الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٥٧ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ، فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: لَا، إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِحَيْضٍ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ، ثُمَّ صَلِّي» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(١٣)
بَابُ الْمُسْتَحَاضَةِ
الِاسْتِحَاضَةُ فِي الشَّرْعِ: خُرُوجُ الدَّمِ مِنْ رَحِمِ الْمَرْأَةِ خَارِجَ أَيَّامِ الْحَيْضِ وَمُدَّتِهِ، وَحُكْمُهَا أَنْ لَا تَمْنَعَ صَلَاةً وَصَوْمًا وَوَطْئًا وَنَحْوَهَا خِلَافًا لِأَحْمَدَ فِي الْوَطْءِ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٥٧ - (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ): بِضَمِّ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَفَتْحِ مُوَحَّدَةٍ وَيَاءٍ سَاكِنَةٍ بَعْدَهَا شِينٌ مُعْجَمَةٌ، هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصِيِّ بْنِ كِلَابٍ (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ): لِتَسْأَلَهُ عَنْ أَمْرِ دِينِهَا (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ): بِسُكُونِ الْيَاءِ وَتَفْتَحُ (أُسْتَحَاضُ): بِهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ وَفَتَحِ تَاءٍ، وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ تَرِدُ عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ ; يُقَالُ: اسْتُحِيضَتِ الْمَرْأَةُ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ ; إِذَا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ بَعْدَ أَيَّامِ حَيْضِهَا أَوْ نِفَاسِهَا (فَلَا أَطْهُرُ): أَيْ: مُدَّةً مَدِيدَةً (أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟): بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ أَيْ: أَفَأُتَرُكُهَا مَا دَامَتِ الِاسْتِحَاضَةُ مَعِي، وَلَوْ طَالَتِ الْمُدَّةُ؟ (فَقَالَ: لَا): أَيْ: لَا تَدَعِيهَا (إِنَّمَا ذَلِكِ) بِكَسْرِ الْكَافِ خِطَابًا لَهَا، وَتُفْتَحُ عَلَى خِطَابِ الْعَامِّ أَيِ: الَّذِي تَشْتَكِينَهُ (عِرْقٌ): أَيْ: دَمُ عِرْقٍ انْشَقَّ وَانْفَجَرَ مِنْهُ الدَّمُ، أَوْ إِنَّمَا سَبَبُهَا عِرْقٌ فَمُهُ فِي أَدْنَى الرَّحِمِ (وَلَيْسَ): أَيْ: ذَلِكَ الدَّمُ الَّذِي نَشَأَ مِنْ ذَلِكَ الْعِرْقِ (بِحَيْضٍ): فَإِنَّ دَمَ الْحَيْضِ دَمٌ تُمَيِّزُهُ الْقُوَّةُ الْمُوَلِّدَةُ بِإِذْنِ خَالِقِهَا لِأَجْلِ الْجَنِينِ، وَتَدْفَعُهُ إِلَى الرَّحِمِ فِي مَجَارِيهِ، وَيَجْتَمِعُ فِيهِ. وَلِذَا سُمِّيَ حَيْضًا مِنْ قَوْلِهِمْ:
[ ٢ / ٤٩٨ ]
اسْتَحْوَضَ الْمَاءُ إِذَا اجْتَمَعَ، فَإِذَا كَثُرَ وَامْتَلَأَ وَلَمْ يَكُنْ جَنِينٌ أَوْ كَانَ أَكْثَرَ مِمَّا يَحْتَمِلُهُ انْصَبَّ مِنْهُ، وَفِي رِوَايَةٍ: لَيْسَ بِالْحَيْضَةِ ; لِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ عِرْقٍ فِي أَقْصَى الرَّحِمِ، ثُمَّ يَجْتَمِعُ فِيهِ، ثُمَّ إِنْ كَانَ جَنِينٌ تَغَذَّى بِهِ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ جَنِينٌ خَرَجَ فِي أَوْقَاتِ الصِّحَّةِ عَلَى مَا اسْتَقَرَّ لَهُ مِنَ الْعَادَةِ غَالِبًا، وَهَذِهِ مِنْ عِرْقٍ فِي أَدْنَاهُ (فَإِذَا أَقْبَلَتْ حِيضَتُكِ): بِالْكَسْرِ اسْمٌ لِلْحَيْضِ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الْفَتْحِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهَا الْحَالَةُ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُ فِيهَا وَهِيَ تَعْرِفُهَا، فَيَكُونُ رَدًّا إِلَى الْعَادَةِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهَا الْحَالَةُ الَّتِي تَكُونُ لِلْحَيْضِ مِنْ قُوَّةِ الدَّمِ فِي اللَّوْنِ وَالْقَوَامِ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ عُرْوَةَ الَّذِي يَتْلُوهُ، وَهِيَ لَمْ تَعْرِفْ أَيَّامَهَا، فَيَكُونُ رَدًّا إِلَى التَّمْيِيزِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ، فَأَبُو حَنِيفَةَ مَنَعَ اعْتِبَارَ التَّمْيِيزِ مُطْلَقًا، وَالْبَاقُونَ عَمِلُوا بِالتَّمْيِيزِ فِي حَقِّ الْمُبْتَدِأَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا تَعَارَضَتِ الْعَادَةُ وَالتَّمْيِيزُ، فَاعْتَبَرَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا التَّمْيِيزَ وَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى الْعَادَةِ، وَعَكَسَ ابْنُ خَيْرَانِ اهـ.
وَالْفِرْقَةُ الْأُولَى يَقُولُونَ: إِنَّ حَدِيثَ عُرْوَةَ وَهَذَا الْحَدِيثَ الَّذِي تَمَسَّكْنَا بِهِ صَحِيحٌ، فَالْأَخْذُ بِهِ أَوْلَى، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. أَيْ: إِذَا كَانَ أَيَّامُ حَيْضَتِكِ (فَدَعِي الصَّلَاةَ): أَيْ: اتْرُكِيهَا (وَإِذَا أَدْبَرَتْ): أَيْ: تَوَلَّتْ حَيْضَتُكِ وَجَاوَزَ دَمُكِ أَيَّامَ عَادَتِكِ (فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ) أَيْ: أَثَرَ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ وَاغْتَسِلِي مَرَّةً وَاحِدَةً، وَلَعَلَّ الِاكْتِفَاءَ بِغَسْلِ الدَّمِ دُونَ غُسْلِ انْقِطَاعِ الْحَيْضِ ; لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ (ثُمَّ صَلِّي): قَالَ الشَّافِعِيُّ: تَغْسِلُ الْمُسْتَحَاضَةُ فَرْجَهَا لِكُلِّ صَلَاةٍ مَفْرُوضَةٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ، وَتَشُدُّهُ بِعِصَابَةٍ وَتَتَوَضَّأُ، أَوْ تَسْتَعْجِلُ فِي أَدَائِهَا وَهِيَ مَعْذُورَةٌ فِي جَرَيَانِ الدَّمِ فِيهَا، كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَفِي السِّرَاجِيَّةِ: لَا يَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٢ / ٤٩٩ ]
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٥٨ - عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ «فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي جُبَيْشٍ ﵂، أَنَّهَا كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ: " إِذَا كَانَ دَمُ الْحَيْضِ فَإِنَّهُ دَمٌ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكِ، فَأَمْسِكِي عَنِ الصَّلَاةِ ; فَإِذَا كَانَ الْآخَرُ، فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي، فَإِنِّمَا هُوَ عِرْقٌ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّانِي
(٢) (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ): أَيْ: ابْنِ الْعَوَّامِ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، وَهُوَ أَحَدُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ (عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ، أَنَّهَا كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ: " إِذَا كَانَ دَمُ الْحَيْضِ ": بِالرَّفْعِ فَكَانَ تَامَّةٌ (فَإِنَّهُ): أَيِ: الْحَيْضُ أَوْ دَمُهُ (دَمٌ أَسْوَدُ): وَذَلِكَ بِاعْتِبَارِ الْأَغْلَبِ، وَإِلَّا فَقَدْ يَكُونُ أَحْمَرَ وَغَيْرَهُ (يُعْرَفُ): قِيلَ بِالْفَوْقَانِيَّةِ عَلَى الْخِطَابِ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ بِالتَّحْتَانِيَّةِ عَلَى الْمَجْهُولِ، إِذْ لَوْ أُرِيدَ الْخِطَابُ لَقِيلَ: تَعْرِفِينَ عَلَى خِطَابِ الْمُؤَنَّثِ، أَيْ: تَعْرِفُهُ النِّسَاءُ فَإِنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ إِذَا كَانَتْ ذَاتَ تَمْيِيزٍ بِأَنْ تَرَى فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ دَمًا أَسْوَدَ، وَفِي بَعْضِهَا دَمًا أَحْمَرَ أَوْ أَصْفَرَ، فَدَمُ الْأَسْوَدِ حَيْضٌ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَنْقُصَ عَنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَلَا يَزِيدُ عَلَى خَمْسَةِ عَشَرَ يَوْمًا، كَذَا حَرَّرَهُ الشَّافِعِيُّ عَلَى مُقْتَضَى مَذْهَبِهِمْ، وَعِنْدَنَا عَلَى فَرْضِ صِحَّةِ الْحَدِيثِ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا وَافَقَ التَّمْيِيزُ الْعَادَةَ (فَإِذَا كَانَ ذَلِكِ) بِكَسْرِ الْكَافِ أَيْ: دَمُ الْحَيْضِ أَعَادَهُ لِطُولِ الْفَصْلِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لَمَّا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلَ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ٨٩] الْآيَةَ. وَقَوْلُهُ: فَإِنَّهُ دَمٌ أَسْوَدُ اسْتِئْنَافٌ مُبَيِّنٌ مُتَفَرِّعٌ عَلَى كَوْنِ الدَّمِ دَمَ الْحَيْضِ، وَلَا يَصْلُحُ) أَنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِلْجَوَابِ الْمَذْكُورِ، أَوِ الْمُقَدَّرِ كَمَا قَرَّرَهُ ابْنُ حَجَرٍ فَتُدَبِّرْ. (فَأَمْسِكِي عَنِ الصَّلَاةِ): مِنَ الْإِمْسَاكِ أَيْ: اتْرُكِيهَا (فَإِذَا كَانَ الْآخَرُ): أَيِ: الِاسْتِحَاضَةُ بِأَنْ كَانَ دَمًا أَحْمَرَ أَوْ أَصْفَرَ (فَتَوَضَّئِي): أَيْ: بَعْدَ الْغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاةٍ مَفْرُوضَةٍ (وَصَلِّي): وَفِي نُسْخَةِ الْعَفِيفِ: ثُمَّ صَلِّي، وَهُوَ يُنَافِي مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ مِنْ أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ وَنَحْوَهَا يَلْزَمُهَا الْمُوَالَاةُ بَيْنَ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ.
[ ٢ / ٤٩٩ ]
(فَإِنَّمَا هُوَ): أَيْ: دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ (عِرْقٌ): أَيْ: يَخْرُجُ مِنْ عِرْقٍ فِي فَمِ الرَّحِمِ، فَلَيْسَ فِيهِ قَذَارَةُ الْحَيْضِ فَلَمْ تُمْنَعِ الصَّلَاةُ مِنْهُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) .
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: رَوَى ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدِهِ إِلَى عَائِشَةَ قَالَتْ: «جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: لَا، اجْتَنِبِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ مَحِيضِكِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ، ثُمَّ صَلِّي وَإِنْ قَطَرَ الدَّمُ عَلَى الْحَصِيرِ» " وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِي سَنَدَيْهِمَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ عُرْوَةَ الْمُزَنِيُّ، عَنْ عَائِشَةَ، وَفَسَّرَهُ ابْنُ مَاجَهْ، بِأَنَّهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، ذَكَرَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي تَرْجَمَةِ عُرْوَةَ الْمُزَنِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي تَرْجَمَةِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْهَا. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: ضَعَّفَ يَحْيَى هَذَا الْحَدِيثَ، وَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيُّ: حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ لَمْ يَرَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَهُوَ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، وَلَيْسَ فِيهِ زِيَادَةٌ: «وَإِنْ قَطَرَ الدَّمُ عَلَى الْحَصِيرِ» اهـ. فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: " سَنَدُهُ صَحِيحٌ " غَيْرُ صَحِيحٍ.
[ ٢ / ٥٠٠ ]
٥٥٩ - وَعَنْ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂، قَالَتْ: «إِنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهْرَاقُ الدَّمَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ النَّبِيَّ ﷺ. فَقَالَ: لِتَنْظُرْ عَدَدَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا، فَلْتَتْرُكِ الصَّلَاةَ قَدْرَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهْرِ، فَإِذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ فَلْتَغْتَسِلْ، ثُمَّ لْتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ»، رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ. وَرَوَى النَّسَائِيُّ مَعْنَاهُ.
_________________
(١) (وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: إِنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهْرَاقُ): بِضَمِّ التَّاءِ الْفَوْقِيَّةِ وَفَتْحِ الْهَاءِ وَتُسَكَّنُ أَيْ: تَصُبُّ، وَفِيهِ ضَمِيرُ الْمَرْأَةِ، وَنَصْبُ قَوْلِهِ: (الدَّمَ): كَنَصْبِ الْوَجْهِ فِي الْحَسَنِ الْوَجْهَ تَشْبِيهًا بِالْمَفْعُولِ، أَوْ عَلَى التَّمْيِيزِ، وَإِنْ كَانَ مَعْرِفَةً عَلَى تَقْدِيرِ زِيَادَةِ اللَّامِ، أَوْ عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّ أَوْ بِتَقْدِيرِ - تُهْرِيقُ الدَّمَ - جَوَابًا لِمَا لَوْ قِيلَ: مِمَّا تُهْرِيقُ، فَيَكُونُ مَنْصُوبًا عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ، أَوْ بِأَنْ يَكُونَ تُهْرَاقُ فِي الْأَصْلِ تُهْرِيقُ عَلَى الْمَعْلُومِ أُبْدِلَتْ كَسْرَةِ الرَّاءِ فَتْحَةً، وَانْقَلَبَتِ الْيَاءُ أَلِفًا عَلَى لُغَةِ مَنْ قَالَ فِي نَاصِيَةٍ نَاصَاةٌ. قَالَ أَبُو مُوسَى: هَكَذَا جَاءَ عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ، وَلَمْ يَجِئْ عَلَى بِنَاءِ الْفَاعِلِ. قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: أَيْ: صُيِّرَتْ ذَاتَ هِرَاقَةِ الدَّمِ، قِيلَ: وَيَجُوزُ رَفْعُهُ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ ضَمِيرِ تُهْرَاقُ أَيْ: يُصَبُّ دَمُهَا، وَاللَّامُ بَدَلٌ مِنَ الْإِضَافَةِ، وَالْمَعْنَى: صَارَتْ مُسْتَحَاضَةً (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ): أَيْ فِي زَمَنِهِ (ﷺ): وَكَانَتْ مُعْتَادَةً (فَاسْتَفْتَتْ لَهَا): أَيْ: سَأَلَتْ لِهَذِهِ الْمَرْأَةِ (أُمُّ سَلَمَةَ): مِنَ الْأَزْوَاجِ الطَّاهِرَاتِ (النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: " لِتَنْظُرْ "): أَيْ: لِتَتَفَكَّرْ وَتَعْرِفْ (عَدَدَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ): نُصِبَ عَدَدَ عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ (الَّتِي كَانَتْ) صِفَةُ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ (تَحِيضَهُنَّ): مِنْ بَابِ إِجْرَاءِ الْمَفْعُولِ فِيهِ مَجْرَى الْمَفْعُولِ بِهِ أَيْ: تَحِيضُ فِيهِنَّ (مِنَ الشَّهْرِ): بَيَانٌ لَهُنَّ، أَوْ لِلْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي (قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا): أَيْ: قَبْلَ إِصَابَةِ الِاسْتِحَاضَةِ (فَلْتَتْرُكِ الصَّلَاةَ قَدْرَ ذَلِكَ): أَيْ: قَدْرَ عَادَةِ حَيْضِهَا (مِنَ الشَّهْرِ): أَيْ: مِنْ شَهْرِ الِاسْتِحَاضَةِ (فَإِذَا خَلَّفَتْ): بِالتَّشْدِيدِ (ذَلِكَ): أَيْ: إِذَا جَاوَزَتْ قَدْرَ حَيْضِهَا، وَدَخَلَتْ فِي أَيَّامِ الِاسْتِحَاضَةِ (فَلْتَغْتَسِلْ): أَيْ: غُسَلَ انْقِطَاعِ الْحَيْضِ، وَاللَّامُ بَعْدَ الْفَاءِ سَاكِنَةٌ مِنْ جَمِيعِ النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي لَامِ الْأَمْرِ بَعْدَ فَاءٍ كَمَا هُنَا الْإِسْكَانُ وَالْكَسْرُ، وَكَذَا الْفَتْحُ لَكِنَّهُ غَرِيبٌ (ثُمَّ لِتَسْتَثْفِرْ): بِكَسْرِ اللَّامِ (بِثَوْبٍ): الِاسْتِثْفَارُ: أَنْ تَشُدَّ فَرْجَهَا وَدُبُرَهَا بِثَوْبٍ مَشْدُودٍ أَحَدُ طَرَفَيْهِ مِنْ خَلْفِ دُبُرِهَا فِي وَسَطِهَا وَالْآخَرُ مِنْ قُبُلِهَا أَيْضًا كَذَلِكَ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ أَنْ تَشُدَّ الْمَرْأَةُ ثَوْبًا تَحْتَجِزُ بِهِ عَنْ مَوْضِعِ الدَّمِ لِيَمْنَعَ السَّيَلَانَ، وَمِنْهُ ثَفْرُ الدَّابَّةِ وَهُوَ مَا يُشَدُّ تَحْتَ ذَنَبِهَا، فَالْمَرْأَةُ إِذَا صَلَّتْ تُعَالِجُ نَفْسَهَا عَلَى قَدْرِ الْإِمْكَانِ، فَإِنْ جَاءَ الدَّمُ بَعْدَ ذَلِكَ تَصِحُّ صَلَاتُهَا وَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهَا، وَكَذَا حُكْمُ سَلَسِ الْبَوْلِ، وَيَجُوزُ لِلْمُسْتَحَاضَةِ الِاعْتِكَافُ فِي الْمَسْجِدِ وَالطَّوَافُ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَسْتَثْفِرَ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ إِذْ ظَاهِرُهُ الِاسْتِحْبَابُ احْتِيَاطًا (ثُمَّ لِتُصَلِّ): بِالْوَجْهَيْنِ (رَوَاهُ مَالِكٌ): وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ، قَالَ مِيرَكُ: (وَأَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ) لَفْظُهُ، (وَرَوَى النَّسَائِيُّ مَعْنَاهُ) .
[ ٢ / ٥٠٠ ]
٥٦٠ - وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ - قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: جَدُّ عَدِيٍّ اسْمُهُ دِينَارٌ، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ: " تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُ فِيهَا، ثُمَّ تَغْتَسِلُ، وَتَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، وَتَصُومُ، وَتُصَلِّي» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ
_________________
(١) (وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ): أَيِ: الْأَنْصَارِيِّ الْكُوفِيِّ، ثِقَةٌ رُمِيَ بِالتَّشَيُّعِ (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ - قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ): بِفَتْحِ الْمِيمِ، إِمَامُ الْحُفَّاظِ فِي زَمَنِهِ (جَدُّ عَدِيٍّ اسْمُهُ دِينَارٌ): وَقِيلَ: ثَابِتٌ جَدُّهُ لَا أَبُوهُ، وَهُوَ ابْنُ قَيْسِ بْنِ الْحَطِيمِ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ): أَيْ: فِي شَأْنِهَا (تَدَعُ الصَّلَاةَ): أَيْ: تَتْرُكُهَا (أَيَّامَ أَقْرَائِهَا): جَمْعُ قُرْءٍ، وَهُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ، وَالْمُرَادُ بِهِ هَاهُنَا الْحَيْضُ لِلسِّبَاقِ وَاللَّحَاقِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْقُرْءَ حَقِيقَةٌ فِي الْحَيْضِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ (الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُ فِيهَا): أَيْ: قَبْلَ الِاسْتِحَاضَةِ (ثُمَّ): أَيْ: بَعْدَ فَرَاغِ زَمَنِ حَيْضِهَا بِاعْتِبَارِ الْعَادَةِ (تَغْتَسِلُ): أَيْ: مِنَ الْحَيْضِ مَرَّةً (وَتَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ): وَفِي رِوَايَةٍ: لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ، وَعِنْدَ كُلِّ مُتَعَلِّقٌ بِتَتَوَضَّأُ لَا بِتَغْتَسِلُ (وَتَصُومُ): أَيِ: الْفَرْضَ وَالنَّفْلَ (وَتُصَلِّي): أَيْ: كَذَلِكَ وَفِي تَقَدُّمِ الصَّوْمِ عَلَى الصَّلَاةِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ أَهَمُّ فِي هَذَا الْبَابِ، وَلِذَا يُقْضَى هُوَ لَا هِيَ أَيَّامَ الْحَيْضِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ): وَقَالَ: ضَعِيفٌ لَا يَصِحُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: سَأَلْتُ الْبُخَارِيَّ وَلَمْ يُعْرَفْ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، لَكِنْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَصَحَّحَهُ أَبُو دَاوُدَ أَنَّهُ ﵊، قَالَ لِبِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ: " تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ " وَلَمْ يَذْكُرْ لَهَا الْغُسْلَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي مَجْمُوعِهِ: وَخَبَرُ عَائِشَةَ أَنَّهُ ﵊ قَالَ فِي بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ لَمَّا اسْتُحِيضَتْ: " تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ " ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ الْمُحَدِّثِينَ، وَالْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، وَالْبَيْهَقِيِّ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ: أَمَرَهَا بِالْغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاةٍ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا ثَابِتًا، وَإِنَّمَا الثَّابِتُ فَاغْتَسِلِي ثُمَّ صَلِّي، فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ فِيهَا أَنَّهُ أَمَرَهَا بِالْغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَإِنَّمَا فَعَلَتْهُ تَطَوُّعًا، وَهُوَ وَاسِعٌ لَهَا اهـ. وَيَنْبَغِي نَدْبُهُ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ.
[ ٢ / ٥٠١ ]
٥٦١ - «وَعَنْ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ ﵂ قَالَتْ: كُنْتُ أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَسْتَفْتِيهِ وَأُخْبِرُهُ، فَوَجَدْتُهُ فِي بَيْتِ أُخْتِي زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً، فَمَا تَأْمُرُنِي فِيهَا؟ قَدْ مَنَعَتْنِي الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ. قَالَ " أَنْعَتُ لَكِ الْكُرْسُفَ، فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الدَّمَ " قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: " فَتَلَجَّمِي ". قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: فَاتَّخِذِي ثَوْبًا. قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، إِنَّمَا أَثُجُّ ثَجًّا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ سَآمُرُكِ بِأَمْرَيْنِ، أَيَّهُمَا صَنَعْتِ أَجَزَأَ عَنْكِ مِنَ الْآخَرِ، وَإِنْ قَوِيتِ عَلَيْهِمَا، فَأَنْتِ أَعْلَمُ " قَالَ لَهَا: " إِنَّمَا هَذِهِ رَكْضَةٌ مِنْ رَكَضَاتِ الشَّيْطَانِ فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً فِي عِلْمِ اللَّهِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي، حَتَّى إِذَا رَأَيْتِ أَنَّكِ قَدْ طَهُرْتِ وَاسْتَنْقَأْتِ ; فَصَلِّي ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً أَوْ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، وَأَيَّامَهَا، وَصُومِي، فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزُئِكِ، وَكَذَلِكَ فَافْعَلِي كُلَّ شَهْرٍ كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ وَكَمَا يَطْهُرْنَ ; مِيقَاتُ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ، وَإِنْ قَوِيتِ عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِينَ الظُّهْرَ وَتُعَجِّلِينَ الْعَصْرَ، فَتَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَتُؤَخِّرِينَ الْمَغْرِبَ وَتُعَجِّلِينَ الْعِشَاءَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، فَافْعَلِي وَتَغْسِلِينَ مَعَ الْفَجْرِ فَافْعَلِي ; وَصُومِي إِنْ قَدَرْتِ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَهَذَا أَعْجَبُ الْأَمْرَيْنِ إِلَيَّ» . رَوَاهُ أَحْمَدَ وَأَبُو دَاوُدِ، وَالتِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ حَمْنَةَ): بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ بَعْدَهَا نُونٌ وَهَاءٌ (بِنْتِ جَحْشٍ): بِتَقَدُّمِ الْجِيمِ الْمَفْتُوحَةِ عَلَى الْحَاءِ السَّاكِنَةِ بَعْدَهَا شِينٌ مُعْجَمَةٌ (قَالَتْ: كُنْتُ أُسْتَحَاضُ حِيضَةً): بِكَسْرِ الْحَاءِ لَا غَيْرُ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: بِفَتْحِ الْحَاءِ عَلَى الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ، وَلَمْ يَقُلْ حَيْضًا لِتَتَمَيَّزَ تِلْكَ الْحَالَةُ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا مِنْ سَائِرِ أَحْوَالِ الْمَحِيضِ فِي الشِّدَّةِ وَالْكَثْرَةِ وَالِاسْتِمْرَارِ (كَثِيرَةً): فِي الْكَمِّيَّةِ (شَدِيدَةً): فِي الْكَيْفِيَّةِ، وَفِيهِ إِطْلَاقُ الْحَيْضِ عَلَى دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ تَغْلِيبًا (فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَسْتَفْتِيهِ وَأُخْبِرُهُ): الْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ، وَإِلَّا كَانَ حَقُّهُ فَأُخْبِرُهُ وَأَسْتَفْتِيهِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَأُخْبِرُهُ عَطْفُ تَفْسِيرٍ لِبَيَانِ أَنَّ الِاسْتِفْتَاءَ عَنِ الشَّيْءِ هُوَ الْإِخْبَارُ بِهِ لِطَلَبِ بَيَانِ حُكْمِ اللَّهِ فِيهِ، وَهَذَا مِمَّا يَخْفَى، فَلِذَا احْتَاجَتْ لِذِكْرِ وَأُخْبِرُهُ بَعْدَ أَسْتَفْتِيهِ، فَمِنْ أَعْجَبِ الْعَجَائِبِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى أُولِي الْأَلْبَابِ، وَأَغْرَبُ مِنْهُ أَنَّهُ قَالَ: فَانْدَفَعَ مَا قِيلَ إِنَّ الْوَاوَ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ إِلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهَا، (فَوَجَدْتُهُ): ﵊ (فِي بَيْتِ أُخْتِي زَيْنَبَ): مِنَ الْأَزْوَاجِ الطَّاهِرَاتِ (بِنْتِ جَحْشٍ): يَعْنِي: أَنَّهَا أُخْتٌ نَسِيبَةٌ لَهَا (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً): يَعْنِي: يَجْرِي دَمِي أَشَدُّ جَرْيًا مِنْ دَمِ الْحَيْضِ، وَالْكَثْرَةُ مِنْ حَيْثُ الْوَقْتِ وَالدَّمِ (فَمَا تَأْمُرُنِي): مَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ (فِيهَا؟): أَيْ: فِي الْحَيْضَةِ، يَعْنِي: فِي حَالِ وُجُودِهَا (قَدْ مَنَعَتْنِي): اسْتِئْنَافٌ مُبَيِّنٌ لِمَا أَلْجَأَهَا إِلَى السُّؤَالِ، وَجَعَلَهُ ابْنُ حَجَرٍ جُمْلَةً حَالِيَّةً مِنَ الْمَجْرُورِ بِفِي (الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ): أَيْ: عَلَى زَعْمِهَا (قَالَ: أَنْعَتُ): أَيْ: أَصِفُ (لَكِ الْكُرْسُفَ): أَيِ: الْقُطْنَ لِكَوْنِهِ مُذْهِبًا لِلدَّمِ، يَعْنِي لِتُعَالِجِي بِهِ لِقَطْرِ الدَّمِ قِيلَ فِي
[ ٢ / ٥٠١ ]
قَوْلُهُ: أَنْعَتُ إِشَارَةٌ إِلَى حُسْنِ أَثَرِ الْقُطْنِ وَصَلَاحِيَّتِهِ لِذَلِكَ ; لِأَنَّ النَّعْتَ أَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي وَصْفِ الشَّيْءِ، بِمَا هُوَ فِيهِ مِنْ حُسْنٍ (فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الدَّمَ): أَيْ: يَمْنَعُ خُرُوجَهُ إِلَى ظَاهِرِ الْفَرْجِ، أَوْ مَعْنَاهُ فَاسْتَعْمِلِيهِ لَعَلَّ دَمَكِ يَنْقَطِعُ (قَالَتْ): هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ): أَيْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يَنْقَطِعَ بِالْكُرْسُفِ (قَالَ: فَتَلَجَّمِي): أَيْ: شُدِّي اللِّجَامَ يَعْنِي خِرْقَةً عَلَى هَيْئَةِ اللِّجَامِ كَالِاسْتِثْفَارِ. (قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: " فَاتَّخِذِي ثَوْبًا "): أَيْ: مُطْلَقًا (قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ): أَيْ: مِنْ أَنْ يَمْنَعَهُ (إِنَّمَا أَثُجُّ): بِضَمِّ الْمُثَلَّثَهَ (ثَجًّا): مِنْ ثُجَّ الْمَاءُ وَالدَّمُ لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ، أَيْ: انْصَبَّ أَيْ: أَوْ أَصُبُّهُ، فَعَلَى الثَّانِي تَقْدِيرُهُ أَثُجُّ الدَّمَ، وَعَلَى الْأَوَّلِ إِسْنَادُ الثَّجِّ إِلَى نَفْسِهَا لِلْمُبَالَغَةِ بِسَيْلِ دَمِي سَيَلَانًا فَاحِشًا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَاءً ثَجَّاجًا﴾ [النبأ: ١٤] أَيْ: كَثِيرًا مُنْهَمِرًا (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " سَآمُرُكِ): السِّينُ لِلتَّأْكِيدِ (بِأَمْرَيْنِ): أَيْ: حُكْمَيْنِ أَوْ صُنْعَيْنِ (أَيَّهُمَا): بِالْفَتْحِ وَقِيلَ: بِالضَّمِّ (صَنَعْتِ أَجْزَأَ عَنْكِ مِنَ الْآخَرِ): يُقَالُ: أَجْزَأْتُ عَنْكَ أَغْنَيْتُ عَنْكَ، فَمِنْ بِمَعْنَى الْبَدَلِ كَمَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٠] وَفِي قَوْلِهِ ﵊: " «وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» ". فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: الظَّاهِرُ أَنَّهَا بِمَعْنَى " عَنْ " وَعَدَلَ عَنْهَا لِثِقَلِ التَّوَالِي بَيْنَ عَنْكِ وَعَنْ غَيْرُ ظَاهِرٍ نَشَأَ عَنْ غَفْلَةٍ (وَإِنْ قَوِيتِ): أَيْ: قَدَرْتِ (عَلَيْهِمَا فَأَنْتِ أَعْلَمُ): أَيْ: بِحَالِكِ إِشَارَةٌ إِلَى التَّخْيِيرِ (قَالَ لَهَا: " إِنَّمَا هَذِهِ "): أَيِ: الثَّجَّةُ أَوِ الْعِلَّةُ، وَفِي الْمَصَابِيحِ: إِنَّمَا هِيَ (رَكْضَةٌ): أَيْ: دَفْعَةُ وَضَرْبَةُ، وَالرَّكْضَةُ ضَرْبُ الْأَرْضِ بِالرِّجْلِ فِي حَالِ الْعَدْوِ أَوْ غَيْرِهِ، وَمِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص: ٤٢] (مِنْ رَكَضَاتِ الشَّيْطَانِ: يُرِيدُ بِهِ الْإِضْرَارَ وَالْإِفْسَادَ، وَإِضَافَتُهَا إِلَى الشَّيْطَانِ ; لِأَنَّهُ وَجَدَ بِذَلِكَ طَرِيقًا إِلَى التَّلْبِيسِ عَلَيْهَا فِي أَمْرِ دِينِهَا وَقْتَ طُهْرِهَا وَصَلَاتِهَا وَصِيَامِهَا حَتَّى أَنْسَاهَا ذَلِكَ، فَكَأَنَّهَا رَكْضَةٌ نَالَتْهَا مِنْ رَكَضَاتِهِ، أَوِ الْحَالَةُ الَّتِي ابْتُلِيَتْ بِهَا مِنَ الْخَبْطِ وَالتَّحَيُّرِ رَكْضَةٌ مِنْ رَكَضَاتِ الشَّيْطَانِ (فَتَحَيَّضِي: أَيْ: اقْعُدِي أَيَّامَ حَيْضَتِكِ عَنِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَنَحْوِهِمَا، وَاجْعَلِي نَفْسَكِ حَائِضَةً سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ قِيلَ: أَوْ لِلشَّكِّ مِنَ الرَّاوِي، وَقَدْ ذُكِرَ أَحَدُ الْعَدَدَيْنِ اعْتِبَارًا بِالْغَالِبِ مِنْ حَالِ نِسَاءِ قَوْمِهَا، وَقِيلَ: لِلتَّخْيِيرِ بَيْنَ كُلٍّ وَاحِدٍ مَنَ الْعَدَدَيْنِ ; لِأَنَّهُ الْعُرْفُ الظَّاهِرُ، وَالْغَالِبُ مِنْ أَحْوَالِ النِّسَاءِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: أَوْ لِلتَّقْسِيمِ أَيْ: سِتَّةٌ إِنِ اعْتَادَتْهَا، أَوْ سَبْعَةٌ إِنِ اعْتَادَتْهَا إِنْ كَانَتْ مُعْتَادَةً لَا مُبْتَدِأَةً، أَوْ لَعَلَّهَا شَكَّتْ هَلْ عَادَتُهَا سِتَّةً أَوْ سَبْعَةً فَقَالَ لَهَا: سِتَّةً إِنْ لَمْ تَذْكُرِي عَادَتَكِ، أَوْ سَبْعَةً إِنْ ذَكَرْتِ أَنَّهَا عَادَتُكِ، أَوْ لَعَلَّ عَادَتَهَا كَانَتْ مُخْتَلِفَةً فِيهِمَا، فَقَالَ: سِتَّةً فِي شَهْرِ السِّتَّةِ، وَسَبْعَةً فِي شَهْرِ السَّبْعَةِ اهـ.
وَقِيلَ: لِلتَّنْوِيعِ عَلَى اعْتِبَارِ حَالِهَا بِحَالِ مَنْ هِيَ مِثْلُهَا مِنَ النِّسَاءِ الْمُمَاثِلَةِ لَهَا فِي السِّنِّ، الْمُشَارِكَةِ لَهَا فِي الْمِزَاجِ بِسَبَبِ الْقَرَابَةِ أَوِ الْمَسْكَنِ، فَإِنْ كَانَ عَادَةُ مِثْلِهَا سِتًّا فَسِتًّا، وَإِنْ سَبْعًا فَسَبْعًا، وَلَعَلَّ هَذَا مِنَ الْمُبْتَدِأَةِ أَوِ الْمُتَحَيِّرَةِ، وَقِيلَ: وَهُوَ الظَّاهِرُ أَنَّهَا كَانَتْ مُعْتَادَةً، وَنَسِيَتْ أَنَّ عَادَتَهَا كَانَتْ سِتًّا أَوْ سَبْعًا، فَأَمَرَهَا ﵊ أَنْ تَتَحَرَّى وَتَجْتَهِدَ وَتَبْنِيَ عَلَى مَا تَيَقَّنَتْ مِنْ أَحَدِ الْعَدَدَيْنِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (فِي عِلْمِ اللَّهِ): أَيْ: فِيمَا حَكَمَ اللَّهُ مِنْ أَمْرِكِ، وَمَعْنَاهُ عَلَى قَوْلِ الشَّكِّ فِي عِلْمِهِ الَّذِي بَيَّنَهُ وَشَرَعَهُ لَنَا كَمَا يُقَالُ: فِي حُكْمِ اللَّهِ، وَفِي كِتَابِ اللَّهِ، وَلَكِ: فِيمَا أَعْلَمَكِ اللَّهُ مِنْ عَادَاتِ النِّسَاءِ مِنَ السِّتِّ أَوِ السَّبْعِ، وَفِي قَوْلِ التَّخْيِيرِ فِيمَا عَلِمَ اللهُ مِنْ أَمْرِكِ مِنْ سِتَّةٍ أَوْ سَبْعَةٍ. هَذَا خُلَاصَةُ كَلَامِ الشُّرَّاحِ، وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ مِنْ أَئِمَّتِنَا فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: أَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ
[ ٢ / ٥٠٢ ]
لِأَنَّهُ قَدْ يَمْتَدُّ سَنَةً وَسَنَتَيْنِ، وَقَدْ لَا تَحِيضُ أَصْلًا، فَلَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُهُ إِلَّا إِذَا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ فَاحْتِيجَ إِلَى نَصْبِ الْعَادَةِ إِمَّا بِأَنْ بَلَغَتْ مُسْتَحَاضَةً، وَإِمَّا بِأَنْ بَلَغَتْ بِرُؤْيَةِ عَشَرَةٍ مَثَلًا دَمًا وَسِتَّةٍ طُهْرًا، ثُمَّ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ، أَوْ كَانَتْ صَاحِبَةَ عَادَةٍ فَاسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ وَنَسِيَتْ عَدَدَ أَيَّامِهَا، وَأَوَّلَهَا وَآخِرَهَا وَدَوْرَهَا. أَمَّا الْأُولَى فَيُقَدَّرُ حَيْضُهَا بِعَشَرَةٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَبَاقِيهِ طُهْرٌ، فَشَهْرٌ عِشْرُونَ وَشَهْرٌ تِسْعَةَ عَشَرَ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَقَالَ أَبُو عِصْمَةَ وَالْقَاضِي أَبُو حَازِمٍ: حَيْضُهَا مَا رَأَتْ، وَطَهَارَتُهَا مَا رَأَتْ، فَتَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِثَلَاثِ سِنِينَ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَأُمًّا الثَّالِثَةُ: فَيَجِبُ أَنْ تَتَحَرَّى وَتَمْضِيَ عَلَى أَكْبَرِ رَأْيِهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا رَأْيٌ فَهِيَ الْمُخَيَّرَةُ لَا يُحْكَمُ لَهَا بِشَيْءٍ مِنَ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ عَلَى التَّعْيِينِ، بَلْ تَأْخُذُ فِي الْأَحْوَطِ فِي حَقِّ الْأَحْكَامِ، فَتَجْتَنِبُ مَا تَجْتَنِبُهُ الْحَائِضُ مِنَ الْقِرَاءَةِ وَالْمَسِّ وَقُرْبَانِ الزَّوْجِ، وَتَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَتُصَلِّي بِهِ الْفَرْضَ وَالْوِتْرَ، وَتَقْرَأُ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ فَقَطْ، وَقِيلَ: الْفَاتِحَةُ وَالسُّورَةُ ; لِأَنَّهُمَا وَاجِبَتَانِ، وَإِنْ حَجَّتْ تَطُوفُ طَوَافَ الزِّيَارَةِ ; لِأَنَّهُ رُكْنٌ، ثُمَّ تُعِيدُهُ بَعْدَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ تَطُوفُ لِلصَّدْرِ ; لِأَنَّهُ وَاجِبٌ، وَتَصُومُ شَهْرَ رَمَضَانَ، ثُمَّ تَقْضِي خَمْسَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا لِاحْتِمَالِ كَوْنِهَا حَاضَتْ مِنْ أَوَّلِهِ عَشَرَةً وَمِنْ آخِرِهِ خَمْسَةً أَوْ بِالْعَكْسِ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنَّهَا حَاضَتْ فِي الْقَضَاءِ عَشَرَةً، فَسَلِمَ خَمْسَةَ عَشَرَ بِيَقِينٍ، وَالْفَتْوَى عَلَى أَنَّ طُهْرَهَا فِي حَقِّ الْعِدَّةِ مُقَدَّرٌ بِشَهْرَيْنِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (ثُمَّ اغْتَسِلِي): أَيْ: بَعْدَ السِّتَّةِ أَوِ السَّبْعَةِ مِنَ الْحَيْضِ (حَتَّى إِذَا رَأَيْتِ): أَيْ: عَلِمْتِ (أَنَّكِ قَدْ طَهُرْتِ): بِأَنْ رَأَيْتِ الْبَيَاضَ (وَاسْتَنْقَأْتِ): قَالَ فِي الْمُغْرِبِ: الْاسْتِنْقَاءُ مُبَالَغَةٌ فِي تَنْقِيَةِ الْبَدَنِ قِيَاسٌ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: إِذَا رَأَيْتِ أَنَّكِ طَهُرْتِ وَاسْتَنْقَيْتِ، وَالْهَمْزَةُ فِيهِ خَطَأٌ اهـ. وَهُوَ فِي النُّسَخِ كُلِّهَا بِالْهَمْزِ مَضْبُوطٌ، فَيَكُونُ جَرَاءَةً عَظِيمَةً مِنْ صَاحِبِ الْمُغْرِبِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعُدُولِ الضَّابِطِينَ الْحَافِظِينَ مَعَ إِمْكَانِ حَمْلِهِ عَلَى الشُّذُوذِ، إِذِ الْيَاءُ مِنَ الْأَحْرُفِ الْأَبْدَالِ، وَقَدْ جَاءَ: شِئْمَةٌ مَهْمُوزًا بَدَلًا مِنْ شِيمَةٍ شَاذًّا عَلَى مَا فِي الشَّافِيَةِ، هَذَا وَمِنَ الْغَرِيبِ الْعَجِيبِ أَنَّهُ لَوْ نَقَلَ الزَّوْزَنِيُّ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ عَنِ الْبَدَوِيِّ الَّذِي يَبُولُ عَلَى عَقِبَيْهِ مِثْلَ هَذَا النَّقْلِ الْمُعْتَمَدِ الْمُسْتَنَدِ بِالسَّنَدِ يُخْطِئُونَ وَيُخَطِّئُونَ، وَاللَّهُ وَلِيُّ دِينِهِ، (فَصَلِّي ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً): يَعْنِي: وَأَيَّامَهَا، إِنْ كَانَتْ مُدَّةُ الْحَيْضَةِ سَبْعَةً (أَوْ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَأَيَّامَهَا): إِنْ كَانَتْ مُدَّةُ الْحَيْضَةِ سِتَّةً (وَصُومِي): أَيْ: رَمَضَانَ وَغَيْرَهُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ كَذَلِكَ (فَإِنَّ ذَلِكَ): أَيْ: مَا قُدِّرَ لَكِ مِنَ الْأَيَّامِ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ (يُجْزِئُكِ): أَيْ: يَكْفِيكِ. يُقَالُ: أَجْزَأَنِي الشَّيْءُ أَيْ كَفَانِي، وَيُرْوَى بِالْبَاءِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ. (وَكَذَلِكَ): أَيْ: مِثْلُ مَا ذَكَرْتُ لَكِ فِي هَذَا الشَّهْرِ الَّذِي أَنْتِ فِيهِ يَعْنِي السَّائِلَةَ (فَافْعَلِي كُلَّ شَهْرٍ كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ): أَيِ: اللَّوَاتِي مَثْلُكِ فِي نِسْيَانِ عَادَتِهِنَّ (وَكَمَا يَطْهُرْنَ) وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: اجْعَلِي حَيْضَكِ بِقَدْرِ مَا يَكُونُ عَادَةُ النِّسَاءِ مِنْ سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ، وَكَذَلِكَ طُهْرُكِ بِقَدْرِ مَا يَكُونُ عَادَةُ النِّسَاءِ مِنْ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ أَوْ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ (مِيقَاتَ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ): نُصِبَ عَلَى الظَّرْفِ يَعْنِي: إِنْ كَانَ وَقْتُ حَيْضِهِنَّ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ، فَلْيَكُنْ حَيْضُكِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. اهـ.
وَأَنْتَ عَرِفْتَ مِمَّا ذَكَرْنَا لَكَ أَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ مِنَ اعْتِبَارِ الْمُمَاثَلَةِ بِالنِّسَاءِ (وَإِنْ قَوِيتِ): هَذَا هُوَ الْأَمْرُ الثَّانِي ; بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: هَذَا أَعْجَبُ الْأَمْرَيْنِ إِلَيَّ، وَتَعْلِيقُهُ ﵊ هَذَا بِقُوَّتِهَا لَا يُنَافِي قَوْلَهُ السَّابِقَ، وَإِنْ قَوِيتِ عَلَيْهِمَا ; لِأَنَّ ذَلِكَ لِبَيَانِ أَنَّهَا إِذَا قَوِيَتْ عَلَيْهِمَا تَخْتَارُ مَا شَاءَتْ، وَهَذَا لِبَيَانِ أَنَّهَا إِذَا قَوِيَتْ عَلَيْهِمَا تَخْتَارُ الْأَحَبَّ إِلَيْهِ ﵊، وَقِيلَ: لَمَّا خَيَّرَهَا بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ. بِمَعْنَى إِنْ قَوِيتِ عَلَى الْأَمْرَيْنِ. بِمَا تَعْلَمِينَ مِنْ حَالِكِ وَقُوَّتِكِ، فَاخْتَارِي أَيَّهُمَا شِئْتِ. وَوَصَفَ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ، وَرَأَى عَجْزَهَا عَنِ الِاغْتِسَالِ لِكُلِّ صَلَاةٍ قَالَ لَهَا: دَعِي ذَلِكَ إِنْ لَمْ تَقْوِي عَلَيْهِ، وَإِنْ قَوِيتِ إِلَخْ. وَيُفْهَمُ مِنْ هَذَا أَنَّهَا إِنْ عَجَزَتْ عَنْهُ أَيْضًا نَزَلَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَيْسَرَ وَأَسْهَلَ عَلَى قَدْرِ الِاسْتِطَاعَةِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْخَطَّابِيِّ: لَمَّا رَأَى النَّبِيُّ ﷺ قَدْ طَالَ عَلَيْهَا، وَقَدْ جَهَدَهَا الِاغْتِسَالُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، رَخَّصَ لَهَا فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ، كَالْمُسَافِرِ رُخِّصَ لَهُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، وَذَهَبَ إِلَى إِيجَابِ الْغُسْلِ عَلَيْهَا عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ،
[ ٢ / ٥٠٣ ]
ذَهَبِ ابْنَ عَبَّاسٍ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ. قِيلَ: مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَشْبَهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَمَذْهَبُ عَلِيٍّ أَقْرَبُ وَأَلْيَقُ بِالْفِقْهِ. هَذَا كَلَامُ الشُّرَّاحِ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ التَّخْيِيرُ، وَلِذَى قَالَ الطَّحَاوِيُّ مِنْ أَئِمَّتِنَا: ذَهَبَ إِلَى كُلٍّ قَوْمٌ، وَهَذَا عِنْدَنَا مَنْسُوخٌ، أَوِ الْأَمْرُ بِالْغُسْلِ فِي الصُّورَتَيْنِ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُعَالَجَةِ لِإِزَالَةِ قُوَّةِ الدَّمِ وَكَثْرَتِهِ، وَفَصَّلَ تَفْصِيلًا حَسَنًا فِي مُشْكِلَاتِ الْآثَارِ. (عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِينَ الظُّهْرَ): أَيْ: إِلَى زَمَنٍ يَسَعُهَا، وَطَهَارَتَهَا ; إِذْ تَأْخِيرُهَا إِلَى أَقَلِّ مِنْ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ (وَتُعَجِّلِينَ الْعَصْرَ): أَيْ: فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا (فَتَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ): قَالَ الطِّيبِيُّ: إِثْبَاتُ النُّونِ فِي أَنْ تُؤَخِّرِينَ وَتُعَجِّلِينَ وَغَيْرِهِمَا فِي مَوَاقِعِ (أَنْ) الْمَصْدَرِيَّةِ مَنْقُولٌ عَلَى مَا هُوَ مُثْبَتٌ فِي كُتُبِ الْأَحَادِيثِ مَعَ تَعَسُّرِ تَوْجِيهِهَا، إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنْ هَذِهِ هِيَ الْمُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وَضَمِيرُ الشَّأْنِ مُقَدَّرٌ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الظَّاهِرُ أَنَّهَا مَصْدَرِيَّةٌ لَكِنَّهَا لَا تَنْصِبُهُ حَمْلًا عَلَى مَا الْمَصْدَرِيَّةِ، وَمِنْهُ قِرَاءَةُ ابْنِ مُجَاهِدٍ: " ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] " كَمَا أَنَّ مَا قَدْ تَنْصِبُ حَمْلًا عَلَى أَنْ وَمِنْهُ: كَمَا تَكُونُوا يُوَلَّى عَلَيْكُمْ فِي رِوَايَةٍ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ. اهـ.
لَكِنَّ الْمَفْهُومَ مِنَ الْمَعْنَى أَنَّ شَرْطَهَا أَنْ تَقَعَ بَعْدَ فِعْلِ الْيَقِينِ أَوْ مَا نَزَلَ مَنْزِلَتَهُ، فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ: إِنْ قَوِيتِ عَلَى مَعْنَى إِنْ عَلِمْتِ مِنْ نَفْسِكِ، أَوْ ظَنَنْتِ مِنْهَا الْقُوَّةَ وَالْقُدْرَةَ عَلَى ذَلِكَ (بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ): أَيْ: بِغُسْلٍ وَاحِدٍ (الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ): بِالْجَرِّ بَدَلٌ، وَيَجُوزُ رَفْعُهُمَا وَنَصْبُهُمَا (وَتُؤَخِّرِينَ الْمَغْرِبَ وَتُعَجِّلِينَ الْعِشَاءَ): كَمَا سَبَقَ (ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، فَافْعَلِي. وَتَغْتَسِلِينَ مَعَ الْفَجْرِ فَافْعَلِي): هَذَا تَأْكِيدٌ، وَالشَّرْطِيَّةُ بِاعْتِبَارِ الْمَجْمُوعِ (وَصُومِي): أَيْ: فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ الَّتِي تُصَلِّي فَرْضًا وَنَفْلًا (إِنْ قَدَرْتِ عَلَى ذَلِكَ): بَدَلٌ مِنَ الشَّرْطِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ يَنْصُرُ قَوْلَ الْخَطَّابِيُّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " وَهَذَا): أَيْ: أَمْرُ الِاسْتِحَاضَةِ (أَعْجَبُ الْأَمْرَيْنِ إِلَيَّ): وَهُمَا السَّفَرُ وَالِاسْتِحَاضَةُ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِشَارَةَ إِلَى الْأَمْرِ الْأَخِيرِ، وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ ; لِأَنَّ فِيهِ رِفْقًا بِهَا، وَالْأَمْرُ الْأَوَّلُ هُوَ الِاغْتِسَالُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَأَعْجَبُ مَعْنَاهُ أَحَبُّ وَأَسْهَلُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ) .
[ ٢ / ٥٠٤ ]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٦٢ - «عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ ﵂، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ اسْتُحِيضَتْ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا فَلَمْ تُصَلِّ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: سُبْحَانَ اللَّهِ، إِنَّ هَذَا مِنَ الشَّيْطَانِ. لِتَجْلِسَ فِي مِرْكَنٍ، فَإِذَا رَأَتْ صُفَارَةً فَوْقَ الْمَاءِ فَلْتَغْتَسِلْ لِلظُّهْرِ وَالْعَصْرِ غُسْلًا وَاحِدًا، وَتَغْتَسِلْ لِلْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ غُسْلًا وَاحِدًا، وَتَغْتَسِلْ لِلْفَجْرِ غُسْلًا وَاحِدًا، وَتَوَضَّأُ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّالِثُ
(٢) (عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ): بِالْمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّرًا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا (قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ اسْتُحِيضَتْ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا): أَيْ: شَهْرٍ (فَلَمْ تُصَلِّ): أَىْ: ظَنًّا مِنْهَا أَنَّ الِاسْتِحَاضَةَ تَمْنَعُ الصَّلَاةَ كَالْحَيْضِ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " سُبْحَانَ اللَّهِ "): تَعَجُّبًا مِنْ تَرْكِهَا الصَّلَاةَ بِمُجَرَّدِ ظَنِّهَا الْمَذْكُورِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُرَاجِعَهُ ﵊ فِي ذَلِكَ، أَوْ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ الْمَعْرُوفِينَ بِالْإِفْتَاءِ فِي زَمَنِهِ (إِنَّ هَذَا) أَيْ: تَرْكَ الصَّلَاةِ تِلْكَ الْمُدَّةَ، أَوْ أَمْرَ الِاسْتِحَاضَةِ (مِنَ الشَّيْطَانِ): حَيْثُ سَوَّلَ لَهَا أَنَّ الِاسْتِحَاضَةَ كَالْحَيْضِ (لِتَجْلِسْ): أَمْرٌ (فِي مِرْكَنٍ): أَيْ: فِيهِ مَاءٌ وَهُوَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْكَافِ ظَرْفٌ كَبِيرٌ (فَإِنْ رَأَتْ صُفَارَةً): بِضَمِّ الصَّادِ (فَوْقَ الْمَاءِ): بِأَنْ زَالَتِ الشَّمْسُ وَقَرُبَتْ مِنَ الْعَصْرِ، فَإِنَّهَا حِينَئِذٍ تَرَى فَوْقَ الْمَاءِ شُعَاعَ الشَّمْسِ شِبْهَ صُفَارَةٍ ; لِأَنَّ شُعَاعَهَا يَتَغَيَّرُ حِينَئِذٍ وَيَقِلُّ، فَيَضْرِبُ إِلَى الصُّفْرَةِ وَلَا يَصِلُ إِلَى الصُّفْرَةِ الْكَامِلَةِ إِلَّا قُبَيْلَ الْغُرُوبِ، وَأَمَّا حَدِيثُ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ وَفِيهِ الْعَصْرُ مَا لَمْ تَصْفَرَّ، فَمَعْنَاهُ اصْفِرَارًا تَامًّا كَامِلًا (فَلْتَغْتَسِلْ لِلظُّهْرِ وَالْعَصْرِ غُسْلًا وَاحِدًا، وَتَغْتَسِلْ): بِالْجَزْمِ عَطْفٌ عَلَى الْمَجْزُومِ لِلْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ غُسْلًا وَاحِدًا، وَتَغْتَسِلْ لِلْفَجْرِ غُسْلًا وَاحِدًا) جَاءَ بِطَرِيقِ الْمُشَاكَلَةِ (وَتَوَضَّأَ): بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ (فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ): أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنَ الصَّلَوَاتِ أَوِ الْأَوْقَاتِ يَعْنِي: إِذَا احْتَاجَتْ إِلَى الْوُضُوءِ تَوَضَّأُ لِلْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ)؟
[ ٢ / ٥٠٥ ]
٥٦٣ - رَوَى مُجَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «لَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهَا الْغُسْلُ، أَمَرَهَا أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ»
_________________
(١) (رَوَى مُجَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ): أَيْ: أَنَّهُ قَالَ (لَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهَا الْغُسْلُ): أَيْ: لِكُلِّ صَلَاةٍ (أَمَرَهَا): أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ): يَعْنِي: حُكْمًا. كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَأْخِيرِ صَلَاةٍ وَتَقْدِيمِ أُخْرَى، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي كَلَامِ النَّوَوِيِّ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ غَيْرُ ثَابِتٍ، وَأَنَّهُ لَا يَرِدُ مِنْهُ شَيْءٌ عَلَى مَذْهَبِنَا أَنَّهَا تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ فَرْضٍ وَلَا يَلْزَمُهَا غُسْلٌ.
[ ٢ / ٥٠٥ ]