بِلَالًا حِينَ خَرَجَ: مَاذَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ; أَيْ: دَاخِلَ الْبَيْتِ (فَقَالَ) أَيْ: بِلَالٌ (جَعَلَ) ﷺ (عَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ، وَعَمُودَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ) وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: جَعَلَ عَمُودَيْنِ عَنْ يَسَارِهِ وَعَمُودًا عَنْ يَمِينِهِ، وَالْجَمْعُ عَلَى تَعَدُّدِ الدُّخُولِ ظَاهِرٌ، وَعَلَى عَدَمِهِ يُحْمَلُ أَحَدُهُمَا عَلَى مَوْقِفِ الصَّلَاةِ وَالْآخَرُ عَلَى مَوْقِفِ الدُّعَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَثَلَاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ) أَيْ: خَلْفَهُ، وَقِيلَ: قُدَّامَهُ (وَكَانَ الْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ) وَأَمَّا الْآنَ فَعَلَى ثَلَاثَةِ أَعْمِدَةٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ بَنَاهَا الْحَجَّاجُ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَهَدْمِ الْكَعْبَةِ اهـ. وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْحَجَّاجَ إِنَّمَا غَيَّرَ جِدَارَ الْحَجَرِ فَقَطْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (ثُمَّ صَلَّى) أَيْ: مُتَوَجِّهًا إِلَى الْجِدَارِ الْغَرْبِيِّ الْمُقَابِلِ لِلْجِدَارِ الشَّرْقِيِّ الَّذِي فِيهِ الْبَابُ تَقْرِيبًا، بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ. قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ رِوَايَةِ بِلَالٍ الْمُثْبِتِ لِصَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْكَعْبَةِ، وَبَيْنَ رِوَايَةِ أُسَامَةَ النَّافِي لِصَلَاتِهِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْحَدِيثِ عَلَى الْأَخْذِ بِرَاوِيَةِ بِلَالٍ، لِأَنَّهُ مُثْبِتٌ فَمَعَهُ زِيَادَةُ عِلْمٍ فَوَجَبَ تَرْجِيحُهُ، وَأَمَّا نَفْيُ أُسَامَةَ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ لَمَّا دَخَلُوا الْكَعْبَةَ أَغْلَقُوا الْبَابَ وَاشْتُغِلُوا بِالدُّعَاءِ، فَرَأَى أُسَامَةُ النَّبِيَّ ﷺ يَدْعُو، فَاشْتُغِلَ هُوَ بِالدُّعَاءِ أَيْضًا فِي نَاحِيَةٍ مِنْ نَوَاحِي الْبَيْتِ، وَالرَّسُولُ ﷺ فِي نَاحِيَةٍ أُخْرَى وَبِلَالٌ قَرِيبٌ مِنْهُ، ثُمَّ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ فَرَآهُ بِلَالٌ لِقُرْبِهِ مِنْهُ، وَلَمْ يَرَهُ أُسَامَةُ لِبُعْدِهِ مَعَ خِفَّةِ الصَّلَاةِ وَإِغْلَاقِ الْبَابِ وَاشْتِغَالِهِ بِالدُّعَاءِ، وَجَازَ لَهُ نَفْيُهَا عَمَلًا بِظَنِّهِ. قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ ﵇ دَخَلَ مَرَّتَيْنِ فَمَرَّةً صَلَّى فِيهِ وَمَرَّةً دَعَا وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ، فَلَمْ تَتَضَادِ الْأَخْبَارُ، كَذَا فِي شَرْحِ الْكَرْمَانِيِّ. قَالَ مِيرَكُ: وَأَقُولُ احْتِمَالُ تَعَدُّدِ الدُّخُولِ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورِ مِنْ أَنَّ دُخُولَهُ ﵇ الْكَعْبَةَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ لَمْ يَكُنْ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً اهـ.
[ ٢ / ٥٨٣ ]
وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: الْأَشْبَهُ حَمْلُهُمَا عَلَى دُخُولَيْنِ مُتَغَايِرَيْنِ، أَحَدِهِمَا: يَوْمَ الْفَتْحِ وَصَلَّى فِيهِ، وَالْآخَرِ: فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ، دَخَلَهَا يَوْمَ النَّحْرِ وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ، وَدَخَلَهَا مِنَ الْغَدِ وَصَلَّى فِيهِ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ نَفْيَ أُسَامَةَ عَلَى أَنَّهُ ذَهَبَ - كَمَا رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ - لِيَأْتِيَ النَّبِيَّ ﷺ بِمَاءٍ فِي الدَّلْوِ، حَتَّى يَمْحُوَ بِهِ الصُّوَرَ الَّتِي فِي الْكَعْبَةِ، فَوَقَعَتِ الصَّلَاةُ فِي غَيْبَتِهِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَوَقَعَ لِلْفَخْرِ الرَّازِيِّ فِي تَفْسِيرِهِ: أَنَّهُ نَازَعَ فِي خَبَرِ بِلَالٍ بِمَا يُعْلَمُ رَدُّهُ مِمَّا تَقَرَّرَ، وَلِلشَّارِحِ كَلَامٌ نَحْوَ كَلَامِهِ، وَزَعْمُهُ أَنَّ الْحَدِيثَيْنِ تَعَارَضَا، - فَيُحْمَلُ عَلَى النَّسْخِ - فِي غَايَةِ التَّهَافُتِ لِمَا مَرَّ مِنْ خَبَرِ الدَّارَقُطْنِيِّ أَنَّ الْمُتَأَخِّرَ هُوَ الصَّلَاةُ فَتَكُونُ هِيَ النَّاسِخَةَ لِلنَّفْيِ اهـ.
وَفِيهِ أَنَّ النَّسْخَ لَا يَكُونُ فِي الْأَخْبَارِ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ النَّسْخَ الْمُتَعَلِّقَ بِالْحُكْمِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى فِعْلِهِ مِنَ الْجَوَازِ، وَعَلَى نَفْيِهِ عَلَى عَدَمِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ عَدَمَ صَلَاتِهِ بِالْفَرْضِ، وَالتَّقْدِيرُ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ جَوَازِهَا هَذَا وَيُسْتَفَادُ مِنْ دُخُولِهِ ﵇ الْكَعْبَةَ وَصَلَاتِهِ بِهَا، أَنَّهُ يُسَنُّ دُخُولُهَا، وَيُؤَيِّدُهُ خَبَرُ الْبَيْهَقِيِّ وَقَالَ: فِيهِ مَنْ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَجَعَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ قَوْلِ مُجَاهِدٍ: مَنْ دَخَلَ الْبَيْتَ دَخَلَ فِي حَسَنَةٍ وَخَرَجَ مِنْ سَيِّئَةٍ وَخَرَجَ مَغْفُورًا.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فَإِنْ قُلْتَ: زَعَمَ بَعْضُهُمْ كَرَاهَةَ دُخُولِهَا لِخَبَرِ: «صَنَعْتُ الْيَوْمَ شَيْئًا لَوْ كُنْتُ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا كُنْتُ صَنَعْتُهُ» . «قَالَتْ عَائِشَةُ: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ; قَالَ: دَخَلْتُ الْبَيْتَ وَخَشِيتُ أَنْ يَأْتِيَ الْآتِي مِنْ بَعْدِي يَقُولُ: حَجَجْتُ وَلَمْ أَدْخُلِ الْبَيْتَ، وَأَنَّهُ لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْنَا دُخُولُهُ، وَإِنَّمَا كُتِبَ عَلَيْنَا طَوَافُهُ» . قُلْتُ: الْحَدِيثُ وَإِنْ صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، فِي إِسْنَادِهِ ضَعِيفٌ، عَلَى أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِيهِ لِمُطْلَقِ الْكَرَاهَةِ، بَلْ لِخُصُوصِ مَنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّهُ مِنْ تَمَامِ الْحَجِّ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ.
وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: يَنْبَغِي دُخُولُهُ مَرَّاتٍ. مَرَّةً يُصَلِّي فِيهِ أَرْبَعًا، وَمَرَّةً رَكْعَتَيْنِ، وَمَرَّةً يَدْعُو لِاخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ فِي ذَلِكَ، وَحَمَلَهَا الْمُحَقِّقُونَ عَلَى دُخُولِهِ مَرَّاتٍ، وَلِيَجْتَنِبَ دَاخِلُهُ الزَّحْمَةَ وَالْمُزَاحَمَةَ مَا أَمْكَنَ، فَإِنَّ أَكْثَرَ دَاخِلِيهَا فِي هَذَا الزَّمَانِ رِبْحُهُمْ أَقَلُّ مِنْ خُسْرَانِهِمْ، وَطَاعَتُهُمْ أَقَلُّ مِنْ عِصْيَانِهِمْ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَغْنَانَا مِنْ مِنَّةِ الشَّيْبِيَّةِ بِإِخْرَاجِ الْحَجَرِ مِنَ الْكَعْبَةِ الشَّرِيفَةِ، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ ﵇ «قَالَ لِعَائِشَةَ حِينَ سَأَلَتْ دُخُولَ الْكَعْبَةِ: صَلِّي فِيهِ فَإِنَّهُ مِنْهَا»، وَإِذَا دَخَلَهَا، فَلْيَدْخُلْ بِأَدَبٍ وَخُضُوعٍ وَخُشُوعٍ، وَيُقَدِّمُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى فِي الدُّخُولِ، وَيَدْعُو بِدَعَوَاتِ دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَيُزِيدُ قَوْلَهُ: ﴿رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠] الْآيَةَ. وَلَا يَنْظُرُ إِلَى سَقْفِهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الزِّينَةِ، فَعَنْ عَائِشَةَ: «عَجَبًا لِلْمَرْءِ الْمُسْلِمِ إِذَا دَخَلَ الْكَعْبَةَ كَيْفَ يَدَعُ بَصَرَهُ قِبَلَ السَّقْفِ إِجْلَالًا لِلَّهِ تَعَالَى وَإِعْظَامًا ; دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكَعْبَةَ مَا خَلَفَ بَصَرُهُ مَوْضِعَ سُجُودِهِ، حَتَّى خَرَجَ مِنْهَا» . صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَتَعَقَّبَهُ الذَّهَبِيُّ بِأَنَّهُ مُنْكَرٌ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ): وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ قَالَهُ مِيرَكُ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، «أَنَّهُ جَعَلَ عَمُودَيْنِ عَنْ يَسَارِهِ، وَعَمُودًا عَنْ يَمِينِهِ، وَثَلَاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ» . وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: «عَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ، وَعَمُودَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ» . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ اهـ.
وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ نِسْبَةَ الْمُصَنِّفِ هَذِهِ لِلشَّيْخَيْنِ فِيهَا نَظَرٌ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: «ثُمَّ صَلَّى وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ»، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ، «عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا دَخَلَ الْبَيْتَ مَرَّ قِبَلَ وَجْهِهِ، حَتَّى يَدْخُلَ وَيَجْعَلَ الْبَابَ خَلْفَ ظَهْرِهِ، فَيَمْشِيَ حَتَّى يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ الَّذِي يَلِي وَجْهَهُ حِينَ يَدْخُلُ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ، فَيُصَلِّيَ وَهُوَ يَتَوَخَّى الْمَكَانَ الذَّكِيَّ. أَخْبَرَهُ بِلَالٌ أَنَّهُ ﵇ صَلَّى فِيهِ» . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: أَنَّ بِلَالًا أَخْبَرَهُ، «قَالَ: صَلَّى ﵇ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ مِنَ السَّطْرِ الْمُقَدَّمِ، وَجَعَلَ الْبَابَ خَلْفَ ظَهْرِهِ، وَاسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ إِلَى الْجَانِبِ الَّذِي يَسْتَقْبِلُ حِينَ يَلِجُ الْبَيْتَ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ» .
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: عُثْمَانُ الْمَذْكُورُ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، وَسَبَبُ وُصُولِ السِّدَانَةِ - بِكَسْرِ السِّينِ وَهِيَ خِدْمَةُ الْبَيْتِ - لَهُمْ أَنَّ جُرْهُمَ لَمَّا اسْتَخَفَّتْ بِحُرْمَةِ الْبَيْتِ شَرَّدَهُمُ اللَّهُ، وَوَلِيَتْهُ خُزَاعَةُ، ثُمَّ بَعْدَهُمْ وُلِّيَ قُصَيُّ بْنُ كِلَابٍ الْحِجَابَةَ وَأَمْرَ مَكَّةَ، ثُمَّ أَعْطَى وَلَدَهُ عَبْدَ الدَّارِ الْحِجَابَةَ وَهِيَ: السِّدَانَةُ، وَاللِّوَاءُ، وَدَارُ النَّدْوَةِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ ; لِاجْتِمَاعِ النَّدَى فِيهَا وَهُمُ: الْأَشْرَافُ لِإِبْرَامِ أُمُورِهِمْ، وَأَعْطَى وَلَدَ عَبْدِ مُنَافٍ الرِّفَادَةَ وَالسِّقَايَةَ، ثُمَّ جَعَلَ عَبْدُ الدَّارِ الْحِجَابَةَ إِلَى
[ ٢ / ٥٨٤ ]
ابْنِهِ عُثْمَانَ، وَلَمْ يَزَلِ الْأَمْرُ فِي أَوْلَادِهِ حَتَّى وَلِيَ الْحَجَبَةَ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ. قَالَ: «كُنَّا نَفْتَحُ الْكَعْبَةَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا يُرِيدُ أَنْ يَدْخُلَ مَعَ النَّاسِ، فَنِلْتُ مِنْهُ وَحَلَمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ: يَا عُثْمَانُ: لَعَلَّكَ سَتَرَى هَذَا الْمِفْتَاحَ بِيَدِي أَضَعُهُ حَيْثُ شِئْتُ. فَقُلْتُ: لَقَدْ هَلَكَتْ قُرَيْشٌ يَوْمَئِذٍ وَذَلَّتْ. قَالَ ﵇: بَلْ عَزَّتْ، وَدَخَلَ الْكَعْبَةَ، وَوَقَعَتْ كَلِمَتُهُ مِنِّي مَوْقِعًا، وَظَنَنْتُ أَنَّ الْأَمْرَ سَيَصِيرُ إِلَى مَا قَالَ، وَأَرَدْتُ الْإِسْلَامَ، فَإِذَا قُومِي يَزْبُرُونِي زَبْرًا شَدِيدًا، فَلَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ عَامَ الْقَضَاءِ أَيْ: سَنَةَ سَبْعٍ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، غَيَّرَ اللَّهُ قَلْبِي، وَأَدْخَلَنِي الْإِسْلَامَ، وَلَمْ يَعْزِمْ لِي أَنْ آتِيَهُ حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، ثُمَّ عَزَمَ لِيَ الْخُرُوجَ إِلَيْهِ فَأَدْلَجْتُ، فَلَقِيتُ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فَاصْطَحَبْنَا، فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَبَايَعْتُهُ، وَأَقَمْتُ مَعَهُ حَتَّى خَرَجْتُ مَعَهُ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ أَيْ: سَنَةَ ثَمَانٍ فِي رَمَضَانَ، فَلَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ قَالَ ﷺ: يَا عُثْمَانُ ; ائْتِ بِالْمِفْتَاحِ، فَأَتَيْتُهُ بِهِ فَأَخَذَهُ مِنِّي ثَمَّ دَفَعَهُ إِلَيَّ وَقَالَ: (خُذُوهَا يَا بَنِي طَلْحَةَ خَالِدَةً تَالِدَةً لَا يَنْزِعُهَا مِنْكُمْ إِلَّا ظَالِمٌ») .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ «لَمَّا طَلَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمِفْتَاحَ مِنْ عُثْمَانَ، فَهَمَّ أَنْ يُنَاوِلَهُ إِيَّاهُ فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي اجْمَعْهُ لِي مَعَ السِّقَايَةِ، فَكَفَّ عُثْمَانُ يَدَهُ مَخَافَةَ أَنْ يُعْطِيَهُ الْعَبَّاسَ، فَقَالَ ﵇: (أَرِنِي الْمِفْتَاحَ إِنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)، فَقَالَ: هَاكِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَمَانَةِ اللَّهِ، فَأَخَذَ ﵇ الْمِفْتَاحَ وَفَتَحَ الْبَيْتَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ ﵇ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] ثُمَّ لَمْ يَزَلْ عُثْمَانُ يَلِي فَتْحَ الْبَيْتِ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ، فَدُفِعَ إِلَى شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّهِ، فَبَقِيَتِ الْحِجَابَةُ فِي بَنِي شَيْبَةَ» .
[ ٢ / ٥٨٥ ]
٦٩٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: («صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ») . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (صَلَاةٌ): التَّنْكِيرُ لِلْوِحْدَةِ: أَيْ صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ (فِي مَسْجِدِي هَذَا): أَيْ: مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ لَا مَسْجِدِ قُبَاءٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ: يَعْنِي أَنْ يَتَحَرَّى الصَّلَاةَ فِيمَا كَانَ مَسْجِدًا فِي حَيَاتِهِ ﵇، لَا فِيمَا زِيدَ بَعْدَهُ، فَإِنَّ الْمُضَاعَفَةَ تَخْتَصُّ بِالْأَوَّلِ. وَوَافَقَهُ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ، وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَأَطَالَ فِيهِ، وَالْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ وَأَوْرَدَا آثَارًا اسْتَدَلَّا بِهَا، وَبِأَنَّهُ سَلَّمَ فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ أَنَّ الْمُضَاعَفَةَ لَا تَخْتَصُّ بِمَا كَانَ مَوْجُودًا فِي زَمَنِهِ ﷺ، وَبِأَنَّ الْإِشَارَةَ فِي الْحَدِيثِ إِنَّمَا هِيَ لِإِخْرَاجِ غَيْرِهِ مِنَ الْمَسَاجِدِ الْمَنْسُوبَةِ إِلَيْهِ ﵇، وَبِأَنَّ الْإِمَامَ مَالِكًا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَأَجَابَ بِعَدَمِ الْخُصُوصِيَّةِ وَقَالَ: لِأَنَّهُ ﵇ أَخْبَرَ بِمَا يَكُونُ بَعْدَهُ وَزُوِيَتْ لَهُ الْأَرْضُ، فَعَلِمَ بِمَا يَحْدُثُ بَعْدَهُ، وَلَوْلَا هَذَا مَا اسْتَجَازَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ أَنْ يَسْتَزِيدُوا فِيهِ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَبِمَا فِي تَارِيخِ الْمَدِينَةِ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ لَمَّا فَرَغَ مِنَ الزِّيَادَةِ قَالَ: لَوِ انْتَهَى إِلَى الْجَبَّانَةِ. وَفِي رِوَايَةٍ: إِلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ لَكَانَ الْكُلُّ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَبِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: («لَوْ زِيدَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ مَا زِيدَ كَانَ الْكُلُّ مَسْجِدِي») وَفِي رِوَايَةٍ: «لَوْ بُنِيَ هَذَا الْمَسْجِدُ إِلَى صَنْعَاءَ كَانَ مَسْجِدِي» . هَذَا خُلَاصَةُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْجَوْهَرِ الْمُنَظَّمِ فِي زِيَارَةِ الْقَبْرِ الْمُكَرَّمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. («خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ»): فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِيهِ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِي مَسْجِدِي كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: قِيلَ: الِاسْتِثْنَاءُ يُحْتَمَلُ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِي لَا تَفْضُلُ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِأَلْفٍ بَلْ بِدُونِهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ، وَيَحْتَمِلُ الْمُسَاوَاةَ أَيْضًا. قُلْتُ: لَكِنَّ الْحَدِيثَ الْآتِيَ فِي آخِرِ الْفَصْلِ الثَّانِي، يَدْفَعُ الِاحْتِمَالَيْنِ لِلطَّرَفَيْنِ ; فَإِنَّهُ قَالَ: («صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي بِخَمْسِينَ أَلْفَ صَلَاةٍ، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ») . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ): وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ قَالَهُ مِيرَكُ.
[ ٢ / ٥٨٥ ]
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفَهِمَ مِنْهُ الْمَالِكِيَّةُ أَفْضَلِيَّةَ الْمَدِينَةِ عَلَى مَكَّةَ، قَالُوا: وَمَعْنَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ; فَإِنَّ الصَّلَاةَ بِمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ أَفْضَلُ مِنْهَا بِمَسْجِدِ مَكَّةَ بِدُونِ الْأَلِفِ، وَهُوَ غَفْلَةٌ عَنْ بَقِيَّةِ الْأَحَادِيثِ الْمُبْطِلَةِ لِمَا فَهِمُوهُ، بَلْ مَعْنَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ; فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِيهِ تَفْضُلُ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأَضْعَافٍ مُضَاعَفَةٍ، كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي خَبَرِ أَحْمَدَ، وَالْبَزَّارِ. وَصَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ، مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ حَبِيبِ الْمُعَلِّمِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: («صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْمَسَاجِدِ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِي هَذَا بِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ») . وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ.
وَلِمَا صَحَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ قَالَ: إِنَّهُ الْحُجَّةُ عِنْدَ التَّنَازُعِ. وَقَالَ أَيْضًا: إِنَّهُ حَدِيثٌ ثَابِتٌ لَا مَطْعَنَ فِيهِ لِأَحَدٍ إِلَّا الْمُتَعَسِّفَ لَا يُعْرَجُ عَلَى قَوْلِهِ فِي حَبِيبٍ الْمُعَلِّمِ، وَقَدْ كَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ يَمْدَحُهُ وَيُوَثِّقُهُ وَيُثْنِي عَلَيْهِ، وَكَانَ ابْنُ مَهْدِيٍّ، وَيَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ وَغَيْرُهُمْ - يَرْوُونَ عَنْهُ، وَهُمْ أَئِمَّةٌ عُلَمَاءُ يُقْتَدَى بِهِمْ، وَبَقِيَّةُ رِجَالِ إِسْنَادِهِ أَئِمَّةٌ ثِقَاتٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَلَّلَهُ بِالِاخْتِلَافِ عَلَى عَطَاءٍ ; لِأَنَّ قَوْمًا يَرْوُونَهُ عَنْهُ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَآخَرِينَ عَنْهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَآخَرِينَ عَنْهُ عَنْ جَابِرٍ، وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَجْعَلُ مِثْلَ هَذَا عِلَّةً فِي الْحَدِيثِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ عَطَاءٍ عَنْ هَؤُلَاءِ جَمِيعِهِمْ، بَلْ هُوَ الْوَاقِعُ كَمَا يَأْتِي، وَالْوَاجِبُ أَنْ لَا يَدْفَعَ خَبَرَ نَقْلِهِ الْعُدُولُ إِلَّا بِحُجَّةٍ. وَقَالَ الْبَزَّارُ: وَهَذَا الْحَدِيثُ رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ وَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ: إِنَّهُ يَزِيدُ عَلَيْهِ بِمِائَةٍ، إِلَّا ابْنَ الزُّبَيْرِ. وَقَدْ تَابَعَ حَبِيبًا الْمُعَلِّمَ الرَّبِيعُ بْنُ صُبَيْحٍ، فَرَوَاهُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَرَوَاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنُ جُرَيْجٍ عَنْهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ اهـ. كَلَامُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَلَا مَزِيدَ عَلَى حُسْنِهِ.
وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الذَّهَبِيُّ: إِسْنَادُهُ صَالِحٌ، وَفِي ابْنِ مَاجَهْ بِسَنَدٍ فِي بَعْضِ رِجَالِهِ لِينٌ: («صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ») . وَخَبَّرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَقَالَ: رِجَالُ إِسْنَادِهِ عُلَمَاءُ أَجِلَّاءُ، وَلَفْظُهُ كَالَّذِي قَبْلَهُ. وَرَوَاهُ ابْنُ زَنْجُوَيْهِ بِلَفْظِ: (إِلَّا «الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَإِنَّهَا تَعْدِلُ مِائَةَ أَلْفِ صَلَاةٍ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ») . وَفِي حَدِيثِ الْبَزَّارِ: («فَضْلُ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَلَى غَيْرِهِ مِائَةُ أَلْفِ صَلَاةٍ، وَفِي مَسْجِدِي أَلْفُ صَلَاةٍ، وَفِي مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ خَمْسُمِائَةِ صَلَاةٍ») . وَخَبَّرَ ابْنُ مَاجَهْ («صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ بِصَلَاةٍ، وَصَلَاتُهُ فِي مَسْجِدِ الْقَبَائِلِ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ صَلَاةً، وَصَلَاتُهُ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ بِخَمْسِينَ أَلْفَ صَلَاةٍ، وَصَلَاتُهُ فِي مَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ») . وَخَبَّرَ الطَّبَرَانِيُّ: («صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا بِعَشَرَةِ آلَافِ صَلَاةٍ، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِعَشَرَةِ أَمْثَالِهَا بِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِأَلْفِ صَلَاةٍ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ حَيْثُ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ») .
قُلْتُ: يُحْمَلُ صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ أَوَّلًا عَلَى الْفَرْضِ، وَثَانِيًا عَلَى النَّفْلِ ; لِئَلَّا يَتَعَارَضَا أَوْ عَلَى الْعُذْرِ، وَصَحَّ عَنْ عُمَرَ. - قَالَ ابْنُ حَزْمٍ بِسَنَدٍ كَالشَّمْسِ فِي الصِّحَّةِ - أَنَّهُ قَالَ: «صَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ»، وَصَحَّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: «الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ تَفْضُلُ عَلَى مَسْجِدِ النَّبِيِّ بِمِائَةِ ضِعْفٍ» .
[ ٢ / ٥٨٦ ]
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَابْنُ حَزْمٍ: فَهَذَانِ صَحَابِيَّانِ جَلِيلَانِ يَقُولَانِ بِفَضْلِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَلَى مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا مِنَ الصَّحَابَةِ، فَصَارَ كَالْإِجْمَاعِ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ. وَفِي رِسَالَةِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ إِلَى الرَّجُلِ الزَّاهِدِ الَّذِي أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ («مَنْ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ رَكْعَتَيْنِ فَكَأَنَّمَا صَلَّى فِي مَسْجِدِي أَلْفَ صَلَاةٍ، وَالصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِي أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْبُلْدَانِ») إِذَا تَأَمَّلْتَ ذَلِكَ عَلِمْتَ ضَعْفَ مَا قِيلَ عَلَى رِوَايَةِ «صَلَاةٌ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ»، تَبْلُغُ صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ فِيهِ عُمُرَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً وَسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، وَصَلَاةُ خَمْسِ صَلَوَاتٍ فِيهِ تَبْلُغُ مِائَتَيْ سَنَةٍ، وَسَبْعًا وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَسَبْعَةَ أَشْهُرٍ، وَعَشْرَ لَيَالٍ اهـ.
وَضَعَّفَ مَا قِيلَ أَيْضًا: صَلَاةٌ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ تَعْدِلُ مِائَةَ أَلْفِ صَلَاةٍ. كَمَا وَرَدَ: كُلُّ صَلَاةٍ فِيهِ جَمَاعَةً بِأَلْفَيْ أَلْفِ صَلَاةٍ وَسَبْعِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ، وَالصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ فِيهِ بِثَلَاثَةَ عَشَرَ أَلْفَ أَلْفِ صَلَاةٍ وَخَمْسِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ بِغَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ كُلُّ مِائَةِ سَنَةٍ شَمْسِيَّةٍ بِمِائَةِ أَلْفٍ وَثَمَانِينَ أَلْفَ صَلَاةٍ، وَكُلُّ أَلْفِ سَنَةٍ بِأَلْفِ أَلْفِ صَلَاةٍ وَثَمَانِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ. فَتَلَخَّصَ مِنْ هَذَا أَنَّ صَلَاةً وَاحِدَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ جَمَاعَةً، يَفْضُلُ ثَوَابُهَا عَلَى ثَوَابِ مَنْ صَلَّى فِي بَلَدِهِ فُرَادَى، حَتَّى بَلَغَ عُمُرَ نُوحٍ بِنَحْوِ الضِّعْفِ، وَهَذِهِ فَائِدَةٌ تُسَاوِي رِحْلَةً اهـ.
وَهَذَا كُلُّهُ كَالَّذِي قَبْلَهُ غَفْلَةٌ عَنِ الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ السَّابِقَةِ أَنَّ: صَلَاةً وَاحِدَةً بِمَكَّةَ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ بِمَسْجِدِهِ ﵇، وَإِلَّا فَالْحَسَنَاتُ تَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ بِمَا لَا نِهَايَةَ لَهُ، ثُمَّ لَا تَنَافِيَ فِي الرِّوَايَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ فِي التَّضْعِيفِ ; لِاحْتِمَالِ أَنَّ حَدِيثَ الْأَقَلِّ قَبْلَ حَدِيثِ الْأَكْثَرِ، ثُمَّ تَفَضَّلَ اللَّهُ بِالْأَكْثَرِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَفَاوُتُ الْأَعْدَادِ لِتَفَاوُتِ الْأَحْوَالِ ; لِمَا جَاءَ أَنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِينَ إِلَى سَبْعِمِائَةٍ إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ. وَوَرَدَ: «تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سَنَةٍ» كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: ذَكَرَ الْفَاكِهَانِيُّ بِلَفْظِهِ: «فِكْرَةُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سَنَةٍ»، مِنْ كَلَامِ السِّرِّيِّ السَّقْطِيِّ.
قُلْتُ: ذَكَرَ السُّيُوطِيُّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: «فِكْرَةُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سِتِّينَ سَنَةً»، رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخِ فِي الْعَظَمَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَاخْتَلَفُوا فِي مَحَلِّ هَذِهِ الْمُضَاعَفَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ، الْأَوَّلِ: أَنَّهُ الْحَرَمُ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَسْجِدُ الْجَمَاعَةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ كَلَامِ أَصْحَابِنَا، وَاخْتَارَهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ ; لِأَنَّ أَصْحَابَنَا قَالُوا: التَّفْضِيلُ مُخْتَصٌّ بِالْفَرَائِضِ دُونَ النَّوَافِلِ فَإِنَّهَا فِي الْبُيُوتِ أَفْضَلُ، فَجَعَلُوا حُكْمَ الْبَيْتِ غَيْرَ حُكْمِ الْمَسْجِدِ. قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَيُمْكِنُ إِبْقَاءُ حَدِيثِ: أَفْضَلُ صَلَاةِ الْمَرْءِ، عَلَى عُمُومِهِ، فَتَكُونُ النَّافِلَةُ فِي بَيْتِ مَكَّةَ أَوِ الْمَدِينَةِ، تُضَاعَفُ عَلَى الصَّلَاةِ فِي الْبَيْتِ بِغَيْرِهِمَا، وَإِنْ كَانَتْ فِي الْبُيُوتِ أَفْضَلَ مُطْلَقًا. وَالثَّالِثِ: أَنَّهُ مَكَّةُ، وَاخْتَارَهُ بَعْضُهُمْ لِخَبَرِ ابْنِ مَاجَهْ: «صَلَاةٌ بِمَكَّةَ بِمِائَةِ أَلْفٍ» . وَالرَّابِعِ: أَنَّهُ الْكَعْبَةُ وَهُوَ أَبْعَدُهَا. قِيلَ: وَرَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ حَسَنَاتِ الْحَرَمِ كُلَّهَا الْحَسَنَةُ بِمِائَةِ أَلْفٍ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ حَسَنَةَ الْحَرَمِ مُطْلَقًا بِمِائَةِ أَلْفٍ، لَكِنَّ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ تَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ، وَلِذَا قِيلَ: بِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِي مَسْجِدِي، وَلَمْ يَقُلْ حَسَنَةً. وَصَلَاةٌ فِي مَسْجِدِهِ ﵇ بِأَلْفِ صَلَاةٍ، كُلُّ صَلَاةٍ بِعَشْرِ حَسَنَاتٍ، فَتَكُونُ الصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِهِ ﵇ بِعَشَرَةِ آلَافِ حَسَنَةٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَلْحَقَ بَعْضُ الْحَسَنَاتِ بِبَعْضٍ، أَوْ يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالصَّلَاةِ لِمَعْنًى فِيهَا الْكَعْبَةُ وَحْدَهَا. الرِّوَايَةُ إِلَّا الْكَعْبَةَ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ: إِلَّا الْمَسْجِدَ وَالْكَعْبَةَ، وَفِي أُخْرَى لِمُسْلِمٍ إِلَّا مَسْجِدَ الْكَعْبَةِ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: ثُمَّ الْمُضَاعَفَةُ لَا تَخْتَصُّ بِالْفَرْضِ، بَلْ تَعُمُّ النَّفْلَ أَيْ تَعُمُّ النَّفْلَ أَيْضًا خِلَافًا لِبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، وَإِنْ كَانَ دُونَ الْفَرْضِ لِزِيَادَتِهِ عَلَيْهِ بِسَبْعِينَ دَرَجَةً، وَلَا يُنَافِي عُمُومَ التَّضْعِيفِ لِلنَّفْلِ كَوْنُهُ فِي الْبَيْتِ أَفْضَلَ حَتَّى فِي الْكَعْبَةِ لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ: («أَفْضَلُ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ»)، وَذَلِكَ لِأَنَّ فِي فَضِيلَةِ الِاتِّبَاعِ مَا يَرْبُو عَلَى الْمُضَاعَفَةِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ السُّبْكِيُّ: صَلَاةُ الظُّهْرِ بِمِنًى يَوْمَ النَّحْرِ أَفْضَلُ مِنْهَا بِمَكَّةَ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَإِنْ جَعَلْنَا الْمُضَاعَفَةَ مُخْتَصَّةً بِهِ لَمَا تَقَرَّرَ أَنَّ فِي فَضِيلَةِ الِاتِّبَاعِ مَا يَرْبُو عَلَى فَضِيلَةِ الْعَمَلِ. وَالْمُضَاعَفَةُ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِزَمَنِهِ ﵇ عَلَى الْمُخْتَارِ، ثُمَّ الْمُرَادُ بِالتَّضْعِيفِ السَّابِقِ إِنَّمَا هُوَ فِي الْأَجْرِ دُونَ الْإِجْزَاءِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، فَالصَّلَاةُ فِي أَحَدِ الْمَسَاجِدِ
[ ٢ / ٥٨٧ ]
الثَّلَاثَةِ لَا تُجْزِئُ عَنْ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ إِجْمَاعًا، وَمَا اشْتُهِرَ عَلَى أَلْسِنَةِ الْعَوَامِّ أَنَّ مَنْ صَلَّى دَاخِلَ الْكَعْبَةِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ تَكُونُ قَضَاءَ الدَّهْرِ، بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ. ثُمَّ الْمُضَاعَفَةُ لَا تَخْتَصُّ بِالصَّلَاةِ بَلْ تَعُمُّ سَائِرَ الطَّاعَاتِ، وَبِهِ صَرَّحَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فَقَالَ: صَوْمُ يَوْمٍ بِمَكَّةَ بِمِائَةِ أَلْفٍ، وَصَدَقَةُ دِرْهَمٍ بِمِائَةِ أَلْفٍ، وَكُلُّ حَسَنَةٍ بِمِائَةِ أَلْفٍ. وَوَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ بِسَنَدٍ حَسَنٍ خِلَافًا لِمَنْ ضَعَّفَ: «إِنَّ حَسَنَاتِ الْحَرَمِ كُلُّ حَسَنَةٍ بِمِائَةِ أَلْفِ حَسَنَةٍ» . وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ خَبَرَ: «مَنْ أَدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ بِمَكَّةَ فَصَامَهُ وَقَامَ فِيهِ مَا تَيَسَّرَ كُتِبَ لَهُ مِائَةُ أَلْفِ شَهْرِ رَمَضَانَ فِيمَا سِوَاهُ، وَكُتِبَ لَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عِتْقُ رَقَبَةٍ، وَفِي كُلِّ يَوْمٍ حِمْلُ فَرَسَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» . وَرَوَى الْبَزَّارُ خَبَرَ: «رَمَضَانُ بِمَكَّةَ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ رَمَضَانَ بِغَيْرِ مَكَّةَ»، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ السَّيِّئَاتِ تُضَاعَفُ بِمَكَّةَ كَالْحَسَنَاتِ مِنْهُمُ: ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُمْ لِتَعْظِيمِ الْبَلَدِ، ثُمَّ قِيلَ: تَضْعِيفُهَا كَمُضَاعَفَةِ الْحَسَنَاتِ بِالْحَرَمِ، وَقِيلَ: بَلْ كَخَارِجِهِ، وَأَخَذَ الْجُمْهُورُ بِالْعُمُومَاتِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٠] وَحَمَلَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الْقَوْلَ بِالْمُضَاعَفَةِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا مُضَاعَفَةُ الْكَيْفِيَّةِ لَا الْكَمِّيَّةِ، فَإِنَّ السَّيِّئَةَ جَزَاؤُهَا سَيِّئَةٌ، لَكِنَّ السَّيِّئَاتِ مُتَفَاوِتَةٌ إِذْ لَيْسَ مَنْ عَصَى الْمَلِكَ عَلَى بِسَاطِ مُلْكِهِ كَمَنْ عَصَاهُ فِي طَرَفٍ مِنْ أَطْرَافِ بَلَدِهِ، قِيلَ: يَرْجِعُ النِّزَاعُ فِي ذَلِكَ الْحَمْلِ أَيْضًا إِذْ أَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ سَيِّئَةٍ مُعَظَّمَةٍ تُقَدَّرُ بِمِائَةِ أَلْفِ سَيِّئَةٍ وَهِيَ وَاحِدَةٌ، وَبَيْنَ سَيِّئَةٍ بِمِائَةِ أَلْفِ سَيِّئَةٍ عَدَدًا ; وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ وَرَدَ: مَنْ زَادَتْ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ زَادَتْ سَيِّئَاتُهُ عَلَى حَسَنَاتِهِ دَخَلَ النَّارَ، وَمَنِ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْأَعْرَافِ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَعْظِيمِ الْحَرَمِ الْمُقْتَضِي لِتَعْظِيمِ السَّيِّئَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] فَقَدْ أَخَذَ مِنْهُ جَمَاعَةٌ كَابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ أَنَّهُ يُعَاقَبُ عَلَى الْهَمِّ فِيهِ بِالسَّيِّئَةِ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهَا، وَاحْتَجَّ الْمَالِكِيَّةُ لِأَفْضَلِيَّةِ الْمَدِينَةِ بِخَبَرِ: «الْمَدِينَةُ خَيْرٌ مِنْ مَكَّةَ» وَلَا حُجَّةَ فِيهِ، لِأَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، وَقِيلَ: مَوْضُوعٌ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ، وَخَبَرِ: («اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَخْرَجْتَنِي مِنْ أَحَبِّ الْبِقَاعِ إِلَيَّ فَأَسْكِنِّي أَحَبَّ الْبِقَاعِ إِلَيْكَ») وَهُوَ مُرْسَلٌ ضَعِيفٌ. وَقِيلَ: بَلْ مَوْضُوعٌ، وَخَبَرِ: («اللَّهُمَّ اجْعَلْ بِالْمَدِينَةِ ضِعْفَيْ مَا بِمَكَّةَ مِنَ الْبَرَكَةِ») يَدُلُّ عَلَى الْفَضِيلَةِ لَا الْأَفْضَلِيَّةِ، وَقَدْ صَحَّ فِي فَضِيلَةِ مَكَّةَ أَحَادِيثُ أَيْضًا مِنْهَا خَبَرُ: («وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ»)، وَخَبَرُ: («مَا أَطْيَبَكِ وَأَحَبَّكِ إِلَيَّ، وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ») . وَمِنْهَا خَبَرُ أَنَّهُ ﵇ قَالَ لَهُمْ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ: («أَيُّ بَلَدٍ تَعْلَمُونَهُ أَعْظَمَ حُرْمَةً»؟) قَالُوا: لَا إِلَّا بَلَدَنَا الْحَدِيثَ، وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ وَجَابِرًا يَشْهَدَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَأَلَ النَّاسَ: («أَيُّ بَلَدٍ أَعْظَمُ حُرْمَةً»؟) فَأَجَابُوا بِأَنَّهُ مَكَّةُ. وَهَذَا إِجْمَاعٌ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهَا أَفْضَلُ الْبِلَادِ، وَأَقَرَّهُمْ ﵇، هَذَا وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى تَفْضِيلِ مَا ضَمَّ الْأَعْضَاءَ الشَّرِيفَةَ حَتَّى عَلَى الْكَعْبَةِ الْمُنِيفَةِ، وَأَنَّ الْخِلَافَ فِيمَا عَدَاهُ. وَنُقِلَ عَنْ أَبِي عُقَيْلٍ الْحَنْبَلِيِّ أَنَّ تِلْكَ الْبُقْعَةَ أَفْضَلُ مِنَ الْعَرْشِ، وَصَرَّحَ الْفَاكِهَانِيُّ بِتَفْضِيلِهَا عَلَى السَّمَاوَاتِ قَالَ: بَلِ الظَّاهِرُ الْمُتَعَيِّنُ تَفْضِيلُ جَمِيعِ الْأَرْضِ عَلَى السَّمَاءِ لِحُلُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ السَّلَامُ بِهَا، وَحَكَاهُ بَعْضُهُمْ عَنِ الْأَكْثَرِينَ لِخَلْقِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْهَا وَدَفْنِهِمْ فِيهَا. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: وَالْجُمْهُورُ عَلَى تَفْضِيلِ السَّمَاءِ عَلَى الْأَرْضِ أَيْ: مَا عَدَا مَا ضَمَّ الْأَعْضَاءَ الشَّرِيفَةَ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِيمَا عَدَا الْكَعْبَةَ، فَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ بَقِيَّةِ الْمَدِينَةِ اتِّفَاقًا، مَا عَدَا مَوْضِعَ قَبْرِهِ الْمُقَدَّسِ وَمَحَلِّ نَفْسِهِ الْأَنْفَسِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ مَا دَامَ الصُّبْحُ تَنَفَّسَ وَاللَّيْلُ إِذَا عَسْعَسَ.
[ ٢ / ٥٨٨ ]
٦٩٣ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: («لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، وَمَسْجِدِي هَذَا») . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ «أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ» قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: («لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ»): جَمْعُ رَحْلٍ، وَهُوَ كَوْرُ الْبَعِيرِ، وَالْمُرَادُ نَفْيُ فَضِيلَةِ شَدِّهَا وَرَبْطِهَا (إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ): قِيلَ: نَفْيٌ مَعْنَاهُ نَهْيٌ أَيْ: لَا تَشُدُّوا إِلَى غَيْرِهَا لِأَنَّ مَا سِوَى الثَّلَاثَةِ مُتَسَاوٍ فِي الرُّتْبَةِ غَيْرُ مُتَفَاوِتٍ فِي الْفَضِيلَةِ، وَكَانَ التَّرَحُّلُ إِلَيْهِ ضَائِعًا وَعَبَثًا. وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: يَحْرُمُ شَدُّ الرَّحْلِ إِلَى غَيْرِ الثَّلَاثَةِ وَهُوَ غَلَطٌ، وَفِي الْإِحْيَاءِ: ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى الْمَنْعِ مِنَ الرِّحْلَةِ لِزِيَارَةِ الْمَشَاهِدِ وَقُبُورِ الْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَمَا تَبَيَّنَ فِي أَنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ، بَلِ الزِّيَارَةُ مَأْمُورٌ بِهَا لِخَبَرِ: («كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ أَلَا فَزُورُوهَا») . وَالْحَدِيثُ إِنَّمَا وَرَدَ نَهْيًا عَنِ الشَّدِّ لِغَيْرِ الثَّلَاثَةِ مِنَ الْمَسَاجِدِ لِتَمَاثُلِهَا، بَلْ لَا بَلَدَ إِلَّا وَفِيهَا مَسْجِدٌ، فَلَا مَعْنَى لِلرِّحْلَةِ إِلَى مَسْجِدٍ آخَرَ، وَأَمَّا الْمَشَاهِدُ فَلَا تُسَاوِي بَلْ بَرَكَةُ زِيَارَتِهَا عَلَى قَدْرِ دَرَجَاتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ، ثُمَّ لَيْتَ شِعْرِي هَلْ يَمْنَعُ هَذَا الْقَائِلُ مِنْ شَدِّ الرَّحْلِ لِقُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ كَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَيَحْيَى، وَالْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ فِي غَايَةِ الْإِحَالَةِ، وَإِذَا جُوِّزَ ذَلِكَ لِقُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءُ فِي مَعْنَاهُمْ، فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ أَغْرَاضِ الرِّحْلَةِ، كَمَا أَنَّ زِيَارَةَ الْعُلَمَاءِ فِي الْحَيَاةِ مِنَ الْمَقَاصِدِ. (مَسْجِدِ الْحَرَامِ): بِالْجَرِّ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ، وَقِيلَ بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ وَوَجْهُهُمَا ظَاهِرٌ (وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى): وَصَفَهُ بِالْأَقْصَى لِبُعْدِهِ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَلَعَلَّ تَقْدِيمَهُ عَلَى الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ لِتَقَدُّمِهِ وُجُودًا (وَمَسْجِدِي هَذَا): قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يُرِيدُ بِهِ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ، وَمَزِيَّةُ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ لِكَوْنِهَا أَبْنِيَةَ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ وَمَسَاجِدَهُمْ. قُلْتُ: وَلِأَنَّ اللَّهَ ذَكَرَهَا فِي كِتَابِهِ الْقَدِيمِ عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ وَالتَّكْرِيمِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَرْجَحِيَّةِ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى﴾ [التوبة: ١٠٨] هُوَ الْمَسْجِدُ النَّبَوِيُّ، ثُمَّ مَسْجِدُ قُبَاءٍ تَابِعٌ لِمَسْجِدِهِ، أَوْ مُلْحَقٌ بِهِ اقْتِدَاءً بِهِ ﷺ لِمَا يَأْتِي، وَلَعَلَّهُ إِنَّمَا تَرَكَ ذِكْرَهُ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَيْهِ غَالِبًا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ): وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ. قَالَهُ مِيرَكُ.
[ ٢ / ٥٨٩ ]
٦٩٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: («مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي») . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: («مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي»): الْمُرَادُ بِالْبَيْتِ بَيْتُ سُكْنَاهُ، وَقِيلَ: قَبْرُهُ لِمَا جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: («مَا بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي»): وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا ; لِأَنَّ قَبْرَهُ فِي بَيْتِهِ، قِيلَ: أَرَادَ بِمَا بَيْنَهُمَا الْمِحْرَابَ لِأَنَّهُ بَيْنَ الْمِنْبَرِ وَبَيْنَ بَيْتِهِ، لِأَنَّ بَابَ حُجْرَتِهِ كَانَ مَفْتُوحًا إِلَى الْمَسْجِدِ. وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ: مَا بَيْنَ حُجْرَتِي وَمُصَلَّايَ. (رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ): قِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ الصَّلَاةَ وَالذِّكْرَ فِيمَا بَيْنَهُمَا يُؤَدِّيَانِ إِلَى رَوْضَةٍ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَهَذَا كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: («الْجَنَّةُ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ») وَفِي الْحَدِيثِ: («الْجَنَّةُ تَحْتَ أَقْدَامِ الْأُمَّهَاتِ») أَيْ: بِرُّهَا وَصِلَتُهَا، وَالتَّحَمُّلُ عَنْهَا يُوَصِّلُ إِلَى دَارِ اللَّذَّاتِ. وَفِي حَدِيثٍ: («إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا) قِيلَ: وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ; قَالَ: (الْمَسَاجِدُ») . وَفِي رِوَايَةٍ: (حِلَقُ الذِّكْرِ) . قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَإِنَّمَا سَمَّى تِلْكَ الْبُقْعَةَ الْمُبَارَكَةَ رَوْضَةً ; لِأَنَّ زُوَّارَ قَبْرِهِ وَعُمَّارَ مَسْجِدِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ وَالْإِنْسِ، لَمْ يَزَالُوا مُكَبِّينَ فِيهَا عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَعِبَادَتِهِ إِذَا صَدَرَ عَنْهَا فَرِيقٌ وَرَدَ عَلَيْهَا آخَرُونَ، كَمَا جَعَلَ حِلَقَ الذِّكْرِ رِيَاضَ الْجَنَّةِ قَالَ: (وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي): أَيْ: عَلَى حَافَّتِهِ، فَمَنْ شَهِدَهُ مُسْتَمِعًا إِلَيَّ أَوْ مُتَبَرِّكًا بِذَلِكَ الْأَثَرِ شَهِدَ الْحَوْضَ، وَنَبَّهَ ﵇ عَلَى أَنَّ الْمِنْبَرَ مَوْرِدُ الْقُلُوبِ الصَّادِئَةِ فِي بَيْدَاءِ الْجَهَالَةِ، كَمَا أَنَّ الْحَوْضَ مَوْرِدُ الْأَكْبَادِ الظَّامِئَةِ فِي حَرِّ الْقِيَامَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ هَذَا الْكَلَامُ مَا لَا تَهْتَدِي إِلَيْهِ عُقُولُنَا، كَذَا نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ مَالِكٌ: الْحَدِيثُ بَاقٍ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَالرَّوْضَةُ قِطْعَةٌ نُقِلَتْ
[ ٢ / ٥٨٩ ]
مِنَ الْجَنَّةِ وَسَتَعُودُ إِلَيْهَا وَلَيْسَتْ كَسَائِرِ الْأَرْضِ تَفْنَى وَتَذْهَبُ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهَذَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ وَهِيَ مِنَ الْجَنَّةِ الْآنَ حَقِيقَةً، وَإِنْ لَمْ تَمْنَعْ نَحْوَ الْجُوعِ لِاتِّصَافِهَا بِصِفَةِ دَارِ الدُّنْيَا، وَقِيلَ: يُعِيدُ اللَّهُ مِنْبَرَهُ عَلَى حَالِهِ فَيَنْصِبُهُ عَلَى حَوْضِهِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهَذَا هُوَ الْأَوْلَى أَيْضًا لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ اللَّفْظِ عَلَى ظَاهِرِهِ الْمُمْكِنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ وَرُوِيَ: وَمِنْبَرِي عَلَى تُرْعَةِ حَوْضِي، وَالتُّرْعَةُ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ: الرَّوْضَةُ عَلَى الْمَكَانِ الْمُرْتَفِعِ خَاصَّةً، وَقِيلَ: هِيَ الدَّرَجَةُ، وَقِيلَ: الْبَابُ، وَقِيلَ: تُرْعَةُ الْحَوْضِ مَفْتَحُ الْمَاءِ إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ ﵇ فِي الْآخِرَةِ مِنْبَرٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ مِنْبَرُهُ فِي الدُّنْيَا، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى اسْتِمْدَادِهِ ﵇ مِنَ الْحَوْضِ الزَّاخِرِ النَّبَوِيِّ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُتَعَلِّقٌ بِالْآخَرِ لَا مَطْمَعَ لِأَحَدٍ فِي الْآخَرِ دُونَ الِاتِّعَاظِ بِالْأَوَّلِ.
وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: ظَنَّ بَعْضُ الْأَغْبِيَاءِ أَنَّ تِلْكَ الرَّوْضَةَ قِطْعَةٌ مُقْتَطَعَةٌ مِنَ الْجَنَّةِ، وَأَنَّ الْأَنْهَارَ سَيْحَانَ وَجَيْحَانَ وَالْفُرَاتَ وَالنِّيلَ مُهْبَطَةٌ مِنَ الْجَنَّةِ، وَهَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي الْجَنَّةِ: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تُجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى - وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٨ - ١١٩] وَلَيْسَتْ هَذِهِ صِفَةَ الْأَنْهَارِ الْمَذْكُورَةِ وَلَا الرَّوْضَةَ، فَصَحَّ أَنَّ قَوْلَهُ: مِنَ الْجَنَّةِ إِنَّمَا هُوَ لِفَضْلِهَا، وَأَنَّ الصَّلَاةَ فِيهَا تُؤَدِّي إِلَى الْجَنَّةِ، وَأَنَّ تِلْكَ الْأَنْهَارَ لِطِيبِهَا وَبَرَكَتِهَا أُضِيفَتْ إِلَى الْجَنَّةِ كَمَا تَقُولُ فِي الْيَوْمِ الطَّيِّبِ: هَذَا مِنْ أَيَّامِ الْجَنَّةِ، وَكَمَا قِيلَ فِي الضَّأْنِ: إِنَّهَا مِنْ دَوَابِّ الْجَنَّةِ، وَقَدْ جَاءَ أَنَّ حِلَقَ الذِّكْرِ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ
وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ حَجَرٍ: بِأَنَّ الْآيَةَ لَا تَدُلُّ لَهُ ; لِأَنَّ تِلْكَ الْقِطْعَةَ لَمَّا نَزَلَتْ إِلَى الْأَرْضِ أُعْطِيَتْ أَحْكَامَهَا، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ حَلَفَ دَاخِلُهَا أَنَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ حَنِثَ وَاعْتَرَى مَنْ بِهَا الْجُوعُ وَنَحْوُهُ، وَمُجَرَّدُ سَلْبِ ذَلِكَ عَنْهَا لَا يَقْتَضِي سَلْبَ كَوْنِهَا مِنَ الْجَنَّةِ عَنْهَا، وَفَائِدَةُ كَوْنِهَا مِنْهَا - مَعَ نَفْيِ أَوْصَافِهَا عَنْهَا - غَايَةُ تَشْرِيفِ مَسْجِدِهِ ﵇ بِأَنَّ فِيهِ قِطْعَةً مِنْ نَفْسِ أَرْضِ الْجَنَّةِ، كَمَا صَحَّ «فِي الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَالْمَقَامِ: أَنَّهَا يَاقُوتَتَانِ مِنَ الْجَنَّةِ، وَلَوْلَا مَا طُمِسَ مِنْ نُورِهِمَا لَأَضَاءَتَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ» . وَصَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - وَمِثْلُهُ لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ يَعْنِي فَهُوَ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ: «أَنَّ الْحَجَرَ نَزَلَ مِنَ الْجَنَّةِ يَاقُوتَةً بَيْضَاءَ، وَأَنَّ اللَّهَ غَيَّرَهُ بِالسَّوَادِ لِئَلَّا يَنْظُرَ أَهْلُ الدُّنْيَا إِلَى زِينَةِ الْجَنَّةِ» يَعْنِي: لِيَكُونَ الْإِيمَانُ غَيْبِيًّا لَا عَيْنِيًّا، وَأَنَّهُ أُنْزِلَ فِي مَحَلِّ الْكَعْبَةِ قَبْلَ وُجُودِهَا لِيَتَأَنَّسَ بِهِ آدُمُ، وَحَرَسَهُ بِصَفٍّ مِنَ الْمَلَائِكَةِ ; لِئَلَّا يَنْظُرَ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ مِنَ الْجَنَّةِ. وَمَنْ نَظَرَ إِلَى الْجَنَّةِ دَخَلَهَا، فَكَمَا أَنَّ هَذَيْنِ مِنَ الْجَنَّةِ حَقِيقَةً، وَلَا يُمْكِنُ لِابْنِ حَزْمٍ تَأْوِيلُهُمَا، فَكَذَا مَا نَحْنُ فِيهِ وَمَا زَعَمَهُ فِي تِلْكَ الْأَنْهَارِ - وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ أَيْضًا. وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِأَنَّهَا مِنَ الْجَنَّةِ حَقِيقَةً، لَكِنَّهَا لَمَّا نَزَلَتْ إِلَى الْأَرْضِ اكْتَسَبَتْ أَوْصَافَهَا أَيْضًا - وَقَوْلُهُ كَمَا تَقُولُ فِي الْيَوْمِ الطَّيِّبِ إِلَخْ. لَا دَلِيلَ فِيهِ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ فِي تِلْكَ الْمُثُلِ وَمَا أَشْبَهَهَا مِنْ نَحْوِ: «الْجَنَّةِ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ» . مُسْتَحِيلَةٌ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ): وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ قَالَهُ مِيرَكُ.
[ ٢ / ٥٩٠ ]
٦٩٥ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ كُلَّ سَبْتٍ مَاشِيًا وَرَاكِبًا، فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ»): مَمْدُودٌ يُصْرَفُ، وَقِيلَ: لَا، وَقِيلَ مَقْصُورٌ وَهِيَ قَرْيَةٌ قَرِيبَةٌ مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ، وَقِيلَ: أَصْحَابُ الصُّفَّةِ كَانُوا فِي ذَلِكَ الْمَسْجِدِ (كُلَّ سَبْتٍ مَاشِيًا وَرَاكِبًا): حَالَانِ مُتَرَادِفَانِ، وَالْوَاوُ بِمَعْنَى (أَوْ) يَعْنِي: تَارَةً وَتَارَةً (فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ): أَيْ: تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ أَوْ غَيْرَهَا يَقُومُ مَقَامَهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّقَرُّبَ بِالْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصُّلَحَاءِ مُسْتَحَبٌّ، وَأَنَّ الزِّيَارَةَ يَوْمَ السَّبْتِ سُنَّةٌ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ): قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَصَحَّ عَنْهُ ﵇ أَنَّ «صَلَاةً فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ كَعُمْرَةٍ»، وَفِي رِوَايَةٍ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ وَجَاءَ مَسْجِدَ قُبَاءٍ فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ كَانَ لَهُ أَجْرُ عُمْرَةٍ»، وَفِي أُخْرَى صَحِيحَةٍ أَيْضًا: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ دَخَلَ مَسْجِدَ قُبَاءٍ فَرَكَعَ فِيهِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ كَانَ ذَلِكَ عَدْلَ عُمْرَةٍ»، وَيَجْمَعُ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ ثَوَابَ الْعُمْرَةِ رُتِّبَ أَوَّلًا عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ سَهَّلَ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ وَتَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ، فَرَتَّبَهُ عَلَى رَكْعَتَيْنِ. وَصَحَّ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبَى وَقَّاصٍ: لَأَنْ أُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ رَكْعَتَيْنِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ آتِيَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ مَرَّتَيْنِ، لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي قُبَاءٍ لَضَرَبُوا إِلَيْهِ أَكْبَادَ الْإِبِلِ.
[ ٢ / ٥٩٠ ]
وَمِنْ هُنَا قَالُوا: عَوَّضَ اللَّهُ تَعَالَى قَاصِدَ مَسْجِدِهِ ﵇ مِنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِأَمْرَيْنِ وَعُدَّ عَلَيْهِمَا ذَلِكَ الثَّوَابُ، أَمَّا الْحَجُّ فَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ بِإِسْنَادِهِ، وَابْنُ النَّجَّارِ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّهُ ﵇ قَالَ: («مَنْ خَرَجَ عَلَى طُهْرٍ لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِي حَتَّى يُصَلِّيَ فِيهِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ حَجَّةٍ») . وَأَمَّا الْعُمْرَةُ: فَزِيَارَةُ مَسْجِدِ قُبَاءٍ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: («صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ كَعُمْرَةٍ») .
[ ٢ / ٥٩١ ]
٦٩٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: («أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا») . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ): جَمْعُ الْبَلَدِ، وَالْمُرَادُ مَأْوَى الْإِنْسَانِ (مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا): الْمُرَادُ بِحُبِّ اللَّهِ الْمَسَاجِدَ إِرَادَةُ الْخَيْرِ لِأَهْلِهَا وَبِالْبُغْضِ خِلَافُهُ، وَهَذَا بِطَرِيقِ الْأَغْلَبِيَّةِ وَإِلَّا فَقَدْ يَقْصِدُ الْمَسْجِدَ بِقَصْدٍ نَحْوَ الْغِيبَةِ، وَقَدْ يَدْخُلُ السُّوقَ لِطَلَبِ الْحَلَالِ، وَلِذَا قِيلَ: كُنْ مِمَّنْ يَكُونُ فِي السُّوقِ وَقَلْبُهُ فِي الْمَسْجِدِ لَا بِالْعَكْسِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْقَلْبِ وَالْقَالَبِ فِي الْمَسْجِدِ أَكْمَلُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَعَلَّ تَسْمِيَةَ الْمَسَاجِدِ وَالْأَسْوَاقِ بِالْبِلَادِ تَلْمِيحٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾ [الأعراف: ٥٨] الْآيَةُ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ مُضَافٌ أَيْ: بِقَاعُ الْبِلَادِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَسَاجِدَ مَحَلُّ التَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالْأَسْوَاقَ مَحَلُّ أَفْعَالِ الشَّيَاطِينِ مِنَ الْحِرْصِ وَالطَّمَعِ وَالْخِيَانَةِ وَالْغَفْلَةِ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦] الْآيَةَ. وَقَالَ ﷺ: («الْمَسَاجِدُ مَوَاطِنُ الْمُتَّقِينَ») . (رَوَاهُ مُسْلِمٌ): وَابْنُ حِبَّانَ، قَالَهُ مِيرَكُ.
[ ٢ / ٥٩١ ]
٦٩٧ - وَعَنْ عُثْمَانَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: («مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا، بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ») . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ عُثْمَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا): أَيْ مَعْبَدًا، فَيَتَنَاوَلُ مَعْبَدَ الْكَفَرَةِ فَيَكُونُ لِلَّهِ لِإِخْرَاجِ مَا بَنَى مَعْبَدًا لِغَيْرِ اللَّهِ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. وَالْأَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ الْمَسْجِدُ عَلَى بَابِهِ وَيَكُونَ لِلَّهِ لِإِخْرَاجِ مَا بُنِيَ لِلرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ، وَلِذَا قِيلَ: مَنْ كَتَبَ اسْمَهُ عَلَى بِنَائِهِ دَلَّ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى عَدَمِ إِخْلَاصِهِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهُوَ ظَاهِرٌ مَا لَمْ يَقْصِدْ بِكِتَابَةِ اسْمِهِ نَحْوَ الدُّعَاءِ وَالتَّرَحُّمِ، وَفِيهِ: أَنَّ الدُّعَاءَ وَالتَّرَحُّمَ يَحْصُلُ مُجْمَلًا وَمُبْهَمًا، فَلَا يُحْتَاجُ تَعْيِينٌ إِلَى الِاسْمِ (بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا): وَفِي نُسْخَةٍ زِيَادَةُ: مِثْلَهُ (فِي الْجَنَّةِ): قَالَ الطِّيبِيُّ: التَّنْكِيرُ فِي (مَسْجِدًا) لِلتَّقْلِيلِ، وَفِي (بَيْتًا) لِلتَّكْثِيرِ وَالتَّعْظِيمِ لِيُوَافِقَ مَا وَرَدَ: (مَنْ بَنَى لِلَّهِ وَلَوْ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ) الْحَدِيثَ اهـ. قُلْتُ: وَلِيَكُونَ إِشَارَةً إِلَى زِيَادَةِ الْمَثُوبَةِ كَمِّيَّةً وَكَيْفِيَّةً ; لِئَلَّا يَرِدَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] قَالَ صَاحِبُ الرَّوْضَةِ فِي فَتَاوِيهِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بَيْتًا فَضْلُهُ عَلَى بُيُوتِ الْجَنَّةِ كَفَضْلِ الْمَسْجِدِ عَلَى بُيُوتِ الدُّنْيَا، وَأَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ مِثْلَهُ فِي مُسَمَّى الْبَيْتِ، وَأَمَّا الصِّفَةُ فِي السَّعَةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، كَذَا نَقَلَهُ السَّيِّدُ عَنِ الْأَزْهَارِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: بَنَى اللَّهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ، وَفِي أُخْرَى لِلْبُخَارِيِّ: (مَنْ بَنَى مَسْجِدًا) . قَالَ بُكَيْرٌ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: (يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ بَنَى اللَّهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ) . وَرَوَى أَحْمَدُ خَبَرَ: («مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا وَلَوْ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ لِبَيْضِهَا، بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ») . وَابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: («مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ أَوْ أَصْغَرَ، بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ») . وَأَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ أَيْضًا، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ. قَالَ الذَّهَبِيُّ: وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَمَفْحَصُ الْقَطَاةِ: بِفَتْحِ الْمِيمِ مَحَلٌّ تَبْحَثُهُ بِرِجْلِهَا وَتُصْلِحُهُ لِتَبِيضَ بِهِ بِالْأَرْضِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الْفَحْصِ وَهُوَ الْبَحْثُ، وَلَوْ هُنَا لِلتَّقْلِيلِ كَمَا أَثْبَتَهُ مِنْ مَعَانِيهَا ابْنُ هِشَامٍ الْخَضْرَاوِيُّ، وَجَعَلَ مِنْهُ: («اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ») . قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ التَّقْلِيلَ مُسْتَفَادٌ مِنْ بَعْدِ (لَوْلَا) مِنْ (لَوْ) قُلْتُ: الْأَظْهَرُ أَنَّ الِاسْتِفَادَةَ مِنْ بَعْدِ لَوْ لَكِنْ بِإِعَانَةِ لَوْ، فَإِنَّ الْكَلَامَ بِدُونِهَا لَا يُفِيدُ الْإِفَادَةَ الَّتِي مَعَهَا، وَالتَّقْلِيلُ هُنَا يَحْصُلُ بِأَدْنَى زِيَادَةٍ فِي مَسْجِدٍ تَنْزِيلًا لِتَتْمِيمِهِ مَنْزِلَةَ ابْتِدَائِهِ حَمْلًا لِلنَّاسِ عَلَى ذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمُبَالَغَةُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: (مِثْلَهُ) فَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْمِثْلِيَّةُ بِحَسَبِ الْكِمِّيَّةِ، وَالزِّيَادَةُ بِحَسَبِ الْكَيْفِيَّةِ، فَكَمْ مِنْ بَيْتٍ خَيْرٌ مِنْ مِائَةِ بَيْتٍ، وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ مِثْلُهُ فِي الِاسْمِ لَا فِي
[ ٢ / ٥٩١ ]
الْمِقْدَارِ، أَيْ: بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ كَمَا بَنَى بَيْتًا، فَجَزَاءُ هَذِهِ الْحَسَنَةِ مِنْ جِنْسِ الْبِنَاءِ لَا مِنْ غَيْرِهِ، مَعَ أَنَّ التَّفَاوُتَ حَاصِلٌ قَطْعًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى ضِيقِ الدُّنْيَا وَسَعَةِ الْعُقْبَى، وَمِنْ ثَمَّ رَوَى أَحْمَدُ: (بَنَى اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ أَفْضَلَ مِنْهُ)، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِلَفْظِ: (أَوْسَعَ)، وَيَدُلُّ عَلَى الْأَفْضَلِيَّةِ حَدِيثُ: («لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا») . وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: («مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا وَلَوْ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ») . قُلْتُ: - يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهَذِهِ الْمَسَاجِدُ الَّتِي بِطَرِيقِ مَكَّةَ. قَالَ: (وَتِلْكَ) . وَإِنَّمَا خَصَّ الْقَطَاةَ ; لِأَنَّهَا تُتَّخَذُ مَحَلًّا لِبَيْضِهَا عَلَى بُسَيْطِ الْأَرْضِ عَلَى نَحْوِ شَجَرٍ أَوْ جَبَلٍ، بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الطُّيُورِ.
[ ٢ / ٥٩٢ ]
٦٩٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: («مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ أَوْ رَاحَ، أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ نُزُلَهُ مِنَ الْجَنَّةِ كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ») . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ): أَيْ: ذَهَبَ إِلَيْهِ فِي الْغَدْوَةِ وَهُوَ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَالزَّوَالِ (أَوْ رَاحَ): ذَهَبَ إِلَيْهِ فِي الرَّوَاحِ وَهُوَ مَا بَعْدَ الزَّوَالِ (أَعَدَّ اللَّهُ) أَيْ: هَيَّأَ (لَهُ نُزُلَهُ): بِضَمِّ النُّونِ وَالزَّايِ وَتُسَكَّنُ، وَهُوَ مَا يُقَدَّمُ إِلَى الضَّيْفِ مِنَ الطَّعَامِ (مِنَ الْجَنَّةِ) قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْبُخَارِيِّ: النُّزُلُ بِضَمَّتَيْنِ الْمَكَانُ الْمُهَيَّأُ لِلنُّزُولِ وَبِسُكُونِ الزَّايِ مَا يُهَيَّأُ لِلْقَادِمِ مِنْ نَحْوِ الضِّيَافَةِ، فَمِنْ عَلَى الْأَوَّلِ لِلتَّبْعِيضِ، وَعَلَى الثَّانِي لِلتَّبْيِينِ (كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ) ; قَالَ الطِّيبِيُّ: النُّزُلُ مَا يُهَيَّأُ لِلنَّازِلِ، وَكُلَّمَا غَدَا ظَرْفٌ، وَجَوَابُهُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ مَا قَبْلَهُ وَهُوَ عَامِلٌ فِيهِ، وَالْمَعْنَى كُلَّمَا اسْتَمَرَّ غُدُوُّهُ وَرَوَاحُهُ اسْتَمَرَّ إِعْدَادُ نُزُلِهُ فِي الْجَنَّةِ، فَالْغُدُوُّ وَالرَّوَاحُ فِي الْحَدِيثِ كَالْبُكْرَةِ وَالْعَشِيِّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] الْمُرَادُ بِهِمَا الدَّوَامُ. قُلْتُ: فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْحَرَكَةُ سَبَبَ الْبَرَكَةِ، وَالذَّهَابُ مُوجِبَ الثَّوَابِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الذَّهَابُ إِلَى الطَّاعَةِ عَلَامَةَ إِعْدَادِ اللَّهِ الْمَثُوبَةَ، فَإِنَّ الْعِبَادَاتِ أَمَارَاتٌ لَا مُوجِبَاتٌ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٢ / ٥٩٢ ]
٦٩٩ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: («أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرًا فِي الصَّلَاةِ، أَبْعَدُهُمْ فَأَبْعَدُهُمْ مَمْشًى، وَالَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الْإِمَامِ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الَّذِي يُصَلِّي ثُمَّ يَنَامُ») مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي مُوسَى) أَيِ: الْأَشْعَرِيِّ كَمَا فِي نُسْخَةٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (أَعْظَمُ النَّاسِ): أَيْ: أَكْثَرُهُمْ (أَجْرًا فِي الصَّلَاةِ) أَيْ: فِي الْإِتْيَانِ إِلَيْهَا (أَبْعَدُهُمْ فَأَبْعَدُهُمْ) الْفَاءُ لِلِاسْتِمْرَارِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ قَالَهُ الطِّيبِيُّ: (مَمْشَى): مَصْدَرٌ أَوْ مَكَانٌ كَذَا قِيلَ، وَالثَّانِي هُوَ الظَّاهِرُ («وَالَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الْإِمَامِ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الَّذِي يُصَلِّي») أَيْ: مُنْفَرِدًا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، أَوْ مَعَ إِمَامٍ آخَرَ قَالَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ، أَوْ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ. (ثُمَّ يَنَامُ) أَيْ: وَلَا يَنْتَظِرُ الْإِمَامَ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ مَنْ أَخَّرَ الصَّلَاةَ لِيُصَلِّيَهَا مَعَ الْإِمَامِ، لَأَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الَّذِي يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِ الِاخْتِيَارِ وَلَمْ يَنْتَظِرِ الْإِمَامَ، وَيُحْتَمَلُ مَنِ انْتَظَرَ الصَّلَاةَ الثَّانِيَةَ، فَهُوَ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الَّذِي لَا يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ، وَفِي قَوْلِهِ: ثُمَّ يَنَامُ غَرَابَةٌ ; لِأَنَّهُ جَعَلَ عَدَمَ انْتِظَارِ الصَّلَاةِ نَوْمًا، وَالْمُنْتَظِرُ وَإِنْ نَامَ فَهُوَ يَقْظَانُ وَغَيْرُهُ نَائِمٌ، وَإِنْ كَانَ يَقْظَانَ لِأَنَّهُ يُضَيِّعُ تِلْكَ الْأَوْقَاتَ كَالنَّائِمِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٢ / ٥٩٢ ]
٧٠٠ - «وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: خَلَتِ الْبِقَاعُ حَوْلَ الْمَسْجِدِ، فَأَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ أَنْ يَنْتَقِلُوا قُرْبَ الْمَسْجِدِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ لَهُمْ: (بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَنْتَقِلُوا قُرْبَ الْمَسْجِدِ) . قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ أَرَدْنَا ذَلِكَ. فَقَالَ: (يَا بَنِي سَلِمَةَ! دِيَارَكُمْ، تُكْتَبْ
آثَارُكُمْ، دِيَارَكُمْ، تُكْتَبُ آثَارُكُمْ») . رَوَاهُ مُسْلِمٌ
_________________
(١) (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: خَلَتِ الْبِقَاعُ): بِكَسْرِ الْبَاءِ، وَضَبْطُ بَعْضِهِمْ بِالضَّمِّ سَهْوُ قَلَمٍ (حَوْلَ الْمَسْجِدِ) أَيْ: أَطْرَافَهُ قَرِيبًا مِنْهُ (فَأَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ) كَسْرُ اللَّامِ قَبِيلَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَكَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ مَسَافَةٌ بَعِيدَةٌ (أَنْ يَنْتَقِلُوا قُرْبَ الْمَسْجِدِ) بِنَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ: إِلَى مَكَانٍ بِقُرْبِهِ (فَبَلَغَ ذَلِكَ) أَيِ: انْتِقَالُهُمُ الْمَفْهُومُ مِنْ أَنْ يَنْتَقِلُوا (النَّبِيَّ ﷺ): بِالْإِخْبَارِ أَوِ الْوَحْيِ (فَقَالَ لَهُمْ: (بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَنْتَقِلُوا قُرْبَ الْمَسْجِدِ) . قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ أَرَدْنَا ذَلِكَ. فَقَالَ: (يَا بَنِي سَلِمَةَ! دِيَارَكُمْ): بِالنَّصْبِ عَلَى الْإِغْرَاءِ أَيِ: الْزَمُوا دِيَارَكُمْ (تُكْتَبْ) يُرْوَى بِالْجَزْمِ عَلَى
[ ٢ / ٥٩٢ ]
جَوَابُ الْزَمُوا، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، أَوِ الْحَالُ لِبَيَانِ الْمُوجَبِ (آثَارُكُمْ): جَمْعُ أَثَرٍ، وَأَثَرُ الشَّيْءِ حُصُولُ مَا يَدُلُّ عَلَى وُجُودِهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢] أَيْ: أَجْرُ خُطَاكُمْ، وَثَوَابُ أَقْدَامِكُمْ، لِكُلِّ خُطْوَةٍ دَرَجَةٌ، فَكُلَّمَا كَانَ الْخُطَا أَكْثَرَ يَكُونُ الْأَجْرُ أَكْثَرَ (دِيَارَكُمْ، تُكْتَبُ آثَارُكُمْ): كَرَّرَهُ لِلتَّأْكِيدِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: بَنُو سَلِمَةَ بَطْنٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَلَيْسَ فِي الْعَرَبِ سَلِمَةٌ بِكَسْرِ اللَّامِ غَيْرَهُمْ، كَانَتْ دِيَارُهُمْ عَلَى بُعْدٍ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ يُجْهِدُهُمْ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ وَعِنْدَ وُقُوعِ الْأَمْطَارِ وَاشْتِدَادِ الْبَرْدِ، فَأَرَادُوا أَنْ يَتَحَوَّلُوا قُرْبَ الْمَسْجِدِ، فَكَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُعَرَّى جَوَانِبُ الْمَدِينَةِ فَرَغَّبَهُمْ فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْأَجْرِ عَلَى نَقْلِ الْخُطَا، وَالْمُرَادُ بِالْكِتَابَةِ أَنْ تُكْتَبَ فِي صُحُفِ الْأَعْمَالِ أَيْ كَثْرَةُ الْخُطَا سَبَبٌ لِزِيَادَةِ الْأَجْرِ، أَوْ أَنْ تُكْتَبَ فِي كُتُبِ السِّيَرِ أَيْ: تُكْتَبَ قِصَّتُكُمْ وَمُجَاهَدَتُكُمْ فِي الْعِبَادَةِ فِي كُتُبِ سِيَرِ السَّلَفِ، فَيَكُونُ سَبَبًا لِحِرْصِ النَّاسِ عَلَى الْجِدِّ وَالِاجْتِهَادِ («وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ») الْحَدِيثَ اهـ. وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ فِي الْحَدِيثِ مُعْجِزَةً لَهُ ﵇، وَإِشَارَةً إِلَى أَنَّ التَّكْرَارَ لَيْسَ لِلتَّأْكِيدِ، بَلْ بِشَارَةٌ إِلَى الْكِتَابَتَيْنِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
قَالَ مِيرَكُ: وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ قَرِيبًا مِنْ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ، لَا مِنْ طَرِيقِ جَابِرٍ، وَلَا يُنَافِي هَذَا الْحَدِيثُ وَالَّذِي قَبْلَهُ مَا وَرَدَ: مِنْ أَنَّ شُؤْمَ الدَّارِ عَدَمُ سَمَاعِهَا لِلْأَذَانِ، لِأَنَّ الشَّآمَةَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ رُبَّمَا أَدَّى إِلَى فَوَاتِ الْوَقْتِ أَوِ الْجَمَاعَةِ، وَالْفَضْلُ مِنْ حَيْثُ كَثْرَةُ الْخُطَا الْمُسْتَلْزِمَةِ لِكَثْرَةِ الْأَجْرِ، فَالْحَيْثِيَّةُ مُخْتَلِفَةٌ، وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ الْعِمَادِ بِأَنَّ الدَّارَ الْبَعِيدَةَ أَفْضَلُ، وَاسْتَدَلَّ بِمَا هُنَا، وَبِخَبَرِ مُسْلِمٍ «عَنْ جَابِرٍ: كَانَتْ دِيَارُنَا بَائِنَةً عَنِ الْمَسْجِدِ، فَأَرَدْنَا أَنْ نَبِيعَ بُيُوتَنَا فَنَقْرُبَ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: (إِنَّ لَكُمْ بِكُلِّ خُطْوَةٍ دَرَجَةً)» . وَرَوَى مُسْلِمٌ أَيْضًا: «أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ كَانَ أَبْعَدَهُمْ دَارًا فَقِيلَ لَهُ: أَلَا تَرْكَبُ؟ قَالَ: مَا سَرَّنِي أَنَّ مَنْزِلِي بِجَنْبِ الْمَسْجِدِ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ يُكْتَبَ فِي مَمْشَايَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَرُجُوعِي إِذَا رَجَعْتُ إِلَى أَهْلِي، فَقَالَ ﵇: (قَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ») . وَرَوَى أَحْمَدُ خَبَرَ: فَضْلُ الدَّارِ الْبَعِيدَةِ عَنِ الْمَسْجِدِ عَلَى الْقَرِيبَةِ كَفَضْلِ الْفَارِسِ عَلَى الْقَاعِدِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمَحَلُّ ذَلِكَ فِيمَنْ لَمْ يَفُتْهُ بِبُعْدِ دَارِهِ مُهِمٌّ دِينِيٌّ كَتَعْلِيمِ عِلْمٍ وَتَعَلُّمِهِ، وَنَحْوِهَا مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، وَإِلَّا فَالْقَرِيبَةُ أَفْضَلُ فِي حَقِّهِ كَالضَّعِيفِ عَنِ الْمَشْيِ.
[ ٢ / ٥٩٣ ]
٧٠١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: («سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ:
إِمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِالْمَسْجِدِ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ حَسَبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ») . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (سَبْعَةٌ): أَيْ: أَشْخَاصٌ، وَلَا مَفْهُومَ لَهُ، إِذْ وَرَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى الزِّيَادَةِ (يُظِلُّهُمُ اللَّهُ): أَيْ: يُدْخِلُهُمْ (فِي ظِلِّهُ) أَيْ: رَحْمَتِهِ (يَوْمَ لَا ظِلَّ) " أَيْ: لَا قُدْرَةَ وَلَا رَحْمَةَ (إِلَّا ظِلُّهُ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: أَيْ يُدْخِلُهُمْ فِي حِرَاسَتِهِ وَرِعَايَتِهِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ ظِلُّ الْعَرْشِ إِذْ جَاءَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ فِي ظِلِّ عَرْشِهِ اهـ. وَفِيهِ إِشْكَالٌ لِمَا وَرَدَ مِنْ دُنُوِّ الشَّمْسِ مِنَ الرُّءُوسِ الْمُسْتَلْزِمِ لِكَوْنِهَا تَحْتَ الْعَرْشِ الْمُسْتَلْزِمِ لِعَدَمِ الظِّلِّ، إِذْ لَا يَظْهَرُهُ إِلَّا الشَّمْسُ. وَأَجَابَ ابْنُ حَجَرٍ بِمَنْعِ دَعْوَى أَنَّهُ لَا يَظْهَرُهُ إِلَّا هِيَ، وَقَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّ الْجَنَّةَ لَا شَمْسَ فِيهَا مَعَ قَوْلِهِ ﵇: («إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا كَذَا») فَكَمَا جَازَ لِلشَّجَرَةِ ظِلٌّ مَعَ عَدَمِ الشَّمْسِ، فَكَذَلِكَ الْعَرْشُ اهـ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ الظِّلَّ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِمَا يَحْجُبُ عَنْ نُورِ الشَّمْسِ، بَلْ عَامٌّ فِي كُلِّ نُورٍ كَنُورِ الْقَمَرِ فِي الدُّنْيَا، وَأَنْوَارِ الْجَنَّةِ فِي الْعُقْبَى، لَكِنْ لَا خَفَاءَ فِي عَدَمِ ظُهُورِ الْجَوَابِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِهِ لِأَنْ يَرْتَفِعَ إِلَى ظِلِّ الْعَرْشِ مِنْ حَضِيضِ الْفَرْشِ، أَوْ ظِلِّ الْعَرْشِ يَغْلِبُ عَلَى الشَّمْسِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ فَلَا يَبْقَى لَهُ تَأْثِيرُ الْحَرَارَةِ، وَمِنْهُ خَبَرُ: جُزْ يَا مُؤْمِنُ فَإِنَّ نُورَكَ أَطْفَأَ لَهِيبِي. قَالَ الرَّاغِبُ: الظِّلُّ ضِدُّ الضِّحِّ وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْفَيْءِ، وَيُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الْعِزَّةِ وَالْمَنَعَةِ يُقَالُ: أَظَلَّنِي أَيْ: حَرَسَنِي
[ ٢ / ٥٩٣ ]
جَعَلَنِي فِي ظِلِّهِ أَيْ فِي عِزِّهِ وَمَنَعَتِهِ، قِيلَ: فِي ظِلِّهِ تَأْكِيدٌ وَتَقْرِيرٌ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: يُظِلُّهُمْ لَا يَحْتَمِلُ ظِلَّ غَيْرِهِ يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَحْرُسُهُمْ مِنْ كُرَبِ الْآخِرَةِ وَيَكْنِفُهُمْ فِي رَحْمَتِهِ. (إِمَامٌ عَادِلٌ): مَنْ يَلِي أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْأُمَرَاءِ وَغَيْرِهِمْ ; لِأَنَّ النَّاسَ كَانُوا فِي ظِلِّهِ فِي الدُّنْيَا، فَجُوزِيَ بِنَظِيرِهِ فِي الْآخِرَةِ جَزَاءً وِفَاقًا وَقَدَّمَهُ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ السَّبْعَةِ فَإِنَّهُمْ دَاخِلُونَ تَحْتَ ظِلِّهِ، (وَشَابٌّ نَشَأَ) أَيْ: نَمَا وَتَرَبَّى (فِي عِبَادَةِ اللَّهِ) أَيْ: لَا فِي مَعْصِيَتِهِ، فَجُوزِيَ بِظِلِّ الْعَرْشِ لِدَوَامِ حِرَاسَةِ نَفْسِهِ عَنْ مُخَالَفَةِ رَبِّهِ (وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِالْمَسْجِدِ) وَفِي نُسْخَةٍ: فِي الْمَسْجِدِ. قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ قَوْلُهُ: مُعَلَّقٌ فِي الْمَسْجِدِ هَكَذَا هُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مِنَ التَّعْلِيقِ كَأَنَّهُ شَبَّهَهُ بِمِثْلِ الْقِنْدِيلِ إِشَارَةً إِلَى طُولِ الْمُلَازَمَةِ بِقَلْبِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْعَلَاقَةِ وَهِيَ شِدَّةُ الْحُبِّ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ أَحْمَدَ: مُعَلَّقٌ بِالْمَسْجِدِ، فَجُوزِيَ لِدَوَامِ مَحَبَّةِ رَبِّهِ وَمُلَازَمَتِهِ بَيْتَهُ بِظِلِّ عَرْشِهِ. (إِذَا خَرَجَ مِنْهُ) أَيْ: مِنَ الْمَسْجِدِ (حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِ): لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ فِي الْمَسْجِدِ كَالسَّمَكِ فِي الْمَاءِ، وَالْمُنَافِقَ فِي الْمَسْجِدِ كَالطَّيْرِ فِي الْقَفَصِ (وَرَجُلَانِ): مَثَلًا (تَحَابَّا فِي اللَّهِ) أَيْ: لِلَّهِ أَوْ فِي مَرْضَاتِهِ (اجْتَمَعَا عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْحُبِّ فِي اللَّهِ إِنِ اجْتَمَعَا (" وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ) أَيْ: إِنْ تَفَرَّقَا يَعْنِي يَحْفَظَانِ الْحُبَّ فِي الْحُضُورِ وَالْغَيْبَةِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: تَفَرَّقَا عَلَيْهِ مِنْ مَجْلِسِهِمَا، وَقِيلَ: التَّفَرُّقُ بِالْمَوْتِ. وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: قَوْلُهُ اجْتَمَعَا عَلَى ذَلِكَ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: اجْتَمَعَا عَلَيْهِ، فَكَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَانَ يَحْرُسُ صَاحِبَهُ عَنْ مُخَالَفَةِ رَبِّهِ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ فَجُوزِيَا بِذَلِكَ (وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا) أَيْ: مِنَ النَّاسِ، أَوْ مِنَ الرِّيَاءِ، أَوْ مِمَّا سِوَى اللَّهِ (فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ) أَيْ: سَالَتْ وَجَرَتْ دُمُوعُ عَيْنَيْهِ. وَفِي الْإِسْنَادِ مُبَالَغَةٌ لَا تَخْفَى، فَجَازَاهُ اللَّهُ عَلَى الْمَلَأِ الْأَعْلَى، (وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ): أَيْ: إِلَى الزِّنَا بِهَا (ذَاتُ حَسَبٍ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْحَسَبُ مَا يَعُدُّهُ الْإِنْسَانُ مِنْ مَفَاخِرِ آبَائِهِ، وَقِيلَ: الْخِصَالُ الْحَمِيدَةُ لَهُ وَلِآبَائِهِ (وَجَمَالٍ) أَيْ: فِي غَايَةِ كَمَالٍ (فَقَالَ) بِلِسَانِهِ أَوْ قَلْبِهِ (إِنِّي) بِسُكُونِ الْيَاءِ وَفَتْحِهَا (أَخَافُ اللَّهَ) أَيْ: مُخَالَفَتَهُ أَوْ عُقُوبَتَهُ أَوْ سُخْطَهُ، وَمَنْ خَافَ سَلِمَ (وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى التَّطَوُّعِ ; لِأَنَّ إِعْلَانَ الزِّيَادَةِ أَفْضَلُ (حَتَّى لَا تَعْلَمَ): بِفَتْحِ الْمِيمِ وَقِيلَ بِضَمِّهَا (شِمَالُهُ) قِيلَ: فِيهِ حَذْفٌ أَيْ: لَا يَعْلَمُ مَنْ بِشَمَالِهِ، وَقِيلَ يُرَادُ الْمُبَالَغَةُ فِي إِخْفَائِهَا وَأَنَّ شِمَالَهُ لَوْ تَعْلَمُ لَمَا عَلِمَتْهَا، وَلَمَّا بَالَغَ فِي إِخْفَاءِ عَمَلِهِ لِلَّهِ جَازَاهُ اللَّهُ بِإِظْهَارِ فَضْلِهُ (مَا تُنْفِقُ): وَجُوِّزَ فِي الْفِعْلَيْنِ التَّذْكِيرُ (يَمِينُهُ): وَوَقَعَ فِي مُسْلِمٍ: لَا تَعْلَمُ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ، وَهُوَ مَقْلُوبُ سَهْوٍ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ قَالَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ): وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَالنَّسَائِيُّ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ.
[ ٢ / ٥٩٤ ]
٧٠٢ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: («صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ تُضَعَّفُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ
خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا ; وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ، لَمْ يَخْطُ خُطْوَةً إِلَّا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ ; فَإِذَا صَلَّى، لَمْ تَزَلِ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ. وَلَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلَاةَ») .
وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: («إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ كَانَتِ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ») . وَزَادَ فِي دُعَاءِ الْمَلَائِكَةِ («اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ. مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ، مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ») . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ): أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (صَلَاةُ الرَّجُلِ) أَيْ: ثَوَابُ صَلَاتِهِ (فِي الْجَمَاعَةِ تُضَعَّفُ) بِالتَّشْدِيدِ، وَيَجُوزُ التَّخْفِيفُ، قَالَهُ فِي الْأَزْهَارِ، أَيْ: تُزَادُ (عَلَى صِلَاتِهِ) يُقَالُ: ضُعِّفَ الشَّيْءُ إِذَا زَادَ، وَضَعَّفْتُهُ وَأَضْعَفْتُهُ وَضَاعَفْتُهُ بِمَعْنًى، كَذَا فِي النِّهَايَةِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: إِسْنَادُ الزِّيَادَةِ إِلَيْهَا مَجَازٌ عَنْ ثَوَابِهَا، أَوْ يُقَدَّرُ مُضَافٌ أَيْ: ثَوَابُ صَلَاةِ الرَّجُلِ عَلَى ثَوَابِ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ (فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ): عَطَفَ بِإِعَادَةِ الْجَارِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بَلْ وَفِي الْمَسْجِدِ أَيْضًا كَمَا عُلِمَ مِنْ أَدِلَّةٍ أُخْرَى، وَخُصَّا بِالذِّكْرِ لِأَنَّ ذَلِكَ التَّضْعِيفَ إِذَا فَاتَ مَنْ بِهِمَا وَإِنِ احْتَاجَ إِلَى مُلَازَمَتِهِمَا فَمَنْ بِغَيْرِهِمَا أَوْلَى بِأَنْ يَفُوتَهُ اهـ. وَفِيهِ بَحْثٌ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ وَجْهَ تَخْصِيصِهِمَا كَوْنُ الْغَالِبِ أَنْ تُوجَدَ الْجَمَاعَةُ فِي الْمَسْجِدِ دُونَهُمَا ; وَلِذَا أُطْلِقَ تَعْلِيلُ التَّضْعِيفِ الْآتِي بِالْخُرُوجِ إِلَى الْمَسْجِدِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِجَمَاعَةٍ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ جَمَاعَةً تَزِيدُ عَلَى الصَّلَاةِ فِي الْبَيْتِ وَفِي السُّوقِ جَمَاعَةً وَفُرَادَى. وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِمُقَابَلَةِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ الصَّلَاةُ فِي
[ ٢ / ٥٩٤ ]
غَيْرِهِ مُنْفَرِدًا (خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا) أَيْ: مِثْلًا، وَفِي رِوَايَةٍ: سَبْعًا وَعِشْرِينَ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِمَا فِي مَبْحَثِ الْجَمَاعَةِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْمُرَادُ الْكَثْرَةُ لَا الْحَصْرُ. قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: قَوْلُهُ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ: خَمْسًا وَعِشْرِينَ، وَقَوْلُهُ: ضِعْفًا كَذَا فِي الرِّوَايَاتِ الَّتِي وَقَفْنَا عَلَيْهَا، وَحَكَى الْكِرْمَانِيُّ وَغَيْرُهُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً، فَيُؤَوَّلُ الضِّعْفُ بِالدَّرَجَةِ أَوْ بِالصَّلَاةِ، (وَذَلِكَ) أَيِ: التَّضْعِيفُ الْبَعِيدُ الْمُرَتَّبُ عَلَى الْقَصْدِ وَالنِّيَّةِ (أَنَّهُ) أَيْ: لِأَنَّهُ أَوْ بِأَنَّهُ يَعْنِي الرَّجُلَ أَوِ الشَّأْنَ (إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ) بِأَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْعَمَلِ بِالْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ (ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ لَا يُخْرِجُهُ): أَيْ: مِنْ بَيْتِهِ إِلَى الْمَسْجِدِ (إِلَّا الصَّلَاةُ) أَيْ: قَصَدَ الصَّلَاةَ بِجَمَاعَةٍ لَا شُغْلٌ آخَرُ، جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ مُؤَسِّسَةٌ لَا مُؤَكِّدَةٌ كَمَا قَالَ الطِّيبِيُّ: الْجُمْلَةُ الْحَالِيَّةُ كَالتَّعْلِيلِ لِلْحُكْمِ، كَأَنَّهُ لَمَّا أَضَافَ الصَّلَاةَ إِلَى الرَّجُلِ الْمُعَرَّفِ بِلَامِ الْجِنْسِ، أَفَادَ صَلَاةَ الرَّجُلِ الْكَامِلِ الَّذِي لَا يُلْهِيهِ أَمْرٌ دُنْيَوِيٌّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ فِي بَيْتِ اللَّهِ تُضَعَّفُ أَضْعَافًا ; لِأَنَّ مِثْلَهُ لَا يُقَصِّرُ فِي شَرَائِطِهَا وَأَرْكَانِهَا وَآدَابِهَا، فَإِذَا تَوَضَّأَ أَحْسَنَ الْوُضُوءَ، وَإِذَا خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ لَا يَشُوبُهُ شَيْءٌ مِمَّا يُكَدِّرُهُ، وَإِذَا صَلَّى لَمْ يَتَعَجَّلْ لِلْخُرُوجِ، وَمَنْ هَذَا شَأْنُهُ فَجَدِيرٌ بِأَنْ يُضَاعَفَ ثَوَابُ صَلَاتِهِ. (لَمْ يَخْطُ) قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الطَّاءَ، وَقَوْلُهُ (خُطْوَةً) بِضَمِّ أَوَّلِهِ، وَيَجُوزُ الْفَتْحُ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هِيَ بِالضَّمِّ مَا بَيْنَ الْقَدَمَيْنِ، وَبِالْفَتْحِ الْمَرَّةَ الْوَاحِدَةَ، وَجَزَمَ الْيَعْمُرِيُّ أَنَّهَا هُنَا بِالْفَتْحِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إِنَّهَا فِي رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ بِالضَّمِّ (إِلَّا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ) أَيْ: لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ذُنُوبٌ (وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ) أَيْ: إِذَا كَانَ عَلَيْهِ سَيِّئَاتٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعَ لَهُ بَيْنَ الرَّفْعِ وَالْحَطِّ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَالْفَضْلُ وَاسِعٌ. (فَإِذَا صَلَّى لَمْ تَزَلِ) بِالتَّأْنِيثِ وَيُذَكَّرُ (الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ) أَيْ: تَدْعُو لَهُ بِالْخَيْرِ وَتَسْتَغْفِرُ مِنْ ذُنُوبِهِ (مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ) جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِقَوْلِهِ: تُصَلِّي عَلَيْهِ، وَفِي ذَلِكَ فَخَامَةٌ (اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ) قَالَ الطِّيبِيُّ: طَلَبُ الرَّحْمَةِ بَعْدَ طَلَبِ الْمَغْفِرَةِ لِأَنَّ صَلَاةَ الْمَلَائِكَةِ اسْتِغْفَارٌ لَهُمْ (وَلَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ) أَيْ: حُكْمًا أُخْرَوِيًّا يَتَعَلَّقُ بِهِ الثَّوَابُ (مَا انْتَظَرَ الصَّلَاةَ) أَيْ: مَا دَامَ يَنْتَظِرُهَا، فَإِنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ، بَلْ نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ. (وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: (إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ كَانَتِ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ) أَيْ: لَا يَمْنَعُهُ مِنَ الْخُرُوجِ مِنَ الْمَسْجِدِ غَيْرُ انْتِظَارِ الصَّلَاةِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: («لَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَتِ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ») أَيْ: لَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْقَلِبَ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا الصَّلَاةُ. وَجَاءَ فِي بَعْضِ الْحِكَايَاتِ: أَنَّ عَبْدًا اسْتَأْذَنَ سَيِّدَهُ أَنْ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ وَيُصَلِّيَ، فَأَذِنَ لَهُ وَوَقَفَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُهُ، فَأَبْطَأَ الْعَبْدُ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: اخْرُجْ، فَقَالَ: مَا يُخَلِّينِي أَخْرُجُ، فَقَالَ: مَنْ هُوَ؟ فَقَالَ: الَّذِي لَا يُخَلِّيكَ تَدْخُلُ. (وَزَادَ) أَيْ: فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ (فِي دُعَاءِ الْمَلَائِكَةِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ) أَيْ: وَفِّقْهُ لِلتَّوْبَةِ أَوِ اقْبَلْهَا مِنْهُ أَوْ ثَبِّتْهُ عَلَيْهَا، وَالْمَعْنَى: لَا تَزَالُ الْمَلَائِكَةُ دَاعِينَ لَهُ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ أَوْ مُنْتَظِرًا لِلصَّلَاةِ (مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ): أَيْ: أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِلِسَانِهِ أَوْ يَدِهِ ; فَإِنَّهُ حَدَثٌ مَعْنَوِيٌّ، وَمِنْ ثَمَّةَ أَتْبَعَهُ بِالْحَدَثِ الظَّاهِرِيِّ فَقَالَ: (مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ) أَيْ: حَدَثًا حَقِيقِيًّا، وَهُوَ بِسُكُونِ الْحَاءِ وَتَخْفِيفِ الدَّالِّ الْمَكْسُورَةِ، أَيْ: مَا لَمْ يَبْطُلْ وُضُوؤُهُ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَمَّا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ قَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ: وَمَا الْحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ; قَالَ: فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ. نَقَلَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَهُوَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، وَلَعَلَّ سَبَبَ الِاسْتِفْسَارِ إِطْلَاقُ الْحَدَثِ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ، أَوْ ظَنُّوا أَنَّ الْإِحْدَاثَ بِمَعْنَى الِابْتِدَاعِ، وَتَشْدِيدُ الدَّالِ خَطَأٌ كَذَا فِي النِّهَايَةِ. وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: مَا لَمْ يُؤْذِ بِحَدَثٍ، كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْفِعْلِ الْمَجْزُومِ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ: بِحَدَثٍ فِيهِ بِلَفْظِ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ مُتَعَلِّقًا بِـ يُؤْذِ، وَالْمُرَادُ بِالْحَدَثِ النَّاقِضُ لِلْوُضُوءِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ اهـ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُهَلَّبِ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْحَدَثَ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ يُحْرَمُ بِهَا الْمُحْدِثُ اسْتِغْفَارَ الْمَلَائِكَةِ وَدُعَاءَهُمُ الْمَرْجُوَّ بَرَكَتُهُ، وَقِيلَ: إِخْرَاجُ الرِّيحِ مِنَ الدُّبُرِ لَا يَحْرُمُ، لَكِنَّ الْأَوْلَى اجْتِنَابُهُ ; لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى بِمَا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ، كَمَا يَأْتِي فِي الْحَدِيثِ. وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ، وَإِنْ مَنَعَ دُعَاءَ الْمَلَائِكَةِ، لَا يَمْنَعُ جَوَازَ الْجُلُوسِ فِي الْمَسْجِدِ
[ ٢ / ٥٩٥ ]
وَادَّعَى بَعْضُهُمْ فِيهِ الْإِجْمَاعَ وَفِيهِ نَظَرٌ، فَقَدْ نُقِلَ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنِ أَنَّهُ كَالْجُنُبِ يَمُرُّ فِيهِ وَلَا يَجْلِسُ، وَإِنْ جَلَسَ فِيهِ لِعِبَادَةٍ كَاعْتِكَافٍ أَوِ انْتِظَارِ صَلَاةٍ أَوْ ذِكْرٍ كَانَ مُسْتَحَبًّا، وَإِلَّا فَمُبَاحًا، وَقِيلَ: يُكْرَهُ لِخَبَرِ: إِنَّمَا بُنِيَتِ الْمَسَاجِدُ لِذِكْرِ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيَجُوزُ النَّوْمُ فِيهِ بِلَا كَرَاهَةٍ عِنْدَنَا ; لِأَنَّ أَهْلَ الصُّفَّةِ كَانُوا يُدِيمُونَ النَّوْمَ فِي الْمَسْجِدِ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ لِلْمُقِيمِ دُونَ الْغَرِيبِ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ، وَقَالَ جَمْعٌ مِنَ السَّلَفِ بِكَرَاهَتِهِ مُطْلَقًا، وَخَبَرُ: إِنَّهُ ﵇ خَرَجَ عَلَى نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَهُمْ رُقُودٌ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: انْقَلِبُوا فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ لِلْمَرْءِ مَرْقَدًا. إِسْنَادُهُ مَجْهُولٌ مُنْقَطِعٌ، «وَخَبَّرَ أَبُو ذَرٍّ: رَآنِي ﵇ نَائِمًا فِي الْمَسْجِدِ فَضَرَبَنِي بِرِجْلِهِ وَقَالَ: لَا أَرَاكَ نَائِمًا فِيهِ» . فِي إِسْنَادِهِ مَجْهُولٌ أَيْضًا فَلَا حُجَّةَ فِيهِ اهـ. وَالْجَمْعُ مُمْكِنٌ بِأَنْ يُقَالَ: يُكْرَهُ لِمَنْ لَهُ مَسْكَنٌ دُونَ غَيْرِهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ مِيرَكُ: فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ قَوْلَ: اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ لَيْسَ فِي الْبُخَارِيِّ، بَلْ يُعْلَمُ مِنْ شَرْحِ الشَّيْخِ ابْنِ حَجَرٍ أَنَّهُ مِنْ زِيَادَاتِ ابْنِ مَاجَهْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ الْجَزَرِيِّ أَنَّ قَوْلَهُ: لَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ إِلَخْ. مِنْ إِفْرَادِ مُسْلِمٍ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ أَيْضًا تَأْمَّلْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ٢ / ٥٩٦ ]
٧٠٣ - وَعَنْ أَبِي أُسَيْدٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ («إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ. وَإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ») . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي أُسَيْدٍ): بِالتَّصْغِيرِ عَلَى مَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَأَسْمَاءُ الرِّجَالِ لِلْمُصَنِّفِ، وَقِيلَ: بِفَتْحٍ وَكَسْرٍ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ كَذَا فِي الْمُغْنِي، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الشَّمَائِلِ: بِفَتْحٍ وَكَسْرٍ لَا ضَمٍّ وَفَتَحٍ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَبُو أُسَيْدٍ مَالِكُ بْنُ رَبِيعَةَ أَنْصَارِيٌّ سَاعِدِيٌّ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: («إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ. وَإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ»): قَالَ الطِّيبِيُّ: لَعَلَّ السِّرَّ فِي تَخْصِيصِ الرَّحْمَةِ بِالدُّخُولِ، وَالْفَضْلِ بِالْخُرُوجِ أَنَّ مَنْ دَخَلَ اشْتُغِلَ بِمَا يُزْلِفُهُ إِلَى ثَوَابِهِ وَجَنَّتِهُ، فَيُنَاسِبُ ذِكْرَ الرَّحْمَةِ، وَإِذَا خَرَجَ اشْتُغِلَ بِابْتِغَاءِ الرِّزْقِ الْحَلَالِ، فَنَاسَبَ ذِكْرَ الْفَضْلِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] . (رَوَاهُ مُسْلِمٌ)، وَأَبُو دَاوُدَ، وَكِلَاهُمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ أَوْ أَبِي أُسَيْدٍ عَلَى الشَّكِّ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْهُمَا مِنْ غَيْرِ شَكٍّ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبَى حُمَيْدٍ وَحْدَهُ، كَذَا نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ الصَّحِيحِ، وَفِي خَبَرِ الْحَاكِمِ وَصَحَّحَهُ: («إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيُسَلِّمْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَجِرْنِي مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ») . وَعَنِ ابْنِ السُّنِّيِّ: («إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ تَدَاعَتْ جُنُودُ إِبْلِيسَ - أَجَلَبَتْ وَاجْتَمَعَتْ - كَمَا يَجْتَمِعُ النَّحْلُ عَلَى يَعْسُوبِهَا، فَإِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ إِبْلِيسَ وَجُنُودِهِ، فَإِنَّهُ إِذَا قَالَهَا لَا يَضُرُّهُ») .
[ ٢ / ٥٩٦ ]
٧٠٤ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: («إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ») . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ، فَلْيَرْكَعْ) أَمْرُ اسْتِحْبَابٍ لَا وُجُوبٍ، خِلَافًا لِلظَّاهِرِيَّةِ (رَكْعَتَيْنِ) يَعْنِي تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا مِنْ صَلَاةِ فَرْضٍ أَوْ سُنَّةٍ فِي غَيْرِ وَقْتٍ مَكْرُوهٍ عِنْدَنَا، أَوْ طَوَافٍ (قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ) تَعْظِيمًا لِلْمَسْجِدِ، وَاسْتَثْنَى الْخَطِيبَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ): قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ، وَوَقَعَ فِي الْمَشَارِقِ لِلصَّغَانِيِّ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَقَّمَ لَهُ بِعَلَامَةِ (خ) فَوَهِمَ فِي مَوْضِعَيْنِ. قُلْتُ: الْمُرَادُ بِالْمَوْضِعِ الْأَوَّلِ، أَنَّهُ نَسَبَ الْحَدِيثَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالْحَالُ أَنَّهُ مَنْسُوبٌ إِلَى أَبِي قَتَادَةَ، وَبِالثَّانِي أَنَّهُ نَسَبَهُ إِلَى الْبُخَارِيِّ فَقَطْ، وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى الصَّحِيحَيْنِ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، وَالْأَرْبَعَةُ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَفِي رِوَايَةِ الْعُقَيْلِيِّ، وَابْنِ عَدِيٍّ، وَالْبَيْهَقِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: («إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ، وَإِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ بَيْتَهُ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ، فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ لَهُ مِنْ رَكْعَتَيْهِ فِي بَيْتِهِ خَيْرًا») وَفِي رِوَايَةٍ: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ»، وَفِي
[ ٢ / ٥٩٦ ]
رِوَايَةٍ: «(أَعْطُوا الْمَسَاجِدَ حَقَّهَا) . قَالُوا: وَمَا حَقُّهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: (أَنْ تُصَلُّوا رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ تَجْلِسُوا») . وَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْعَوَامِّ مِنَ الْجُلُوسِ أَوَّلًا ثُمَّ الْقِيَامِ لِلصَّلَاةِ ثَانِيًا بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ، ثُمَّ الظَّاهِرُ مِنَ الْحَدِيثِ اخْتِصَاصُ نَدْبِهَا بِمُرِيدِ الْجُلُوسِ، وَيُحْتَمَلُ التَّقْيِيدُ بِالْجُلُوسِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ، وَمَنْ دَخَلَهُ وَقْتَ كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ أَوْ وَهُوَ مُحْدِثٌ قَالَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ. زَادَ بَعْضُهُمْ: وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّ ذَلِكَ يَعْدِلُ رَكْعَتَيْنِ فِي الْفَضْلِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا صَحَّ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ - الْإِمَامِ الْكَبِيرِ التَّابِعِيِّ - أَنَّهُ قَالَ: إِذَا دَخَلْتَ الْمَسْجِدَ فَصَلِّ فِيهِ، فَإِنْ لَمْ تُصَلِّ فَاذْكُرِ اللَّهَ، فَكَأَنَّكَ قَدْ صَلَّيْتَ، وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَأَرَادَ الطَّوَافَ فَلْيَبْدَأْ بِهِ وَإِلَّا فَلْيُصَلِّ خِلَافًا لِمَنْ وَهِمَ خِلَافَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ طَوَافُهُ، ثُمَّ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهَا تَفُوتُ بِالْجُلُوسِ، لَكِنْ رَوَى ابْنُ حِبَّانَ «عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَصَحَّحَهُ قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ وَحْدَهُ، فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ: (يَا أَبَا ذَرٍّ لِلْمَسْجِدِ تَحِيَّةٌ وَإِنَّ تَحِيَّتَهُ رَكْعَتَانِ، فَقُمْ فَارْكَعْهُمَا») . قَالَ: فَقُمْتُ فَرَكَعْتُهَمَا، وَبِهِ أُخِذَ أَنَّ الزَّائِرَ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ النَّبَوِيَّ يُصَلِّي أَوَّلًا، ثُمَّ يَزُورُهُ تَقْدِيمًا لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَتَعْظِيمِهِ عَلَى حَقِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَكْرِيمِهِ.
[ ٢ / ٥٩٧ ]
٧٠٥ - وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: («كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَقْدَمُ مِنْ سَفَرٍ إِلَّا نَهَارًا فِي الضُّحَى، فَإِذَا قَدِمَ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ، فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ فِيهِ») . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَقْدَمُ): بِفَتْحِ الدَّالِّ أَيْ: لَا يَرْجِعُ (مِنْ سَفَرٍ إِلَّا نَهَارًا فِي الضُّحَى): وَهُوَ وَقْتُ تَشْرُقُ الشَّمْسُ، قِيلَ: وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ وَقْتُ نَشَاطٍ فَلَا مَشَقَّةَ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي الْمَجِيءِ إِلَيْهِ، بِخِلَافِ نِصْفِ النَّهَارِ، فَإِنَّهُ وَقْتُ نَوْمٍ وَرَاحَةٍ، وَبِخِلَافِ أَوَاخِرِهِ ; لِأَنَّهُ وَقْتُ اشْتِغَالٍ بِأَسْبَابِ الْعَشَاءِ وَنَحْوِهُ، وَبِخِلَافِ اللَّيْلِ فَإِنَّهُ يَشُقُّ الْحَرَكَةُ فِيهِ. (فَإِذَا قَدِمَ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ): أَيْ: بِدُخُولِهِ (فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ): تَعْظِيمًا لِأَمْرِ اللَّهِ (ثُمَّ جَلَسَ فِيهِ): قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَهُ لِيَزُورَهُ الْمُسْلِمُونَ شَفَقَةً عَلَى خَلْقِ اللَّهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ): وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ قَالَهُ مِيرَكُ. وَرَوَى عَبْدُ الْحَقِّ وَضَعَّفَهُ خَبَرُ: «وَإِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ فَلْيُصَلِّ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ» .
[ ٢ / ٥٩٧ ]
٧٠٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: («مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ ; فَلْيَقُلْ: لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ، فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا») . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ): بِوَزْنِ يَطْلُبُ وَمَعْنَاهُ (ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ): مُتَعَلِّقٌ بِـ يَنْشُدُ. أَيْ: يَطْلُبُهَا بِرَفْعِ الصَّوْتِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: نَشَدْتُ الضَّالَّةَ أَنْشُدُهَا نَشْدَةً وَنِشْدَانًا طَلَبْتُهَا، وَأَنْشَدْتُهَا بِالْأَلِفِ إِذَا عَرَّفْتَهَا مِنَ النَّشْدِ رَفْعُ الصَّوْتِ، وَيَدْخُلُ فِي هَذَا كُلُّ أَمْرٍ لَمْ يُبْنَ لَهُ الْمَسْجِدُ مِنَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَكَانَ بَعْضُ السَّلَفِ لَا يَرَى أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَى السَّائِلِ الْمُتَعَرِّضِ فِي الْمَسْجِدِ. (فَلْيَقُلْ: لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ، فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ) تَعْلِيلٌ لِلْحُكْمِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَقُولِ (لَمْ تُبْنَ لِهَذَا) أَيْ: لِنِشْدَانِ الضَّالَّةِ وَنَحْوِهِ، بَلْ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَالْوَعْظِ، حَتَّى كَرِهَ مَالِكٌ الْبَحْثَ الْعِلْمِيَّ، وَجَوَّزَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُ ; لِأَنَّهُ مِمَّا يَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَيْهِ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ مَجْمَعُهُمْ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ عَقْدُ النِّكَاحِ فِيهِ، فَإِنَّهُ سُنَّةٌ لِلْأَمْرِ بِهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ): وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. قَالَهُ مِيرَكُ.
[ ٢ / ٥٩٧ ]
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ ﵇ «سَمِعَ مَنْ يَنْشُدُ فِي الْمَسْجِدِ جَمَلًا أَحْمَرَ فَقَالَ: (لَا وَجَدْتَ إِنَّمَا بُنِيَتِ الْمَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ») . وَحَسَّنَ التِّرْمِذِيُّ خَبَرَ: «إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا: (لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَنْشُدُ فِيهِ ضَالَّةً فَقُولُوا: لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ») . قَالَ: وَكَذَا يَنْدُبُ أَنْ يُقَالَ لِمَنْ أَنْشَدَ شِعْرًا مَذْمُومًا: فَضَّ اللَّهُ فَاكَ ثَلَاثًا ; لِلْأَمْرِ بِذَلِكَ، رَوَاهُ ابْنُ السُّنِّيِّ، وَلَا بَأْسَ بِإِعْطَاءِ السَّائِلِ فِيهِ شَيْئًا لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، («هَلْ أَحَدٌ مِنْكُمْ أَطْعَمَ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟) فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا أَنَا بِسَائِلٍ، فَوَجَدْتُ كِسْرَةَ خُبْزٍ فِي يَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَأَخَذْتُهَا فَدَفَعْتُهَا إِلَيْهِ»، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَنَّهُ ﵇ أَمَرَ سُلَيْكًا الْغَطَفَانِيَّ بِالصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي حَالِ الْخُطْبَةِ لِيَرَاهُ النَّاسُ فَيَتَصَدَّقُونَ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِالصَّدَقَةِ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ.
قُلْتُ: لَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ سَائِلًا، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِيهِ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لَا يَحِلُّ إِعْطَاؤُهُ فِيهِ لِمَا فِي بَعْضِ الْآثَارِ: يُنَادِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِيَقُمْ بَغِيضُ اللَّهِ، فَيَقُومُ سُؤَّالُ الْمَسْجِدِ. وَفَصَلَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ مَنْ يُؤْذِي النَّاسَ بِالْمُرُورِ وَنَحْوِهُ، فَيُكْرَهُ إِعْطَاؤُهُ ; لِأَنَّهُ إِعَانَةٌ لَهُ عَلَى مَمْنُوعٍ، وَبَيْنَ مَنْ لَا يُؤْذِي فَيُسَنُّ إِعْطَاؤُهُ ; لِأَنَّ السُّؤَّالَ كَانُوا يَسْأَلُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، حَتَّى يُرْوَى أَنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ تَصَدَّقَ بِخَاتَمِهِ وَهُوَ فِي الرُّكُوعِ، فَمَدَحَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ وَفِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ وَلَا الْآيَةِ أَنَّ إِعْطَاءَ عَلِيٍّ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْخِلَافَ خِلَافُ عَصْرٍ وَزَمَانٍ ; لِاخْتِلَافِ السَّائِلِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ٢ / ٥٩٨ ]
٧٠٧ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: («مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْمُنْتِنَةِ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ الْإِنْسُ») . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ) فِي الْقَامُوسِ: الشَّجَرُ مِنَ النَّبَاتِ مَا قَامَ عَلَى سَاقٍ أَوْ سَمَا بِنَفْسِهِ دَقَّ أَوْ جَلَّ، قَاوَمَ الشِّتَاءَ أَوْ عَجَزَ عَنْهُ، الْوَاحِدَةُ بِهَاءٍ، فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ تَغْلِيبًا غَيْرَ ظَاهِرٍ، نَعَمْ لَوْ قَالَ مَجَازًا كَانَ لَهُ وَجْهٌ، وَلِذَا قَالَ: إِذْ حَقِيقَتُهَا مَا لَهُ سَاقٌ وَأَغْصَانٌ وَخِلَافُهُ نَجْمٌ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦] يَعْنِي عَلَى أَحَدِ التَّفَاسِيرِ، وَإِلَّا فَقَدْ قَالَ مُجَاهِدٌ: النَّجْمُ الْكَوْكَبُ، وَسُجُودُهُ طُلُوعُهُ (الْمُنْتِنَةِ) أَيِ: الثَّوْمِ، وَيُقَاسُ عَلَيْهِ الْبَصَلُ وَالْفُجْلُ، وَمَا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ كَالْكُرَّاثِ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَمِنْ ذَلِكَ مَنْ بِهِ بَخْرٌ مُسْتَحْكِمٌ وَجُرْحٌ مُنْتِنٌ (فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا) قِيلَ: النَّهْيُ يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ الْمَسَاجِدِ، فَالْإِضَافَةُ لِلْمِلْكِ، أَوِ التَّقْدِيرُ: مَسْجِدُ أَهْلِ مِلَّتِنَا؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ وَهِيَ (فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَأَذَّى) وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: (تَتَأَذَّى) أُرِيدَ بِهِمُ الْحَاضِرُونَ مَوْضِعَ الْعِبَادَاتِ عَامَّةً تُوجَدُ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ فَيَعُمُّ الْحُكْمُ، وَيَدُلُّ هَذَا التَّعْلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ وَإِنْ كَانَ خَالِيًا مِنَ الْإِنْسَانِ لِأَنَّهُ مَحَلُّ مَلَائِكَةٍ، فَقَوْلُهُ: (مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ الْإِنْسُ): يَكُونُ مَحْمُولًا عَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِهِمْ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: («مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَالثَّوْمَ وَالْكُرَّاثَ فَلَا يَقْرَبَنَّ
[ ٢ / ٥٩٨ ]
مَسْجِدَنَا») . وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ أَيْضًا: (مَسَاجِدَنَا) . وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: (فَلَا يَأْتِيَنَّ الْمَسَاجِدَ)، وَفِيهَا رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ اخْتِصَاصَهُ بِمَسْجِدِهِ - ﵇ - (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ): وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ قَالَهُ مِيرَكُ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَقِيبَ حَدِيثِ: «لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا وَجَدَ رِيحًا مِنَ الرَّجُلِ فِي الْمَسْجِدِ أَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ إِلَى الْبَقِيعِ»، هَذَا فِيهِ إِخْرَاجُ مَنْ وُجِدَ مِنْهُ رِيحٌ نَحْوُ: الْبَصَلِ فِي الْمَسْجِدِ إِزَالَةً لِلْمُنْكَرِ بِالْيَدِ لِمَنْ أَمْكَنَهُ.
[ ٢ / ٥٩٩ ]
٧٠٨ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: («الْبُزَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا») . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (الْبُزَاقُ) أَيْ: إِلْقَاؤُهُ، وَقَدْ يُقَالُ بِالسِّينِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَتَيْنِ (إِلَى الْمَسْجِدِ) أَيْ: فِي أَرْضِهِ وَجُدْرَانِهِ (خَطِيئَةٌ) أَيْ: إِثْمٌ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ: سَيِّئَةٌ، وَكَالْبُزَاقِ الْمُخَاطِ بَلْ أَوْلَى (وَكَفَّارَتُهَا): أَيْ: إِذَا فَعَلَهَا خَطَأً (دَفَنَهَا): يَعْنِي: إِذَا أَزَالَ ذَلِكَ الْبُزَاقَ أَوْ سَتَرَهُ بِشَيْءٍ طَاهِرٍ عَقِيبَ الْأَلْقَاءِ زَالَ مِنْهُ تِلْكَ الْخَطِيئَةُ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمَعْنَى كَوْنِ ذَلِكَ كَفَّارَتَهُ أَنَّ ذَلِكَ قَاطِعٌ لِلتَّحْرِيمِ الْوَاقِعِ لَا أَنَّهُ يَرْفَعُهُ مِنْ أَصْلِهِ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: إِنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ لِمُنَافَاتِهِ خَبَرَ الصَّحِيحَيْنِ الْمَذْكُورَ، وَخَبَرَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ يَفْعَلُهُ فِي الْمَسْجِدِ ضَعِيفٌ عَلَى أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَا هُوَ ظَاهِرٌ أَنَّ فِعْلَهُ لَا يَسْتَلْزِمُ إِيصَالَهُ بِهِ، وَحِكْمَةُ دَفْنِهِ بَيْنَهَا خَبَرُ: «إِذَا انْتَخَمَ أَحَدُكُمْ فَلْيُغَيِّبْ نُخَامَتَهُ أَنْ تُصِيبَ جِلْدَ مُؤْمِنٍ أَوْ ثَوْبَهُ فَيُؤْذِيَهُ» . قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ: وَلَا خِلَافَ أَنَّ مَنْ بَصَقَ بِالْمَسْجِدِ اسْتِهَانَةً بِهِ كَفَرَ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٢ / ٥٩٩ ]
٧٠٩ - عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: («عُرِضَتْ عَلَيَّ أَعْمَالُ أُمَّتِي حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا، فَوَجَدْتُ فِي مَحَاسِنِ أَعْمَالِهَا الْأَذَى يُمَاطُ عَنْ طَرِيقٍ، وَوَجَدْتُ فِي مَسَاوِئِ أَعْمَالِهَا النُّخَاعَةَ تَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ لَا تُدْفَنُ») . رَوَاهُ مُسْلِمٌ
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (عُرِضَتْ عَلَيَّ أَعْمَالُ أُمَّتِي) أَيْ: إِجْمَالًا مِنْ غَيْرِ بَيَانِ عَامِلِيهَا، وَيَحْتَمِلُ تَفْصِيلًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ أَعْمَالُ الْجَوَارِحِ (حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا): بِالرَّفْعِ بَدَلٌ مِنْ أَعْمَالٍ (فَوَجَدْتُ فِي مَحَاسِنِ أَعْمَالِهَا): جَمْعِ حُسْنٍ بِالضَّمِّ وَالسُّكُونِ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ (الْأَذَى): أَيِ: الْمُؤْذَى يَعْنِي إِزَالَتَهُ، وَاللَّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ، وَقِيلَ لِلْجِنْسِ (يُمَاطُ) أَيْ: يُزَالُ (عَنِ الطَّرِيقِ): صِفَةُ الْأَذَى قَالَهُ الطِّيبِيُّ " (وَوَجَدْتُ فِي مَسَاوِئِ أَعْمَالِهَا) جَمْعِ سُوءٍ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وَالْيَاءُ مُنْقَلِبَةٌ عَنِ الْهَمْزَةِ (النُّخَاعَةَ): بِضَمِّ النُّونِ أَيِ: الْبُزَاقَةِ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ أَصْلِ الْفَمِ، وَالْمُرَادُ بِهَا إِلْقَاؤُهَا، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهَا الْبُصَاقُ، وَالنُّخَامَةُ هِيَ الْبَلْغَمُ (تَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ) صِفَةُ النُّخَاعَةِ (لَا تُدْفَنُ): قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْجُمْلَتَانِ صِفَتَانِ أَوْ حَالَانِ أَيْ مُتَدَاخِلَتَانِ أَوْ مُتَرَادِفَتَانِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَابْنُ حِبَّانَ قَالَهُ مِيرَكُ.
[ ٢ / ٥٩٩ ]
٧١٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: («إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَلَا يَبْصُقْ أَمَامَهُ ; فَإِنَّمَا يُنَاجِي اللَّهَ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًا وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ فَيَدْفِنُهَا») .
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -: (إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ): وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ (فَلَا يَبْصُقْ أَمَامَهُ): نَهْيٌ، وَقِيلَ: نَفْيٌ مَعْنَاهُ النَّهْيِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ عَامٌّ فِي الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ أَيْ: لَا يُسْقِطِ الْبُزَاقُ أَمَامَهُ نَحْوَ الْقِبْلَةِ، وَتَخْصِيصُ الْقِبْلَةِ اسْتِوَاءُ جَمِيعِ الْجِهَاتِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِتَعْظِيمِهَا. (فَإِنَّمَا يُنَاجِي اللَّهَ) أَيْ: يُخَاطِبُهُ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ، وَمَنْ يُنَاجِي أَحَدًا مَثَلًا لَا يَبْصُقُ نَحْوَهُ. (وَلَا عَنْ يَمِينِهِ): تَعْظِيمًا لِلْيَمِينِ وَزِيَادَةً لِشَرَفِهَا (فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًا): يَكْتُبُ الْحَسَنَاتِ الَّتِي هِيَ عَلَامَةُ الرَّحْمَةِ، فَهُوَ أَشْرَفُ وَالتَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ، وَقَدْ وَرَدَ: إِنَّهُ أَمِيرٌ عَلَى مَلَكِ الْيَسَارِ يَمْنَعُهُ مِنْ كِتَابَةِ السَّيِّئَاتِ إِلَى ثَلَاثِ سَاعَاتٍ لَعَلَّهُ يَرْجِعُ إِلَى الطَّاعَاتِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ مَلَكٌ آخَرُ غَيْرُ الْحَفَظَةِ يَحْضُرُ عِنْدَ الصَّلَاةِ لِلتَّأْيِيدِ وَالْإِلْهَامِ وَالتَّامَّيْنِ عَلَى دُعَائِهِ، فَسَبِيلُهُ سَبِيلُ الزَّائِرِ، فَيَجِبُ أَنْ يُكْرِمَ زَائِرَهُ فَوْقَ مَنْ يَحْفَظُهُ مِنَ الْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُخَصَّ صَاحِبُ الْيَمِينِ بِالْكَرَامَةِ، تَنْبِيهًا عَلَى مَا بَيْنَ الْمَلَكَيْنِ مِنَ الرَّحْمَةِ، كَمَا بَيْنَ الْيَمِينِ وَالشِّمَالِ. أَيْ: مِنَ الْقُوَّةِ وَالْكَرَامَةِ، وَتَمْيِيزًا بَيْنَ مَلَائِكَةِ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةِ الْعَذَابِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَاسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ مِنَ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ؛ فَإِنَّ بُصَاقَهُ عَنْ يَمِينِهِ أَوْلَى، لِأَنَّهُ - ﵇ - عَنْ يَسَارِهِ اهـ. وَهُوَ وَجِيهٌ كَمَا لَوْ كَانَ عَلَى يَسَارِهِ جَمَاعَةٌ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْهُ تَحْتَ قَدَمِهِ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ حِينَئِذٍ عَنِ الْيَمِينِ أَوْلَى، تَمَّ كَلَامُهُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إِذَا صَلَّى دَاخِلَ الْكَعْبَةِ أَوِ الْحِجْرِ، فَيَتَعَيَّنُ تَحْتَ قَدَمِهِ إِذَا كَانَ تَحْتَهُ ثَوْبٌ أَوْ يَأْخُذُهُ بِكُمِّهِ أَوْ ذَيْلِهِ (لِيَبْصُقْ) وَفِي نُسْخَةٍ: بِوَاوِ الْعَطْفِ مَعَ كَسْرِ اللَّامِ وَتُسَكَّنُ (عَنْ يَسَارِهِ) أَيْ: عَلَى ثَوْبِهِ إِنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ (أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ) إِذَا كَانَ تَحْتَهُ ثَوْبُهُ، وَفِي رِوَايَةٍ: وَتَحْتَ قَدَمِهِ بِالْوَاوِ، وَفِي أُخْرَى: بِلَا وَاوٍ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهَذَا إِذَا كَانَ الْمُصَلِّي فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ، أَوْ فِيهِ وَلَمْ يَصِلِ الْبُزَاقُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ، وَيُلْحَقُ بِالصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ خَارِجُهَا وَلَوْ غَيْرُ الْمَسْجِدِ، خِلَافًا لِلْأَذْرُعِيِّ كَالسُّبْكِيِّ، ثُمَّ قِيلَ: الْمُرَادُ مَنْ هُوَ خَارِجُهَا مُطْلَقًا، وَقِيلَ: كَانَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ بِالنِّسْبَةِ لِكَرَاهَةِ إِمَامِهِ، وَذَلِكَ لِمَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَغَيْرُهُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَبْصُقَ عَنْ يَمِينِهِ وَلَيْسَ فِي صَلَاةٍ. وَعَنْ مُعَاذٍ: مَا بَصَقْتُ عَنْ يَمِينِي مُنْذُ أَسْلَمْتُ. قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي: وَكَانَ الَّذِي خَصَّهُ بِحَالَةِ الصَّلَاةِ أَخْذَهُ مِنْ تَعْلِيلِ النَّهْيِ بِأَنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًا، وَهُوَ ظَاهِرٌ إِنْ قُلْنَا الْمُرَادُ بِالْمَلَكِ غَيْرُ الْكَاتِبِ، وَإِلَّا فَقَدِ اسْتُشْكِلَ اخْتِصَاصُهُ يَعْنِي: بِالْمَنْعِ مَعَ أَنَّ عَلَى الْيَسَارِ مَلَكًا آخَرَ، وَأَجَابَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْقُدَمَاءِ: بِاحْتِمَالِ اخْتِصَاصِهِ بِمَلَكِ الْيَمِينِ تَشْرِيفًا لَهُ، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ. وَأَجَابَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: بِأَنَّ الصَّلَاةَ أُمُّ الْحَسَنَاتِ الْبَدَنِيَّةِ، فَلَا دَخْلَ لِكَاتِبِ السَّيِّئَاتِ فِيهَا، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ كَاتِبُ الْحَسَنَاتِ. وَفِي الطَّبَرَانِيِّ: أَنَّهُ يَقُومُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، وَمَلَكٌ عَنْ يَمِينِهِ، وَقَرِينُهُ عَنْ يَسَارِهِ، فَالْبُصَاقُ حِينَئِذٍ إِنَّمَا يَقَعُ عَلَى الْقَرِينِ وَهُوَ الشَّيْطَانُ، وَلَعَلَّ مَلَكَ الْيَسَارِ حِينَئِذٍ يَكُونُ بِحَيْثُ لَا يُصِيبُهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ. (فَيَدْفِنُهَا): - بِالرَّفْعِ وَيُجْزَمُ - لِدَفْعِ الْأَذَى.
[ ٢ / ٦٠٠ ]
٧١١ - وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ: (تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ: (تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى): وَهُوَ يَحْتَمِلُ التَّقَيُّدَ، وَيَحْتَمِلُ بَيَانَ الْأَفْضَلِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٢ / ٦٠٠ ]
٧١٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ: («لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى ; اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ») . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ): قَالَ الطِّيبِيُّ: كَأَنَّهُ - ﵇ - عَرَفَ أَنَّهُ مُرْتَحِلٌ، وَخَافَ مِنَ النَّاسِ أَنْ يُعَظِّمُوا قَبْرَهُ كَمَا فَعَلَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَعَرَّضَ بِلَعْنِهِمْ كَيْلَا يَعْمَلُوا مَعَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: (لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى): وَقَوْلُهُ: (اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ): سَبَبُ لَعْنِهِمْ إِمَّا لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْجُدُونَ لِقُبُورِ أَنْبِيَائِهِمْ تَعْظِيمًا لَهُمْ، وَذَلِكَ هُوَ الشِّرْكُ الْجَلِيُّ، وَإِمَّا لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ الصَّلَاةَ لِلَّهِ تَعَالَى فِي
[ ٢ / ٦٠٠ ]
مَدَافِنِ الْأَنْبِيَاءِ، وَالسُّجُودَ عَلَى مَقَابِرِهِمْ، وَالتَّوَجُّهَ إِلَى قُبُورِهِمْ حَالَةَ الصَّلَاةِ ; نَظَرًا مِنْهُمْ بِذَلِكَ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي تَعْظِيمِ الْأَنْبِيَاءِ، وَذَلِكَ هُوَ الشِّرْكُ الْخَفِيُّ لِتَضَمُّنِهِ مَا يَرْجِعُ إِلَى تَعْظِيمِ مَخْلُوقٍ فِيمَا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، فَنَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - أُمَّتَهُ عَنْ ذَلِكَ لِمُشَابَهَةِ ذَلِكَ الْفِعْلِ سُنَّةَ الْيَهُودِ، أَوْ لِتَضَّمُنِهِ الشِّرْكَ الْخَفِيَّ، كَذَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْ أَئِمَّتِنَا، وَيُؤَيِّدُهُ مَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ: (يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا)، وَقَالَ الْقَاضِي: كَانَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى يَسْجُدُونَ لِقُبُورِ أَنْبِيَائِهِمْ وَيَجْعَلُونَهَا قِبْلَةً، وَيَتَوَجَّهُونَ فِي الصَّلَاةِ نَحْوَهَا، فَقَدِ اتَّخَذُوهَا أَوْثَانًا، فَلِذَلِكَ لَعَنَهُمْ، وَمَنَعَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ مِثلِ ذَلِكَ، أَمَّا مَنِ اتَّخَذَ مَسْجِدًا فِي جِوَارِ صَالِحٍ، أَوْ صَلَّى فِي مَقْبَرَةٍ وَقَصَدَ الِاسْتِظْهَارَ بِرُوحِهِ، أَوْ وَصُولَ أَثَرٍ مَا مِنْ أَثَرِ عِبَادَتِهِ إِلَيْهِ، لَا لِلتَّعْظِيمِ لَهُ وَالتَّوَجُّهِ نَحْوَهُ، فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَرْقَدَ إِسْمَاعِيلَ - ﵇ - فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عِنْدَ الْحَطِيمِ، ثُمَّ إِنَّ ذَلِكَ الْمَسْجِدَ أَفْضَلُ مَكَانٍ يَتَحَرَّى الْمُصَلِّي لِصَلَاتِهِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الْمَقَابِرِ مُخْتَصُّ بِالْقُبُورِ الْمَنْبُوشَةِ، لِمَا فِيهَا مِنَ النَّجَاسَةِ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ وَذِكْرَ غَيْرُهُ أَنَّ صُورَةَ قَبْرِ إِسْمَاعِيلَ - ﵇ - فِي الْحِجْرِ تَحْتَ الْمِيزَابِ، وَأَنَّ فِي الْحَطِيمِ بَيْنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَزَمْزَمَ قَبْرُ سَبْعِينَ نَبِيًّا، وَفِيهِ أَنَّ صُورَةَ قَبْرِ إِسْمَاعِيلَ - ﵇ - وَغَيْرِهِ مُنْدَرَسَةٌ فَلَا يَصْلُحُ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ.
وَقَالَ ابْنِ حَجَرٍ: أَشَارَ الشَّارِحُ إِلَى اسْتِشْكَالِ الصَّلَاةِ عِنْدَ قَبْرِ إِسْمَاعِيلَ، بِأَنَّهَا تُكْرَهُ فِي الْمَقْبَرَةِ، وَأَجَابَ: بِأَنَّ مَحِلَّهَا فِي مَقْبَرَةٍ مَنْبُوشَةٍ لِنَجَاسَتِهَا، وَكُلُّهِ غَفْلَةٌ عَنْ قَوْلِهِمْ: يُسْتَثْنَى مَقَابِرُ الْأَنْبِيَاءِ، فَلَا يُكَرَهُ الصَّلَاةُ فِيهَا مُطْلَقًا ; لِأَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ، وَعَلَى التَّنَزُّلِ فَجَوَابُهُ غَيْرُ صَحِيحٍ لِتَصْرِيحِهِمْ بِكَرَاهَةِ الصَّلَاةِ فِي مَقْبَرَةِ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنْ لَمْ تُنْبَشْ لِأَنَّهُ مُحَاذٍ لِلنَّجَاسَةِ، وَمُحَاذَاتُهَا فِي الصَّلَاةِ مَكْرُوهَةٌ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ فَوْقَهُ أَوْ خَلْفَهُ أَوْ تَحْتَ مَا هُوَ وَاقِفٌ عَلَيْهِ.
وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: اخْتُلِفَ فِي الصَّلَاةِ فِي الْمَقْبَرَةِ فَكَرِهَهَا جَمَاعَةٌ، وَإِنْ كَانَتِ التُّرْبَةُ طَاهِرَةً وَالْمَكَانُ طَيِّبًا، وَاحْتَجُّوا بِهَذَا الْحَدِيثِ وَالَّذِي بَعْدَهُ، وَقِيلَ: بِجَوَازِهَا فِيهَا، وَتَأْوِيلُ الْحَدِيثِ أَنَّ الْغَالِبَ مَنْ حَالِ الْمَقْبَرَةِ اخْتِلَاطُ تُرْبَتِهَا بِصَدِيدِ الْمَوْتَى وَلُحُومِهَا، وَالنَّهْيُ لِنَجَاسَةِ الْمَكَانِ، فَإِنْ كَانَ الْمَكَانُ طَاهِرًا فَلَا بَأْسَ، وَكَذَلِكَ الْمَزْبَلَةُ وَالْمَجْزَرَةُ وَقَارِعَةُ الطَّرِيقِ، وَفِي الْقَارِعَةِ مَعْنًى آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ اخْتِلَافَ الْمَارَّةِ يَشْغَلُهُ عَنِ الصَّلَاةِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ ﵊ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بِالْمَقْبَرَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي هَذَا النَّهْيِ هَلْ هُوَ لِلتَّنْزِيهِ أَوْ لِلتَّحْرِيمِ؟ وَمَذْهَبُنَا الْأَوَّلُ، وَمَذْهَبُ أَحْمَدَ التَّحْرِيمُ، بَلْ وَعَدَمُ انْعِقَادِ الصَّلَاةِ ; لِأَنَّ النَّهْيَ عِنْدَهُ فِي الْأَمْكِنَةِ يُفِيدُ التَّحْرِيمَ وَالْبُطْلَانَ كَالْأَزْمِنَةِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٢ / ٦٠١ ]
٧١٣ - وَعَنْ جُنْدَبٍ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: («أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ»)، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ جُنْدَبٍ): بِضَمِّهِمَا وَفَتَحِ الدَّالِّ (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: (أَلَا): لِلتَّنْبِيهِ (وَإِنَّ): بِالْكَسْرِ عَلَى تَقْدِيرِ أُنَبِّهُكُمْ وَأَقُولُ: إِنْ، وَرُوِيَ بِالْفَتْحِ فَالتَّقْدِيرُ: تَنَبَّهُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ (مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ)، أَيِ: الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى أَوْ أَعَمُّ مِنْهُمْ (كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ): مِنْ مَشَايِخِهِمْ وَعُلَمَائِهِمْ (مَسَاجِدَ)، أَيْ: بِالْمَعْنَى السَّابِقِ (أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ)، كَرَّرَ التَّنْبِيهَ بِإِقْحَامِ أَدَاتِهِ بَيْنَ السَّبَبِ وَالْمُسَبَّبِ مُبَالَغَةً، وَكَرَّرَ النَّهْيَ أَيْضًا كَمَا كَرَّرَ التَّنْبِيهَ بِقَوْلِهِ: (إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ)، رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[ ٢ / ٦٠١ ]
٧١٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: («اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلَاتِكُمْ، وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا»)، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ)، بِكَسْرِ الْبَاءِ وَضَمِّهِ (مِنْ صَلَاتِكُمْ)، أَيْ: بَعْضَ صَلَاتِكُمُ الَّتِي هِيَ النَّوَافِلُ مُؤَدَّاةً فِي بُيُوتِكُمْ، وَقَوْلُهُ: مِنْ صَلَاتِكُمْ مَفْعُولٌ أَوَّلُ، وَفِي بُيُوتِكُمْ مَفْعُولٌ ثَانٍ، قُدِّمَ عَلَى الْأَوَّلِ لِلِاهْتِمَامِ بِشَأْنِ الْبُيُوتِ، وَإِنَّ مِنْ حَقِّهَا أَنْ يَجْعَلَ لَهَا نَصِيبًا مِنَ الطَّاعَاتِ لِتَصِيرَ مُنَوَّرَةً ; لِأَنَّهَا مَأْوَاكُمْ وَمُنْقَلَبُكُمْ، وَلَيْسَتْ كَقُبُورِكُمُ الَّتِي لَا تَصْلُحُ لِصَلَاتِكُمْ، وَلِذَا قَالَ: (وَلَا تَتَّخِذُوهَا)، أَيْ: بُيُوتَكُمْ (قُبُورًا): بِأَنْ تَتْرُكُوا الصَّلَاةَ فِيهَا كَمَا تَتْرُكُونَهَا فِي الْمَقَابِرِ، شَبَّهَ الْمَكَانَ الْخَالِيَ عَنِ الْعِبَادَةِ بِالْمَقْبَرَةِ وَالْغَافِلَ عَنْهَا بِالْمَيِّتِ، وَقِيلَ لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَوَاطِنَ النُّوَّمِ لَا تُصَلُّونَ فِيهَا، فَإِنَّ النَّوْمَ أَخُو الْمَوْتِ، وَقِيلَ: إِنَّ مَثَلَ ذَاكِرِ اللَّهِ وَمَثَلَ غَيْرِ ذَاكِرِ اللَّهِ كَمَثَلِ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ السَّاكِنِ فِي الْبُيُوتِ، وَالسَّاكِنِ فِي الْقُبُورِ، فَالَّذِي لَا يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ جَعَلَهُ بِمَنْزِلَةِ الْقَبْرِ، كَمَا جَعَلَ نَفْسَهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَيِّتِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا تَدْفِنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ ; لِئَلَّا يُكَدَّرَ عَلَيْكُمْ مَعَاشُكُمْ وَمَأْوَاكُمْ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٢ / ٦٠١ ]
وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: («لَا تَتَّخِذُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ»)، ذِكْرَهُ مِيرَكُ، قِيلَ: الْأَفْضَلُ فِي النَّوَافِلِ فِعْلُهَا فِي الْبَيْتِ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ: («أَفْضَلُ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ»)، وَلِسَلَامَتِهَا مِنَ الرِّيَاءِ وَلِعَوْدِ بِرْكَتِهَا إِلَى الْبَيْتِ وَأَهْلِهِ، وَقِيلَ: فِعْلُهَا فِي الْمَسْجِدِ أَفْضَلُ، وَقِيلَ: فِي النَّهَارِ، الْمَسْجِدُ أَفْضَلُ، وَفِي اللَّيْلِ، الْبَيْتُ أَفْضَلُ، وَقِيلَ: إِنْ كَسِلَ عَنْ فِعْلِهَا فِي الْبَيْتِ فَالْمَسْجِدُ أَفْضَلُ وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَرَدَ أَنَّهُ - ﵇ - صَلَّى بَعْضَ النَّوَافِلِ فِي الْمَسْجِدِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ كَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ، صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَكَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ تَعْلِيقًا، وَزَعَمَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ حُرْمَتَهَا فِي الْمَسْجِدِ، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ لِخَبَرِ: افْعَلُوهَا فِي بُيُوتِكُمْ.
[ ٢ / ٦٠٢ ]
" الْفَصْلُ الثَّانِي "
٧١٥ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: («مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ»)، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) " الْفَصْلُ الثَّانِي "
(٢) (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ»)، يُرِيدُ: مَا بَيْنَ مَشْرِقِ الشَّمْسِ فِي الشِّتَاءِ، وَهُوَ مَطْلَعُ قَلْبِ الْعَقْرَبِ، وَمَغْرِبِ الصَّيْفِ وَهُوَ مَغْرِبُ السِّمَاكِ الرَّامِحِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا قِبْلَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَأَنَّهَا وَاقِعَةٌ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَهِيَ إِلَى طَرَفِ الْغَرْبِيِّ أَمِيلُ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - ﵇ -: («إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا»)، قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَهَذَا الْحَدِيثُ يُرِيدُ الْقَوْلَ بِالْجِهَةِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَبِهِ أَخَذَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَاخْتَارَهُ الْأَذْرَعِيُّ، بَلْ بَالَغَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيُّ، فَزَعَمَ أَنَّ خِلَافَهُ بَاطِلٌ قَطْعًا، وَاسْتَدَلَّ بِالْخَبَرِ الْمَذْكُورِ، وَبِأَنَّهُ صَحَّ عَنْ عُمَرَ، وَهُوَ لَا يَقُولُ إِلَّا عَنْ تَوْقِيفٍ، وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا: بِحَمْلِ الْخَبَرِ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ دَانَاهُمْ ; لِأَنَّ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَيْسَ قِبْلَةً عَلَى الْإِطْلَاقِ قَطْعًا فَتَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى مَنْ ذَكَرَهُ اهـ. وَفِيهِ بَحْثٌ لَا يَخْفَى، وَقِيلَ: إِنَّهُ أَرَادَ بِهِ قِبْلَةَ مَنِ اشْتُبِهَ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ، فَعَلَى أَيِّ جِهَةٍ صَلَّى بِالِاجْتِهَادِ كَفَتْهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنْهُ الْمُتَنَقِّلُ عَلَى الدَّابَّةِ إِلَى أَيِّ جِهَةٍ، وَفِي الْقَوْلَيْنِ نَظَرٌ، إِذْ لَا وَجْهَ فِيهِمَا لِلتَّقْيِيدِ بِمَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَقَالَ الْمُظْهِرُ: يَعْنِي مَنْ جَعَلَ مِنْ أَهْلِ الْمَشْرِقِ أَوَّلَ الْمَغَارِبِ وَهُوَ مَغْرِبُ الصَّيْفِيِّ عَنْ يَمِينِهِ، وَآخِرَ الْمَشَارِقِ وَهُوَ مَشْرِقُ الشِّتَاءِ عَنْ يَسَارِهِ كَانَ مُسْتَقْبِلًا لِلْقِبْلَةِ، وَالْمُرَادُ بِأَهْلِ الْمَشْرِقِ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَبَغْدَادَ وَخُوزِسْتَانَ وَفَارِسَ وَعِرَاقَ وَخُرَاسَانَ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْبِلَادِ، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ): مَنْ طُرُقٍ وَصَحَّحَهَا، وَالْحَاكِمُ وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَأَقَرَّهُ الذَّهَبِيُّ، قَالَهُ مِيرَكُ.
[ ٢ / ٦٠٢ ]
٧١٦ - «وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: خَرَجْنَا وَفْدًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَبَايَعْنَاهُ، وَصَلَّيْنَا مَعَهُ، وَأَخْبَرْنَاهُ أَنَّ بِأَرْضِنَا بِيعَةً لَنَا، فَاسْتَوْهَبْنَاهُ مِنْ فَضْلِ طَهُورِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ، فَتَوَضَّأَ وَتَمَضْمَضَ، ثُمَّ صَبَّهُ لَنَا فِي إِدَاوَةٍ. وَأَمَرَنَا، فَقَالَ: (اخْرُجُوا فَإِذَا أَتَيْتُمْ أَرْضَكُمْ، فَاكْسِرُوا بِيعَتَكُمْ، وَانْضَحُوا مَكَانَهَا بِهَذَا الْمَاءِ، وَاتَّخِذُوهَا مَسْجِدًا)، قُلْنَا: إِنَّ الْبَلَدَ بَعِيدٌ، وَالْحَرَّ شَدِيدٌ، وَالْمَاءَ يُنْشَفُ، فَقَالَ: (مُدُّوهُ مِنَ الْمَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَزِيدُهُ إِلَّا طِيبًا»)، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: خَرَجْنَا وَفْدًا): الْوَفْدُ: جَمَاعَةٌ قَاصِدَةٌ عَظِيمًا لِشَأْنٍ مِنَ الشُّئُونِ فَهُوَ حَالٌ، أَيْ: قَاصِدِينَ (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَبَايَعْنَاهُ)، أَيْ: عَلَى التَّوْحِيدِ وَالرِّسَالَةِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ (وَصَلَّيْنَا مَعَهُ)، أَيْ: صَلَاةً أَوْ صَلَوَاتٍ (وَأَخْبَرْنَاهُ أَنَّ بِأَرْضِنَا بِيعَةً): بِكَسْرِ الْبَاءِ، وَهِيَ مَعْبَدُ النَّصَارَى (لَنَا، فَاسْتَوْهَبْنَاهُ): الْفَاءُ عَطَفَتْ مَا بَعْدَهَا عَلَى الْمَجْمُوعِ، أَيْ: خَرَجْنَا وَفَعَلْنَا فَاسْتَوْهَبْنَاهُ (مِنْ فَضْلِ طَهُورِهِ): بِفَتْحِ الطَّاءِ، أَيْ: بَقِيَّةِ مَا يَتَطَهَّرُ بِهِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: مِنْ تَبْعِيضِيَّةٌ وَهِيَ وَمَا بَعْدَهَا فِي مَحَلِّ نَصْبِ بَدَلِ اشْتِمَالٍ مِنَ الْمَفْعُولِ بِهِ (فَدَعَا بِمَاءٍ، فَتَوَضَّأَ وَتَمَضْمَضَ)، أَيْ: مِنْهُ بَعْدَ الْوُضُوءِ أَوْ فِي أَثْنَائِهِ (ثُمَّ صَبَّهُ)، أَيِ: الْمَاءَ الْمُتَمَضْمَضَ بِهِ زِيَادَةً عَلَى مَطْلُوبِهِمْ فَضْلًا (لَنَا فِي إِدَاوَةٍ): وَيُمْكِنُ أَنْ
[ ٢ / ٦٠٢ ]
يَكُونُ الْمَصْبُوبُ هُوَ الْمَاءَ الْبَاقِي الْمَطْلُوبَ، وَالْإِدَاوَةُ ظَرْفٌ صَغِيرٌ مِنْ جِلْدٍ (وَأَمَرَنَا)، أَيْ: بِالْخُرُوجِ (فَقَالَ): بَيَانُ الْأَمْرِ، أَوْ أَمَرَنَا بِمَعْنَى أَرَادَ أَمْرَنَا فَقَالَ: (اخْرُجُوا)، إِذْنًا بِالْخُرُوجِ (فَإِذَا أَتَيْتُمْ أَرْضَكُمْ)، أَيْ: دِيَارَكُمْ (فَاكْسِرُوا بِيعَتَكُمْ)، أَيْ: غَيِّرُوا مِحْرَابَهَا، وَحَوِّلُوهُ إِلَى الْكَعْبَةِ وَقِيلَ: خَرِّبُوهَا (وَانْضَحُوا): بِفَتْحِ الضَّادِ، أَيْ: رُشُّو (مَكَانَهَا بِهَذَا الْمَاءِ): لِيَصِلَ إِلَيْهَا بَرَكَةُ فَضْلِ وُضُوئِهِ، فَالْإِشَارَةُ إِلَى فَضْلِ الْوُضُوءِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ إِشَارَةٌ إِلَى جِنْسِ الْمَاءِ، وَالْمُرَادُ تَطْهِيرُهَا وَغَسْلُهَا بِالْمَاءِ عَمَّا بَقِيَ فِيهِ (وَاتَّخِذُوهَا)، أَيِ: الْبِيعَةَ يَعْنِي مَكَانَهُ (مَسْجِدًا)، قُلْنَا: إِنَّ الْبَلَدَ بَعِيدٌ، وَالْحَرَّ): بِالنُّصْبِ وَيُرْفَعُ (شَدِيدٌ، وَالْمَاءَ): بِالْوَجْهَيْنِ (يُنْشَفُ): بِالتَّخْفِيفِ عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ، يُقَالُ: نَشِفَ الثَّوْبُ الْعَرَقَ بِالْكَسْرِ، وَنَشَّفَ الْحَوْضُ الْمَاءَ يُنَشِّفُهُ إِذَا شَرِبَهُ (فَقَالَ: (مُدُّوهُ مِنَ الْمَاءِ)، أَيْ: زِيدُوا فَضْلَ مَاءِ الْوُضُوءِ مِنَ الْمَاءِ غَيْرَهُ، وَحَاصِلُهُ مَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ صُبُّوا عَلَيْهِ مَاءً آخَرَ (فَإِنَّهُ لَا يَزِيدُهُ)، قَالَ الطِّيبِيُّ: الضَّمِيرُ فِي فَإِنَّهُ إِمَّا لِلْمَاءِ الْوَارِدِ أَوِ الْمَوْرُودِ، أَيِ: الْوَارِدُ لَا يَزِيدُ الْمَوْرُودَ الطَّيِّبَ بِبَرَكَتِهِ (إِلَّا طِيبًا): أَوِ الْمَوْرُودُ الطَّيِّبُ لَا يَزِيدُ بِالْوَارِدِ إِلَّا طِيبًا اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْأَوَّلَ بِالسِّيَاقِ أَقْرَبُ، وَبِنِسْبَةِ الزِّيَادَةِ أَنْسَبُ، وَإِنْ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: إِنَّ عَكْسَهُ أَوْلَى إِشَارَةً إِلَى أَنَّ مَا أَصَابَ بَدَنَهُ - ﵇ - لَا يَطْرُقُهُ تَغَيُّرٌ، بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى غَايَةِ كَمَالِهِ الَّذِي حَصَلَ لَهُ بِوَاسِطَةِ مُلَامَسَتِهِ لِتِلْكَ الْأَعْضَاءِ الشَّرِيفَةِ، فَكُلُّ مَا مَسَّهُ أَكْسَبَهُ طِيبًا اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْإِشَارَةَ مِمَّا اشْتَرَكَ فِيهِ الْوَجْهَانِ، وَضَبْطُ طِيبًا بِكَسْرِ الطَّاءِ وَسُكُونِ الْيَاءِ، وَقِيلَ: بِفَتْحِ الطَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِيهِ التَّبَرُّكُ بِفَضْلِهِ - ﵇ -، وَنَقْلُهُ إِلَى الْبِلَادِ، وَنَظِيرُهُ: مَاءُ زَمْزَمَ فَإِنَّهُ - ﵇ - كَانَ يَسْتَهْدِيهِ مِنْ أَمِيرِ مَكَّةَ لِيَتَبَرَّكَ بِهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ فَضْلَةَ وَارِثِيهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ كَذَلِكَ، (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ)، أَيْ: عَنْ هَنَّادٍ، عَنْ مُلَازِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَدْرٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ، عَنْ أَبِيهِ.
وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مُطَوَّلًا عَنْ أَبِي خَلِيفَةَ، حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ، حَدَّثَنَا مُلَازِمٌ بِالسِّنْدِ قَالَ: «خَرَجْنَا سِتَّةً وَفْدًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، خَمْسَةً مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ، وَسَادِسَ رَجُلٍ مِنْ بَنِي ضُبَيْعَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَبَايَعْنَاهُ وَصَلَّيْنَا مَعَهُ، وَأَخْبَرْنَاهُ بِأَنَّ بِأَرْضِنَا بِيعَةً لَنَا، وَاسْتَوْهَبْنَاهُ مِنْ فَضْلِ طَهُورِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهُ وَتَمَضْمَضَ، ثُمَّ صَبَّهُ لَنَا فِي إِدَاوَةٍ نَمَّ قَالَ: (اذْهَبُوا بِهَذَا الْمَاءِ، فَإِذَا قَدِمْتُمْ بَلَدَكُمْ فَاكْسِرُوا بِيعَتَكُمْ، ثُمَّ انْضَحُوا مَكَانَهَا مِنْ هَذَا الْمَاءِ، وَاتَّخِذُوا مَكَانَهَا مَسْجِدًا)، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - الْبَلَدُ بَعِيدٌ، وَالْمَاءُ يُنْشَفُ، قَالَ: (فَأَمِدُّوهُ مِنَ الْمَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَزِيدُهُ إِلَّا طِيبًا)، فَخَرَجْنَا فَتَشَاحَحْنَا عَلَى حَمْلِ الْإِدَاوَةِ أَيُّنَا يَحْمِلُهَا، فَجَعَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لِكُلِّ رَجُلٍ مِنَّا يَوْمًا وَلَيْلَةً، فَخَرَجْنَا بِهَا حَتَّى قَدِمْنَا بَلَدَنَا، فَعَمِلْنَا الَّذِي أَمَرَنَا، وَرَاهِبُ ذَلِكَ الْيَوْمِ رَجُلٌ مِنْ طَيِّئٍ، فَنَادَيْنَا بِالصَّلَاةِ، فَقَالَ الرَّاهِبُ: دَعْوَةُ حَقٍّ ثُمَّ هَرَبَ، فَلَمْ يُرَ بَعْدُ»، نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّخْرِيجِ.
[ ٢ / ٦٠٣ ]
٧١٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ فِي الدُّورِ، وَأَنْ يُنَظَّفَ وَيَطَيَّبَ»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَمَرَ)، أَيْ: أَذِنَ (رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ فِي الدُّورِ): جَمْعُ دَارٍ، وَهُوَ اسْمٌ جَامِعٌ لِلْبِنَاءِ وَالْعَرْصَةِ وَالْمَحَلَّةِ، وَالْمُرَادُ الْمَحَلَّاتِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَ الْمَحَلَّةَ الَّتِي اجْتَمَعَتْ فِيهَا قَبِيلَةٌ دَارًا، أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى اتِّخَاذِ بَيْتٍ فِي الدَّارِ لِلصَّلَاةِ، كَالْمَسْجِدِ يُصَلِّي فِيهِ أَهْلُ الْبَيْتِ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعَوَّلُ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ، ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَجَرٍ ذَكَرَ أَنَّهُ الْمُرَادُ بِهِ هَاهُنَا الْمَحَلَّاتُ وَالْقَبَائِلُ، وَحِكْمَةُ أَمْرِهِ لِأَهْلِ كُلِّ مَحَلَّةٍ بِبِنَاءِ مَسْجِدٍ فِيهَا أَنَّهُ قَدْ يَتَعَذَّرُ أَوْ يَشُقُّ عَلَى أَهْلِ مَحَلَّةٍ الذَّهَابُ لِلْأُخْرَى، فَيُحْرَمُونَ أَجْرَ الْمَسْجِدِ وَفَضْلَ إِقَامَةِ الْجَمَاعَةِ فِيهِ، فَأُمِرُوا بِذَلِكَ لِيَتَيَسَّرَ لِأَهْلِ كُلِّ مَحَلَّةِ الْعِبَادَةُ فِي مَسْجِدِهِمْ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ تَلْحَقُهُمْ، وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: قَالَ عَطَاءٌ: لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى
[ ٢ / ٦٠٣ ]
عُمَرَ ﵁ الْأَمْصَارَ، أَمَرَ الْمُسْلِمِينَ بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ، وَأَمْرَهُمْ أَنْ لَا يَبْنُوا مَسْجِدَيْنِ يُضَارُّ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، وَمِنَ الْمَضَارَّةِ فِعْلُ تَفْرِيقِ الْجَمَاعَةِ إِذَا كَانَ هُنَاكَ مَسْجِدٌ يَسَعُهُمْ، فَإِنْ ضَاقَ سُنَّ تَوْسِعَتُهُ أَوِ اتِّخَاذُ مَسْجِدٍ يَسَعُهُمْ (وَأَنْ يُنَظَّفَ)، بِإِزَالَةِ النَّتْنِ وَالْعَذِرَاتِ وَالتُّرَابِ (وَيُطَيَّبَ)، بِالرَّشِّ أَوِ الْعِطْرِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ وَأَمَرَ - ﵇ - أَيْضًا بِشَيْءٍ آخَرَ يَتَعَلَّقُ بِالْمَسْجِدِ، وَيَتَعَيَّنُ الْمُحَافَظَةُ عَلَيْهِ وَهُوَ أَنْ يُطَيَّبَ وَيُنَظَّفَ اهـ.
وَتَقْدِيمُ " يُطَيَّبَ " لَيْسَ بِطَيِّبٍ، لِمُخَالَفَتِهِ الرِّوَايَةَ وَالدِّرَايَةَ الْمُوَافَقَةَ لِلنُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ)، قَالَ مِيرَكُ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَجْمِيرُ الْمَسْجِدِ بِالْبَخُورِ خِلَافًا لِمَالِكٍ حَيْثُ كَرِهَهُ، فَقَدْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُجَمِّرُ الْمَسْجِدَ إِذَا قَعَدَ عُمَرُ ﵁ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَاسْتَحَبَّ بَعْضُ السَّلَفِ تَخْلِيقَ الْمَسْجِدِ بِالزَّعْفَرَانِ وَالطِّيبِ، وَرُوِيَ عَنْهُ - ﵇ - فِعْلَهُ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: هُوَ سُنَّةٌ، وَأَخَرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ لَمَّا بَنَى الْكَعْبَةَ طَلَى حِيطَانَهَا بِالْمِسْكِ، وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَيْضًا كَنْسُ الْمَسْجِدِ وَتَنْظِيفُهُ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، أَنَّهُ - ﵇ - «كَانَ يَتَتَبَّعُ غُبَارَ الْمَسْجِدِ بِجَرِيدَةٍ» .
[ ٢ / ٦٠٤ ]
٧١٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: («مَا أَمَرْتُ بِتَشْيِيدِ الْمَسَاجِدِ»)، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَتُزَخْرِفُنَّهَا كَمَا زَخْرَفَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: مَا أَمَرْتُ)، مَا: نَافِيَةٌ (بِتَشْيِيدِ الْمَسَاجِدِ)، أَيْ: بِرَفْعِهَا وَإِعْلَاءِ بِنَائِهَا أَوْ تَجْصِيصِهَا ; لِأَنَّهُمَا زَائِدَانِ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ، (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ): وَهُوَ مَوْقُوفٌ لَكِنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ (لَتُزَخْرِفُنَّهَا): بِفَتْحِ اللَّامِ، وَهِيَ لَامُ الْقَسَمِ، وَبِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَفَتْحِ الزَّايِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ، وَهِيَ نُونُ التَّأْكِيدِ، وَالزَّخْرَفَةُ: الزِّينَةُ وَأَصْلُ الزُّخْرُفِ الذَّهَبُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ مَا يُتَزَيَّنُ بِهِ، وَشَرَحَهُ الطِّيبِيُّ فِي شَرْحِ الْمِشْكَاةِ عَلَى أَنَّ اللَّامَ فِي لِتُزَخْرِفُنَّهَا لَامُ التَّعْلِيلِ لِلنَّفْيِ قَبْلَهُ، وَالْمَعْنَى: مَا أَمَرْتُ بِالتَّشْيِيدِ لِيُجْعَلَ ذَرِيعَةً إِلَى الزَّخْرَفَةِ، ثُمَّ قَالَ: وَيَجُوزُ فَتْحُ اللَّامِ عَلَى أَنَّهَا جَوَابُ الْقَسَمِ. قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَالْأَوَّلُ لَمْ تَثْبُتْ بِهِ الرِّوَايَةُ أَصْلًا، فَلَا يُعْتَدُّ بِهِ، وَكَلَامُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ مَفْصُولٌ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ وَغَيْرِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، كَذَا نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ الشَّيْخِ، (كَمَا زَخْرَفَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى): وَهَذَا بِدْعَةٌ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ - ﵇ -، وَفِيهِ مُرَافَقَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ وَفِي النِّهَايَةِ: الزُّخْرُفُ النُّقُوشُ وَالتَّصَاوِيرُ بِالذَّهَبِ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: كَانَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى تُزَخْرِفُ الْمَسَاجِدَ عِنْدَمَا حَرَّفُوا أَمْرَ دِينِهِمْ، وَأَنْتُمْ تَصِيرُونَ إِلَى مِثْلِ حَالِهِمْ فِي الْمَرْآةِ بِالْمَسَاجِدِ وَتَزْيِينِهَا، وَكَانَ الْمَسْجِدُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بِاللَّبِنِ وَسَقْفُهُ بِالْجَرِيدِ وَعُمُدُهُ خَشَبَ النَّخْلِ، زَادَ عُمَرُ ﵁ فِيهِ: فَبَنَاهُ عَلَى بُنْيَانِهِ بِاللَّبِنِ وَالْجَرِيدِ، وَأَعَادَ عُمُدَهُ خَشَبًا، ثُمَّ غَيَّرَهُ عُثْمَانُ فَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً كَثِيرَةً، وَبَنَى جِدَارَهُ وَعُمُدَهُ بِالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ وَبِالْجَصِّ وَالنَّوْرَةِ وَسَقْفَهُ بِالسَّاجِ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ): وَسَكَتَ عَلَيْهِ هُوَ وَالْمُنْذِرِيُّ، قَالَهُ مِيرَكُ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَعَلَّقَ أَوَّلَهُ الْبُخَارِيُّ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ حَدِيثَ: «ابْنُوا الْمَسَاجِدَ وَاتَّخِذُوهَا جُمًّا»، وَهُوَ بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ: الَّذِي لَمْ يَكُنْ لَهُ شُرَفٌ بِضَمٍّ فَفَتَحٍ جَمْعُ شُرْفَةٍ كَغُرْفَةٍ، وَخَبَرُ ابْنِ عُمَرَ: «نَهَانَا أَوْ نُهِينَا أَنْ نُصَلِّيَ فِي مَسْجِدٍ مُشْرِفٍ»، وَخَبَرُ أَبِي نُعَيْمٍ «إِذَا سَاءَ عَمَلُ قَوْمٍ زَخْرَفُوا مَسَاجِدَهُمْ»، وَخَبَرُ أَنَسٍ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ»، وَخَبَرُ الْبُخَارِيِّ: إِنَّ عُمَرَ ﵁ أَمَرَ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ، وَقَالَ: أَكِنَّ النَّاسَ مِنَ الْمَطَرِ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُحَمِّرَ أَوْ تُصَفِّرَ، وَمَرَّ ابْنُ مَسْعُودٍ بِمَسْجِدٍ مُزَخْرَفٍ فَقَالَ: لَعَنَ اللَّهُ مَنْ فَعَلَ هَذَا.
[ ٢ / ٦٠٤ ]
٧١٩ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: («مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ»)، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -: (إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ): جَمْعِ شَرَطٍ بِالتَّحْرِيكِ، وَهُوَ الْعَلَامَةُ، قُدِّمَ الْخَبَرُ عَلَى الْمُبْتَدَأِ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ وَزِيَادَةِ الْإِنْكَارِ عَلَى فَاعِلِهِ لَا لِلتَّخْصِيصِ وَلَا لِلْحَصْرِ، أَيْ: مِنْ عَلَامَاتِ الْقِيَامَةِ (أَنْ يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ)، أَيْ: فِي شَأْنِهَا أَوْ بِنَائِهَا يَعْنِي: يَتَفَاخَرُ كُلُّ أَحَدٍ بِمَسْجِدِهِ وَيَقُولُ: مَسْجِدِي أَرْفَعُ أَوْ أَزْيَنُ أَوْ أَوْسَعُ أَوْ أَحْسَنُ ; رِيَاءً وَسُمْعَةً وَاجْتِلَابًا لِلْمِدْحَةِ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) .
[ ٢ / ٦٠٥ ]
٧٢٠ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: («عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي حَتَّى الْقَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَعُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي، فَلَمْ أَرَ ذَنْبًا أَعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ، أَوْ آيَةٍ أُوتِيهَا رَجُلٌ ثُمَّ نَسِيَهَا»)، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دُوَادَ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ)، أَيْ ; عَنْ أَنَسٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (عُرِضَتْ عَلِيَّ): الظَّاهِرُ أَنَّهُ فِي لَيْلَةِ الْمِعْرَاجِ (أُجُورُ أُمَّتِي)، أَيْ: ثَوَابُ أَعْمَالِهِمْ (حَتَّى الْقَذَاةُ)، بِالرَّفْعِ أَوِ الْجَرِّ وَهِيَ بِفَتْحِ الْقَافِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْقَذَاةُ هِيَ مَا يَقَعُ فِي الْعَيْنِ مِنْ تُرَابٍ أَوْ تِبْنٍ أَوْ وَسَخٍ، وَلَا بُدَّ فِي الْكَلَامِ مِنْ تَقْدِيرِ مُضَافٍ، أَيْ: أُجُورُ أَعْمَالِ أُمَّتِي، وَأَجْرُ الْقَذَاةِ، أَيْ: أَجْرُ إِخْرَاجِ الْقَذَاةِ إِمَّا بِالْجَرِّ، وَحَتَّى بِمَعْنَى (إِلَى)، وَالتَّقْدِيرُ إِلَى إِخْرَاجِ الْقَذَاةِ وَعَلَى هَذَا (يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ الْمَسْجِدِ): جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِلْبَيَانِ، وَإِمَّا بِالرَّفْعِ عَمَّا عَلَى أُجُورٍ، فَالْقَذَاةُ مُبْتَدَأٌ أَوْ يُخْرِجُهَا خَبَرُهُ (وَعُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي، فَلَمْ أَرَ ذَنْبًا)، أَيْ: يَتَرَتَّبُ عَلَى نِسْيَانٍ (أَعْظَمُ مِنْ سُورَةٍ)، مِنْ ذَنْبِ نِسْيَانِ سُورَةٍ كَائِنَةٍ (مِنَ الْقُرْآنِ)، فَإِنْ قُلْتَ: هَذَا مُنَافٍ لِمَا مَرَّ فِي بَابِ الْكَبَائِرِ، قُلْتُ: إِنْ سُلِّمَ أَنَّ أَعْظَمَ وَأَكْبَرَ مُتَرَادِفَانِ، فَالْوَعِيدُ عَلَى النِّسْيَانِ لِأَجْلِ أَنْ مَدَارَ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ عَلَى الْقُرْآنِ، فَنِسْيَانُهُ كَالسَّعْيِ فِي الْإِخْلَالِ بِهَا، فَإِنْ قُلْتَ: النِّسْيَانُ لَا يُؤَاخَذُ بِهِ، قُلْتُ: الْمُرَادُ تَرَكُهَا عَمْدًا إِلَى أَنْ يُفْضِيَ إِلَى النِّسْيَانِ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى أَعْظَمُ مِنَ الذُّنُوبِ الصِّغَائِرِ، إِنْ لَمْ تَكُنْ عَنِ اسْتِخْفَافٍ وَقِلَّةِ تَعْظِيمٍ، كَذَا نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ الْأَزْهَارِ، (أَوْ آيَةٍ أُوتِيهَا)، أَيْ: تَعَلَّمَهَا (رَجُلٌ)، وَفِي نُسْخَةِ الرَّجُلِ، وَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ (ثُمَّ نَسِيَهَا)، قَالَ الطِّيبِيُّ: شَطْرُ الْحَدِيثِ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٦] يَعْنِي عَلَى قَوْلٍ فِي الْآيَةِ، وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّهَا فِي الْمُشْرِكِ، وَالنِّسْيَانُ بِمَعْنَى تَرْكِ الْإِيمَانِ، وَإِنَّمَا قَالَ: أُوتِيهَا دُونَ حَفِظَهَا إِشْعَارًا بِأَنَّهَا كَانَتْ نِعْمَةً جَسِيمَةً أَوْلَاهَا اللَّهُ لِيَشْكُرَهَا، فَلَمَّا نَسِيَهَا فَقَدْ كَفَرَ تِلْكَ النِّعْمَةَ، فَبِالنَّظَرِ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى كَانَ أَعْظَمَ جُرْمًا، وَإِنْ لَمْ يُعَدَّ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَقَالَ: قَوْلُ الشَّارِحِ وَإِنْ لَمْ يَعُدْ مِنَ الْكَبَائِرِ عَجِيبٌ، مَعَ تَصْرِيحِ أَئِمَّتِنَا بِأَنَّ نِسْيَانَ شَيْءٍ مِنْهُ وَلَوْ حَرْفًا بِلَا عُذْرٍ كَمَرَضٍ وَغَيْبَةِ عَقْلٍ كَبِيرَةٌ اهـ. وَالنِّسْيَانُ عِنْدَنَا أَنْ لَا يَقْدِرَ أَنْ يَقْرَأَ بِالنَّظَرِ، كَذَا فِي شَرْحِ شِرْعَةِ الْإِسْلَامِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: فَلَمَّا عُدَّ إِخْرَاجُ الْقَذَاةِ الَّتِي لَا يُؤْبَهُ لَهُ مِنَ الْجُحُورِ تَعْظِيمًا لِبَيْتِ اللَّهِ، عُدَّ أَيْضًا النِّسْيَانُ مِنْ أَعْظَمِ الْجُرْمِ ; تَعْظِيمًا لِكَلَامِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، فَكَأَنَ فَاعِلَ ذَلِكَ عَدَّ الْحَقِيرَ عَظِيمًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَظِيمِ، فَأَزَالَهُ عَنْهُ، وَصَاحِبُ هَذَا عَدَّ الْعَظِيمَ حَقِيرًا فَأَزَالَهُ عَنْ قَلْبِهِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ)، وَقَالَ: غَرِيبٌ نَقَلَهُ مِيرَكُ، (وَأَبُو دَاوُدَ)، وَالْمُنْذِرِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ ذَكَرَهُ مِيرَكُ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ أَيْضًا: «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ ثُمَّ نَسِيَهُ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَجْذَمَ» .
[ ٢ / ٦٠٥ ]
٧٢١ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (بَشِّرِ الْمَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: (بَشِّرِ الْمَشَّائِينَ): جَمْعَ الْمَشَّاءِ، وَهُوَ كَثِيرُ الْمَشْيِ (فِي الظُّلَمِ إِلَى الْمَسَاجِدِ)، قِيلَ: لَوْ مَشَى فِي الظَّلَامِ بِضَوْءٍ لِدَفْعِ آفَاتِ الظَّلَامِ، فَالْجَزَاءُ بِحَالِهِ وَإِلَّا فَلَا، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، (بِالنُّورِ): مُتَعَلِّقٌ بِبَشِّرِ (التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، قَالَ الطِّيبِيُّ: فِي وَصْفِ النُّورِ بِالتَّامِّ وَتَقْيِيدِهِ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْمِيحٌ إِلَى وَجْهِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ [التحريم: ٨] وَإِلَى وَجْهِ الْمُنَافِقِينَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣] اهـ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِذَا طُفِئَ نُورُ الْمُنَافِقِينَ عَلَى الصِّرَاطِ يَقُولُ الْمُؤْمِنُونَ: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ [التحريم: ٨] الْآيَةَ، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ): وَقَالَ: غَرِيبٌ نَقَلَهُ مِيرَكُ، (وَأَبُو دَاوُدَ) .
[ ٢ / ٦٠٦ ]
٧٢٢ - وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَأَنَسٍ.
_________________
(١) (وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَأَنَسٍ): قَالَ الْمُنْذِرُ: رِجَالُ إِسْنَادِ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ ثِقَاتٌ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِلَفْظِهِ: مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ لَيُضِيءُ لِلَّذِينِ يَتَحَلَّلُونَ إِلَى الْمَسَاجِدِ فِي الظُّلَمِ بِنُورٍ سَاطِعٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: («مَنْ مَشَى فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ إِلَى الْمَسْجِدِ لَقِيَ اللَّهَ ﷿ بِنُورٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»)، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَلَفْظُهُ: («مَنْ مَشَى فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ إِلَى الْمَسَاجِدِ أَتَاهُ اللَّهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ»)، وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: («بِشِّرِ الْمُدْلِجِينَ إِلَى الْمَسَاجِدِ فِي الظُّلَمِ بِمَنَابِرَ مِنْ نُورٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْزَعُ النَّاسُ وَلَا يَفْزَعُونَ»)، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ، وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَنْهُ: («لِيُبَشَّرَ الْمَشَّاءُونَ فِي الظُّلَمِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»)، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَعَائِشَةَ وَغَيْرِهِمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَهُ مِيرَكُ.
[ ٢ / ٦٠٦ ]
٧٢٣ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: («إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَتَعَاهَدُ الْمَسْجِدَ، فَاشْهَدُوا لَهُ بِالْإِيمَانِ. فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ١٨]»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: («إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَتَعَاهَدُ الْمَسْجِدَ»)، أَيْ: يَخْدِمُهُ وَيُعَمِّرُهُ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ التَّرَدُّدُ إِلَيْهِ فِي إِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَجَمَاعَتِهِ، وَهَذَا هُوَ التَّعَهُّدُ الْحَقِيقِيُّ وَهُوَ عِمَارَتُهُ صُورَةً وَمَعْنًى (فَاشْهَدُوا لَهُ بِالْإِيمَانِ)، أَيْ: بِأَنَّهُ مُؤْمِنٌ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَقَدْ يَسْتَشْكِلُ قَوْلُهُ: فَاشْهَدُوا لَهُ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ الَّذِي فِيهِ إِنْكَارُهُ - ﵇ -، قَوْلَهَا فِي طِفْلِ أَنْصَارِيٍّ مَاتَ: طُوبَى لَهُ عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعَ بِحَمْلِ مَا هُنَا عَلَى الْأَمْرِ بِالشَّهَادَةِ لَهُ بِالْإِيمَانِ ظَنًّا، وَمَا فِي ذَلِكَ عَلَى الْقَطْعِ بِأَنَّهُ فِي الْجَنَّةِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَظْعُونٍ أَنَّهُ - ﵇ - أَنْكَرَ عَلَى مَنْ قَطَعَ لَهُ بِالْجَنَّةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: التَّعَهُّدُ وَالتَّعَاهُدُ الْحِفْظُ بِالشَّيْءِ، وَفِي التَّعَاهُدِ الْمُبَالَغَةُ ; لِأَنَّ الْفِعْلَ إِذَا أُخْرِجَ عَلَى زِنَةِ الْمُبَالَغَةِ دَلَّ عَلَى قُوَّتِهِ كَمَا فِي الْكَشَّافِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ [البقرة: ٩] وَوَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ وَهِيَ رِوَايَةٌ لِلتِّرْمِذِيَ: يَعْتَادُ بَدَلَ يَتَعَاهَدُ، وَهُوَ أَقْوَى سَنَدًا وَأَوْفَقُ مَعْنًى لِشُمُولِهِ جَمِيعَ مَا يُنَاطُ بِهِ الْمَسْجِدُ مِنَ الْعِمَارَةِ، وَاعْتِيَادِ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، أَلَا تَرَى إِلَى مَا أَشْهَدَ بِهِ النَّبِيُّ - ﷺ - بِقَوْلِهِ: فَاشْهَدُوا لَهُ، أَيِ: اقْطَعُوا لَهُ الْقَوْلَ بِالْإِيمَانِ ; لِأَنَّ الشَّهَادَةَ قَوْلٌ صَدَرَ عَنْ مُوَاطَأَةِ الْقَلْبِ عَلَى سَبِيلِ الْقَطْعِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بَلِ التَّعَهُّدُ أَوْلَى ; لِأَنَّهُ مَعَ شُمُولِهِ لِذَلِكَ يَشْمَلُ تَعَهُّدَ مَا بِالْحِفْظِ وَالْعِمَارَةِ وَالْكَنْسِ وَالتَّطَيُّبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اسْتِشْهَادُهُ عَلَيْهِ
[ ٢ / ٦٠٦ ]
السَّلَامُ بِالْآيَةِ الْآتِيَةِ (فَإِنَّ اللَّهَ): وَفِي نُسْخَةٍ: تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٨]، أَيْ: بِإِنْشَائِهَا أَوْ تَرْمِيمِهَا أَوْ إِحْيَائِهَا بِالْعِبَادَةِ وَالدُّرُوسِ ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ٦٢]، قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ: عِمَارَتُهَا كَنْسُهَا وَتَنْظِيفُهَا وَتَنْوِيرُهَا بِالْمَصَابِيحِ، وَتَعْظِيمُهَا وَاعْتِيَادُهَا لِلْعِبَادَةِ وَالذِّكْرِ، وَصِيَانَتُهَا عَمَّا لَمْ تُبْنَ لَهُ الْمَسَاجِدُ مِنْ حَدِيثِ الدُّنْيَا، فَضْلًا عَنْ فُضُولِ الْحَدِيثِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ): وَكَذَا ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَقَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحٌ، وَقَالَ الذَّهَبِيُّ: فِي إِسْنَادِهِ دَرَّاجٌ، وَهُوَ كَثِيرُ الْمَنَاكِيرِ نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّخْرِيجِ.
[ ٢ / ٦٠٧ ]
٧٢٤ - «وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ ﵁، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَتَئْذَنُ لَنَا فِي الِاخْتِصَاءِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَصَى وَلَا اخْتَصَى، إِنَّ خِصَاءَ أُمَّتِي الصِّيَامُ)، فَقَالَ: ائْذَنْ لَنَا فِي السِّيَاحَةِ، فَقَالَ: (إِنْ سِيَاحَةَ أُمَّتَيِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)، فَقَالَ: ائْذَنْ لَنَا فِي التَّرَهُّبِ، فَقَالَ: (إِنَّ تَرَهُّبَ أُمَّتَيَ الْجُلُوسُ فِي الْمَسَاجِدِ انْتِظَارِ الصَّلَاةِ»، رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ.
_________________
(١) (وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ): وَهُوَ أَخٌ رِضَاعِيٌّ لَهُ - ﵇ - (قَالَ): حِينَ أَرْسَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ لِيَسْتَأْذِنَ لَهُمْ فِي الِاخْتِصَاءِ ; لِأَنَّهُمْ يَشْتَهُونَ النِّسَاءَ وَلَا طُولَ لَهُمْ بِذَلِكَ (يَا رَسُولَ اللَّهِ! ائْذَنْ لَنَا فِي الِاخْتِصَاءِ)، أَيْ: سَلِّ الْخُصْيَتَيْنِ لِتَزُولَ عَنَّا شَهْوَةُ النِّسَاءِ، إِذْ مِنْ شَأْنِهَا أَنَّهَا تُقْطَعُ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ وَتَجْلِبُ كُلَّ مِحْنَةٍ وَضَيْرٍ، وَلِذَا قِيلَ: ضَاعَ الْعِلْمُ فِي أَفْخَاذِ النِّسَاءِ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: (لَيْسَ مِنَّا)، أَيْ: مِمَّنْ يَقْتَدِي بِسُنَّتِنَا وَيَهْتَدِي بِطَرِيقَتِنَا (مَنْ خَصَى): بِفَتْحِ الصَّادِ، أَيْ: سَلَّ خُصْيَةَ غَيْرِهِ وَأَخْرَجَهَا (وَلَا اخْتَصَى)، أَيْ: بِنَفْسِهِ بِحَذْفِ " مَنْ " لِدَلَالَةِ مَا قَبْلَهُ عَلَيْهِ يَعْنِي: وَلَا مَنْ سَلَّ خُصْيَةَ نَفْسِهِ، قِيلَ: وَاحْتِيجَ لِتَقْدِيرِ " مَنْ " لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ لَا الْمُؤَكِّدَةَ لِلنَّفْيِ تَنْفِي ذَلِكَ الْوَهْمَ وَفِيهِ نَظَرٌ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَكُلٌّ مِنْ هَذَيْنِ حَرَامٌ وَفِي مَعْنَاهُ إِطْعَامُ دَوَاءٍ لِغَيْرِهِ أَوْ أَكْلُهُ إِنْ كَانَ يَقْطَعُ الشَّهْوَةَ وَالنَّسْلَ دَائِمًا، وَكَذَا نَادِرًا إِنْ أَطْعَمَ غَيْرَهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ («إِنَّ خِصَاءَ أُمَّتِي الصِّيَامُ»): فَإِنَّهُ يَكْسِرُ الشَّهْوَةَ وَضَرَرَهَا كَمَا أَفَادَهُ قَوْلُهُ - ﵇ -: («يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» (، أَيْ: قَاطِعٌ لِلشَّهْوَةِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ سَلَامَةِ النَّفْسِ مِنَ التَّعْذِيبِ وَقَطْعِ النَّسْلِ، وَمِنْ حُصُولِ الثَّوَابِ بِالصِّيَامِ الْمُقْتَضِي لِرِيَاضَةِ النَّفْسِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى طَاعَتِهَا لِأَمْرِ مَوْلَاهَا، (فَقَالَ): أَيْ: عُثْمَانُ (ائْذَنْ لَنَا فِي السِّيَاحَةِ)، قَالَ الطِّيبِيُّ: السِّيَاحَةُ مُفَارَقَةُ الْأَمْصَارِ، وَالذَّهَابُ فِي الْأَرْضِ كَفِعْلِ عُبَّادِ بَنِي إِسْرَائِيلَ اهـ، فَلَا يُنَافِي سِيَاحَةَ السَّادَةِ الصُّوفِيَّةِ لِرُؤْيَةِ الْمَشَايِخِ وَتَحْصِيلِ الْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ، وَلِحُصُولِ الْخُمُولِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمَقَاصِدِ الْمَرْضِيَّةِ فِي الشَّرِيعَةِ الْمُصْطَفَوِيَّةِ، (قَالَ): وَفِي نُسْخَةٍ: فَقَالَ («إِنَّ سِيَاحَةَ أُمَّتَيِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»): وَهُوَ أَفْضَلُ فَإِنَّهُ عِبَادَةٌ شَاقَّةٌ عَلَى النَّفْسِ وَنَفْعُهُ مُتَعَدٍّ إِلَى الْغَيْرِ، وَهُوَ يَشْمَلُ الْجِهَادَ الْأَصْغَرَ وَالْأَكْبَرَ (قَالَ ائْذَنْ لَنَا فِي التَّرَهُّبِ)، أَيْ: فِي التَّعَبُّدِ وَإِرَادَةِ الْعُزْلَةِ وَالْفِرَارِ مِنَ النَّاسِ إِلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ كَالرُّهْبَانِ، وَأَصْلُ التَّرَهُّبِ مِنَ الرَّهْبِ بِمَعْنَى الْخَوْفِ كَانُوا يَتَرَهَّبُونَ بِالتَّخَلِّي مِنْ أَشْغَالِ الدُّنْيَا، حَتَّى إِنَّ مِنْهُمْ مَنْ خَصَى نَفْسَهُ ; وَوَضَعَ السِّلْسِةَ فِي عُنُقِهِ وَغَيْرَ ذَلِكَ، (فَقَالَ: «إِنَّ تَرَهُّبَ أُمَّتَيِ الْجُلُوسُ فِي الْمَسَاجِدِ انْتِظَارِ الصَّلَاةِ») بِالْإِضَافَةِ وَنَصْبُهُ بِأَنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ لِلْجُلُوسِ)، أَيْ: لِانْتِظَارِ الصَّلَاةِ فَإِنَّ الْجُلُوسَ فِي الْمَسْجِدِ يَتَضَمَّنُ فَوَائِدَ التَّرَهُّبِ مَعَ زِيَادَةِ الْفَضَائِلِ، (رَوَاهُ)، أَيِ: الْبَغَوِيُّ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ): بِسَنَدِهِ الْمُتَّصِلِ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ مَسْعُودٍ الصَّحَابِيِّ، «أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لَنَا فِي الِاخْتِصَاءِ»، وَسَاقَهُ بِسَنَدٍ فِيهِ مُقَالٌ، قَالَهُ مِيرَكُ.
[ ٢ / ٦٠٧ ]
٧٢٥ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَائِشٍ ﵁، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (رَأَيْتُ رَبِّيَ ﷿ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى ; قُلْتُ: أَنْتَ أَعْلَمُ)، قَالَ: فَوَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفِيَّ فَوَجَدْتُ بَرْدَهَا بَيْنَ ثَدْيَيَّ، فَعَلِمْتُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَتَلَا: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥]» رَوَاهُ الدِّرَامِيُّ مُرْسَلًا، وَلِلتِّرْمِذِيِّ نَحْوُهُ عَنْهُ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَائِشٍ): بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، كَذَا فِي الْمَفَاتِيحِ، وَفِي التَّقْرِيبِ بِمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ الْحَضْرَمِيِّ، يُقَالُ: لَهُ صُحْبَةٌ وَيَعْنِي بِهِ أَنَّ أَصْلَهُ يَاءٌ، وَفِي الْمُشْتَبِهِ لِلذَّهَبِيِّ مُخْتَلَفٌ فِي صُحْبَتِهِ، لَهُ حَدِيثٌ فِي الرُّؤْيَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ: عَابِسٌ بِعَيْنٍ مُهْمِلَةٍ وَكَسْرِ مُوَحَّدَةٍ وَسِينٍ مُهْمَلَةٍ كَذَا فِي الْمُغْنِي: قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا الْحَدِيثُ مُرْسَلٌ ; لِأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ يَرْوِيهِ، عَنْ مَالِكِ بْنِ يُخَامِرَ، عَنْ مُعَاذٍ، («قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (رَأَيْتُ رَبِّيَ ﷿ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ»): الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُسْتَنِدٌ إِلَى رُؤْيَا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، فَإِنَّهُ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ مَالِكِ بْنِ يُخَامِرَ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: «احْتُبِسَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - صَلَاةَ الْغَدْوَةِ، حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَطَلُعُ، فَلَمَّا صَلَّى الْغَدْوَةَ قَالَ: (إِنِّي صَلَّيْتُ اللَّيْلَةَ مَا قَضَى رَبِّي وَوَضَعْتُ جَنَبِيَ فِي الْمَسْجِدِ فَأَتَانِي رَبِّي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ»)، وَعَلَى هَذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِشْكَالٌ إِذِ الرَّائِي قَدْ يَرَى غَيْرَ الْمُتَشَكِّلِ مُتَشَكِّلًا، وَالْمُتَشَكِّلَ بِغَيْرِ شَكْلِهِ، ثُمَّ لَمْ يَعُدْ ذَلِكَ بِخَلَلٍ فِي الرُّؤْيَا وَلَا فِي خُلْدِ الرَّائِي، بَلْ لَهُ أَسْبَابٌ أُخَرُ تُذْكَرُ فِي عِلْمِ الْمَنَامِ، أَيِ: التَّعْبِيرِ، وَلَوْلَا تِلْكَ الْأَسْبَابُ لَمَا افْتَقَرَتْ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ ﵈ إِلَى تَعْبِيرٍ، وَإِنْ كَانَ فِي الْيَقَظَةِ وَعَلَيْهِ ظَاهِرُ مَا رَوَى أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، فَإِنَّهُ فِيهِ: («فَنَعَسْتُ فِي صَلَاتِي حَتَّى اسْتَيْقَظْتُ فَإِذَا أَنَا بِرَبِّي ﷿ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ»)، الْحَدِيثَ، فَذَهَبَ السَّلَفُ فِي أَمْثَالِ هَذَا الْحَدِيثِ إِذَا صَحَّ أَنْ يُؤْمَنَ بِظَاهِرِهِ، وَلَا يُفَسَّرَ بِمَا يُفَسَّرُ بِهِ صِفَاتُ الْخَلْقِ، بَلْ يُنْفَى عَنْهُ الْكَيْفِيَّةُ وَيُوكَلُ عِلْمُ بَاطِنِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ يُرِي رَسُولَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ وَرَاءِ أَسْتَارِ الْغَيْبِ مِمَّا لَا سَبِيلَ لِعُقُولِنَا إِلَى إِدْرَاكِهِ، لَكِنَّ تَرْكَ التَّأْوِيلِ فِي هَذَا الزَّمَانِ مَظِنَّةَ الْفِتْنَةِ فِي عَقَائِدِ النَّاسِ لِفُشُوِّ اعْتِقَادَاتِ الضَّلَالِ، وَإِنْ تَأَوَّلَ بِمَا يُوَافِقُ الشَّرْعَ عَلَى وَجْهِ الِاحْتِمَالِ لَا الْقَطْعِ حَتَّى لَا يُحْمَلَ عَلَى مَا لَا يَجُوزُ شَرْعًا فَلَهُ وَجْهٌ، فَقَوْلُهُ: فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: رَأَيْتُ رَبِّيَ حَالَ كَوْنِي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ وَصْفَةٍ مِنْ غَايَةِ إِنْعَامِهِ وَلُطْفِهِ عَلَيَّ، أَوْ حَالَ كَوْنِ الرَّبِّ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، وَصُورَةُ الشَّيْءِ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ، سَوَاءٌ كَانَ عَيْنَ ذَاتِهِ أَوْ جُزْئِهِ الْمُمَيِّزِ لَهُ عَنْ غَيْرِهِ أَوْ صِفَتِهِ الْمُمَيَّزَةِ، وَكَمَا يُطْلَقُ ذَلِكَ فِي الْجُثَّةِ يُطْلَقْ فِي الْمَعَانِي يُقَالُ: صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ كَذَا، وَصُورَةُ الْحَالِ كَذَا، فَصُورَتُهُ تَعَالَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - ذَاتُهُ الْمَخْصُوصَةُ الْمُنَزَّهَةُ عَنْ مُمَاثَلَةِ مَا عَدَاهُ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْبَالِغَةِ إِلَى أَقْصَى مَرَاتِبِ الْكَمَالِ، أَوْ صِفَتُهُ الْمَخْصُوصَةُ بِهِ، أَيْ: كَانَ رَبِّي أَحْسَنَ إِكْرَامًا وَلُطْفًا مِنْ وَقْتٍ آخَرَ كَذَا نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ وَالتُّورِبِشْتِيُّ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ رِوَايَةَ: حَتَّى اسْتَيْقَظْتُ تَصْحِيفٌ فَإِنَّ الْمَحْفُوظَ مِنْ رِوَايَةِ أَحْمَدَ وَالتِّرْمِذِيِّ كَمَا سَيَذْكُرُهُ الْمُصَنَّفُ حَتَّى اسْتَثْقَلْتُ اهـ. وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ تِلْكَ الرِّوَايَةَ أَصَحُّ مِنْ هَذِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى رَأَيْتُ: عَلِمْتُهُ وَعَرَفْتُهُ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، وَسَمِعْتُ شَيْخَنَا الشَّيْخَ عَطِيَّةَ السُّلَمِيَّ نَاقِلًا عَنْ شَيْخِهِ أَبِي الْحَسَنِ الْبَكْرِيِّ أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى تَجَلِّيَاتٍ صُورِيَّةً مَعَ تَنَزُّهِ ذَاتِهِ الْأَحَدِيَّةِ عَنِ الْمِثْلِيَّةِ، وَكَذَا يَنْدَفِعُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُتَشَابِهَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ وَالْحَدِيثِيَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (قَالَ)، أَيْ: رَبِّي (فِيمَ)، أَيْ: فِي أَيِّ شَيْءٍ (يَخْتَصِمُ)، أَيْ: يَبْحَثُ (الْمَلَأُ)، أَيِ: الْأَشْرَافُ الَّذِينَ يَمْلَئُونَ الْمَجَالِسَ وَالصُّدُورَ عَظَمَةً وَإِجْلَالَ (الْأَعْلَى؟): يَعْنِي: الْمَلَائِكَةَ الْمُقَرَّبِينَ، وُصِفُوا بِذَلِكَ إِمَّا لِعُلُوِّ مَكَانِهِمْ وَإِمَّا لِعُلُوِّ مَكَانَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَاخْتِصَامِهِمْ، عِبَارَةٌ عَنْ تُبَادُرِهِمْ إِلَى إِثْبَاتِ تِلْكَ الْأَعْمَالِ وَالصُّعُودِ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ، وَإِمَّا عَنْ تُقَاوُلِهِمْ فِي فَضْلِهَا وَشَرَفِهَا، وَإِمَّا عَنِ اغْتِبَاطِهِمُ النَّاسَ بِتِلْكَ الْفَضَائِلِ لِاخْتِصَاصِهِمْ بِهَا وَشَبَّهَ تَقَاوُلَهُمْ فِي ذَلِكَ، وَمَا يَجْرِي بَيْنَهُمْ فِي السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ بِمَا يَجْرِي بَيْنَ الْمُتَخَاصِمِينَ؛ إِيمَاءً إِلَى أَنْ ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦] وَفِي الْمَصَابِيحِ زِيَادَةُ - يَا مُحَمَّدُ - وَهُوَ زِيَادَةُ شَرَفٍ (قُلْتُ: أَنْتَ أَعْلَمُ)، أَيْ: بِمَا ذُكِرَ وَغَيْرِهِ، وَزَادَ فِي الْمَصَابِيحِ: أَيْ رَبِّ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَإِنَّمَا نَادَى بِـ (أَيْ)، دُونَ (يَا)، أَدَبًا ; لِأَنَّ (يَا)، يُنَادَى بِهِ الْعَبِيدُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَقْرَبُ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ، وَأَمَّا مَا وَرَدَ مِنَ النِّدَاءِ بِـ (يَا): فِي الدَّعَوَاتِ فَلِهَضْمِ النَّفْسِ وَاسْتِبْعَادِهِمْ عَنْ مَظَانِّ الْإِجَابَةِ، وَهُوَ اللَّائِقُ بِحَالِ الدُّعَاءِ، ثُمَّ فِي الْمَصَابِيحِ زِيَادَةُ - مَرَّتَيْنِ - قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: فِيمَ يَخْتَصِمُ ; أَيْ جَرَى السُّؤَالُ مِنْ رَبِّهِ مَرَّتَيْنِ، وَالْجَوَابُ مِنْ مَرَّتَيْنِ (قَالَ)، أَيِ: النَّبِيُّ - ﷺ - (فَوَضَعَ)، أَيْ: رَبُّهُ (كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفِيَّ): بِتَشْدِيدِ
[ ٢ / ٦٠٨ ]
الْيَاءِ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ تَخْصِيصِهِ إِيَّاهُ بِمَزِيدِ الْفَضْلِ عَلَيْهِ وَإِيصَالِ الْفَيْضِ إِلَيْهِ، فَإِنَّ مِنْ شَأْنِ الْمُتَلَطِّفِ بِمَنْ يَحْنُو عَلَيْهِ أَنْ يَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ تَكْرِيمَهُ وَتَأْيِيدَهُ، (فَوَجَدْتُ بَرْدَهَا)، أَيْ: رَاحَةَ الْكَفِّ يَعْنِي: رَاحَةَ لُطْفِهِ (بَيْنَ ثَدْيَيَّ): بِالتَّثْنِيَةِ، أَيْ: قَلْبِي أَوْ صَدْرِي، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ وُصُولِ ذَلِكَ الْفَيْضِ إِلَى قَلْبِهِ وَنُزُولِ الرَّحْمَةِ، وَانْصِبَابِ الْعُلُومِ عَلَيْهِ وَتَأَثُّرِهِ عَنْهُ، وَرُسُوخِهِ، فِيهِ وَإِتْقَانِهِ لَهُ يُقَالُ: ثَلَجَ صَدْرُهُ وَأَصَابَهُ بَرَدُ الْيَقِينِ لِمَنْ تَيَقَّنَ الشَّيْءَ وَتَحَقَّقَهُ (فَعَلِمْتُ)، أَيْ: بِسَبَبِ وُصُولِ ذَلِكَ الْفَيْضِ (مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ): يَعْنِي: مَا أَعْلَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِمَّا فِيهِمَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَشْجَارِ وَغَيْرِهِمَا، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ سَعَةِ عِلْمِهِ الَّذِي فَتَحَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ جَمِيعَ الْكَائِنَاتِ الَّتِي فِي السَّمَاوَاتِ بَلْ وَمَا فَوْقَهَا، كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ قِصَّةِ الْمِعْرَاجِ، " وَالْأَرْضِ " هِيَ بِمَعْنَى الْجِنْسِ، أَيْ: وَجَمِيعَ مَا فِي الْأَرَضِينَ السَّبْعِ، بَلْ وَمَا تَحْتَهَا، كَمَا أَفَادَهُ إِخْبَارُهُ - ﵇ - عَنِ الثَّوْرِ وَالْحُوتِ اللَّذَيْنِ عَلَيْهِمَا الْأَرَضُونَ كُلُّهَا اهـ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِالسَّمَاوَاتِ الْجِهَةُ الْعُلْيَا، وَبِالْأَرْضِ الْجِهَةُ السُّفْلَى، فَيَشْمَلُ الْجَمِيعَ لَكِنْ لَا بُدَّ مِنَ التَّقْيِيدِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ إِذْ لَا يَصِحُّ إِطْلَاقُ الْجَمِيعِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ، (وَتَلَا): قِيلَ: التَّالِي هُوَ اللَّهُ تَعَالَى (وَكَذَلِكَ)، أَيْ: كَمَا نُرِيَكَ يَا مُحَمَّدُ أَحْكَامَ الدِّينِ وَعَجَائِبَ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ نُرِي إِبْرَاهِيمَ: مُضَارِعٌ فِي اللَّفْظِ، وَعَنَاهُ الْمَاضِي، وَالْعُدُولُ لِإِرَادَةِ حِكَايَةِ الْحَالِ الْمَاضِيَةِ اسْتِعْجَابًا وَاسْتِغْرَابًا، أَيْ: أَرَيْنَا إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ: وَهُوَ فَعَلُوتَ مِنَ الْمُلْكِ وَهُوَ أَعْظَمُهُ، وَهُوَ عَالَمُ الْمَعْقُولَاتِ، أَيِ: الرُّبُوبِيَّةِ وَالْأُلُوهِيَّةِ وَوَفَّقْنَاهُ لِمَعْرِفَتِهِمَا، وَقِيلَ التَّالِي هُوَ النَّبِيُّ - ﷺ -، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الطِّيبِيِّ، ثُمَّ اسْتَشْهَدَ بِالْآيَةِ يَعْنِي: كَمَا أَنَّ اللَّهَ أَرَى إِبْرَاهِيمَ ﵊ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَكَشَفَ لَهُ ذَلِكَ فَتَحَ عَلِيَّ أَبْوَابَ الْغَيْبِ، قِيلَ: الْخَلِيلُ رَأَى الْمَلَكُوتَ أَوَّلًا، ثُمَّ حَصَلَ لَهُ الْإِيقَانُ بِوُجُودِ مَنْشَئِهَا، وَالْحَبِيبُ رَأَى الْمُنْشِئَ ابْتِدَاءً ثُمَّ عَلِمَ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَبَيْنَهُمَا بَوْنٌ بَائِنٌ لِأَنَّهُ شَتَّانَ بَيْنَ مَنْ يُنْقَلُ مِنَ الْمُؤَثِّرِ إِلَى الْأَثَرِ وَعَكْسِهِ وَمِنْ ثَمَّ لَمَّا قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا إِلَّا وَرَأَيْتُ اللَّهَ بَعْدَهُ عَارَضَهُ عَارِفٌ آخَرُ، بِمَا هُوَ أَبْلَغُ مِنْهُ فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا إِلَّا وَرَأَيْتُ اللَّهَ قَبْلَهُ، ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥]: عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ أَيْ لِيَسْتَدِلَّ بِهِ عَلَيْنَا، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً لِمَحْذُوفٍ، أَيْ: وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ فَعَلْنَا ذَلِكَ، وَالْجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى الْجُمْلَةِ قَبْلَهَا، (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ): مُرْسَلًا كَمَا فِي نُسْخَةٍ، قَالَ مِيرَكُ: بَلْ مُعْضَلًا، فَإِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ هَذَا مُخْتَلَفٌ فِي صُحْبَتِهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَمْ يُدْرِكِ النَّبِيَّ مِنْهُ، بَلْ رَوَاهُ مَالِكُ بْنُ يُخَامِرَ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، كَمَا فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ وَهُوَ إِسْنَادٌ جَيِّدٌ، وَلَيْسَ لَهُ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، (وَلِلتِّرْمِذِيِّ نَحْوُهُ)، أَيْ: نَحْوُ هَذَا اللَّفْظِ، أَيْ: مَعْنَاهُ (عَنْهُ)، أَيْ: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.
[ ٢ / ٦٠٩ ]
٧٢٦ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵃، وَزَادَ فِيهِ: (قَالَ: «يَا مُحَمَّدُ! هَلْ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فِي الْكَفَّارَاتِ)، وَالْكَفَّارَاتُ: الْمُكْثُ فِي الْمَسَاجِدِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ، وَالْمَشْيِ عَلَى الْأَقْدَامِ إِلَى الْجَمَاعَاتِ، وَإِبْلَاغِ الْوَضُوءِ فِي الْمَكَارِهِ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَاشَ بِخَيْرٍ، وَمَاتَ بِخَيْرٍ، وَكَانَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِذَا صَلَّيْتَ فَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ، الْخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ وَإِذَا أَرَدْتَ بِعِبَادِكَ فِتْنَةً فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ)، قَالَ: وَالدَّرَجَاتُ: إِفْشَاءُ السَّلَامِ، وَإِطْعَامُ الطَّعَامِ، وَالصَّلَاةُ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ»، وَلَفْظُ هَذَا الْحَدِيثِ كَمَا فِي الْمَصَابِيحِ لَمْ أَجِدْهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَّا فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ) .
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ): عُطِفَ عَلَى عَنْهُ (وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَزَادَ)، أَيِ: التِّرْمِذِيُّ (فِيهِ)، أَيْ: فِي نَحْوِهِ مِنَ الْحَدِيثِ (قَالَ)، أَيِ: اللَّهُ تَعَالَى سَائِلًا مَرَّةً أُخْرَى، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ (يَا مُحَمَّدُ! هَلْ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟): وَفِي الْمَصَابِيحِ: بِتَأْخِيرِ يَا مُحَمَّدُ (قُلْتُ: نَعَمْ، فِي الْكَفَّارَاتِ): وَفِي الْمَصَابِيحِ: بِدُونِ نَعَمِ، الرِّوَايَةُ الْمُعْتَمَدُ بِهَا عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قُلْتُ: فِي الدَّرَجَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ، وَسُمِّيَتِ الْخِصَالُ الْمَذْكُورَةُ كَفَارَّاتٍ ; لِأَنَّهَا تُكَفِّرُ مَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ (وَالْكَفَّارَاتِ)، أَيِ: الَّتِي يَخْتَصِمُ فِيهِ الْمَلَأُ الْأَعْلَى مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ (الْمُكْثُ): بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِهَا، وَفِي الْقَامُوسِ: الْمُكْثُ مُثَلَّثًا وَيُحَرَّكُ، أَيِ: اللُّبْثُ (فِي الْمَسَاجِدِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ)، أَيْ: بَعْدَ كُلِّ صَلَاةٍ انْتِظَارًا لِصَلَاةٍ أُخْرَى، أَوِ الْمُرَادُ بِهِ الِاعْتِكَافُ، أَوْ مُطْلَقُ التَّوَقُّفِ لِلِاعْتِزَالِ عَنِ الْخَلْقِ وَالِاشْتِغَالِ بِالْحَقِّ (وَالْمَشْيِ عَلَى الْأَقْدَامِ): أَيْ تَوَاضُعًا (إِلَى الْجَمَاعَاتِ)، أَيْ: وَلَوْ إِلَى غَيْرِ الْمَسَاجِدِ (وَإِبْلَاغِ الْوَضُوءِ): بِفَتْحِ الْوَاوِ وَتُضَمُّ (فِي الْمَكَارِهِ)، أَيْ: فِي شِدَّةِ الْبَرْدِ، وَلَفْظُ الْمَصَابِيحِ قَالَ: وَمَا هُنَّ؟ قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: اسْتِفْهَامٌ عَنْ تِلْكَ الْكَفَّارَاتِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ إِظْهَارُ عِلْمِهِ التَّفْصِيلِيِّ الَّذِي عَلَّمَهُ تَعَالَى إِيَّاهُ، وَأَنْ يُخْبِرَ بِهَا أُمَّتَهُ لِتَفْعَلَهَا. قُلْتُ: الْمَشْيُ عَلَى الْأَقْدَامِ إِلَى الْجَمَاعَاتِ، وَالْجُلُوسُ فِي الْمَسَاجِدِ خَلْفَ الصَّلَوَاتِ، وَإِبْلَاغُ الْوُضُوءِ أَمَاكِنَهُ - جَمْعَ مَكَانٍ - وَالْوَضُوءُ - بِفَتْحِ الْوَاوِ - أَيْ: إِيصَالُ مَاءِ الْوُضُوءِ - بِطَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ - مَوَاضِعَ الْفُرُوضِ وَالسُّنَنِ، وَإِنَّمَا خَصَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ بِالذِّكْرِ حَثًّا عَلَى فِعْلِهَا لِأَنَّهَا دَائِمَةٌ فَكَانَتْ مَظِنَّةَ أَنْ تُمَلَّ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، (وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَاشَ بِخَيْرٍ، وَمَاتَ بِخَيْرٍ): كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] وَفُسِّرَتِ الْحَيَاةُ الطَّيِّبَةُ بِحَلَاوَةِ الطَّاعَةِ وَتَوْفِيقِ الْعِبَادَةِ، وَفَسَّرَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ بِالرِّزْقِ الْحَلَّالِ، وَفُسِّرَتْ بِالْقَنَاعَةِ وَالرِّضَا بِالْقِسْمَةِ الْمُقَدَّرَةِ، وَهُوَ نِهَايَةُ النِّعْمَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَمَعْنَى إِجْزَاءِ الْأَجْرِ بِأَحْسَنِ الْعَمَلِ أَنْ يَجْعَلَ جَمِيعَ أَعْمَالِهِ الْمَفْضُولَةِ بِمَنْزِلَةِ عَمَلِهِ الْفَاضِلِ، وَهُوَ غَايَةُ النِّعْمَةِ الْأُخْرَوِيَّةِ وَمُقَدِّمَتُهَا الْمَوْتُ بِخَيْرٍ يَعْنِي: عَلَى الْإِسْلَامِ وَالتُّرْبَةِ وَحَالَةِ الْبِشَارَةِ بِالرَّوْحِ وَالرَّيْحَانِ وَالْجَنَّةِ، (وَكَانَ مِنْ خَطِيئَتِهِ): وَلَفَظُ الْمَصَابِيحِ: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَعِشْ بِخَيْرٍ وَيَمُتْ بِخَيْرٍ، وَيَكُونُ مِنْ خَطِيئَتِهِ إِلَخْ، (كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ): مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ لِإِضَافَتِهِ إِلَى الْمَاضِي، وَإِذَا أُضِيفَ إِلَى الْمُضَارِعِ اخْتُلِفَ فِي بِنَائِهِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَمِثَالُ الْمُضَارِعِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩] فَقَرَأَ نَافِعٌ بِالْفَتْحِ، وَالْبَاقُونَ بِالرَّفْعِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ كَانَ مُبَرَّأً كَمَا كَانَ مُبَرَّأً يَوْمَ وَلَدَتْهُ، (أُمُّهُ)، أَيْ: وَلَدَتْهُ فِيهِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ فَقَالَ: وَكَانَ خَارِجًا كَخُرُوجِهِ، وَالتَّعْبِيرُ بِهِ لِلْمُقَابَلَةِ لِاسْتِحَالَةِ حَقِيقَتِهِ هُنَا، إِذِ الْمَوْلُودُ لَا ذُنُوبَ لَهُ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهَا، وَمِنْ ثَمَّ عَبَّرَ الشَّارِحُ بِمُبَرَّأٍ، وَآثَرْنَا ذَلِكَ لِأَنَّهُ - ﷺ - عَبَّرَ بِهِ فِي قَوْلِهِ: («مِنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ»)، أَيْ: بِالتَّأْوِيلِ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا اهـ. وَوَجْهُ غَرَابَتِهِ تَقْدِيرُهُ مَا يَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلِ وَتَرْكُهُ مَا لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلٍ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ، وَغَيْرُهُ: يَعْنِي مِنَ الصَّغَائِرِ (وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِذَا صَلَّيْتَ فَقُلْ): قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ بَعْدَ صَلَاتِكَ كَمَا أَفَادَهُ النَّظْمُ اهـ، وَالنَّظْمُ لَا يُنَافِي أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى إِذَا صَلَّيْتَ فَقُلْ فِي آخِرِ صَلَاتِكَ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْخَيْرَاتِ): وَفِي نُسْخَةٍ: (فِعْلَ الْخَيْرَاتِ) بِكَسْرِ الْفَاءِ، وَقِيلَ بِفَتْحِهَا، وَقِيلَ الْأَوَّلُ اسْمٌ وَالثَّانِي مَصْدَرٌ، وَالْخَيْرَاتُ: مَا عُرِفَ مِنَ الشَّرْعِ مِنَ الْأَفْعَالِ الْحَمِيدَةِ، وَالْأَفْعَالِ السَّعِيدَةِ (وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ): لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ كَمَا قَبْلَهُ مِنْ إِضَافَةِ الْمَصْدَرِ إِلَى
[ ٢ / ٦١٠ ]
الْمَفْعُولِ، وَهُوَ تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ لِدُخُولِهِ فِي الْخَيْرَاتِ الَّتِي قُوبِلَتْ بِالْمُنْكَرَاتِ اهْتِمَامًا بِهَذَا الْفَرْدِ مِنْهُ كَمَا خَصَّ الْفِتْنَةَ فِي جَانِبِ الْمُنْكَرَاتِ بِقَوْلِهِ: (وَإِذَا أَرَدْتَ بِعِبَادِكَ فِتْنَةً)، أَيْ: ضَلَالَةً أَوْ عُقُوبَةً دُنْيَوِيَّةً (فَاقْبِضْنِي): بِكَسْرِ الْبَاءِ، أَيْ: تَوَفَّنِي (إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ)، أَيْ: غَيْرَ ضَالٍّ أَوْ غَيْرَ مُعَاقَبٍ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تُضِلَّهُمْ فَقَدِّرْ مَوْتِيَ غَيْرَ مَفْتُونٍ (قَالَ)، أَيِ: النَّبِيُّ (وَالدَّرَجَاتُ): مُبْتَدَأٌ، أَيْ: مَا تُرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتُ هُوَ (إِفْشَاءُ السَّلَامِ)، أَيْ: بَذْلُهُ عَلَى مَنْ عَرَفَهُ وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ (وَإِطْعَامُ الطَّعَامِ)، أَيْ: إِعْطَاؤُهُ لِلْأَنَامِ مِنَ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ (وَالصَّلَاةُ ; بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ): وَلَفَظُ الْمَصَابِيحِ: وَمِنَ الدَّرَجَاتِ - أَيْ مِمَّا يَرْفَعُهَا وَيُوَصِّلُ إِلَيْهَا، فَمِنْ لِلتَّبْعِيضِ - إِطْعَامُ الطَّعَامِ وَبَذْلُ السَّلَامِ وَأَنْ يُقَامَ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: إِنَّمَا عُدَّتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ مِنْهَا لِأَنَّهَا فَضْلٌ مِنْهُ عَلَى مَا وَجَبَ عَلَيْهِ، فَلَا جَرَمَ اسْتَحَقَّ بِهَا فَضْلًا وَهُوَ عُلُوُّ الدَّرَجَاتِ، قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الطَّيِّبَاتِ، أَيِ: الْأَقْوَالَ وَالْأَحْوَالَ الصَّالِحَةَ، وَفِعْلَ الْخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَتُوبَ عَلَيَّ، وَإِذَا أَرَدْتَ بِعِبَادِكَ فِتْنَةً فِي يَوْمٍ فَتَوَفَّنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ، (وَلَفْظُ هَذَا الْحَدِيثِ كَمَا فِي الْمَصَابِيحِ): كَمَا بَيَّنَاهُ فِي مَوَاضِعِهِ (لَمْ أَجِدْهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَّا فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) .
[ ٢ / ٦١١ ]
٧٢٧ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: («ثَلَاثَةٌ كُلُّهُمْ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ: رَجُلٌ خَرَجَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُ فَيُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يَرُدَّهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ، وَرَجُلٌ رَاحَ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُ فَيَدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يَرُدَّهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ، وَرَجُلٌ دَخَلَ بَيْتَهُ بِسَلَامٍ، فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ»)، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَنْهُ: (ثَلَاثَةٌ)، أَيْ: أَشْخَاصٍ (كُلُّهُمْ)، أَيْ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَالْأَفْرَادُ بِاعْتِبَارِ لَفْظِ الْكُلِّ (ضَامِنٌ)، أَيْ: ذُو ضَمَانٍ، أَيْ: حِفْظٍ وَرِعَايَةٍ [كَلَابِنٍ وَعَامِرٍ] (عَلَى اللَّهِ): أَوْ مَضْمُونٌ كَمَا يُقَالُ: هُوَ عَامِرٌ أَيْ مَعْمُورٌ كَمَاءٍ دَافِقٍ أَيْ مَدْفُوقٍ، يَعْنِي: وَعْدَ اللَّهِ وَعْدًا لَا خُلْفَ فِيهِ أَنْ يُعْطِيَهُمْ مُرَادَهُمْ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الضَّامِنُ بِمَعْنَى ذِي الضَّمَانِ، فَيَعُودُ إِلَى مَعْنَى الْوَاجِبِ، أَيْ: وَاجِبٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى يَعْنِي بِمُقْتَضَى وَعْدِهِ أَنْ يَكْلَأَ مِنْ مُضَادِّ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، (رَجُلٌ خَرَجَ غَازِيًا)، أَيْ: حَالَ كَوْنِهِ مُرِيدًا لِلْغَزْوِ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ)، أَيْ: وَاجِبُ الْحِفْظِ وَالرِّعَايَةِ عَلَيْهِ تَعَالَى كَالشَّيْءِ الْمَضْمُونِ (حَتَّى يَتَوَفَّاهُ)، أَيْ: يَقْبِضَ رُوحَهُ إِمَّا بِالْمَوْتِ أَوْ بِالْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (فَيُدْخِلَهُ اللَّهُ)، أَيْ: مَعَ النَّاجِينَ (أَوْ يَرُدَّهُ): عَطْفٌ عَلَى يَتَوَفَّاهُ (بِمَا نَالَ)، أَيْ: مَعَ مَا وَجَدَهُ (مِنْ أَجْرٍ) يَعْنِي: ثَوَابًا فَقَطْ (أَوْ غَنِيمَةٍ)، أَيْ: مَعَ الْأَجَرِ فَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَوْ هُمَا فَأَوْ لِمَنْعِ الْخُلُوِّ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يُوجَدَ غَنِيمَةٌ بِلَا أَجْرٍ، وَهُوَ مَرْفُوضٌ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمَفْرُوضِ فَتَأَمَّلْ، فَإِنَّهُ مَحَلُّ زَلَلٍ وَخَطَلٍ، وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ حِكَايَةً عَنِ اللَّهِ تَعَالَى: «مَنْ خَرَجَ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي فَأَنَا عَلَيْهِ ضَامِنٌ، أَوْ هُوَ عَلَيَّ ضَامِنٌ»، شَكَّ الرَّاوِي، أَيْ: فَأَنَا عَلَيْهِ رَقِيبٌ وَحَفِيظٌ، أَوْ هُوَ عَلَيَّ وَاجِبُ الْحِفْظِ (وَرَجُلٌ رَاحَ)، أَيْ: مَشَى (إِلَى الْمَسْجِدِ، فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ)، أَيْ: يُعْطِيهِ الْأَجْرَ وَأَنْ لَا يَضَيِّعَ سَعْيَهُ، أَوْ وَاجِبُ الْوِقَايَةِ وَالرِّعَايَةِ (وَرَجُلٌ دَخَلَ بَيْتَهُ بِسَلَامٍ)، أَيْ: مُسَلِّمًا عَلَى أَهْلِهِ، وَقِيلَ: دَخَلَ بَيْتَهُ لِلسَّلَامَةِ، وَكُلٌّ مَعْنَاهُ سَالِمًا مِنَ الْفِتَنِ، أَيْ: طَالِبًا لِلسَّلَامَةِ مِنْهَا فَإِنَّهُ يَأْمَنُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦]، أَيْ: سَالِمِينَ مِنَ الْعَذَابِ وَرَدَ بِأَنَّ آمِنِينَ يُفِيدُ ذَلِكَ، فَمَعْنَى بِسَلَامٍ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ أَوْ يُسَلِّمُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ.
[ ٢ / ٦١١ ]
(فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ): قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ يُعْطِيهِ الْبَرَكَةَ وَالثَّوَابَ الْكَثِيرَ، لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ - ﵇ - قَالَ لِأَنَسٍ: (إِذَا دَخَلْتَ عَلَى أَهْلِكَ فَسَلِّمْ يَكُونُ بَرَكَةً عَلَيْكَ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِكَ»)، اهـ.
أَوْ يُسَلِّمُ عَلَى نَفْسِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِهِ أَحَدٌ إِذِ السُّنَّةُ لِمَنْ دَخَلَ بَيْتًا خَالِيًا أَنْ يَقُولَ: السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، وَلَعَلَّ السِّرَّ أَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَبَعْضِ الْجِنِّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا لَمْ يُذْكَرِ الْمَضْمُونُ بِهِ فِي الْأَخِيرَيْنِ اكْتِفَاءً، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قِيلَ الْمُرَادُ الَّذِي يُسَلِّمُ عَلَى أَهْلِهِ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ، وَالْمَضْمُونُ بِهِ أَنْ يُبَارِكَ عَلَيْهِ وَعَلَى أَهْلِهِ، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي يَلْزَمُ بَيْتَهُ طَالِبًا لِلسَّلَامَةِ وَهَرَبًا مِنَ الْفِتَنِ، وَهَذَا أَوْجَهُ ; لِأَنَّ الْمُجَاهَدَةَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ سَفَرًا، وَالرَّوَاحَ إِلَى الْمَسْجِدِ حَضَرًا، وَلُزُومَ الْبَيْتِ اتِّقَاءً مِنَ الْفِتَنِ أَخَذَ بَعْضُهَا بِحُجْزَةِ بَعْضٍ، فَعَلَى هَذَا فَالْمَضْمُونُ بِهِ هُوَ رِعَايَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَجِوَارُهُ عَنِ الْفِتَنِ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ): قَالَ مِيرَكُ: وَسَكَتَ عَلَيْهِ.
[ ٢ / ٦١٢ ]
٧٢٨ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: («مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ مُتَطَهِّرًا إِلَى صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ ; فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الْمُحْرِمِ، وَمَنْ خَرَجَ إِلَى تَسْبِيحِ الضُّحَى لَا يُنْصِبُهُ إِلَّا إِيَّاهُ ; فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الْمُعْتَمِرِ، وَصَلَاةٌ عَلَى إِثْرِ صَلَاةٍ لَا لَغْوَ بَيْنَهُمَا كِتَابٌ فِي عِلِّيِّينَ»)، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ)، أَيْ: عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ مُتَطَهِّرًا إِلَى صَلَاةٍ): حَالٌ، أَيْ: قَاصِدًا إِلَى الْمَسْجِدِ مَثَلًا لِأَدَاءِ الصَّلَاةِ (مَكْتُوبَةٍ، فَأَجْرُهُ): مُضَاعَفٌ (كَأَجْرِ الْحَاجِّ): أَوْ مِثْلُ أَجْرِهِ، قَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ: أَيْ كَأَصْلِ أَجْرِهِ وَقِيلَ كَأَجْرِهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يُكْتَبُ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ أَجْرٌ كَالْحَاجِّ، وَإِنْ تَغَايَرَ الْأَجْرَانِ كَثْرَةً وَقِلَّةً أَوْ كَمِّيَّةً، وَكَيْفِيَّةً، أَوْ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَسْتَوْفِي أَجْرَ الْمُصَلِّينَ مِنْ وَقْتِ الْخُرُوجِ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ، وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ إِلَّا فِي بَعْضِ تِلْكَ الْأَوْقَاتِ كَالْحَاجِّ، فَإِنَّهُ يَسْتَوْفِي أَجْرَ الْحَاجِّ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ وَإِنْ لَمْ يَحُجَّ إِلَّا فِي عَرَفَةَ (الْمُحْرِمِ): شُبِّهَ بِالْحَاجِّ الْمُحْرِمِ لِكَوْنِ التَّطَهُّرِ مِنَ الصَّلَاةِ بِمَنْزِلَةِ الْإِحْرَامِ مِنَ الْحَجِّ لِعَدَمِ جَوَازِهِمَا بِدُونِهِمَا، ثُمَّ إِنَّ الْحَاجَّ إِذَا كَانَ مُحْرِمًا كَانَ ثَوَابُهُ أَتَمَّ، فَكَذَلِكَ الْخَارِجُ إِلَى الصَّلَاةِ إِذَا كَانَ مُتَطَهِّرًا كَانَ ثَوَابُهُ أَفْضَلَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ أَيْ قَاصِدًا إِلَى الْمَسْجِدِ لِأَدَاءِ الْفَرَائِضِ، وَإِنَّمَا قَدَّرْنَا الْقَصْدَ حَالًا لِيُطَابِقَ الْحَجَّ لِأَنَّهُ الْقَصْدُ الْخَاصُّ، فِي النِّيَّةِ مَعَ التَّطْهِيرِ مَنْزِلَةَ الْإِحْرَامِ، وَأَمْثَالُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ لَيْسَتْ لِلتَّسْوِيَةِ، كَيْفَ وَإِلْحَاقُ النَّاقِصِ بِالْكَامِلِ يَقْتَضِي فَضْلَ الثَّانِي وُجُوبًا لِيُفِيدَ الْمُبَالَغَةَ، وَإِلَّا كَانَ عَبَثًا فَشَّبَهَ - ﷺ - حَالَ الْمُصَلِّي الْقَاصِدِ إِلَى الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ بِحَالِ الْحَاجِّ الْمُحْرِمِ فِي الْفَضْلِ مُبَالَغَةً وَتَرْغِيبًا، لِئَلَّا يَتَقَاعَدَ عَنِ الْجَمَاعَاتِ. (وَمَنْ خَرَجَ إِلَى تَسْبِيحِ الضُّحَى)، أَيْ: صَلَاةِ الضُّحَى، وَكُلُّ صَلَاةِ تَطَوُّعٍ تَسْبِيحَةٌ وَسُبْحَةٌ قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمَكْتُوبَةُ وَالنَّافِلَةُ وَإِنِ اتَّفَقَتَا فِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا يُسَبَّحُ فِيهَا، إِلَّا أَنَّ النَّافِلَةَ جَاءَتْ بِهَذَا الِاسْمِ أَخَصَّ مِنْ جِهَةِ أَنَّ التَّسْبِيحَاتِ فِي الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ سُنَّةٌ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ لِلنَّافِلَةِ تَسْبِيحَةٌ عَلَى أَنَّهَا شَبِيهَةٌ بِالْأَذْكَارِ فِي كَوْنِهَا غَيْرَ وَاجِبَةٍ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمِنْ هَذَا أَخَذَ أَئِمَّتُنَا قَوْلَهُمُ: السُّنَّةُ فِي الضُّحَى فِعْلُهَا فِي الْمَسْجِدِ، وَيَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُسْتَثْنَيَاتِ مِنْ خَبَرِ: «أَفْضَلُ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ» اهـ. وَفِيهِ أَنَّهُ عَلَى فَرْضِ صِحَّةِ حَدِيثِ الْمُدُنِ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ لَا عَلَى أَفْضَلِيَّتِهِ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى مَنْ يَكُونُ لَهُ مَسْكَنٌ، أَوْ فِي مَسْكَنِهِ شَاغِلٌ وَنَحْوُهُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَسْجِدِ ذِكْرٌ فِي الْحَدِيثِ أَصْلًا، فَالْمَعْنَى مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ أَوْ سُوقِهِ أَوْ شُغْلِهِ مُتَوَجِّهًا إِلَى صَلَاةِ الضُّحَى تَارِكًا أَشْغَالَ الدُّنْيَا (لَا يُنْصِبُهُ): بِضَمِّ الْيَاءِ مِنَ الْإِنْصَابِ، وَهُوَ الْإِتْعَابُ مَأْخُوذٌ مِنْ نَصِبَ بِالْكَسْرِ إِذَا تَعِبَ، وَأَنْصَبَهُ غَيْرُهُ أَيْ أَتْعَبَهُ، وَيُرْوَى بِفَتْحِ الْيَاءِ مِنْ نَصَبَهُ، أَيْ: أَقَامَهُ قَالَهُ زَيْنُ الْعَرَبِ، وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: هُوَ بِضَمِّ الْيَاءِ، وَالْفَتْحُ احْتِمَالٌ لُغَوِيٌّ لَا أُحَقِّقُهُ رِوَايَةً (إِلَّا إِيَّاهُ)، أَيْ: لَا يُتْعِبُهُ الْخُرُوجُ إِلَّا تَسْبِيحَ الضُّحَى، وَوَضْعُ الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ مَوْضِعَ الْمَرْفُوعِ، أَيْ: لَا يُخْرِجُهُ وَلَا يُزْعِجُهُ إِلَّا هُوَ كَالْعَكْسِ فِي حَدِيثِ الْوَسِيلَةِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَقِيلَ: هَذَا مِنْ بَابِ الْمَيْلِ إِلَى الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ، وَهُوَ بَابٌ جَلِيلٌ مِنْ
[ ٢ / ٦١٢ ]
عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ، وَجَعَلَ الْكَشَّافُ مِنْهُ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٩] فِي الْقِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ بِالرَّفْعِ إِذْ مَعْنَى ذَلِكَ فَلَمْ يُطِيعُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ، وَكَذَا هُنَا إِذْ مَعْنَى لَا يَنْصِبُهُ إِلَّا إِيَّاهُ لَا يَقْصِدُ وَلَا يَطْلُبُ إِلَّا إِيَّاهُ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَقَعَ الضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ مَوْضِعَ الْمَرْفُوعِ لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مُفَرَّغٌ يَعْنِي لَا يُتْعِبُهُ إِلَّا الْخُرُوجُ إِلَى تَسْبِيحِ الضُّحَى، (فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الْحَاجِّ): فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْعُمْرَةَ سُنَّةٌ، (وَصَلَاةٌ عَلَى إِثْرِ صَلَاةٍ): بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ ثُمَّ السُّكُونِ أَوْ بِفَتْحَتَيْنِ، أَيْ: عَقِيبَهُ (لَا لَغْوَ بَيْنَهُمَا)، أَيْ: بِكَلَامِ الدُّنْيَا (كِتَابٌ)، أَيْ: عَمَلٌ مَكْتُوبٌ (فِي عِلِّيِّينَ): وَهُوَ عِلْمُ الدِّيوَانِ الْخَيْرِ الَّذِي دُوِّنَ فِيهِ أَعْمَالُ الْأَبْرَارِ قَالَ تَعَالَى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ - وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ - كِتَابٌ مَرْقُومٌ - يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ١٨ - ٢١] مَنْقُولٌ مِنْ جَمْعِ عِلِّيٍّ فِعِّيلٍ مِنَ الْعُلُوِّ، سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ مَرْفُوعٌ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ تَكْرِيمًا، وَلِأَنَّهُ سَبَبُ الِارْتِفَاعِ إِلَى أَعْلَى الدَّرَجَاتِ، وَالْعَلِّيَّةُ بِتَشْدِيدِ اللَّامِ وَالْيَاءِ: الْغُرْفَةُ كَذَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ، وَقِيلَ: أَرَادَ أَعْلَى الْأَمْكِنَةِ وَأَشْرَفَ الْمَرَاتِبِ، أَيْ: مُدَاوَمَةُ الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ تَخَلُّلِ مَا يُنَافِيهَا لَا شَيْءَ مِنَ الْأَعْمَالِ أَعْلَى مِنْهَا، فَكَنَى عَنْ ذَلِكَ بِعِلِّيِّينَ، وَقِيلَ: أَيْ عَمَلُ كِتَابٍ، أَوْ مَرْفُوعٌ فِيهِ، أَوْ سَبَبٌ كُتِبَ اسْمُ عَامِلِهِ فِي عِلِّيِّينَ، وَهُوَ مَوْضِعٌ يُكْتَبُ فِيهِ أَعْمَالُ الصَّالِحِينَ، (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ): وَسَكَتَ عَلَيْهِ، وَفِي سَنَدِهِ الْقَاسِمُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَفِيهِ مَقَالٌ، قَالَهُ مِيرَكُ.
[ ٢ / ٦١٣ ]
٧٢٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا)، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ ; قَالَ: (الْمَسَاجِدُ)، قِيلَ وَمَا الرَّتْعُ؟ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: (سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ»)، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: («إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا»)، أَيْ: لَا تَكُونُوا سَاكِتِينَ، بَلْ كُونُوا ذَاكِرِينَ إِمَّا بِالْجَنَانِ أَوْ بِاللِّسَانِ، وَالْجَمْعُ لِأَهْلِ الْعِرْفَانِ، أَوِ اغْتَنِمُوا الرَّتْعَ الْحَاصِلَ فِيهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ، وَأَصْنَافِ الذِّكْرِ، وَفُنُونِ الْعُلُومِ، وَالْمَعَارِفِ، وَلِذَا قَالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: لَوْ خُيِّرْتُ بَيْنَ الْمَسْجِدِ وَالْجَنَّةِ لَاخْتَرْتُ الْمَسْجِدَ، وَلَعَلَّهُ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى كَمَالِ الرُّتْبَةِ فِي الْجَنَّةِ، أَوْ ; لِأَنَّ فِيهِ مُخَالَفَةَ النَّفْسِ، وَمُوَافَقَةَ الْقَلْبِ، وَرِضَا الرَّبِّ، (قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ): السَّائِلُ فِي الْفَصْلَيْنِ هُوَ أَبُو هُرَيْرَةَ الرَّاوِي، وَهُوَ صَرِيحٌ، فِي كِتَابِ التِّرْمِذِيِّ قَالَهُ مِيرَكُ، (وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: (الْمَسَاجِدُ): لَا يُنَافِي الرِّوَايَةَ الْأُخْرَى: حِلَقُ الذِّكْرِ، لِأَنَّهَا تَصْدُقُ بِالْمَسَاجِدِ وَغَيْرِهَا، فَهِيَ أَعَمُّ، وَخُصَّتِ الْمَسَاجِدُ هُنَا لِأَنَّهَا أَفْضَلُ، وَجَعَلَ الْمَسَاجِدَ رِيَاضَ الْجَنَّةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِبَادَةَ فِيهَا سَبَبٌ لِلْحُصُولِ فِي رِيَاضِ الْجَنَّةِ، («قِيلَ: وَمَا الرَّتْعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ»): وَلِرِعَايَةِ الْمُنَاسَبَةِ لَفْظًا وَمَعْنًى وُضِعَ الرَّتْعُ مَوْضِعَ الْقَوْلِ ; لِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ سَبَبٌ لِنَيْلِ الثَّوَابِ الْجَزِيلِ، وَالرَّتْعُ هُنَا كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَرْتَعُ﴾ [يوسف: ١٢] وَهُوَ أَنْ يَتَّسِعَ فِي أَكْلِ الْفَوَاكِهِ وَالْمُسْتَلَذَّاتِ، وَالْخُرُوجُ إِلَى التَّنَزُّهِ فِي الْأَرْيَافِ وَالْمِيَاهِ، كَمَا هُوَ عَادَةُ النَّاسِ إِذَا خَرَجُوا إِلَى الرِّيَاضِ، ثُمَّ اتَّسَعَ وَاسْتُعْمِلَ فِي الْفَوْزِ بِالثَّوَابِ الْجَزِيلِ، وَتَلْخِيصُ مَعْنَى الْحَدِيثِ: إِذَا مَرَرْتُمْ بِالْمَسَاجِدِ فَقُولُوا هَذَا الْقَوْلَ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَلِذَا قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَقْتَ كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ فَلْيَقُلْ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ، فَإِنَّهَا تَقُومُ مَقَامَ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ الرَّتْعَ لَيْسَ مُنْحَصِرًا فِي هَذِهِ الْأَذْكَارِ، بَلِ الْمَقْصُودُ هَذِهِ وَأَمْثَالُهَا مِنَ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ الَّتِي هِيَ سَبَبُ وُصُولِ الرَّوْضَاتِ وَرَفْعِ الدَّرَجَاتِ الْعَالِيَاتِ، وَقَدْ قِيلَ: لَوْ لُمِحَ فِي الرَّتْعِ تَنَاوُلُ ثَمَرَةِ الشَّجَرَةِ الَّتِي غَرَسَهَا الذَّاكِرُ فِي رِيَاضِ الْمَسْجِدِ عَلَى مَا وَرَدَ: («لَقِيتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي إِبْرَاهِيمَ - ﵇ -، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلَامَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ، عَذْبَةُ الْمَاءِ، وَأَنَّهَا قِيعَانٌ، وَأَنَّ غَرْسَهَا سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ»)، لَجَاءَ أُسْلُوبًا بَدِيعًا وَتَلْمِيحًا عَجِيبًا.
[ ٢ / ٦١٣ ]
ثُمَّ فِي حِلَقِ الذِّكْرِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ كُلَّ ذِكْرٍ رَتْعٌ، وَإِنَّمَا خُصَّتِ الْكَلِمَاتُ الْمَذْكُورَةُ بِالذِّكْرِ ; لِأَنَّ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ فِي الْآيَةِ مُفَسَّرَةٌ بِهَا، وَلِحَدِيثِ: إِنَّهَا أَفْضَلُ الْكَلَامِ، وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَا حَدِيثُ: («إِذَا دَخَلْتُمُ الْمَسْجِدَ فَعَلَيْكُمْ بِالْإِرْتَاعِ»)، قَالُوا: وَمَا الْإِرْتَاعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ; قَالَ: (الدُّعَاءُ وَالرَّغْبَةُ إِلَى اللَّهِ ﷿)، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ): وَقَالَ: غَرِيبٌ، وَفِي سَنَدِهِ حُمَيْدٌ الْمَكِّيُّ، وَفِيهِ مَقَالٌ نَقَلَهُ مِيرَكُ، وَوَرَدَ: («الْمَسَاجِدُ سُوقُ الْآخِرَةِ، فَمَنْ دَخَلَهَا كَانَ ضَيْفًا لِلَّهِ، وَجَزَاؤُهُ الْمَغْفِرَةُ، وَتَحِيَّتُهُ الْكَرَامَةُ، وَعَلَيْكُمْ بِالْإِرْتَاعِ)، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْإِرْتَاعُ قَالَ: (الدُّعَاءُ وَالرَّغْبَةُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى») .
[ ٢ / ٦١٤ ]
٧٣٠ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: («مَنْ أَتَى الْمَسْجِدَ لِشَيْءٍ، فَهُوَ حَظُّهُ»)، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ): أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَنْ: (مَنْ أَتَى الْمَسْجِدَ لِشَيْءٍ)، أَيْ: لِقَصْدِ حُصُولِ شَيْءٍ أُخْرَوِيٍّ أَوْ دُنْيَوِيٍّ (فَهُوَ)، أَيْ: ذَلِكَ الشَّيْءُ (حَظُّهُ): وَنُصِيبُهُ كَقَوْلِهِ - ﵇ -: («إِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»)، فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى تَصْحِيحِ النِّيَّةِ فِي إِتْيَانِ الْمَسْجِدِ، لِئَلَّا يَكُونَ مُخْتَلِطًا بِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ كَالتَّمْشِيَةِ وَالْمُصَاحَبَةِ مَعَ الْأَصْحَابِ، بَلْ يَنْوِي الِاعْتِكَافَ، وَالْعُزْلَةَ، وَالِانْفِرَادَ، وَالْعِبَادَةَ، وَزِيَارَةَ بَيْتِ اللَّهِ، وَاسْتِفَادَةَ عِلْمٍ، وَإِفَادَتَهُ وَنَحْوَهَا (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ): قَالَ مِيرَكُ: وَسَكَتَ عَلَيْهِ، وَفِي إِسْنَادِهِ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاتِكَةِ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَضَعَّفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، قَالَ الذَّهَبِيُّ: قَدْ ضَعَّفَهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ، وَوَرَدَ: («مَنْ أَلِفَ الْمَسْجِدَ أَلِفَهُ اللَّهُ ﷿»)، وَوَرَدَ أَيْضًا: («إِنَّ بُيُوتِي فِي أَرَاضِيَّ الْمَسَاجِدُ، وَإِنَّ زُوَّارِيَ مِنْهَا عُمَّارُهَا، فَطُوبَى لِعَبْدٍ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ، ثُمَّ زَارَنِي فِي بَيْتِي، فَحَقٌّ عَلَى الْمَزُورِ أَنْ يُكْرِمَ زَائِرَهُ»)، وَوَرَدَ أَيْضًا: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يَقُولُ اللَّهُ ﷿: أَيْنَ جِيرَانِي أَيْنَ جِيرَانِي ; فَيَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: يَا رَبَّنَا وَمَنْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُجَاوِرَكَ، فَيَقُولُ اللَّهُ: أَيْنَ زُوَّارُ الْمَسَاجِدِ؟») .
[ ٢ / ٦١٤ ]
٧٣١ - وَعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ، عَنْ جَدَّتِهَا فَاطِمَةَ الْكُبْرَى، ﵃، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ، وَقَالَ: (رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ)، وَإِذَا خَرَجَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ، وَقَالَ: (رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ»)، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ وَفِي رِوَايَتِهِمَا، قَالَتْ «إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَكَذَا إِذَا خَرَجَ، قَالَ (بِسْمِ اللَّهِ، وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ)، بَدَلَ: صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ.» وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ الْحُسَيْنِ لَمْ تُدْرِكْ فَاطِمَةَ الْكُبْرَى.
_________________
(١) (وَعَنْ فَاطِمَةَ) زَوْجِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ (بِنْتِ الْحُسَيْنِ، عَنْ جَدَّتِهَا فَاطِمَةَ الْكُبْرَى)، أَيِ: الْبَتُولِ الزَّهْرَاءِ بِنْتِ النَّبِيِّ - ﷺ - لِكِبَرِ فَضْلِهَا وَشَأْنِهَا (﵂): وَفِي نُسْخَةٍ: عَنْهُمْ (قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ»): وَهُوَ يَحْتَمِلُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، ثُمَّ حِكْمَتُهُ بَعْدَ تَعْلِيمِ أُمَّتِهِ أَنَّهُ - ﷺ - كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِيمَانُ بِنَفْسِهِ، كَمَا كَانَ يَجِبُ عَلَى غَيْرِهِ، فَكَذَا طُلِبَ مِنْهُ تَعْظِيمُهَا بِالصَّلَاةِ مِنْهُ عَلَيْهَا، كَمَا طُلِبَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِ (وَقَالَ: (رَبِّ): وَفِي الرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ: اللَّهُمَّ فَالْكُلُّ سُنَّةٌ (اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ): وَفِي تَقْدِيمِ الْغُفْرَانِ عَلَى الْفَتْحِ نُكْتَةٌ لَا تَخْفَى (وَإِذَا خَرَجَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ وَقَالَ: («رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ»): وَتَقَدَّمَ عَنِ الطِّيبِيِّ نُكْتَةٌ فِي الْفَرْقِ بِالرَّحْمَةِ وَالْفَضْلِ فِي الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ، وَخَطَرَ بِبَالِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ النُّكْتَةُ، هِيَ: أَنَّ الدَّاخِلَ لَمَّا كَانَ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْعِبَادَةِ فَطَلَبَ الرَّحْمَةَ النَّاشِئَةَ مِنْهَا، فَإِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ، وَلَمَّا كَانَ الْخَارِجُ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْأُمُورِ الْمُبَاحَةِ، فَحِينَئِذٍ يُنَاسِبُ أَنْ يَطْلُبَ فَضْلَهُ تَعَالَى مِنْ عِنْدِهِ مِنْ غَيْرِ مُبَاشَرَةِ عِبَادَةٍ وَسَبَبِ رَحْمَةٍ وَعِنَايَةٍ، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ وَفِي رِوَايَتِهِمَا، قَالَتْ: «إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَكَذَا إِذَا خَرَجَ، قَالَ: (بِسْمِ اللَّهِ، وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ»)، بَدَلَ: صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ،
[ ٢ / ٦١٤ ]
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ): لِأَنَّ فَاطِمَةَ الصُّغْرَى بِنْتَ حُسَيْنِ بَنِ عَلِيٍّ تَرْوِي هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ جَدَّتِهَا فَاطِمَةَ الْكُبْرَى، وَهِيَ مَا أَدْرَكَتْهَا فَقَوْلُهُ: (فَاطِمَةُ بِنْتُ الْحُسَيْنِ لَمْ تُدْرِكْ فَاطِمَةَ الْكُبْرَى): جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ أَوِ اسْتِئْنَافِيَّةٌ مُبَيِّنَةٌ لِعَدَمِ الِاتِّصَالِ، وَقَالَ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّهَا جَمَعَتْ مِنْ أَبِيهَا عَنْهَا، فَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، فِي الدُّعَاءِ فِي مُصَنَّفِهِ، وَأَحْسَبُ بَعْضَهُمْ وَصَلَهُ، نَقَلَهُ مِيرَكُ.
[ ٢ / ٦١٥ ]
٧٣٢ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ تَنَاشُدِ الْأَشْعَارِ فِي الْمَسْجِدِ، وَعَنِ الْبَيْعِ وَالِاشْتِرَاءِ فِيهِ، وَأَنْ يَتَحَلَّقَ النَّاسُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ» .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ)، أَيْ: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ تَنَاشُدِ الْأَشْعَارِ)، أَيِ: الْمَذْمُومَةِ (فِي الْمَسْجِدِ): قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: التَّنَاشُدُ أَنْ يُنْشِدَ كُلُّ وَاحِدٍ صَاحِبَهُ نَشِيدًا لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ افْتِخَارًا وَمُبَاهَاةً، أَوْ عَلَى وَجْهِ التَّفَكُّهِ بِمَا يُسْتَطَابُ مِنْهُ تَرْجِيَةً لِلْوَقْتِ بِمَا تَرْكَنُ إِلَيْهِ النَّفْسُ أَوْ لِغَيْرِهِ، فَهُوَ مَذْمُومٌ، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْهُ فِي مَدْحِ الْحَقِّ وَأَهْلِهِ وَذَمِّ الْبَاطِلِ وَذَوِيهِ، أَوْ كَانَ مِنْهُ تَمْهِيدٌ لِقَوَاعِدِ الدِّينِ، أَوْ إِرْغَامٌ لِمُخَالِفِيهِ، فَهُوَ خَارِجٌ عَنِ الذَّمِّ وَإِنْ خَالَطَهُ التَّشْبِيبُ، وَقَدْ كَانَ يُفْعَلُ ذَلِكَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَلَا يَنْهَى عَنْهُ لِعِلْمِهِ بِالْغَرَضِ الصَّحِيحِ، كَذَا نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ خَاصٌّ بِغَيْرِ الشِّعْرِ الْحَسَنِ ; لِأَنَّ حَسَّانَ أَنْشَدَ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ فِي الْمَسْجِدِ مُسْتَحْسِنًا لِمَا أَنْشَدَهُ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَصَحَّ «أَنَّ حَسَّانَ وَكَعْبَ بْنَ زُهَيْرٍ كَانَا يُنْشِدَانِ الشِّعْرَ فِي الْمَسْجِدِ بِحَضْرَتِهِ - ﵇» -، «وَمَرَّ عُمَرُ وَحَسَّانُ يُنْشِدُ الشِّعْرَ فِي الْمَسْجِدِ فَلَحَظَهُ، فَقَالَ: كُنْتُ أَنْشُدُهُ وَفِيهِ خَيْرٌ مِنْكَ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ أَسَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: (أَجِبْ عَنِّي اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ») . وَرَوَى أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ أَنَّهُ - ﵇ - قَالَ: («الشِّعْرُ كَالْكَلَامِ حَسَنُهُ كَحَسَنِهِ وَقَبِيحُهُ كَقَبِيحِهِ»)، وَعَلَى هَذَا حَمَلُوا أَيْضًا قَوْلَهُ - ﵇ -: («لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا»)، وَقَوْلَهُ - ﵇ -: («مَنْ رَأَيْتُمُوهُ يُنْشِدُ فِي الْمَسْجِدِ شِعْرًا فَقُولُوا فَضَّ اللَّهُ فَاكَ»)، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، رَوَاهُ ابْنُ السُّنِّيِّ، وَفِي مُخْتَصَرِ النِّهَايَةِ: لَا يُفَضِّضُ اللَّهُ فَاكَ، أَيْ: لَا يُسْقِطُ أَسْنَانَكَ، وَالْفَضُّ: الْكَسْرُ، (وَعَنِ الْبَيْعِ وَالِاشْتِرَاءِ فِيهِ): أَيْ فِي الْمَسْجِدِ، وَجَوَّزَ عُلَمَاؤُنَا لِلْمُعْتَكِفِ الشِّرَاءَ بِغَيْرِ إِحْضَارِ الْمَبِيعِ، وَمِنَ الْبِدَعِ الشَّنِيعَةِ بَيْعُ ثِيَابِ الْكَعْبَةِ خَلْفَ الْمَقَامِ، وَبَيْعُ الْكُتُبِ وَغَيْرِهَا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَأَشْنَعُ مِنْهُ وَضَعُ الْمُخَلَّفَاتِ وَالْقِرَبِ وَالدَّبْشِ فِيهِ، سِيَّمَا فِي أَيَّامِ الْمَوْسِمِ، وَوَقْتَ ازْدِحَامِ النَّاسِ، وَاللَّهُ وَلِيُّ أَمْرِ دِينِهِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِهِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيُكْرَهُ أَيْضًا الْجُلُوسُ فِيهِ لِحِرْفَةٍ إِلَّا نَسْخِ كُتُبِ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ وَآلَتِهِ، وَلَوْ خَاطَ فِيهِ أَحْيَانًا فَلَا بَأْسَ، «وَرَأَى عُمَرُ ﵁ خَيَّاطًا فِي الْمَسْجِدِ فَأَمَرَ بِإِخْرَاجِهِ فَقِيلَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! إِنَّهُ يَكْنُسُ الْمَسْجِدَ وَيُغْلِقُ الْبَابَ، فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: (جَنِّبُوا صُنَّاعَكُمْ مَسَاجِدَكُمْ»)، رَوَاهُ عَبْدُ الْحَقِّ وَضَعَّفَهُ، وَكَانَ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ إِذَا مَرَّ عَلَيْهِ مَنْ يَبِيعُ فِي مَسْجِدٍ قَالَ: عَلَيْكَ بِسُوقِ الدُّنْيَا فَإِنَّ هَذَا سَوَّقُ الْآخِرَةِ، وَسَمِعَ عُمَرُ ﵁ صَوْتَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: أَتَدْرِي أَيْنَ أَنْتَ؟ (وَأَنْ يَتَحَلَّقَ النَّاسُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ إِلَى الْمَسْجِدِ)، أَيْ: فِي أَنْ يَجْلِسَ النَّاسُ عَلَى هَيْئَةِ الْحَلْقَةِ يُقَالُ: تَحَلَّقُ الْقَوْمُ إِذَا جَلَسُوا حَلْقَةً حَلْقَةً، وَعِلَّةُ النَّهْيِ أَنَّ الْقَوْمَ إِذَا تَحَلَّقُوا، فَالْغَالِبُ عَلَيْهِمُ التَّكَلُّمُ وَرَفْعُ الصَّوْتِ، وَإِذَا كَانُوا كَذَلِكَ لَا يَسْتَمِعُونَ الْخُطْبَةَ وَهُمْ مَأْمُورُونَ بِاسْتِمَاعِهَا كَذَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ، وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: النَّهْيُ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ أَحَدَهُمَا: أَنَّ تِلْكَ الْهَيْئَةَ تُخَالِفُ اجْتِمَاعَ الْمُصَلِّينَ، وَالثَّانِيَ: أَنَّ
[ ٢ / ٦١٥ ]
الِاجْتِمَاعَ لِلْجُمُعَةِ خَطْبٌ جَلِيلٌ لَا يَسَعُ مَنْ حَضَرَهَا أَنْ يَهْتَمَّ بِمَا سِوَاهَا حَتَّى يَفْرُغَ، وَتَحَلُّقُ النَّاسِ قَبْلَ الصَّلَاةِ مُوهِمٌ لِلْغَفْلَةِ عَنِ الْأَمْرِ الَّذِي نُدِبُوا إِلَيْهِ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِي الْحَدِيثِ كَرَاهَةُ التَّحَلُّقِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ لِمُذَاكَرَةِ الْعِلْمِ، بَلْ يَشْتَغِلُ بِالذِّكْرِ وَالصَّلَاةِ وَالْإِنْصَاتِ لِلْخُطْبَةِ، وَلَا بَأْسَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَفِي الْإِحْيَاءِ يُكْرَهُ الْجُلُوسُ لِلْحِلَقِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَرْوِي: نُهِيَ عَنِ الْحَلْقِ قَبْلَ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِإِسْكَانِ اللَّامِ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ بَقِيَ أَرْبَعِينَ سَنَةً لَا يَحْلِقُ رَأْسَهُ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّمَا هُوَ الْحِلَقُ بِفَتْحِهَا جَمْعُ حَلْقَةٍ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ): وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا ذَكَرَهُ مِيرَكُ.
[ ٢ / ٦١٦ ]
٧٣٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: («إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ فِي الْمَسْجِدِ، فَقُولُوا: لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَنْشُدُ فِيهِ ضَالَّةً، فَقُولُوا: لَا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْكَ»)، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ)، أَيْ: يَشْتَرِي (فِي الْمَسْجِدِ): وَحَذْفُ الْمَفْعُولِ يَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ، فَيَشْمَلُ ثَوْبَ الْكَعْبَةِ وَالْمَصَاحِفَ وَالْكُتُبَ وَالسُّبَحَ (فَقَالُوا)، أَيْ: لِكُلٍّ مِنْهُمَا بِاللِّسَانِ جَهْرًا أَوْ بِالْقَلْبِ سِرًّا (لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ): دُعَاءٌ عَلَيْهِ، أَيْ: لَا جَعَلَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ ذَاتَ رِبْحٍ وَنَفْعٍ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦]، وَلَوْ قَالَ لَهُمَا مَعًا: لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكُمَا جَازَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، (وَإِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَنْشُدُ)، أَيْ: يَطْلُبُ بِرَفْعِ الصَّوْتِ (فِيهِ)، أَيْ: فِي الْمَسْجِدِ (ضَالَّةً)، أَيْ: سَاقِطَةً (فَقُولُوا: لَا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْكَ): وَفِي رِوَايَةٍ: لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ لِقِلَّةِ أَدَبِكَ، حَيْثُ رَفَعْتَ صَوْتَكَ فِي الْمَسْجِدِ، وَشَوَّشْتَ عَلَى الْمُصَلِّينَ، أَوِ الْمُعْتَكِفِينَ ذِكْرَهُمْ، أَوْ حُضُورَهُمْ، أَوْ قَالَهُمْ، أَوْ حَالَهُمْ، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ): وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ نَقَلَهُ مِيرَكُ (وَالدَّارِمِيُّ): وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمُ، قَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ ذَكَرَهُ مِيرَكُ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمَرَّ شَطْرُهُ الثَّانِي عَنْ مُسْلِمٍ.
[ ٢ / ٦١٦ ]
٧٣٤ - وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ يُسْتَقَادَ فِي الْمَسْجِدِ وَأَنْ يُنْشَدَ فِيهِ الْأَشْعَارُ، وَأَنْ تُقَامَ فِيهِ الْحُدُودُ،» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي (سُنَنِهِ)، وَصَاحِبُ (جَامِعِ الْأُصُولِ)، فِيهِ عَنْ حَكِيمٍ.
_________________
(١) (وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ): بِكَسْرِ حَاءٍ فَزَايٍ، هُوَ ابْنُ أَخِي خَدِيجَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ الطِّيبِيُّ، (قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ يُسْتَقَادَ)، أَيْ: يُطْلَبَ الْقَوَدُ، أَيِ: الْقِصَاصُ وَقَتْلُ الْقَاتِلِ بَدَلَ الْقَتِيلِ، أَيْ: يُقْتَصَّ (فِي الْمَسْجِدِ): لِئَلَّا يَقْطُرَ الدَّمُ فِيهِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَيُكْرَهُ الْقَوَدُ فِيهِ إِنْ لَمْ يُصِبْهُ نَجَسٌ وَإِلَّا حُرِّمَ (وَأَنْ يُنْشَدَ): قِيلَ بِالتَّأْنِيثِ، أَيْ: يُقْرَأَ (فِيهِ الْأَشْعَارُ)، أَيِ: الْمَذْمُومَةُ (وَأَنْ تُقَامَ): كَذَلِكَ (فِيهِ الْحُدُودُ)، أَيْ: سَائِرُهَا، أَيْ: تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، أَيِ: الْحُدُودُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِاللَّهِ أَوْ بِالْآدَمِيِّ ; لِأَنَّ فِي ذَلِكَ نَوْعَ هَتْكٍ لِحُرْمَتِهِ، وَلِاحْتِمَالِ تَلَوُّثِهِ بِجُرْحٍ أَوْ حَدَثٍ، وَقَوْلُ ابْنِ لَيْلَى: تُقَامُ شَاذٌّ كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: لِئَلَّا يَتَلَوَّثَ الْمَسْجِدُ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ قَالَ عُمَرُ ﵁ فِيمَنْ لَزِمَهُ حَدٌّ فِي الْمَسْجِدِ: أَخْرِجُوهُ، وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁، مِثْلُهُ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ): فِي آخِرِ كِتَابِ الْحُدُودِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَفِي إِسْنَادِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُهَاجِرِ، وَالشَّعْبِيُّ الْبَصْرِيُّ الدِّمَشْقِيُّ، وَقَدْ وَثَّقَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: يُكْتَبُ حَدِيثُهُ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ نَقَلَهُ مِيرَكُ، وَقَالَ: وَقَدْ رَوَى لَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ، (وَصَاحِبُ جَامِعِ الْأُصُولِ فِيهِ)، أَيِ: الْجَامِعِ (عَنْ حَكِيمٍ: مُتَعَلِّقٌ بِرَوَاهُ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي سَنَدِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشَّعْبِيُّ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: يُكْتَبُ حَدِيثُهُ، وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ، وَفِيهِ أَيْضًا زُفَرُ بْنُ وَثِيمَةَ جَهَّلَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ، وَوَثَّقَهُ ابْنُ حَزْمٍ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ حَسَنٌ كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُ الْحُفَّاظِ.
[ ٢ / ٦١٦ ]
٧٣٥ - وَفِي (الْمَصَابِيحِ)، عَنْ جَابِرٍ
_________________
(١) (وَفِي الْمَصَابِيحِ، عَنْ جَابِرٍ)، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَمْ يُوجَدْ فِي الْأُصُولِ الرِّوَايَةُ عَنْهُ، وَقَالَ مِيرَكُ: صَوَابُهُ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حَزْمٍ.
[ ٢ / ٦١٧ ]
٧٣٦ - وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ أَبِيهِ ﵄، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ - يَعْنِي الْبَصَلَ وَالثُّومَ - وَقَالَ: (مَنْ أَكَلَهُمَا فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا)، وَقَالَ: (إِنْ كُنْتُمْ لَا بُدَّ آكِلِيهِمَا ; فَأَمِيتُوهَا طَبْخًا»)، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ): تَابِعِيٌّ بَصْرِيٌّ، سَمِعَ أَبَاهُ، وَأَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ (عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ): إِشَارَةٌ إِلَى مَا فِي الذِّهْنِ (- يَعْنِي الْبَصَلَ وَالثُّومَ -): وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَا مَوْجُودَيْنِ فِي الْمَجْلِسِ فَالْإِشَارَةُ حِسِّيَّةٌ (وَقَالَ: (مَنْ أَكَلَهُمَا): وَفِي مَعْنَاهُمَا الْكُرَّاثُ وَالْفُجْلُ (فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا)، أَيْ: مَسْجِدَ مِلَّتِنَا يَعْنِي: مَا دَامَ مَعَهُ الرَّائِحَةُ الْخَبِيثَةُ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْعِلَّةُ بِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا تَتَأَذَّى بِهِ النَّاسُ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمَسْجِدَ إِنْ كَانَ خَالِيًا مِنَ النَّاسِ، فَلَا يَخْلُو مِنَ الْمَلَائِكَةِ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ كَالْبَيَانِ لِلْجُمْلَةِ الْأُولَى، أَيْ: أَفَادَ هَذَا الْبَيَانُ أَنَّ التَّقْدِيرَ نَهَى عَنْ أَكْلِهِمَا، وَأَفَادَ أَيْضًا أَنَّ شَرْطَ النَّهْيِ عَنْ أَكْلِهِمَا اقْتِرَانُهُ بِقَصْدِ دُخُولِ الْمَسْجِدِ مَثَلًا، مَعَ بَقَاءِ رِيحِهِمَا، وَأَمَّا أَكْلُهُمَا لَا بِهَذِهِ النِّيَّةِ، فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ النَّهْيِ، وَفِي النَّهْيِ عَنِ الْقُرْبَانِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الدُّخُولِ أَوْلَى، (وَقَالَ: (إِنْ كُنْتُمْ لَا بُدَّ)، أَيْ: لَا فِرَاقَ وَلَا مَحَالَةَ وَلَا غِنًى بِكُمْ عَنْ أَكْلِهِمَا لِفَرْطِ حَاجَةٍ أَوْ شَهْوَةٍ، وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ اسْمِ كَانَ وَخَبَرِهَا وَهُوَ (آكِلِيهِمَا): يَعْنِي: وَأَرَدْتُمْ دُخُولَ الْمَسْجِدِ (فَأَمِيتُوهُمُا طَبْخًا): الْإِمَاتَةُ عِبَارَةٌ عَنْ إِزَالَةِ قُوَّةِ رَائِحَتِهِمَا، أَيْ: أَزِيلُوا رَائِحَتَهُمَا بِالطَّبْخِ، وَفِي مَعْنَاهُ إِمَاتَتُهُ وَإِزَالَتُهُ بِغَيْرِ الطَّبْخِ، وَإِنَّمَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ): وَسَكَتَ عَلَيْهِ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، قَالَهُ مِيرَكُ.
[ ٢ / ٦١٧ ]
٧٣٧ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: («الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ»)، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: («الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ»)، أَيْ: يَجُوزُ السُّجُودُ فِيهَا مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ (إِلَّا الْمَقْبَرَةَ): بِفَتْحِ الْبَاءِ وَضَمِّهَا، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بِتَثْلِيثِهَا، وَفِي الْقَامُوسِ: الْمَقْبَرَةُ مُثَلَّثَةَ الْبَاءِ وَكَمِكْنَسَةٍ مَوْضِعُ الْقُبُورِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُهَا، (وَالْحَمَّامَ): قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فَإِنَّ الصَّلَاةَ تُكْرَهُ فِيهِمَا، وَقَالَ شَارِحُ الْمُنْيَةِ: وَفِي الْفَتَاوَى لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ فِي الْمَقْبَرَةِ إِذَا كَانَ فِيهَا مَوْضِعٌ أُعِدَّ لِلصَّلَاةِ، وَلَيْسَ فِيهِ قَبْرٌ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ): وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ فِيهِ اضْطِرَابٌ يَعْنِي مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ وَالْإِسْنَادُ، وَذَكَرَ أَنَّ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ أَرْسَلَهُ وَهُوَ أَصَحُّ وَأَثْبَتُ اهـ، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مُسْنَدًا، وَالَّذِي وَصَلَهُ ثِقَةٌ أَيْضًا، فَلَا يَضُرُّهُ إِرْسَالُهُ، كَذَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ، (وَالدَّارِمِيُّ): قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَابْنُ مَاجَهْ وَسَنَدُهُ حَسَنٌ.
[ ٢ / ٦١٧ ]
٧٣٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ يُصَلَّى فِي سَبْعَةِ مَوَاطِنَ: فِي الْمَزْبَلَةِ، وَالْمَجْزَرَةِ، وَالْمَقْبَرَةِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَفِي الْحَمَّامِ، وَفِي مَعَاطِنِ الْإِبِلِ، وَفَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ اللَّهِ»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ يُصَلَّى): عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ فِي سَبْعَةِ مَوَاطِنَ: فِي الْمَزْبَلَةِ): بِفَتْحِ الْبَاءِ، وَقِيلَ بِضَمِّهَا، الْمَوْضِعُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الْإِبِلُ، وَهُوَ السِّرْجِينُ، وَمِثْلُهُ سَائِرُ النَّجَاسَاتِ (وَالْمَجْزِرَةِ): بِكَسْرِ الزَّايِ وَتُفْتَحُ: قَالَ فِي الصِّحَاحِ: الْمَجْزِرَةُ بِكَسْرِ الزَّايِ قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَيَجُوزُ فَتْحُهَا، وَاقْتَصَرَ ابْنُ حَجَرٍ عَلَى الْفَتْحِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ وَالنُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، وَهِيَ الْمَوْضِعُ الَّذِي تُنْحَرُ فِيهِ الْإِبِلُ وَتُذْبَحُ الْبَقَرُ وَالشَّاءُ، نَهَى عَنْهَا لِأَجْلِ النَّجَاسَةِ فِيهَا مِنَ الدِّمَاءِ وَالْأَرْوَاثِ، (وَالْمَقْبَرَةِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ): فَالْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ، أَيْ:
[ ٢ / ٦١٧ ]
وَسَطِهِ، فَالْمُرَادُ بِهَا الطَّرِيقُ الَّذِي يَقْرَعُهُ النَّاسُ وَالدَّوَابُّ بِأَرْجُلِهِمْ، لِاشْتِغَالِ الْقَلْبِ بِالْخَلْقِ عَنِ الْحَقِّ، وَلِذَا شَرَطَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَكُونَ فِي الْعُمْرَانِ لَا الْبَرِّيَّةُ، (وَفِي الْحَمَّامِ): لِأَنَّهُ مَحَلُّ النَّجَاسَةِ وَمَأْوَى الشَّيْطَانِ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْحَمِيمِ، وَهُوَ الْمَاءُ الْحَارُّ، وَمِنْهُ مَسْلَخَةٌ، وَهُوَ مَحَلٌّ سَلْخِ الثِّيَابِ، أَيْ: نَزْعِهَا، وَالتَّعْلِيلُ بِأَنَّ دُخُولَ النَّاسِ يَشْغَلُهُ وَهُوَ غَيْرُ مُطَّرِدٍ فَلَا يُنْظَرُ إِلَيْهِ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ الِاعْتِبَارُ لِلْأَغْلَبِ، (وَفِي مَعَاطِنِ الْإِبِلِ): جَمْعُ عَطَنٍ وَهُوَ مَبْرَكُ الْإِبِلِ حَوْلَ الْمَاءِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: جَمْعُ مَعْطِنٍ بِكَسْرِ الطَّاءِ، وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي تَبْرُكُ فِيهِ الْإِبِلُ عِنْدَ الرُّجُوعِ عَنِ الْمَاءِ، وَيُسْتَعْمَلُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تَكُونُ فِيهِ الْإِبِلُ بِاللَّيْلِ)، أَيْضًا، وَيُؤَيِّدُهُ خَبَرُ مُسْلِمٍ: نُهِيَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ وَقَالَ: لِأَنَّ هَذِهِ الْمَوَاضِعَ مَحَالُّ النَّجَاسَةِ، فَإِنْ صَلَّى فِيهَا بِغَيْرِ السَّجَّادَةِ بَطَلَتْ، وَمَعَ السَّجَّادَةِ تُكْرَهُ لِلرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ اهـ.
وَهَذَا إِذَا لَمْ تَكُنِ الْإِبِلُ فِيهَا، وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ فَسَيَأْتِي أَنَّ الصَّلَاةَ مَكْرُوهَةٌ حِينَئِذٍ مُطْلَقًا لِشِدَّةِ نِفَارِهَا، (وَفَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ اللَّهِ): إِذْ نَفْسُ الِارْتِفَاعِ إِلَى سَطْحِ الْكَعْبَةِ مَكْرُوهٌ لِاسْتِعْلَائِهِ عَلَيْهِ الْمُنَافِي لِلْأَدَبِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَإِنَّمَا ذُكِرَ الظَّهْرُ مَعَ الْفَوْقِ إِذْ لَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ عَلَى مَوْضِعٍ هُوَ فَوْقَ الْبَيْتِ كَجَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ، وَذِكْرُ " فَوْقَ " ; لِأَنَّ الْحِيطَانَ كُلَّهَا ظَهَرُ الْبَيْتِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: اخْتُلِفَ فِي أَنَّ النَّهْيَ الْوَارِدَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الْمَوَاطِنِ السَّبْعَةِ لِلتَّحْرِيمِ أَوِ التَّنْزِيهِ، وَالْقَائِلُونَ بِالتَّحْرِيمِ اخْتَلَفُوا فِي الصِّحَّةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّهْيَ يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ، وَفِيهِ أَرْبَعَةُ مَذَاهِبَ: يَدُلُّ مُطْلَقًا، لَا يَدُلُّ مُطْلَقًا، يَدُلُّ فِي الْعِبَادَاتِ دُونَ الْمُعَامَلَاتِ، يَدُلُّ إِذَا كَانَ مُتَعَلِّقُ النَّهْيِ نَفْسَ الْفِعْلِ، أَوْ مَا يَكُونُ لَازِمًا كَصَوْمِ يَوْمِ الْعِيدِ، وَالصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ، وَبَيْعِ الرِّبَا، وَلَا يَدُلُّ إِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، كَالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، وَالْوَادِي وَأَعْطَانِ الْإِبِلِ وَالْبَيْعِ وَقْتَ النِّدَاءِ، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ): وَقَالَ: إِسْنَادُهُ لَيْسَ بِذَاكَ الْقَوِيِّ، نَقَلَهُ مِيرَكُ، (وَابْنُ مَاجَهْ): قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَسَنَدَهُ حَسَنٌ.
[ ٢ / ٦١٨ ]
٧٣٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: («صَلُّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، وَلَا تُصَلُّوا فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ»)، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (صَلُّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ)، أَيْ: فَوْقَ السَّجَّادَةِ إِذَا كَانَتْ ضَرُورَةً، وَهُوَ جَمْعُ مَرْبِضٍ بِكَسْرِ الْبَاءِ، وَهُوَ مَأْوَى الْغَنَمِ (وَلَا تُصَلُّوا فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ): جَمْعُ عَطَنٍ، وَهُوَ مِثْلُ الْمَعْطَنِ، وَالْفَارِقُ أَنَّ الْإِبِلَ كَثِيرَةُ الشِّرَادِ، شَدِيدَةُ النِّفَارِ، فَلَا يَأْمَنُ الْمُصَلِّي فِي أَعْطَانِهَا، أَيْ: مَعَاطِنِهَا مِنْ أَنْ تَنْفِرَ وَتَقْطَعَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ، أَوْ تُشَوِّشُ قَلْبَهُ، فَتَمْنَعُهُ عَنِ الْخُشُوعِ فِيهَا، بِخِلَافِ الْغَنَمِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِلَيْهِ أَشَارَ - ﵇ - بِقَوْلِهِ: («لَا تُصَلُّوا فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ فَإِنَّهَا خُلِقَتْ مِنَ الشَّيَاطِينِ»)، وَأَوَّلَهُ ابْنُ حِبَّانَ بِأَنَّهَا خُلِقَتْ مَعَهَا، قَالَ وَإِلَّا لَمْ يُصَلِّ - ﵇ - الْوَتْرَ عَلَى بَعِيرِهِ، أَيْ: فَالْعِلَّةُ الصَّحِيحَةُ شِدَّةُ نِفَارِهَا الْمُؤَدِّي إِلَى قَطْعِ الصَّلَاةِ، أَوْ مَنْعِ الْخُشُوعِ، لَا خَلْقُهَا مِنَ الشَّيَاطِينِ، أَيْ: مِنْ مَائِهِمْ وَخَرَجَ بِالْإِبِلِ الْغَنَمُ فَلَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ عِنْدَهَا ; لِأَنَّ نِفَارَهَا لَا يُشَوِّشُ الْخُشُوعَ لِأَنَّهَا سَكِينَةٌ، وَلِذَا وَرَدَ فِيهَا: «مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ»، وَيُؤَيِّدُهُ خَبَرُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ - ﷺ - قَالَ: («إِذَا أَدْرَكْتُمُ الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ فِي مُرَاحِ الْغَنَمِ فَصَلُّوا فَإِنَّهَا سَكِينَةٌ وَبَرَكَةٌ، وَإِذَا أَدْرَكْتُمُ الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ فَاخْرُجُوا مِنْهَا فَصَلُّوا فَإِنَّهَا جِنُّ، مِنْ جِنٍّ خُلِقَتْ، أَلَا تَرَوْنَ أَنَّهَا إِذَا نَفَرَتْ كَيْفَ تَشْمَخُ بِأَنْفِهَا»)، وَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِي سَائِرِ مَحَالِّ الشَّيَاطِينِ، وَمِنْهَا الْوَادِي الَّذِي نَامَ فِيهِ - ﵇ - عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ كَمَا مَرَّ، وَمِنْهَا كُلُّ مَحَلٍّ حَلَّ بِهِ غَضَبٌ كَأَرْضِ ثَمُودَ، وَبَابِلَ، وَدِيَارِ قَوْمِ لُوطٍ، وَمُحَسِّرٍ؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعَذَابَ نَزَلَ بِهِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فَلَوْ صَلَّى وَالْمَكَانُ طَاهِرٌ يَصِحُّ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَأَصْحَابُ الْغَنَمِ كَانُوا يُنَظِّفُونَ الْمَرَابِضَ فَأُبِيحَتِ الصَّلَاةُ فِيهَا لِذَلِكَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ): وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، نَقَلَهُ مِيرَكُ.
[ ٢ / ٦١٨ ]
٧٤٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - زَائِرَاتِ الْقُبُورِ، وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ»): فِي شَرْحِ السُّنَّةِ قِيلَ: هَذَا كَانَ قَبْلَ التَّرَخُّصِ، فَلَمَّا رُخِّصَ دَخْلَ فِي الرُّخْصَةِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، وَقِيلَ: بَلْ نَهْيُ النِّسَاءِ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ بَاقٍ لِقِلَّةِ صَبْرِهِنَّ، وَكَثْرَةِ جَزَعِهِنَّ إِذَا رَأَيْنَ الْقُبُورَ اهـ، وَمُرَادُهُ بِالتَّرَخُّصِ قَوْلُهُ - ﵇ -: («كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا لِأَنَّهَا تُذَكِّرُ الْآخِرَةَ»)، وَيُمْكِنُ حَمْلُ النَّهْيِ عَلَى عَجَائِزَ مُتَطَيِّبَاتٍ، وَمُتَزَيِّنَاتٍ، أَوْ عَلَى شَوَابَّ وَلَوْ فِي ثِيَابِ بِذْلَتِهِنَّ لِوُجُودِ الْفِتْنَةِ فِي خُرُوجِهِنَّ عَلَى قِيَاسِ كَرَاهَةِ خُرُوجِهِنَّ إِلَى الْمَسَاجِدِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ جَمْعَ زَوَّارَةٍ وَهِيَ لِلْمُبَالَغَةِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ زَارَ مِنْهُنَّ عَلَى الْعَادَةِ فَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي الْمَلْعُونَاتِ اهـ. وَيُسْتَثْنَى زِيَارَةُ قَبْرِهِ - ﵇ - عَنْ هَذَا الْعُمُومِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، (وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ): قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: إِنَّمَا حُرِّمَ اتِّخَاذُ الْمَسَاجِدِ عَلَيْهَا ; لِأَنَّ فِي الصَّلَاةِ فِيهَا اسْتِنَانًا بِسُنَّةِ الْيَهُودِ اهـ. وَقَيْدُ " عَلَيْهَا " يُفِيدُ أَنَّ اتِّخَاذَ الْمَسَاجِدِ بِجَنْبِهَا لَا بَأْسَ بِهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - ﵇ -: («لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ»)، (وَالسُّرُجَ): جَمْعَ سِرَاجٍ، وَالنَّهْيُ عَنِ اتِّخَاذِ السُّرُجِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَضْيِيعِ الْمَالِ، لِأَنَّهُ لَا نَفْعَ لِأَحَدٍ مِنَ السِّرَاجِ، وَلِأَنَّهَا مِنْ أَثَارِ جَهَنَّمَ، وَإِمَّا لِلِاحْتِرَازِ عَنْ تَعْظِيمِ الْقُبُورِ، كَالنَّهْيِ عَنِ اتِّخَاذِ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ، كَذَا قَالَهُ بَعْضُ عُلَمَائِنَا، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ): وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، نَقَلَهُ مِيرَكُ (وَالنَّسَائِيُّ) .
[ ٢ / ٦١٩ ]
٧٤١ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁، قَالَ: «إِنَّ حَبْرًا مِنَ الْيَهُودِ سَأَلَ النَّبِيَّ - ﷺ -، أَيُّ الْبِقَاعِ خَيْرٌ؟ فَسَكَتَ عَنْهُ، وَقَالَ: (أَسْكُتُ حَتَّى يَجِيءَ جِبْرِيلُ)، فَسَكَتَ وَجَاءَ جِبْرِيلُ - ﵇ -، فَسَأَلَ فَقَالَ: مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ. وَلَكِنْ أَسْأَلُ رَبِّيَ ﵎، ثُمَّ قَالَ جِبْرِيلُ: يَا مُحَمَّدُ! إِنِّي دَنَوْتُ مِنَ اللَّهِ دُنُوًّا مَا دَنَوْتُ مِنْهُ قَطُّ، قَالَ: (وَكَيْفَ كَانَ يَا جِبْرِيلُ؟)، قَالَ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ حِجَابٍ مِنْ نُورٍ، فَقَالَ: شَرُّ الْبِقَاعِ أَسْوَاقُهَا، وَخَيْرُ الْبِقَاعِ مَسَاجِدُهَا»، رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةُ قَالَ: إِنَّ حَبْرًا): بِفَتْحِ الْحَاءِ أَشْهَرُ مِنْ كَسْرِهَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَذَكَرَ فِي الصِّحَاحِ)، أَنَّ كَسْرَ الْحَاءِ أَصَحُّ، لَكِنَّ الْمَشْهُورَ فِي الِاسْتِعْمَالِ الْفَتْحُ لِيُفَرَّقَ بَيْنَ الْعَالِمِ وَبَيْنَ مَا يُكْتَبُ بِهِ، كَذَا فِي الْمَفَاتِيحِ، وَقِيلَ فِي الْكَسْرِ وَجْهُهُ أَنَّ الْعَالِمَ يُكْثِرُ اسْتِعْمَالَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَكَانَ يُقَالُ لِابْنِ عَبَّاسٍ الْحِبْرُ وَالْبَحْرُ لِسَعَةِ عِلْمِهِ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، أَيْ: عَالِمًا (مِنَ الْيَهُودِ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -: أَيُّ الْبِقَاعِ): بِكَسْرِ الْبَاءِ جَمْعِ الْبُقُعَةِ بِالضَّمِّ، وَهِيَ مَوْضِعٌ يَجْتَمِعُ فِيهِ النَّاسُ مُطْلَقًا (خَيْرٌ؟)، أَيْ: أَفْضَلُ يَعْنِي كَثِيرَ الْخَيْرِ (فَسَكَتَ عَنْهُ)، أَيْ: عَنْ جَوَابِهِ (وَقَالَ)، أَيْ: فِي نَفْسِهِ لَا أَنَّهُ نَطَقَ بِهِ كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَلَا مَانِعَ مِنْ أَنَّهُ نَطَقَ بِهِ، بَلْ هُوَ أَظْهَرُ فِي الْمَرَامِ، وَأَدْفَعُ لِتَوَهُّمِ الْإِلْزَامِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الرِّوَايَاتُ الْآتِيَةُ (أَسْكُتْ): بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ (حَتَّى يَجِيءَ جِبْرِيلُ)، فَسَكَتَ)، أَيْ: إِلَى مَجِيءِ جِبْرِيلَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ أَنَّ مَنِ اسْتُفْتِيَ عَنْ مَسْأَلَةٍ لَا يَعْلَمُهَا، فَعَلَيْهِ أَنْ لَا يُعَجِّلَ فِي الْإِفْتَاءِ، وَلَا يَسْتَنْكِفَ عَنْ الِاسْتِفْتَاءِ مِمَّنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ، وَلَا يُبَادِرَ إِلَى الِاجْتِهَادِ مَا لَمْ يُضَطَرَّ إِلَيْهِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَسُنَّةُ جِبْرِيلَ، (وَجَاءَ جِبْرِيلُ - ﵇ -، فَسَأَلَ)، أَيِ: النَّبِيَّ - ﷺ - عَنْهُ، أَوْ فَسَأَلَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْهَا (فَقَالَ: مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا)، أَيْ: عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ (بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ): وَتَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ مَا
[ ٢ / ٦١٩ ]
يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ (وَلَكِنْ أَسْأَلُ رَبِّيَ تَبَارَكَ)، أَيْ: تَكَاثَرَ خَيْرُهُ وَتَوَالَى بِرُّهُ (وَتَعَالَى)، أَيْ: تَرَفَّعَ عَنْ كُلِّ مَا لَا يَلِيقُ بِكِبْرِيَائِهِ، فَالْأَوَّلُ إِثْبَاتٌ لِلنُّعُوتِ الثُّبُوتِيَّةِ، وَالثَّانِي نَفْيٌ لِلصِّفَاتِ السَّلْبِيَّةِ، وَالْمَعْنَى لَكِنِّي أَرْجِعُ إِلَى حَضْرَةِ رَبِّي أَسْأَلُهُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَإِنَّهُ أَعْلَمُ، (ثُمَّ قَالَ جِبْرِيلُ)، أَيْ: بَعْدَ رُجُوعِهِ (يَا مُحَمَّدُ! إِنِّي دَنَوْتُ)، أَيْ: قَرُبْتُ (مِنَ اللَّهِ دُنُوًّا): فَعُوِّلَ مَصْدَرُ دَنَا (مَا دَنَوْتُ مِنْهُ قَطُّ): يَعْنِي: أُذِنَ لِي أَنْ أَقْرَبَ مِنْهُ تَعَالَى أَكْثَرَ مِمَّا قَرُبْتُ مِنْهُ فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَلَعَلَّ زِيَادَةَ تَقَرُّبِهِ مِنْهُ فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ لِتَعْظِيمِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَقَدْ يَزِيدُ الْمُحِبُّ فِي احْتِرَامِ رَسُولِ الْحَبِيبِ لِأَجْلِ الْحَبِيبِ تَمَّ كَلَامُهُ، أَوْ لِأَنَّهُ تَقَرَّبَ إِلَيْهِ تَعَالَى بِطَلَبِ الْعِلْمِ، وَمِنْ وَعْدِهِ تَعَالَى أَيْ: مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيْهِ شِبْرًا تَقَرَّبَ إِلَيْهِ بَاعًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَفِيهِ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ يَزْدَادُونَ الْعِلْمَ وَالْقُرْبَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، إِلَّا أَنَّ الْمَلَكَ تَرَقِّيهِ فِي الْعِلْمِ وَالْقُرْبِ نَادِرٌ بِخِلَافِ الْبَشَرِ، (قَالَ: (وَكَيْفَ كَانَ)، أَيْ: دُنُوُّكَ (يَا جِبْرِيلُ!)، قَالَ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ)، أَيْ: بَيْنَ عَرْشِهِ (سَبْعُونَ أَلْفَ حِجَابٍ مِنْ نُورٍ): ظَاهِرُهُ التَّحْدِيدُ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْحُجُبَ إِنَّمَا تُحِيطُ بِمُقَدَّرٍ مَحْسُوسٍ وَهُوَ الْخَلْقُ، فَهُمْ مَحْجُوبُونَ عَنْهُ تَعَالَى بِمَعَانِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَأَقْرَبُ الْمَلَائِكَةِ الْحَافُّونَ بِالْعَرْشِ، وَهُمْ مَحْجُوبُونَ بِنُورِ الْمَهَابَةِ وَالْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْجَلَالِ، وَأَمَّا الْآدَمِيُّونَ فَمِنْهُمْ مَنْ حُجِبَ بِرُؤْيَةِ النِّعَمِ عَنِ الْمُنْعِمِ، وَبِمُشَاهَدَةِ الْأَسْبَابِ عَنِ الْمُسَبِّبِ، وَمِنْهُمْ مَنْ حُجِبَ بِالشَّهَوَاتِ الْمُبَاحَةِ أَوِ الْمُحَرَّمَةِ، أَوْ بِالْمَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَزِينَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْجَاهِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الصُّوفِيَّةِ: الْعِلْمُ حِجَابٌ، قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: لَكِنَّهُ نُورَانِيٌّ، فَأَفَادَ أَنَّ الْحَجْبَ عَلَى نَوْعَيْنِ: ظُلْمَانِيٍّ وَضِدِّهِ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ الْحَدِيثُ بِقَوْلِهِ: مِنْ نُورٍ (فَقَالَ)، أَيِ: الرَّبُّ («شَرُّ الْبِقَاعِ أَسْوَاقُهَا»): لِأَنَّهَا مَحَلُّ الْغَفْلَةِ وَالْمَعْصِيَةِ («وَخَيْرُ الْبِقَاعِ مَسَاجِدُهَا»): لِأَنَّهَا مَحَلُّ الْحُضُورِ وَالطَّاعَةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَجَابَ عَنِ الشَّرِّ وَالْخَيْرِ، وَإِنْ كَانَ السُّؤَالُ عَنِ الْخَيْرِ فَقَطْ تَنْبِيهًا عَلَى بَيْتِ الرَّحْمَنِ وَبَيْتِ الشَّيْطَانِ، قُلْتُ: وَالْأَشْيَاءُ تَتَبَيَّنُ بِأَضْدَادِهَا، (رَوَاهُ): كَذَا فِي أَصْلِ الْمُصَنَّفِ هُنَا بَيَاضٌ، وَأَلْحَقَ بِهِ ابْنُ حِبَّانَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَلِذَا قَالَ الطِّيبِيُّ: ذِكْرُ الرَّاوِي أَيِ الْمُخَرِّجِ مُلْحَقٌ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي نُسْخَةٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ ابْنَ حِبَّانَ أَخْرَجَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَأَنَّهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَأَنَّ مَنْ قَالَ لَمْ يُرِدْ تَكْثِيرَ الْحُجُبِ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ يُحْمَلُ كَلَامُهُ عَلَى مَا جَاءَ مِنْ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ الْمِعْرَاجِ، كَرِوَايَةِ: «سَبْعِينَ حِجَابًا غِلَظُ كُلِّ حِجَابٍ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، ثُمَّ حُمِلَتْ عَلَى رَفْرَفٍ أَخْضَرَ يَغْلِبُ ضَوْءُهُ ضَوْءَ الشَّمْسِ، حَتَّى وَصَلَتْ لِلْعَرْشِ»، وَكَرِوَايَةِ: ثُمَّ أَيُّ، بَعْدَ انْقِطَاعِ جِبْرِيلَ عَنْهُ، وَقَوْلُهُ هَذَا مَقَامِي إِنْ جَاوَزْتُهُ احْتَرَقْتُ، زُجَّ بِيَ فِي النُّورِ فَحَرَقَ بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ حِجَابٍ، لَيْسَ فِيهَا حِجَابٌ يُشْبِهُ حِجَابًا، فَهَاتَانِ وَنَحْوُهُمَا هِيَ الَّتِي لَمْ تَثْبُتُ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ اهـ.
[ ٢ / ٦٢٠ ]
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحِجَابَ الصُّورِيَّ لَا يُتَصَوَّرُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى بِخِلَافِ النُّورِيِّ الْمَعْنَوِيِّ، وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ أَبِي عَطَاءٍ: الْحَقُّ لَيْسَ بِمَحْجُوبٍ، وَإِنَّمَا الْمَحْجُوبُ أَنْتَ عَنِ النَّظَرِ إِلَيْهِ، إِذْ لَوْ حَجَبَهُ شَيْءٌ لَسَتَرَهُ مَا حَجَبَهُ، وَلَوْ كَانَ لَهُ سَاتِرٌ لَكَانَ لِوُجُودِهِ حَاصِرًا وَكُلُّ حَاصَرٍ لِشَيْءٍ فَهُوَ لَهُ قَاهِرٌ، ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨]، وَمِنْ كَلَامِهِ أَيْضًا مِمَّا يَدُلُّكَ عَلَى وُجُودِ قَهْرِهِ سُبْحَانَهُ، أَنْ حَجَبَكَ عَنْهُ بِمَا لَيْسَ بِمَوْجُودٍ مَعَهُ، وَمِنْ كَلَامِهِ أَيْضًا: كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَحْجُبَهُ شَيْءٌ وَهُوَ الَّذِي أَظْهَرَ كُلَّ شَيْءٍ، كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَحْجُبَهُ شَيْءٌ وَهُوَ الظَّاهِرُ قَبْلَ وُجُودِ كُلِّ شَيْءٍ، كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَحْجُبَهُ شَيْءٌ وَهُوَ الْوَاحِدُ الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ، كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَحْجُبَهُ شَيْءٌ وَهُوَ أُقَرَبُ إِلَيْكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ؟ .
وَقَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: هَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا اللَّفْظِ لَمْ أَرَهُ مُخَرَّجًا فِي شَيْءٍ مِنَ الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ الْمَشْهُورَةِ، وَلَكِنْ رَأَيْتُ فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الْمَصَابِيحِ لِلسُّلَمِيِّ أَنَّهُ قَالَ: وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ - ﷺ - أَيُّ الْبِقَاعِ شَرٌّ؟ قَالَ: فِي (لَا أَدْرِي حَتَّى أَسْأَلَ جِبْرِيلَ) فَسَأَلَ جِبْرِيلَ فَقَالَ: لَا أَدْرِي حَتَّى أَسْأَلَ مِيكَائِيلَ، فَجَاءَ فَقَالَ: خَيْرُ الْبِقَاعِ الْمَسَاجِدُ، وَشَرُّهَا الْأَسْوَاقُ» .
قَالَ مِيرَك شَاهْ: ثُمَّ رَأَيْتُ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ لِلْمُنْذِرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ - ﷺ - أَيُّ الْبِقَاعِ خَيْرٌ؟ وَأَيُّ الْبِقَاعِ شَرٌّ؟ قَالَ: (لَا أَدْرِي حَتَّى أَسْأَلَ جِبْرِيلَ) فَقَالَ: لَا أَدْرِي حَتَّى أَسْأَلَ مِيكَائِيلَ، فَجَاءَ فَقَالَ: خَيْرُ الْبِقَاعِ الْمَسَاجِدُ وَشَرُّ الْبِقَاعِ الْأَسْوَاقُ»، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لِجِبْرِيلَ: [أَيُّ الْبِقَاعِ خَيْرٌ)، قَالَ: لَا أَدْرَى، قَالَ: (فَسَلْ عَنْ ذَلِكَ رَبَّكَ) قَالَ: فَبَكَى جِبْرِيلُ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! وَمَا لَنَا أَنْ نَسْأَلَهُ، هُوَ الَّذِي يُخْبِرُنَا بِمَا يَشَاءُ، فَعَرَجَ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ أَتَاهُ، فَقَالَ: خَيْرُ الْبِقَاعِ بُيُوتُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ قَالَ: (فَأَيُّ الْبِقَاعِ شَرٌّ؟) فَعَرَجَ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ: شَرُّ الْبِقَاعِ الْأَسْوَاقُ»، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ.
وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّ «رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْبُلْدَانِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ وَأَيُّ الْبُلْدَانِ أَبْغَضُ إِلَى اللَّهِ قَالَ: (لَا أَدْرِي حَتَّى أَسْأَلَ جِبْرِيلَ) فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَهُ أَنَّ أَحَبَّ الْبِقَاعِ إِلَى اللَّهِ الْمَسَاجِدُ، وَأَبْغَضَ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ الْأَسْوَاقُ»، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَزَّارُ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَأَبُو يَعْلَى وَالْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ اهـ.
وَكَلَامُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذِكْرَ الْحُجُبِ لَيْسَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ، فَتَصْحِيحُ ابْنِ حَجَرٍ غَيْرُ صَحِيحٍ عَلَى إِطْلَاقِهِ فَتَدَبَّرْ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ عَدَدَ السَّبْعِينَ غَيْرُ صَحِيحٍ، لَا نَفْسَ الْحِجَابِ فَإِنَّهُ وَرَدَ فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ عَلَى مَا مَرَّ فِي صَدْرِ الْكِتَابِ، مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا: («حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ»)
[ ٢ / ٦٢١ ]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٧٤٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: («مَنْ جَاءَ مَسْجِدِي هَذَا لَمْ يَأْتِ إِلَّا لِخَيْرٍ يَتَعَلَّمُهُ أَوْ يُعَلِّمُهُ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَنْ جَاءَ لِغَيْرِ ذَلِكَ ; فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يَنْظُرُ إِلَى مَتَاعِ غَيْرِهِ»)، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْبِيهَقِيُّ فِي [شُعَبِ الْإِيمَانِ]
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّالِثُ
(٢) (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ «مَنْ جَاءَ مَسْجِدِي هَذَا»)، أَيِ: الْمَسْجِدَ النَّبَوِيَّ فِي الْمَدِينَةِ الْمُعَطَّرَةِ (لَمْ يَأْتِ)، أَيْ: حَالَ كَوْنِهِ غَيْرَ آتٍ (إِلَّا لِخَيْرٍ)، أَيْ: عِلْمٍ أَوْ عَمَلٍ (يَتَعَلَّمُهُ أَوْ يُعَلِّمُهُ): أَوْ لِلتَّنْوِيعِ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى جَوَازِ التَّدْرِيسِ فِي الْمَسْجِدِ خِلَافًا لِمَا تَقَدَّمَ عَنِ الْإِمَامِ مَالِكٍ، وَلَعَلَّهُ مَنَعَ رَفْعَ الصَّوْتِ الْمُشَوِّشِ (فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ): مِنْ حَيْثُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُرِيدُ إِعْلَاءَ كَلِمَةِ اللَّهِ الْعُلْيَا، أَوْ لِأَنَّ الْعِلْمَ وَالْجِهَادَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ يَكُونُ فَرْضَ عَيْنٍ، وَقَدْ يَكُونُ فَرْضَ كِفَايَةٍ، أَوْ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عِبَادَةٌ نَفْعُهَا مُتَعَدٍّ إِلَى عُمُومِ الْمُسْلِمِينَ. (وَمَنْ جَاءَ لِغَيْرِ ذَلِكَ)، أَيْ: لِغَيْرِ مَا ذُكِرَ مِنَ الْخَيْرِ، وَهُوَ الْعِلْمُ وَالْعَمَلُ الَّذِي يَشْمَلُ الصَّلَاةَ وَالِاعْتِكَافَ وَالزِّيَارَةَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: يُوهِمُ أَنَّ الصَّلَاةَ دَاخِلَةٌ فِي الْغَيْرِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ الصَّلَاةَ مَفْرُوغٌ عَنْهَا وَأَنَّهَا مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ أَصْلِ الْكَلَامِ. («فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يَنْظُرُ إِلَى مَتَاعِ غَيْرِهِ»)، أَيْ: فَهُوَ مُتَحَسِّرٌ مَحْرُومٌ عَمَّا يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَالثَّنَاءِ الْجَمِيلِ، وَفِي الْعُقْبَى مِنَ الدَّرَجَاتِ وَالْجَزَاءِ الْجَزِيلِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: شَبَّهَ حَالَةَ مَنْ أَتَى الْمَسْجِدَ لِغَيْرِ الصَّلَاةِ وَالتَّعْلِيمِ، بِحَالَةِ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى مَتَاعِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَقْصِدْ تَمَلُّكَهُ بِوَجْهٍ شَرْعِيٍّ فَإِنَّ ذَلِكَ مَحْظُورٌ، وَكَذَلِكَ إِتْيَانُ الْمَسْجِدِ لِغَيْرِ مَا بُنِيَ مَحْظُورٌ، وَلَاسِيَّمَا مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - اهـ. لَكِنَّ كَوْنَ النَّظَرِ الْمُجَرَّدِ إِلَى مَتَاعِ الْغَيْرِ مَحْظُورًا مَحَلُّ نَظَرٍ، ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَجَرٍ تَعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: إِنَّ الْمَحْظُورَ الْمُحَرَّمُ وَلَا حُرْمَةَ هُنَا، بَلْ يَجُوزُ النَّظَرُ لِمَتَاعِ الْغَيْرِ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ تَمَلُّكَهُ مَا لَمْ يَكُنْ بِإِشْرَافٍ، مِنْ كَوَّةٍ وَنَحْوِهَا، وَلِمَا نَقَلَ النَّوَوِيُّ قَوْلَ الْإِحْيَاءِ: لَوْ سُقِّفَ الْمَسْجِدُ، بِحَرَامٍ حُرِّمَ الْجُلُوسُ تَحْتَهُ، لِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ بِالْحِرَامِ، قَالَ: فِيهِ نَظَرٌ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ الْقُعُودُ، وَهُوَ مِنْ بَابِ الِانْتِفَاعِ بِضَوْءِ سِرَاجِ غَيْرِهِ، وَالنَّظَرِ فِي مِرْآتِهِ إِذَا لَمْ يَسْتَوْلِ عَلَيْهِمَا، وَهُمَا جَائِزَانِ بِلَا خِلَافٍ، وَقَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ إِلَخْ، مَمْنُوعٌ أَيْضًا فَإِنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَا لَمْ يُبْنَ لَهُ دُخُولُهُ لِنَحْوِ الْمُرُورِ وَالنَّوْمِ بِهِ، وَلَا حَظْرَ فِي ذَلِكَ اهـ. وَالْمُرَادُ بِالْحَظْرِ الْحُرْمَةُ، وَإِلَّا فَالْمُرُورُ مَكْرُوهٌ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةِ بِلَا خِلَافٍ، وَالنَّوْمُ فِيهِ تَفْصِيلٌ كَمَا سَبَقَ، لَكِنَّهُ مَكْرُوهٌ لَا مُحَرَّمٌ بِالْإِجْمَاعِ، (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ ) .
[ ٢ / ٦٢٢ ]
٧٤٣ - وَعَنِ الْحَسَنِ مُرْسَلًا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: («يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَكُونُ حَدِيثُهُمْ فِي مَسَاجِدِهِمْ فِي أَمْرِ دُنْيَاهُمْ، فَلَا تُجَالِسُوهُمْ ; فَلَيْسَ لِلَّهِ فِيهِمْ حَاجَةٌ»)، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ.
_________________
(١) (وَعَنِ الْحَسَنِ)، أَيِ: الْبَصْرِيِّ (مُرْسَلًا): إِذْ هُوَ تَابِعِيٌّ [قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: («يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَكُونُ حَدِيثُهُمْ»)، أَيْ: كَلَامُهُمْ وَمُحَادَثَتُهُمْ («فِي مَسَاجِدِهِمْ فِي أَمْرِ دُنْيَاهُمْ»): وَهِيَ: مَوْضُوعَةٌ لِأَمْرِ دِينِهِمْ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: الْكَلَامُ الْمُبَاحُ فِي الْمَسْجِدِ مَكْرُوهٌ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ (فَلَا تُجَالِسُوهُمْ)، أَيْ: هَؤُلَاءِ النَّاسَ الْمَوْصُوفِينَ بِمَا ذُكِرَ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ الْإِطْلَاقَ وَالتَّقْيِيدَ بِالْمَسْجِدِ (فَلَيْسَ لِلَّهِ فِيهِمْ)، أَيْ: فِي إِتْيَانِهِمْ إِلَى الْمَسْجِدِ وَعِبَادَتِهِمْ فِيهِ (حَاجَةٌ): هِيَ كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ قَبُولِ طَاعَتِهِمْ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ بَرَاءَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَخُرُوجِهِمْ عَنْ ذِمَّةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَإِلَّا فَاللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ الْحَاجَةِ مُطْلَقًا، وَفِيهِ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ لِأَجْلِ ظُلْمِهِمْ وَوَضْعِهِمُ الشَّيْءَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ ; لِأَنَّ الْمَسْجِدَ لَمْ يُبْنَ إِلَّا لِلْعِبَادَاتِ، قُلْتُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: فَلَيْسَ لِأَهْلِ اللَّهِ فِي مُجَالَسَتِهِمْ حَاجَةٌ، (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ ) .
[ ٢ / ٦٢٢ ]
٧٤٤ - وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ﵁، قَالَ: كُنْتُ نَائِمًا فِي الْمَسْجِدِ، فَحَصَبَنِي رَجُلٌ، فَنَظَرْتُ، فَإِذَا هُوَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: اذْهَبْ فَأْتِنِي بِهَذَيْنِ فَجِئْتُهُ بِهِمَا فَقَالَ مِمَّنْ أَنْتُمَا - أَوْ مِنْ أَيْنَ أَنْتُمَا -؟ قَالَا: مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ، قَالَ: لَوْ كُنْتُمَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَأَوْجَعْتُكُمَا ; تَرْفَعَانِ أَصْوَاتَكُمَا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -؟ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: كُنْتُ نَائِمًا فِي الْمَسْجِدِ): وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: قَائِمًا، قَالَ مِيرَكُ: نَقْلًا عَنِ الشَّيْخِ، كَذَا وَقَعَ فِي الْأُصُولِ بِالْقَافِ، وَفِي رِوَايَةٍ: نَائِمًا، وَيُؤَيِّدُهَا رِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ بِلَفْظِ: مُضْطَجِعًا (فَحَصَبَنِي رَجُلٌ)، أَيْ: رَجَمَنِي بِالْحَصْبَاءِ وَهِيَ الْحِجَارَةُ الصِّغَارُ (فَنَظَرْتُ، فَإِذَا) وَفِي نُسْخَةٍ بِزِيَادَةِ (هُوَ)، أَيِ: الرَّجُلُ الْحَاصِبُ (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: اذْهَبْ فَأْتِنِي بِهَذَيْنِ)، أَيِ: الرَّجُلَيْنِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا (فَجِئْتُهُ بِهِمَا فَقَالَ: مِمَّنْ أَنْتُمَا؟) أَيْ: مِنْ أَيِّ قَبِيلَةٍ وَجَمَاعَةٍ (أَوْ مِنْ أَيْنَ أَنْتُمَا؟)، أَيْ: مِنْ أَيِّ بَلَدٍ (قَالَا: مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ): وَهُوَ يَصْلُحُ جَوَابًا لِكُلٍّ مِنَ السُّؤَالَيْنِ (قَالَ: لَوْ كُنْتُمْ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَأَوْجَعْتُكُمَا): إِذْ لَا عُذْرَ لَكُمَا حِينَئِذٍ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، يَعْنِي: أَهْلَ الْمَدِينَةِ يَعْرِفُونَ حُرْمَةَ مَسْجِدِهِ - ﵇ - أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَلَا يُسَامَحُونَ مُسَامَحَةَ الْغُرَبَاءِ، إِذْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونُوا قَرِيبِي الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ، وَبِمَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ، قَالَ مِيرَكُ: وَزَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ جَلْدًا أَيْ ضَرْبًا بِالْجَلْدِ، وَمِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ تَبَيَّنَ كَوْنُ هَذَا الْحَدِيثِ لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ ; لِأَنَّ عُمَرَ لَا يَتَوَعَّدُهُمَا بِالْجَلْدِ إِلَّا عَلَى مُخَالَفَةِ أَمْرٍ تَوْقِيفِيٍّ، (تَرْفَعَانِ): جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِلْبَيَانِ، وَقِيلَ جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ كَأَنَّهُمَا قَالَا: لِمَ تُرَجِّعُنَا ; قَالَ: لِأَنَّكُمَا تَرْفَعَانِ، وَقَوْلُهُ: (أَصْوَاتَكُمْ): قَالَ الْمَالِكِيُّ: الْمُضَافُ الْمُثَنَّى مَعْنًى إِذَا كَانَ جُزْءَ مَا أُضِيفَ إِلَيْهِ يَجُوزُ إِفْرَادُهُ نَحْوُ: أَكَلْتُ رَأْسَ شَاتَيْنِ، وَجَمْعُهُ أَجْوَدُ نَحْوُ: (صَغَتْ قُلُوبُكُمَا)، وَالتَّثْنِيَةُ مَعَ أَصَالَتِهَا قَلِيلَةُ الِاسْتِعْمَالِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جُزْأَهُ، فَالْأَكْثَرُ مَجِيئُهُ بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ نَحْوِ: سَلَّ الزَّيْدَانِ سَيْفَيْهِمَا، وَإِنْ أُمِنَ اللَّبْسُ جَازَ جَعْلُ الْمُضَافِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ كَمَا فِي: يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا كَذَا نَقَلَهُ مِيرَكُ، وَفِيهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَصْوَاتِ هُنَا الْجَمْعُ حَقِيقَةً إِذْ لِكُلِّ حَرْفٍ صَوْتٌ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَحَلِّهِ إِلَى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -؟)، أَيْ: خُصُوصًا إِذْ مَعَ شَرَافَتِهِ لَهُ زِيَادَةُ مَزِيَّةٍ أَنَّهُ - ﵇ - فِي قَبْرِهِ حَيٌّ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢]، قَالَ النَّوَوِيُّ: يُكَرَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ بِالْعِلْمِ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ بِالْعِلْمِ ; فَقَالَ: لَا خَيْرَ فِيهِ بِعَلَمٍ وَلَا بِغَيْرِهِ، وَلَقَدْ أَدْرَكْتُ النَّاسَ قَدِيمًا يَعِيبُونَ ذَلِكَ عَلَى مَا يَكُونُ بِمَجْلِسِهِ، وَأَنَا أَكْرَهُ ذَلِكَ، وَلَا أَدْرِي فِيهِ خَيْرًا. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا رَافِعًا صَوْتَهُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: أَتَدْرِي أَيْنَ أَنْتَ ; قَالَ وَقَالَ قَوْمٌ: لَا كَرَاهِيَةَ فِيهِ، مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ، وَاحْتَجُّوا بِمَا مَرَّ فِي الْوُضُوءِ مِنْ قَوْلِهِ - ﵇ -: («وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ»)، وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْمَسْجِدِ، بَلْ سِيَاقُهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُمْ كَانُوا فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ، نَعَمْ صَحَّ «عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَابْنِ أَبِيِ حَيْدَرٍ فِي دَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ أَنَّهَا ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا فِي الْمَسْجِدِ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمَا - ﵇ -، وَقَالَ: ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ الشَّطْرَ»، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ - ﵇ - تَرَكَ الْإِنْكَارَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، فَلَا يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الْكَرَاهِيَةِ اهـ، كَلَامُهُ. وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ وُجُوهٍ: مِنْهَا نِسْبَةُ نَفْيِ مُطَلَّقِ الْكَرَاهِيَةِ إِلَى الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ، وَهُوَ افْتِرَاءٌ عَلَيْهِ إِذْ مَذْهَبُهُ كَرَاهِيَةُ رَفْعِ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ وَلَوْ بِالذِّكْرِ، نَعَمْ جَوَّزَ التَّدْرِيسَ فِي الْمَسْجِدِ وَالْبَحْثِ فِيهِ، حَيْثُ لَمْ يُشَوِّشْ عَلَى الْمُصَلِّينَ أَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مُصَلُّونَ، وَمِنْهَا: إِسْنَادُ الِاحْتِجَاجِ إِلَيْهِ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، فَإِنَّهُ لَوْ فُرِضَ كَوْنُهُ فِي الْمَسْجِدِ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى نَفْيِ الْكَرَاهِيَةِ مُطْلَقًا إِذْ لَيْسَ فِيهِ مَا يُشْعِرُ بِرَفْعِ الصَّوْتِ، وَعَلَى التَّسْلِيمِ فِي الْمُنْكَرِ فِي الْمَسْجِدِ وَلَوْ بِرَفْعِ الصَّوْتِ لَا يُكْرَهُ إِجْمَاعًا، وَمِنْهَا: جَوَابُهُ عَنْ حَدِيثِ كَعْبٍ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ، وَالْأَقْرَبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا قَبْلَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ [الحجرات: ٢] الْآيَةَ، (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
[ ٢ / ٦٢٣ ]
٧٤٥ - وَعَنْ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: بَنَى عُمَرُ رَحَبَةً فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ تُسَمَّى الْبُطَيْحَاءَ، وَقَالَ: مَنْ كَانَ - يُرِيدُ أَنَّ يَلْغَطَ، أَوْ يُنْشِدَ شِعْرًا أَوْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ ; فَلْيَخْرُجْ إِلَى هَذِهِ الرَّحَبَةِ، رَوَاهُ فِي الْمُوَطَّأِ.
_________________
(١) (وَعَنْ مَالِكٍ): الْمُرَادُ بِهِ الْإِمَامُ صَاحِبُ الْمَذْهَبِ (قَالَ: بَنَى عُمَرُ ﵁ رَحَبَةً فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ): أَيْ: فَضَاءً فِي خَارِجِ الْمَسْجِدِ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ: رَحَبَةُ الْمَكَانِ - وَتُسْكَنُ - سَاحَتُهُ وَمُتَّسَعُهُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الرَّحَبَةُ بِالْفَتْحِ الصَّحْرَاءُ بَيْنَ أَفَنِيَةِ الْقَوْمِ، وَرَحَبَةُ الْمَسْجِدِ سَاحَتُهُ، قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الدَّقَّاقُ: لَيْسَ لِلْحَائِضِ أَنْ تَدْخُلَ رَحَبَةَ مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ مُتَّصِلَةً كَانَتْ أَوْ مُنْفَصِلَةً، وَتَحْرِيكُ الْحَاءِ أَحْسَنُ اهـ، وَفِيهِ وَأَمَّا فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁، وَصَفَ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي رَحَبَةِ الْكُوفَةِ، فَإِنَّهَا دُكَّانٌ وَسَطَ مَسْجِدِ الْكُوفَةِ، كَانَ عَلِيٌّ ﵁ يَقْعُدُ فِيهِ وَيَعِظُ (تُسَمَّى)، أَيْ: تِلْكَ الرَّحَبَةُ (الْبُطَيْحَاءَ): وَلَعَلَّهَا فُرِشَ فِيهَا الْبَطْحَاءُ (وَقَالَ)، أَيْ: عُمَرُ (مَنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَلْغَطَ): اللَّغَطُ: صَوْتٌ وَضَجَّةٌ لَا يُفْهَمُ مَعْنَاهُ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَالْمُرَادُ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِمَا لَا يَعْنِيهِ (أَوْ يُنْشِدُ شِعْرًا)، أَيْ: لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ، وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: شِعْرًا مَذْمُومًا لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ ; لِأَنَّهُ لَا يُبَاحُ مُطْلَقًا (أَوْ يَرْفَعُ صَوْتَهُ): وَلَوْ بِالذِّكْرِ (فَلْيَخْرُجْ إِلَى هَذِهِ الرَّحَبَةِ): فَإِنَّ الْأَمْرَ فِيهَا أَسْهَلُ وَأَهْوَنُ (رَوَاهُ)، أَيْ: مَالِكٌ (فِي الْمُوَطَّأِ): بِالْهَمْزِ وَالْأَلِفِ، وَقَدْ سَبَقَ الِاعْتِرَاضُ عَلَى مِثْلِ صَنِيعِ الْمُصَنِّفِ هَذَا، وَكَانَ حَقُّهُ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنْ يَقُولَ: وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ بَنَى رَحَبَةً، ثُمَّ يَقُولَ: رَوَاهُ مَالِكٌ.
[ ٢ / ٦٢٤ ]
٧٤٦ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «رَأَى النَّبِيُّ - ﷺ - نُخَامَةً فِي الْقِبْلَةِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتَّى رُئِيَ فِي وَجْهِهِ، فَقَامَ فَحَكَّهَا بِيَدِهِ، فَقَالَ: (إِنَّ أَحَدَكُمْ، إِذَا قَامَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ، وَإِنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ ; فَلَا يَبْزُقَنَّ أَحَدُكُمْ قِبَلَ قِبْلَتِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ)، ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَصَقَ فِيهِ، ثُمَّ رَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، فَقَالَ: (أَوْ يَفْعَلُ هَكَذَا»)، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: رَأَى النَّبِيُّ - ﷺ - نُخَامَةً): بِالضَّمِّ (فِي الْقِبْلَةِ)، أَيْ: جِدَارِ الْمَسْجِدِ الَّذِي يَلِي الْقِبْلَةَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا الْمِحْرَابَ الَّذِي يُسَمِّيهِ النَّاسُ قِبْلَةً ; لِأَنَّ الْمَحَارِيبَ مِنَ الْمُحْدَثَاتِ بَعْدَهُ - ﷺ -، وَمِنْ ثَمَّ ذَكَرَ جَمْعٌ مِنَ السَّلَفِ اتِّخَاذَهَا وَالصَّلَاةَ فِيهَا قَالَ الْقُضَاعِيُّ: وَأَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَهُوَ - يَوْمَئِذٍ عَامِلٌ لِلْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلَكِ عَلَى الْمَدِينَةِ لَمَّا أَسَّسَ مَسْجِدَ النَّبِيِّ - ﷺ - وَهَدَمَهُ، وَزَادَ فِيهِ: وَيُسَمَّى مَوْقِفُ الْإِمَامِ مِنَ الْمَسْجِدِ مِحْرَابًا لِأَنَّهُ أَشْرَفُ مَجَالِسِ الْمَسْجِدِ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْقَمَرِ مِحْرَابٌ، لِأَنَّهُ أَشْرَفُ الْمَنَازِلِ، وَقِيلَ: الْمِحْرَابُ مَجْلِسُ الْمَلِكِ سُمِّي بِهِ لِانْفِرَادِهِ فِيهِ، وَكَذَلِكَ مِحْرَابُ الْمَسْجِدِ لِانْفِرَادِ الْإِمَامِ فِيهِ، وَقِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ ; لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يُحَارِبُ فِيهِ الشَّيْطَانَ قَالَ الطِّيبِيُّ: النُّخَامَةُ الْبُزَاقَةُ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ أَقْصَى الْحَلْقِ، وَمِنْ مَخْرَجِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَهُوَ كَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِقَوْلِهِ الْآتِي: فَلَا يَبْزُقَنَّ، لَكِنَّ قَوْلَهُ: مِنْ أَقْصَى الْحَلْقِ غَيْرُ صَحِيحٍ إِذِ الْخَاءُ الْمُعْجَمَةُ مَخْرَجُهَا أَدَقُّ الْحَلْقِ، وَقَالَ فِي الْمُغْرِبِ: النُّخَاعَةُ وَالنُّخَامَةُ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْخَيْشُومِ عِنْدَ التَّنَحْنُحِ، وَفِي الْقَامُوسِ: النُّخَاعَةُ وَالنُّخَامَةُ أَوْ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْخَيْشُومِ، (فَشَقَّ)، أَيْ: صَعُبَ (ذَلِكَ)، أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنْ رُؤْيَةِ النُّخَامَةِ (عَلَيْهِ حَتَّى رُئِيَ)، أَيْ: أَثَرُ الْمَشَقَّةِ إِلَى وَجْهِهِ): وَهُوَ مَجْهُولُ رَأْيٍ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الضَّمِيرُ الَّذِي أُقِيمَ مَقَامَ الْفِعْلِ رَاجِعٌ إِلَى مَعْنَى قَوْلِهِ: فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْكَرَاهِيَةُ (فَقَامَ)، بِنَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ (فَحَكَّهُ بِيَدِهِ): اللَّطِيفَةِ عِوَضًا مِنْ أُمَّتِهِ الضَّعِيفَةِ، إِشَارَةً إِلَى أَنَّ سَيِّدَ الْقَوْمِ خَادِمُهُمْ، وَتَوَاضُعًا لِرَبِّهِ جَلَّ حَقُّهُ، وَمَحَبَّةً لِبَيْتِهِ [فَقَالَ: («إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي الصَّلَاةِ»)، أَيْ: دَخَلَ فِيهَا سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ غَيْرِهِ (فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ)، أَيْ: يُخَاطِبُهُ بِلِسَانِ الْقَائِلِ كَالْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ، وَبِلِسَانِ الْحَالِ كَأَنْوَاعِ أَحْوَالِ الِانْتِقَالِ، وَلِذَا قِيلَ: الصَّلَاةُ مِعْرَاجُ الْمُؤْمِنِ («وَإِنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ»): فِي شَرْحِ السُّنَّةِ مَعْنَاهُ: أَنْ يَقْصِدَ رَبَّهُ تَعَالَى بِالتَّوَجُّهِ إِلَى الْقِبْلَةِ، فَيَصِيرُ بِالتَّقْدِيرِ كَانَ مَقْصُودٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، فَأَمَرَ أَنْ تُصَانَ تِلْكَ الْجِهَةُ عَنِ الْبَزَّارِ نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ. (فَلَا يَبْزُقَنَّ أَحَدُكُمْ قِبَلَ): أَيْ: جِهَةَ (قِبْلَتِهِ): لِأَنَّهُمَا أَشْرَفُ الْجِهَاتِ، وَالْبُزَاقُ إِلَى الْقِبْلَةِ دَائِمًا مَمْنُوعٌ فَالشَّرْطِيَّةُ لِإِفَادَةِ زِيَادَةِ الْقُبْحِ (وَلَكِنْ)، أَيْ: لِيَبْصُقْ (عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ)، أَيِ: الْيَسَارِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: الْأَمْرُ بِالْبُصَاقِ عَنْ يَسَارِهِ وَتَحْتَ قَدَمِهِ فِيمَا إِذَا كَانَ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ، وَأَمَّا فِي الْمَسْجِدِ فَلَا يَبْصُقُ إِلَّا فِي ثَوْبِهِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى شَيْءٍ لَهُ مَفْرُوشٍ فِيهِ، فَلَهُ الْبُزَاقُ عَلَيْهِ فِي جَنْبِهِ الْأَيْسَرِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ ; لِأَنَّ الْغَرَضَ أَنَّ الْبُزَاقَ إِنَّمَا يَنْزِلُ عَلَى فِرَاشِهِ، وَلَا يُصِيبُ أَجْزَاءَ الْمَسْجِدِ مِنْهُ شَيْءٌ. وَمَا ذَكَرَهُ مَفْهُومٌ مِنِ انْطِلَاقِ قَوْلِهِ: إِلَّا فِي ثَوْبِهِ، فَلَيْسَ فِيهِ نَظَرٌ صَحِيحٌ كَمَا هُوَ صَرِيحٌ، فَتَأَمَّلْ، وَتَصْوِيرُهُ - ﵇ - بِأَخْذِ رِدَائِهِ وَالِاقْتِصَادِ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَفْرِشُونَ تَحْتَهُمْ مِنْ ثِيَابِهِمْ شَيْئًا. (ثُمَّ أَخَذَ)، أَيِ: النَّبِيُّ - ﷺ - (طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَصَقَ)، أَيْ: بَزَقَ فِيهِ (ثُمَّ رَدَّ بَعْضَهُ)، أَيْ: بَعْضَ رِدَائِهِ (عَلَى بَعْضٍ فَقَالَ: أَوْ يَفْعَلُ هَكَذَا)، أَيْ: مِثْلَ هَذَا الَّذِي فَعَلْتُهُ، وَإِذَا فَعَلَ فَلْيَكُنْ فِي جِهَةِ الْيُسْرَى، (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ) .
[ ٢ / ٦٢٤ ]
٧٤٧ - وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ خَلَّادٍ ﵁، - وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -، فَقَالَ «إِنْ رَجُلًا أَمَّ قَوْمًا، فَبَصَقَ فِي الْقِبْلَةِ، وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَنْظُرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لِقَوْمِهِ حِينَ فَرَغَ: (لَا يُصَلِّي لَكُمْ)، فَأَرَادَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُصَلِّيَ لَهُمْ، فَمَنَعُوهُ، فَأَخْبَرُوهُ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: نَعَمْ، وَحَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: (إِنَّكَ قَدْ آذَيْتَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ»)، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ خَلَّادٍ - هُوَ: وَفِي نُسْخَةٍ: وَهُوَ (رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -): وَلَعَلَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ مَشَاهِيرِ الصَّحَابَةِ، أَوْ كَانَ مِمَّنِ اخْتُلِفَ فِي صُحْبَتِهِ (قَالَ: إِنَّ رَجُلًا أَمَّ قَوْمًا)، أَيْ: صَلَّى بِهِمْ إِمَامًا، وَلَعَلَّهُمْ كَانُوا وَفْدًا (فَبَصَقَ فِي الْقِبْلَةِ)، أَيْ: فِي جِهَتِهَا (وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَنْظُرُ، أَيْ: يُطَالِعُ فِيهِ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لِقَوْمِهِ): لَمَّا رَأَى مِنْهُ قِلَّةَ الْأَدَبِ [حِينَ فَرَغَ: لَا يُصَلِّي لَكُمْ): بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ، فِي شَرْحِ السُّنَّةِ أَصْلُ الْكَلَامِ لَا تُصَلِّ لَهُمْ، فَعَدَلَ إِلَى النَّفْيِ لِيُؤْذِنَ بِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ، وَإِنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مُنَافَاةً، وَأَيْضًا فِي الْإِعْرَاضِ عَنْ غَضَبٍ شَدِيدٍ، حَيْثُ لَمْ يَجْعَلْهُ مَحَلًّا لِلْخِطَابِ، وَكَانَ هَذَا النَّهْيُ فِي غَيْبَتِهِ (فَأَرَادَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُصَلِّيَ لَهُمْ ; فَمَنَعُوهُ): فَسَأَلَ عَنْ سَبَبِ الْمَنْعِ (فَأَخْبَرُوهُ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَذَكَرَ)، أَيِ: الرَّجُلُ (ذَلِكَ)، أَيْ: مَنَعَ الْقَوْمُ إِيَّاهُ عَنِ الْإِمَامَةِ (لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -): وَقَالَ: ذَكَرُوا أَنَّكَ مَنَعْتَنِي عَنِ الْإِمَامَةِ بِهِمْ، أَكَذَلِكَ هُوَ؟ (فَقَالَ)، أَيْ: رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - (نَعَمْ): أَنَا أَمَرْتُهُمْ بِذَلِكَ (وَحَسِبْتُ)، أَيْ: قَالَ الرَّاوِي وَظَنَنْتُ (أَنَّهُ)، أَيِ: الرَّسُولُ - ﷺ - (قَالَ)، أَيْ: لَهُ زِيَادَةٌ عَلَى نَعَمْ (إِنَّكَ قَدْ آذَيْتَ)، أَيْ: (خَالَفْتَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ): وَفِيهِ تَشْدِيدٌ عَظِيمٌ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٧] وَذُكِرَ اللَّهُ تَعَالَى لِلتَّبَرُّكِ، أَوْ لِبَيَانِ أَنَّ إِيذَاءَ رَسُولِهِ لِمُخَالَفَةِ نَهْيِهِ - لَاسِيَّمَا بِحَضْرَتِهِ - مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ إِيذَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَهَذَا مِنْهُ مَبْنِيُّ عَلَى جَعْلِ الْإِيذَاءِ عَلَى حَقِيقَتِهِ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ): وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ قَالَ مِيرَكُ. ثُمَّ قَالَ: وَالْحَدِيثُ السَّائِبُ بْنُ خَلَّادٍ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ الظُّهْرَ، فَتَفَلَ بِالْقِبْلَةِ وَهُوَ يُصَلِّي لِلنَّاسِ، فَلَمَّا كَانَ صَلَاةُ الْعَصْرِ أَرْسَلَ إِلَى آخَرَ فَأَشْفَقَ الرَّجُلُ الْأَوَّلُ، فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَزَلَ فِيَّ شَيْءٌ؟ قَالَ: (لَا، وَلَكِنَّكَ تَفَلْتَ بَيْنَ يَدَيْكَ وَأَنْتَ تَؤُمُّ النَّاسَ، فَآذَيْتَ اللَّهَ وَالْمَلَائِكَةَ»)، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ.
[ ٢ / ٦٢٥ ]
٧٤٨ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁، قَالَ: «احْتَبَسَ عَنَّا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - ذَاتَ غَدَاةٍ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، حَتَّى كِدْنَا نَتَرَاءَى عَنِ الشَّمْسِ، فَخَرَجَ سَرِيعًا فَثُوِّبَ الصَّلَاةَ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَتَجَوَّزَ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ دَعَا بِصَوْتِهِ، فَقَالَ لَنَا: (عَلَى مَصَافِّكُمْ كَمَا أَنْتُمْ)، ثُمَّ انْفَتَلَ إِلَيْنَا ثُمَّ قَالَ: (أَمَا إِنِّي سَأُحَدِّثُكُمْ مَا حَبَسَنِي عَنْكُمُ الْغَدَاةَ: إِنِّي قُمْتُ مِنَ اللَّيْلِ، فَتَوَضَّأْتُ وَصَلَّيْتُ مَا قُدِّرَ لِي، فَنَعَسْتُ فِي صَلَاتِي حَتَّى اسْتَثْقَلْتُ، فَإِذَا أَنَا بِرَبِّي ﵎ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! قُلْتُ لَبَّيْكَ رَبِّ!، قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟ قُلْتُ: لَا أَدْرِي، قَالَهَا ثَلَاثًا)، قَالَ: (فَرَأَيْتُهُ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِهِ بَيْنَ ثَدْيَيَّ، فَتَجَلَّى لِي كُلُّ شَيْءٍ وَعَرَفْتُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَبِّ! قَالَ فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى ; قُلْتُ: فِي الْكَفَّارَاتِ، قَالَ: وَمَا هُنَّ؟ قُلْتُ: مَشْيُ الْأَقْدَامِ إِلَى الْجَمَاعَاتِ، وَالْجُلُوسُ فِي الْمَسْجِدِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ، وَإِسْبَاغُ الْوَضُوءِ حِينَ الْكَرِيهَاتِ، قَالَ: ثُمَّ فِيمَ قُلْتُ: فِي الدَّرَجَاتِ، قَالَ: وَمَا هُنَّ؟ قُلْتُ: إِطْعَامُ الطَّعَامِ، وَلِينُ الْكَلَامِ، وَالصَّلَاةُ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، قَالَ: سَلْ، قَالَ: قُلْتُ اللَّهُمَّ إِنَّهُ أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ وَأَنْ تَغْفِرَ لِي. وَتَرْحَمَنِي، وَإِذَا أَرَدْتَ فِتْنَةً فِي قَوْمٍ فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ، وَأَسْأَلُكَ حَبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يَحْبُكُ، وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُنِي إِلَى حُبِّكَ) فَـ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (إِنَّهَا حَقٌّ فَادْرُسُوهَا ثُمَّ تَعَلَّمُوهَا»)، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَسَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ: هَذَا الْحَدِيثُ صَحِيحٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: احْتَبَسَ): بِصِيغَةِ الْمَعْلُومِ، وَرُوِيَ مَجْهُولًا (عَنَّا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - ذَاتَ غَدَاةٍ) أَيْ يَوْمًا أَوْ صَاحِبَةِ غَدَاةٍ، وَهِيَ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ إِلَى الزَّاوَلِ، أَيْ: سَاعَةً مِنْ أَوَّلِهَا (عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ): بَدَلُ اشْتِمَالٍ بِإِعَادَةِ الْجَارِّ (حَتَّى كِدْنَا)، أَيْ: قَارَبْنَا (نَتَرَاءَى عَيْنَ الشَّمْسِ): وُضِعَ مَوْضِعَ نَرَى لِلْجَمْعِ قَالَ الطِّيبِيُّ، وَالْأَظْهَرُ مَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ أَنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ إِلَى ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ كَثْرَةِ الِاعْتِنَاءِ بِالْفِعْلِ، وَسَبَبُ تِلْكَ الْكَثْرَةِ خَوْفُ طُلُوعِهَا الْمُفَوِّتِ لِأَدَاءِ الصُّبْحِ (فَخَرَجَ سَرِيعًا)، أَيْ: مُسْرِعًا أَوْ خُرُوجًا سَرِيعًا (فَثُوِّبَ)، أَيْ: أُقِيمُ (بِالصَّلَاةِ): وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ، أَيْ: أَقَامَهَا مُوهِمٌ (فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَتَجَوَّزَ)، أَيْ: خَفَّفَ وَاقْتَصَرَ عَلَى خِلَافِ عَادَتِهِ - سِيَّمَا فِي الصُّبْحِ - لِمَا يَقْتَضِيهِ الْوَقْتُ (فِي صَلَاتِهِ)، أَيْ: مَعَ أَدَاءِ الْأَرْكَانِ (فَلَمَّا سَلَّمَ دَعَا)، أَيْ: نَادَى (بِصَوْتِهِ فَقَالَ لَنَا)، أَيْ: رَفَعَ صَوْتَهُ بِقَوْلِهِ لَنْا (عَلَى مَصَافِّكُمْ)، أَيِ: اثْبُتُوا عَلَيْهَا جَمْعُ مَصَفٍّ، وَهُوَ مَوْضِعُ الصَّفِّ (كَمَا أَنْتُمْ)، أَيْ: عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ، أَوْ ثُبُوتًا مِثْلَ الثُّبُوتِ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ قَبْلَ النِّدَاءِ مِنْ غَيْرِ تَغَيُّرٍ وَتَقَدُّمٍ وَتَأْخِيرٍ (ثُمَّ انْفَتَلَ)، أَيِ: انْصَرَفَ مِنَ الصَّلَاةِ، أَوْ أَقْبَلَ مِنَ الْقِبْلَةِ [إِلَيْنَا، ثُمَّ قَالَ: (أَمَا)
[ ٢ / ٦٢٥ ]
بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ (إِنِّي سَأُحَدِّثُكُمْ): السِّينُ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ (مَا حَبَسَنِي عَنْكُمْ) مَا: مَوْصُولَةٌ (الْغَدَاةَ): نُصِبَ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ (إِنِّي قُمْتُ مِنَ اللَّيْلِ)، أَيْ: بَعْضَهُ (فَتَوَضَّأْتُ وَصَلَّيْتُ مَا قُدِّرَ)، أَيْ: مِقْدَارَ مَا قُدِّرَ أَوْ يُسِّرَ (لِي): مِنْ صَلَاةٍ (" فَنَعَسْتُ ")، بِالْفَتْحِ مِنَ النُّعَاسِ، وَهُوَ النَّوْمُ الْقَلِيلُ التَّهَجُّدِ (فِي صَلَاتِي حَتَّى اسْتَثْقَلْتُ): بِصِيغَةِ الْمَعْلُومِ أَوِ الْمَجْهُولِ، أَيْ: غَلَبَ عَلَيَّ النُّعَاسُ أَوْ بِرَجَاءِ الْوَحْيِ (فَإِذَا أَنَا بِرَبِّي): إِذْ لِلْمُفَاجَأَةِ، أَيْ: فَاجَأَ اسْتِثْقَالِي رُؤْيَتِي (تَبَارَكَ وَتَعَالِي): فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى التَّنْزِيهِ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ (فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ)، أَيْ: صِفَةٍ، أَوْ كَانَ التَّجَلِّي ضَرُورِيًّا أَوْ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ كَمَا سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ فِي النَّوْمِ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلٍ (فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! قُلْتُ لَبَّيْكَ)، أَيْ: إِجَابَةً بَعْدَ إِجَابَةٍ، وَإِطَاعَةً بَعْدَ إِطَاعَةٍ، إِيمَاءً إِلَى دَوَامِ الْعُبُودِيَّةِ، وَالْقِيَامِ بِالْعِبَادَةِ فِي حَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ (رَبِّ): بِحَذْفِ النِّدَاءِ وَيَاءِ الْإِضَافَةِ (قَالَ: فِيمَ): مَا الِاسْتِفْهَامِيَّةُ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا حَرْفُ الْجَرِّ حُذِفَ أَلِفُهَا (يَخْتَصِمُ)، أَيْ: يَبْحَثُ (الْمَلَأُ الْأَعْلَى)، أَيِ: الْأَشْرَافُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ (قُلْتُ: لَا أَدْرِي قَالَهَا ثَلَاثًا)، أَيْ: قَالَ تَعَالَى هَذِهِ الْمَقُولَةَ الْمُتَرَتِّبَ عَلَيْهَا جَوَابُهَا ثَلَاثًا، وَأَجَبْتُ عَنْهَا: بِلَا أَدْرَى تَأْكِيدًا لِلِاعْتِرَافِ بِعَدَمِ الْعِلْمِ، وَفِي تَأْخِيرِ " قَالَهَا ثَلَاثًا " إِلَى مَا قَرَّرْنَاهُ (قَالَ: (فَرَأَيْتُهُ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ): يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كِنَايَةً عَنْ تَعَلُّقِ الْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ (حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِهِ)، أَيْ: لَذَّةَ آثَارِهِ (بَيْنَ ثَدْيَيَّ)، أَيْ: فِي صَدْرِي أَوْ قَلْبِي (فَتَجَلَّى)، أَيِ: انْكَشَفَ وَظَهَرَ (لِي كُلُّ شَيْءٍ)، أَيْ: مِمَّا أَذِنَ اللَّهُ فِي ظُهُورِهِ لِيَ مِنَ الْعَوَالِمِ الْعُلْوِيَّةِ وَالسُّفْلِيَّةِ مُطْلَقًا، أَوْ مِمَّا يَخْتَصِمُ بِهِ الْمَلَأُ الْأَعْلَى خُصُوصًا (وَعَرَفْتُ): حَقِيقَةَ الْأَمْرِ، وَهُوَ تَأْكِيدٌ لِمَا قَبْلَهُ، وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ، أَيْ: عَرَفْتُهُ عِيَانًا يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانٍ (فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَبِّ)، أَيْ: أَوَّلًا وَآخِرًا («قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟ قُلْتُ: فِي الْكَفَّارَاتِ»)، أَيْ: لِلسَّيِّئَاتِ (قَالَ: مَا هُنَّ؟)، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: (وَمَا هُنَّ)، بِزِيَادَةِ الْوَاوِ (قُلْتُ: مَشْيُ الْأَقْدَامِ إِلَى الْجَمَاعَاتِ)، أَيْ: لِلصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ (وَالْجُلُوسُ فِي الْمَسَاجِدِ) أَيِ الَّتِي هِيَ رَوْضَاتُ الْجَنَّاتِ (بَعْدَ الصَّلَوَاتِ)، أَيِ: الْمُقْتَضَيَاتُ (وَإِسْبَاغُ الْوَضُوءِ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَيُضَمُّ، أَيْ: إِكْمَالُهُ (حِينَ الْكَرِيهَاتِ)، أَيْ: وَقْتَ الْمَكْرُوهَاتِ مِنْ أَيَّامِ الْبُرُودَاتِ أَوْ أَزْمِنَةِ الْغَلَاءِ فِي ثَمَنِ الْمَاءِ (قَالَ: ثُمَّ فِيمَ؟): أَيْ فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى أَيْضًا وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَقْدِيمِ الْكَفَّارَاتِ، (قُلْتُ:) وَفِي نُسْخَةٍ قَالَ: قُلْتُ: (فِي الدَّرَجَاتِ)، أَيْ: فِي دَرَجَاتِ الْجَنَّاتِ الْعَالِيَاتِ (قَالَ: وَمَا هُنَّ؟) بِالْوَاوِ (قُلْتُ): وَفِي نُسْخَةٍ: قَالَ: قُلْتُ (إِطْعَامُ الطَّعَامِ)، أَيْ: إِعْطَاؤُهُ لِلْخَاصِّ وَالْعَامِّ (وَلِينُ الْكَلَامِ)، أَيْ: لِلَّهِ مَعَ الْأَنَامِ (وَالصَّلَاةُ)، أَيْ: بِاللَّيْلِ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (وَالنَّاسُ نِيَامٌ) الْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ وَالنِّيَامُ جَمْعُ نَائِمٍ (قَالَ): وَفِي نُسْخَةٍ: ثُمَّ قَالَ (سَلْ): وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الدَّعَوَاتُ بَعْدَ الطَّاعَاتِ. (قُلْتُ) وَفِي نُسْخَةٍ، قَالَ: قُلْتُ: («اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ»): بِكَسْرِ الْفَاءِ وَقِيلَ بِفَتْحِهَا أَيِ الْمَأْمُورَاتِ (وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ) - ﷺ - أَيِ: الْمَنْهِيَّاتِ (وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ): يَحْتَمِلُ الْإِضَافَتَيْنِ، وَالْأَنْسَبُ بِمَا قَبْلَهُ إِضَافَتُهُ إِلَى الْمَفْعُولِ (وَأَنْ تَغْفِرَ لِي): مَا فَرَطَ مِنِّي مِنْ
[ ٢ / ٦٢٦ ]
السَّيِّئَاتِ (وَتَرْحَمَنِي): بِقَبُولِ مَا صَدَرَ عَنِّي مِنَ الْعِبَادَاتِ (وَإِذَا أَرَدْتَ فِتْنَةً)، أَيْ: ضَلَالَةً أَوْ عُقُوبَةً (فِي قَوْمٍ)، أَيْ: جَمْعٍ أَوْ قَبِيلَةٍ (فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ)، أَيْ: وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى طَلَبِ الْعَافِيَةِ وَاسْتِدَامَةِ السَّلَامَةِ إِلَى حُسْنِ الْخَاتِمَةِ (وَأَسْأَلُكَ حُبَّكَ) قَالَ الطِّيبِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: أَسْأَلُكَ حُبَّكَ إِيَّايَ، أَوْ حُبِّيَ إِيَّاكَ، أَقُولُ: وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَوَّلَ أَكْمَلُ فَعَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] قَالَ الطِّيبِيُّ: وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ قَوْلُهُ: (وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ): وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْإِضَافَةَ هُنَا إِلَى الْمَفْعُولِ أَنْسَبُ لِأَنَّهُ إِلَى التَّوَاضُعِ أَقْرَبُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَأَمَّا قَوْلُهُ (وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُنِي إِلَى حُبِّكَ): فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ طَالِبٌ لِمَحَبَّتِهِ لِيَعْمَلَ حَتَّى يَكُونَ وَسِيلَةً إِلَى مَحَبَّةِ اللَّهِ إِيَّاهُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ الْحَدِيثَ عَلَى أَقْصَى مَا يُمْكِنُ مِنَ الْمَحَبَّةِ فِي الطَّرَفَيْنِ، وَلَعَلَّ السِّرَّ فِي تَسْمِيَتِهِ بِحَبِيبِ اللَّهِ لَا يَخْلُو مِنْ هَذَا الْقَوْلِ اهـ.
وَقَوْلُهُ: لَا يَخْلُو ظَاهِرٌ، وَلَا يَخْلُو مِنِ احْتِمَالٍ آخَرَ، [فَـ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - (إِنَّهَا) أَيْ: هَذِهِ الرُّؤْيَا (حَقٌّ)، رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ، فَادْرُسُوهَا، أَيْ فَاحْفَظُوا أَلْفَاظَهَا الَّتِي ذَكَرْتُهَا لَكُمْ فِي ضِمْنِهَا، أَوْ أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ حَقٌّ فَادْرُسُوهَا، أَيِ: اقْرَءُوهَا ثُمَّ تَعَلَّمُوهَا أَيْ مَعَانِيَهَا الدَّالَّةَ هِيَ عَلَيْهَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: لِتَعْلَمُوهَا فَحَذَفَ اللَّامَ أَيْ لَامَ الْأَمْرِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، أَيْ لِذَاتِهِ، صَحِيحٌ لِغَيْرِهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: أَوْ صَحِيحٌ عَلَى حَذْفِ حَرْفِ التَّرْدِيدِ، أَيْ لِلتَّنْوِيعِ يَعْنِي هُوَ عِنْدَ قَوْمٌ حَسَنٌ، وَعِنْدَ آخَرِينَ صَحِيحٌ، وَيُؤَيِّدُهُ سُؤَالُهُ الْبُخَارِيَّ وَجَوَابُهُ الْآتِي.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ لَهُ إِسْنَادَانِ، هُوَ بِأَحَدِهِمَا حَسَنٌ وَبِالْآخَرِ صَحِيحٌ، أَوْ أَرَادَ بِالْحُسْنِ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيَّ وَهُوَ مَا تَمِيلُ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَلَا تَأْبَاهُ، وَسَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ أَيِ الْبُخَارِيَّ صَاحِبَ الصَّحِيحِ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَيْ إِسْنَادِهِ فَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
[ ٢ / ٦٢٧ ]
٧٤٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ: (أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ، مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)، قَالَ [فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ، قَالَ الشَّيْطَانُ: حُفِظَ سَائِرَ الْيَوْمِ»)، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ) أَيْ: أَرَادَ دُخُولَهُ عِنْدَ وُصُولِ بَابِهِ (أَعُوذُ) أَيْ: أَعْتَصِمُ وَأَلْتَجِئُ (بِاللَّهِ الْعَظِيمِ)، أَيْ: ذَاتًا وَصِفَةً (وَبِوَجْهِهِ) أَيْ: ذَاتِهِ (الْكَرِيمِ)، أَيِ الْمُحْسِنِ إِلَى عِبَادِهِ فَضْلًا عَنْ عِبَادِهِ وَسُلْطَانِهِ؛ أَيْ غَلَبَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَقَهْرِهِ عَلَى مَا أَرَادَ مِنْ خَلْقِهِ (الْقَدِيمِ) أَيِ الْأَزَلِيِّ الْأَبَدِيِّ مِنَ الشَّيْطَانِ مَأْخُوذٌ مِنْ شَطَنَ أَيْ بَعُدَ يَعْنِي: الْمَبْعُودِ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، الرَّجِيمِ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، أَيِ: الْمَطْرُودِ مِنْ بَابِ اللَّهِ أَوِ الْمَشْتُومِ بِلَعْنَةِ اللَّهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ خَبَرٌ مَعْنَاهُ الدُّعَاءُ يَعْنِي: اللَّهُمَّ احْفَظْنِي مِنْ وَسْوَسَتِهِ وَإِغْوَائِهِ وَخَطَوَاتِهِ وَخَطَرَاتِهِ وَتَسْوِيلِهِ وَإِضْلَالِهِ، فَإِنَّهُ السَّبَبُ فِي الضَّلَالَةِ، وَالْبَاعِثُ عَلَى الْغَوَايَةِ وَالْجَهَالَةِ، وَإِلَّا فَفِي الْحَقِيقَةِ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْهَادِي الْمُضِلُّ - وَلِذَا قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْهُ لَمَا تَعَوَّذْتُ مِنْهُ، فَإِنَّهُ أَحْقَرُ وَأَصْغَرُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ التَّعَوُّذُ مِنْ صِفَاتِهِ وَأَخْلَاقِهِ مِنَ الْحَسَدِ وَالْكِبْرِ وَالْعُجْبِ وَالْغُرُورِ وَالْإِبَاءِ وَالْإِغْوَاءِ (قَالَ): أَيِ النَّبِيُّ - ﷺ -: كَذَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ (فَإِذَا): قَالَ ابْنُ حَجَرٍ الْفَاءُ فَصِيحَةٌ، أَيْ: وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: إِذَا (قَالَ) أَيْ: قَائِلٌ (ذَلِكَ)] أَيِ: الْقَوْلُ الْمَذْكُورُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا قَالَ الْمُؤْمِنُ ذَلِكَ (قَالَ الشَّيْطَانُ: حُفِظَ مِنِّي سَائِرَ الْيَوْمِ)، أَيْ: بَقِيَّتَهُ أَوْ جَمِيعَهُ، وَيُقَاسُ عَلَيْهِ اللَّيْلُ أَوْ يُرَادُ بِالْيَوْمِ مُطْلَقُ الْوَقْتِ وَيَشْمَلُهُ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ إِنَّ أُرِيدَ حَفِظُهُ مِنْ جِنْسِ الشَّيَاطِينِ تَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى حِفْظِهِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَخْصُوصٍ كَأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَوْ مِنْ إِبْلِيسَ اللَّعِينِ فَقَطْ بَقِيَ الْحِفْظُ عَلَى عُمُومِهِ وَمَا يَقَعُ مِنْهُ مِنْ إِغْوَاءِ جُنُودِهِ وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأَنَّا نَرَى وَنَعْلَمُ مَنْ يَقُولُ ذَلِكَ، وَيَقَعُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الذُّنُوبِ فَتَعَيَّنَ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى مَا ذَكَرْتُهُ وَإِنْ لَمْ أَرَهُ اهـ.
[ ٢ / ٦٢٧ ]
٧٥٠ - وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ﵁، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - (اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِيَ وَثَنًا يُعْبَدُ، اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»)، رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا.
_________________
(١) (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ): تَابِعِيٍّ مَشْهُورٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - («اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ»)، أَيْ: لَا تَجْعَلْ قَبْرِي مِثْلَ الْوَثَنِ فِي تَعْظِيمِ النَّاسِ، وَعَوْدِهِمْ لِلزِّيَارَةِ بَعْدَ بَدْئِهِمْ، وَاسْتِقْبَالِهِمْ نَحْوَهُ فِي السُّجُودِ، كَمَا نَسْمَعُ وَنُشَاهِدُ الْآنَ فِي بَعْضِ الْمَزَارَاتِ وَالْمَشَاهِدِ (اشْتَدَّ): وَفِيهِ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ لَامَ الشَّيْطَانِ لِلْعَهْدِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ قَرِينُهُ الْمُوَكَّلُ عَلَى إِغْوَائِهِ، وَأَنَّ الْقَائِلَ بِبَرَكَةِ مَا ذُكِرَ مِنَ الذِّكْرِ يُحْفَظُ مِنْهُ فِي الْجُمْلَةِ ذَلِكَ الْوَقْتَ يَعْنِي بَعْضَ الْمَعَاصِي، وَتَعْيِينُهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَبِهِ يَرْتَفِعُ أَصْلُ الْإِشْكَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ)، اسْتِئْنَافٌ كَأَنَّهُ قِيلَ: لِمَ تَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ؟ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: اشْتَدَّ (غَضَبُ اللَّهِ): تَرَحُّمًا عَلَى أُمَّتِهِ وَتَعَطُّفًا لَهُمْ، قَالَ الطِّيبِيُّ، وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ إِخْبَارٌ عَمَّا وَقَعَ فِي الْأُمَمِ السَّالِفَةِ تَحْذِيرًا لِلْأُمَّةِ الْمَرْحُومَةِ مِنْ أَنْ يَفْعَلُوا فِعْلَهُمْ، فَيَشْتَدُّ غَضَبُهُ عَلَيْهِمْ (عَلَى قَوْمٍ): وَهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى («اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»)، رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا]، أَيْ: بِحَذْفِ الصَّحَابِيِّ.
[ ٢ / ٦٢٨ ]
٧٥١ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵄، قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَسْتَحِبُّ الصَّلَاةَ فِي الْحِيطَانِ» . قَالَ بَعْضُ رُوَاتِهِ - يَعْنِي الْبَسَاتِينَ -: رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، أَوِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ قَدْ ضَعَّفَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَغَيْرُهُ.
٧٥١ - (وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵄، قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُسْتَحَبُّ): بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ (الصَّلَاةُ)، أَيِ: النَّافِلَةُ أَوْ مُطْلَقًا (فِي الْحِيطَانِ)، أَيْ: فِي جَنْبِ الْجُدْرَانِ لِئَلَّا يَمُرَّ عَلَيْهِ مَارٌّ، أَوْ لَا يَشْغَلَهُ شَيْءٌ (قَالَ بَعْضُ رُوَاتِهِ - يَعْنِي الْبَسَاتِينَ -)، لَا شَكَّ أَنَّ الْحِيطَانَ تَجِئُ. بِمَعْنَى الْبَسَاتِينِ، أَمَّا كَوْنُهَا هُنَا مُرَادَّةً فَمَحَلُّ بَحْثٍ، وَقَدْ أَطَالَ ابْنُ حَجَرٍ حِكْمَتَهُ لَا طَائِلَ تَحْتَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ)، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، قَدْ ضَعَّفَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَغَيْرُهُ) .
[ ٢ / ٦٢٨ ]
٧٥٢ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - («صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ بِصَلَاةٍ، وَصَلَاتُهُ فِي مَسْجِدِ الْقَبَائِلِ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ صَلَاةً، وَصَلَاتُهُ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي يُجَمَّعُ فِيهِ بِخَمْسِمِائَةِ صَلَاةٍ، وَصَلَاتُهُ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى بِخَمْسِينَ أَلْفِ صَلَاةٍ، وَصَلَاتُهُ فِي مَسْجِدِي بِخَمْسِينَ أَلْفِ صَلَاةٍ، وَصَلَاتُهُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمَائِهِ أَلْفِ صَلَاةٍ» (، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - صَلَاةُ الرَّجُلِ)، أَيْ: مُنْفَرِدًا كَذَا قِيلَ، وَالْأَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ أَعَمَّ (فِي بَيْتِهِ): قَالَ الطَّحَاوِيُّ: وَغَيْرُهُ الْمُرَادُ بِالصَّلَاةِ غَيْرُ النَّافِلَةِ لِقَوْلِهِ - ﵇ -: («أَفْضَلُ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ»)، نَقَلَهُ الْأَبْهَرِيُّ، وَلَا يَبْعُدُ أَنَّ الْمُضَاعَفَةَ تَعُمُّ النَّافِلَةَ مَعَ كَوْنِهِ فِي الْبَيْتِ أَفْضَلَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (بِصَلَاةٍ) أَيْ: تُحْسَبُ بِصَلَاةٍ وَاحِدَةٍ وَلَيْسَ لَهَا مُضَاعِفَةٌ لِأَجْلِ ذَلِكَ الْمَكَانِ، وَإِنْ كَانَ لَهَا مُضَاعَفَةٌ بِاعْتِبَارٍ آخَرَ مِنْ مَكَانٍ أَوْ زَمَانٍ أَوْ جَمَاعَةٍ، وَمِنْ حَيْثُ أَنَّ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، (وَصَلَاتُهُ)، أَيِ: الْفَرْضَ جَمَاعَةً كَذَا قِيلَ، وَالْعُمُومُ أَظْهَرُ (فِي مَسْجِدِ الْقَبَائِلِ)، أَيْ: مَسْجِدِ الْحَيِّ (بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ صَلَاةً)، أَيْ: بِالْإِضَافَةِ إِلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ لَا مُطْلَقًا لِمَا تَقَدَّمَ (وَصَلَاتُهُ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي يُجَمَّعُ فِيهِ)، أَيْ: يُصَلِّي فِيهِ الْجُمُعَةِ (بِخَمْسِمِائَةِ صَلَاةٍ)، أَيْ: بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَسْجِدِ الْحَيِّ (وَصَلَاتُهُ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى)، يَعْنِي: مَسْجِدَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لِبُعْدِ الْمَسَافَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ، وَقِيلَ: هُوَ أَقْصَى بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ لِأَنَّهُ بَعِيدٌ مِنْ مَكَّةَ، وَبَيْتُ الْمَقْدِسِ أَبْعَدُ مِنْهُ: لِأَنَّهُ وَقِيلَ لَمْ يَكُنْ وَرَاءَهُ مَوْضِعُ عِبَادَةٍ يُرْحَلُ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: لِبُعْدِهِ عَنِ الْأَقْذَارِ وَالْخَبَائِثِ، وَ(الْمَقْدِسِ) الْمُطَهَّرِ عَنْ ذَلِكَ (بِخَمْسِينَ أَلْفِ صَلَاةٍ)، أَيْ: بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا قَبْلَهُ، وَفِي هَامِشِ أَصْلِ السَّيِّدِ جَمَالِ الدِّينِ بِأَلْفِ صَلَاةٍ، وَعَلَيْهَا نُسْخَةٌ ظَاهِرَةٌ، («وَصَلَاتُهُ فِي مَسْجِدِي بِخَمْسِينَ أَلْفِ صَلَاةٍ») أَيْ: بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَا يَلِيهِ (" «وَصَلَاتُهُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ»)، أَيْ: بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْكَلَامِ، فَيَحْتَاجُ إِلَى ضَرْبِ بَعْضِ الْأَعْدَادِ فِي بَعْضٍ، فَإِنَّهُ يَنْتُجُ مُضَاعَفَةٌ كَثِيرَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَبِهِ يُجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَجَرٍ وَافَقَنِي كَمَا سَيَأْتِي كَلَامُهُ، (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ)
[ ٢ / ٦٢٨ ]
وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، إِلَّا أَنَّ أَبَا الْخَطَّابِ الدِّمَشْقِيَّ لَمْ يَحْضُرْنِي الْآنَ تَرْجَمَتُهُ، وَلَمْ يُخَرِّجْ لَهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ إِلَّا ابْنُ مَاجَهْ، كَذَا قَالَ الْمُنْذِرِيُّ، وَقَالَ الذَّهَبِيُّ: أَبُو الْخَطَّابِ لَيْسَ بِمَشْهُورٍ، وَقَالَ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ: مَجْهُولُ نَقَلَهَ مِيرَكُ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: قِيلَ إِنَّهُ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ ; لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا رَوَاهُ الثِّقَاتُ، وَقَدْ يُقَالُ: يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا رَوَوْهُ بِأَنَّ رِوَايَتَهُمْ أَنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ تَعْدِلُ صَلَاةَ الْمُنْفَرِدِ بِخَمْسٍ، أَوْ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، تُحْمَلُ عَلَى أَنَّ هَذَا كَانَ أَوَّلًا، ثُمَّ زِيدَ هَذَا الْمِقْدَارُ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي تُقَامُ فِيهِ الْجُمُعَةِ، وَكَذَا مَا جَاءَ أَنَّ صَلَاةً فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى بِأَلْفٍ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ، وَصَلَاةً بِمَسْجِدِهِ - ﵇ - بِأَلْفِ صَلَاةٍ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، كَانَ أَوَّلًا، ثُمَّ زِيدَ فِيهِمَا فَجَعَلَ الْأَوَّلَ بِخَمْسِينَ أَلْفًا فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ، وَالثَّانِي بِخَمْسِينَ أَلْفًا فِي الْأَقْصَى، وَمَسْجِدِ مَكَّةَ، بِمِائَةِ أَلْفٍ فِي مَسْجِدِهِ - ﵇ -، وَحِينَئِذٍ فَتَزْدَادُ الْمُضَاعَفَةُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ أَوَّلَ الْبَابِ فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ بِأَضْعَافٍ مُضَاعَفَةٍ، فَتَأَمَّلْهُ ضَارِبًا مِائَةَ أَلْفٍ فِي خَمْسِينَ أَلْفِ أَلْفٍ، ثُمَّ الْحَاصِلُ فِي خَمْسِينَ أَلْفًا تَجِدْ صِحَّةَ مَا ذَكَرْتُهُ، وَإِيضَاحَ مَا حَرَّرْتُهُ.
[ ٢ / ٦٢٩ ]
٧٥٣ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁، قَالَ: «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ أَوَّلُ؟ قَالَ: (الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ)، قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيْ؟ قَالَ: (ثُمَّ الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى)، قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: (أَرْبَعُونَ عَامًا)؟ . ثُمَّ الْأَرْضُ لَكَ مَسْجِدٌ، فَحَيْثُمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ») . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
٧٥٣ -
- (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁، قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ! أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ) أَيْ: جُعِلَ مُتَعَبَّدًا لَا أَنَّهُ مَبْنِيٌّ بِجُدْرَانٍ (أَوَّلُ؟): بِضَمِّ اللَّامِ قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: وَهِيَ ضَمَّةُ بِنَاءٍ لِقِطْعِهِ عَنِ الْإِضَافَةِ مِثْلُ قَبْلُ وَبَعْدُ، وَالتَّقْدِيرُ أَوَّلُ كُلِّ شَيْءٍ، وَيَحُوزُ الْفَتْحُ مَصْرُوفًا وَغَيْرَ مَصْرُوفٍ نَقَلَهُ الْأَبْهَرِيُّ، وَقَوْلُهُ: مَصْرُوفًا أَيْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ; لِأَنَّ الرَّسْمَ مَا يُسَاعِدُهُ هُنَا، وَقَوْلُهُ: غَيْرَ مَصْرُوفٍ أَيْ بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ، وَعَدَمِ انْصِرَافِهِ لِوَزْنِ الْفِعْلِ وَالْوَصْفِيَّةِ نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٢]، [قَالَ: (الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ): فَإِنَّهُ حَدَّدَهُ إِبْرَاهِيمُ - ﵇ -، قُلْتُ: ثُمَّ أَيْ؟، قَالَ: ثُمَّ أَيْ؟، قَالَ: الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى قَالَ الطِّيبِيُّ: إِنَّ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ ﵉ رَفَعَا قَاعِدَةَ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى بَعْدَمَا انْهَدَمَ، وَزَادَا فِيهِ [قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: (أَرْبَعُونَ عَامًا): قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: فِيهِ إِشْكَالٌ ; لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ بَنَى الْكَعْبَةَ، وَسُلَيْمَانَ بَنَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ يَعْنِي، وَهُوَ بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ بِأَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ عَامٍ عَلَى مَا قَالَهُ أَهْلُ التَّوَارِيخِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ سُلَيْمَانَ هُوَ الَّذِي بَنَى الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى، مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى خِلَالَ ثَلَاثَاهُ، وَالْأَوْجَهُ فِي الْجَوَابِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّ الْإِشَارَةَ فِي الْحَدِيثِ إِلَى أَوَّلِ الْبِنَاءِ، وَوَضْعِ أَسَاسِ الْمَسْجِدِ، وَلَيْسَ إِبْرَاهِيمُ أَوَّلَ مَنْ بَنَى الْكَعْبَةَ، وَلَا سُلَيْمَانُ أَوَّلَ مَنْ بَنَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَقَدْ رَوَيْنَا أَنَّ أَوَّلَ مَنْ بَنَى الْكَعْبَةَ آدَمُ، ثُمَّ انْتَشَرَ وَلَدُهُ فِي الْأَرْضِ، فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ قَدْ وَضَعَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ بَنَى إِبْرَاهِيمُ الْكَعْبَةَ، قَالَ الشَّيْخُ: قَدْ وَجَدْتُ مَا يَشْهَدُ لَهُ فَذِكْرَ ابْنُ هِشَامٍ فِي كِتَابِ التِّيجَانِ أَنَّ آدَمَ لَمَّا بَنَى الْكَعْبَةَ أَمْرَهُ اللَّهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ)، وَأَنْ يَبْنِيَهُ فَبَنَاهُ وَنَسَكَ فِيهِ، وَبِنَاءُ آدَمَ لِلْبَيْتِ مَشْهُورٌ اهـ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَرَدَ عَلَى هَذَا الْمُسْتَشْكِلِ بِأَنَّهُ جَهِلَ التَّارِيخَ، فَإِنَّ سُلَيْمَانَ مُجَدِّدٌ لَا مُؤَسِّسٌ، وَالَّذِي، أَسَّسَهُ هُوَ يَعْقُوبُ بَعْدَ بِنَاءِ جَدِّهِ إِبْرَاهِيمَ الْكَعْبَةَ بِهَذَا الْمِقْدَارِ، وَاغْتَرَّ أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ الْبُسْتِيُّ فِي صَحِيحِهِ بِفَهْمِ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى ظَاهِرِهِ أَنَّ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ وَدَاوُدَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَرَدَّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ بَيْنَهُمَا أَلْفَ سَنَةٍ وَلَيْسَ كَمَا فَهِمَ، وَقَالَ الْحَافِظُ الضِّيَاءُ الْمَقْدِسِيُّ: وَجْهُ الْحَدِيثِ أَنَّ هَذَيْنِ الْمَسْجِدَيْنِ بُنِيَا قَدِيمًا ثُمَّ خُرِّبَا ثُمَّ بُنِيَا، وَكُلٌّ اسْتُفِيدَ مِنَ الْحَدَثِ أَنَّ مَسْجِدَ مَكَّةَ أَوَّلُ مَسْجِدٍ وُضِعَ بِالْأَرْضِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ بِنَاءٍ وُضِعَ بِهَا، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لِلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦]
[ ٢ / ٦٢٩ ]
وَسَبَبُ نُزُولِهَا قَوْلُ الْيَهُودِ: (بَيْتُ الْمَقْدِسِ أَفْضَلُ مِنَ الْكَعْبَةِ)، وَقَوْلُ الْمُسْلِمِينَ عَكْسَهُ فَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ مُطْلَقًا وَعَلَيْهِ فَقِيلَ: هُوَ أَوَّلُ مَا ظَهَرَ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ حِينَ خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ، فَخَلَقَهُ قَبْلَهَا بِأَلْفَيْ عَامٍ وَدَحَاهَا مِنْ تَحْتِهَا.
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: كَانَتِ الْكَعْبَةُ عَلَى الْمَاءِ، عَلَيْهَا مَلَكَانِ يُسَبِّحَانِ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ قَبْلَ الْأَرْضِ بِأَلْفَيْ سَنَةٍ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وُضِعَ الْبَيْتُ فِي الْمَاءِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ قَبْلَ أَنْ تُخْلَقَ الدُّنْيَا بِأَلْفَيْ سَنَةٍ، ثُمَّ دُحِيَتِ الْأَرْضُ مِنْ تَحْتِهِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَقَدْ خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى مَوْضِعَ هَذَا الْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقَ شَيْءٌ مِنَ الْأَرْضِ بِأَلْفَيْ سَنَةٍ، وَأَنَّ قَوَاعِدَهُ لَفِي الْأَرْضِ السَّابِعَةِ السُّفْلَى، وَقَالَ كَعْبٌ: كَانَتِ الْكَعْبَةُ غُثَاءً عَلَى الْمَاءِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ بِأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَمِنْهَا دُحِيَتِ الْأَرْضُ، وَقِيلَ إِنَّ (آدَمَ حِينَ أُهْبِطَ اسْتَوْحَشَ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ ابْنِ لِي بَيْتًا فِي الْأَرْضِ وَاصْنَعْ حَوْلَهُ نَحْوَ مَا رَأَيْتَ الْمَلَائِكَةَ تَصْنَعُ حَوْلَ عَرْشِي فَبَنَاهُ، رَوَاهُ أَبُو صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقِيلَ: أُهْبِطَ مَعَ آدَمَ - ﵇ -، فَلَمَّا كَانَ الطُّوفَانُ رُفِعَ فَصَارَ سُورًا فِي السَّمَاءِ، وَبَنَى إِبْرَاهِيمُ ﵊ عَلَى أَثَرِهِ، قَالَهُ قَتَادَةُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ بَنَاهُ آدَمُ وَحَوَّاءُ لِمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ، «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مَرْفُوعًا: بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى جِبْرِيلَ إِلَى آدَمَ وَحَوَّاءَ، وَأَمَرَهُمَا بِبِنَاءِ الْكَعْبَةِ، فَبَنَاهُ آدَمُ ثُمَّ أَمَرَهُ بِالطَّوَافِ بِهِ، وَقِيلَ لَهُ: أَنْتَ أَوَّلُ النَّاسِ، وَهَذَا أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ»، وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ قَبْلَهُ بُيُوتٌ وَأَوَّلُ مَنْ بَنَاهُ شِيثُ بْنُ آدَمَ، وَكَانَ قَبْلَ أَنْ يَبْنِيَهُ يَاقُوتَةً حَمْرَاءَ يَطُوفُ بِهَا آدَمُ يَأْنَسُ بِهَا، لِأَنَّهَا مِنَ الْجَنَّةِ ثُمَّ دُثِرَ مِنَ الطُّوفَانِ إِلَى أَنْ بَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ، وَقِيلَ: كَانَتْ قَبْلَهُ بُيُوتٌ، وَلَكِنَّهُ أَوَّلُ مَسْجِدٍ وُضِعَ بِالْأَرْضِ لِمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ أَيْضًا أَنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ " ﴿أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦] " أَهُوَ بَيْتٌ بُنِيَ فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ: لَا، كَانَ نُوحٌ قَبْلَهُ، وَكَانَ الْبُيُوتُ وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ قَبْلَهُ، وَكَانَ فِي الْبُيُوتِ، وَلَكِنَّهُ أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ فِيهِ الْبَرَكَةُ وَالْهُدَى، وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا، فَتَبَيَّنَ عَلَى أَنَّ الْوَضْعَ غَيْرُ الْبَنَّاءِ، وَصَحَّحَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ هَذَا الْقَوْلَ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ مِنَ الْآيَةِ إِذْ وَضْعُ اللَّهِ لَهُ هُوَ جَعْلُهُ مُتَعَبَّدًا، فَدَلَالَةُ الْآيَةِ عَلَى الْأَوَّلِيَّةِ فِي الْفَضْلِ وَالشَّرَفِ أَمْرٌ لَا بُدَّ مِنْهُ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَوْلَى مِنْ ذِكْرِ الْأَوَّلِيَّةِ بَيَانُ الْفَضِيلَةِ تَرْجِيحًا لَهُ عَلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَلَا تَأَثُّرَ لِأَوْلَوِيَّتِهِ فِي الْبِنَاءِ فِي هَذَا الْفَضْلِ، وَنَقَلَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: أَنَّ أَوَّلَ مَنْ بَنَى مَسْجِدًا فِي الْإِسْلَامِ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: ذَلِكَ بِمَسْجِدِ قُبَاءٍ (ثُمَّ الْأَرْضُ لَكَ): أَيُّهَا الْمُخَاطَبُ (مَسْجِدٌ) مَوْضِعُ صَلَاةٍ (فَحَيْثُمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ): وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: فَصْلَةٌ بِهَاءِ السَّكْتِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: يَعْنِي سَأَلْتَ يَا أَبَا ذَرٍّ عَنْ أَمَاكِنَ بُنِيَتْ مَسَاجِدَ وَاخْتُصَّتِ الْعِبَادَةُ بِهَا، وَأَيُّهَا أَقْدَمُ زَمَانًا؟ فَأَخْبَرْتُكَ بِوَضْعِ الْمَسْجِدَيْنِ وَتَقَدُّمِهِمَا عَلَى سَائِرِ الْمَسَاجِدِ، ثُمَّ أُخْبِرُكَ بِمَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ وَعَلَى أُمَّتِي مِنْ رَفْعِ الْجَنَاحِ وَتَسْوِيَةِ الْأَرْضِ فِي أَدَاءِ الْعِبَادَةِ فِيهَا، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ): وَفِي بَعْضِ طُرُقِ الْبُخَارِيِّ: فَأَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ فَإِنَّ الْفَضْلَ فِيهِ، وَفِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ بِلَفْظِ: وَكَانَ مَنْ قَبْلِي إِنَّمَا كَانُوا يُصَلُّونَ فِي كَنَائِسِهِمْ، وَمَرَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ يُصَلِّي حَتَّى يَبْلُغَ مِحْرَابَهُ، وَبِهِ يَبْطُلُ قَوْلُ مَنْ قَالَ مَعْنَى حَدِيثِ: «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا»، وَجُعِلَتْ لِغَيْرِي مَسْجِدًا لَا طَهُورًا ; لِأَنَّ عِيسَى - ﵇ - كَانَ يَسِيحُ فِي الْأَرْضِ وَيُصَلِّي حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ اهـ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: جَعَلَ اللَّهُ لِعِيسَى مَوَاضِعَ مِحْرَابًا لَهُ، أَوْ خُصَّ عِيسَى بِالْعُمُومِ لِكَوْنِهِ تَابِعًا لِنَبِيِّنَا ﵊ فِي آخِرِ عُمْرِهِ.
أَيْ: سَتْرُ الْعَوْرَةِ وَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ، وَهُوَ بِالْفَتْحِ مَصْدَرُ سَتَرْتَهُ إِذَا غَطَّيْتَهُ، وَبِالْكَسْرِ وَاحِدُ السُّتُورِ، وَالْأَسْتَارِ وَهُوَ مُتَضَمِّنٌ لِطَهَارَةِ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ.
[ ٢ / ٦٣٠ ]