الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٨١ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «وَقْتُ الظُّهْرِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وَكَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ، مَا لَمْ يَحْضُرِ الْعَصْرُ، وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ. وَوَقْتُ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبِ الشَّفَقُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ الْأَوْسَطِ. وَوَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَأَمْسِكْ عَنِ الصَّلَاةِ؟ فَإِنَّهَا بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(١) -
بَابُ الْمَوَاقِيتِ
الَّتِي مِنْ جُمْلَةِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ جَمْعُ مِيقَاتٍ وَهُوَ الْوَقْتُ الْمُعَيَّنُ، قَالَهُ ابْنُ الْهُمَامِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٨١ - (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو): بِالْوَاوِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " وَقْتُ الظُّهْرِ): وَسُمِّيَتْ بِهِ لِأَنَّهَا أَوَّلُ صَلَاةٍ ظَهَرَتْ، أَوْ لِفِعْلِهَا وَقْتَ الظَّهِيرَةِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَالْمَعْنَى أَوَّلُ وَقْتِهِ (إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ): أَيْ: حِينَ مَالَتْ عَنْ وَسَطِ السَّمَاءِ الْمُسَمَّى بُلُوغُهَا إِلَيْهِ بِحَالَةِ الِاسْتِوَاءِ إِلَى جِهَةِ الْمَغْرِبِ بِاعْتِبَارِ ظُهُورِهِ لَنَا بِزِيَادَةِ ظَلِّ الِاسْتِوَاءِ إِلَى جِهَةِ الْمَشْرِقِ (وَكَانَ): أَيْ: وَصَارَ (ظَلُّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ): أَيْ: قَرِيبًا مِنْهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا مَذْكُورٌ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَكِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ، وَلَيْسَ بِمَذْكُورٍ فِي الْمَصَابِيحِ إِلَّا قَوْلُهُ: (مَا لَمْ يَحْضُرِ الْعَصْرُ): اهـ. فَعَلَى مَا فِي الْمَصَابِيحِ لَا إِشْكَالَ، وَأَمَّا عَلَى مَا فِي الْمِشْكَاةِ فَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ: قَوْلُهُ مَا لَمْ يَحْضُرْ بَيَانٌ، وَتَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: وَكَانَ إِلَخْ. ثُمَّ الْمُرَادُ بِالظِّلِّ الظِّلُّ الْحَادِثُ أَوْ مُطْلَقُ الظِّلِّ، وَيُلَائِمُهُ قَوْلُهُ: مَا لَمْ يَحْضُرِ الْعَصْرُ أَيْ: وَقْتُهُ وَهُوَ الظِّلُّ الْحَادِثُ لِطُولِ الرَّجُلِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ وَجَعَلَ الْمُرَادَ بِالظِّلِّ نَفْسَ فَيْءِ الزَّوَالِ، وَادَّعَى أَنَّ هَذَا هُوَ الْغَالِبُ فِي انْتِهَاءِ نَقْصِهِ وَابْتِدَائِهِ فِي الْأَخْذِ بِالزِّيَادَةِ، وَلِذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَقَدْ يُفْقَدُ الظِّلُّ بِالْكُلِّيَّةِ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ كَمَكَّةَ وَصَنْعَاءَ، وَيَخْتَلِفُ قَدْرُ ظِلِّ الِاسْتِوَاءِ بِاخْتِلَافِ الْمَحَالِّ وَالْفُصُولِ، وَمِنْ ثَمَّ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَفَاصِيلِ ذَلِكَ لِاخْتِلَافِهِمْ فِي طُولِ الْبِلَادِ وَعَرْضِهَا، وَكَذَا أَهْلُ الْمَوَاقِيتِ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنْ لَا فَاصِلَةَ بَيْنَ وَقْتَيْهِمَا، وَلَا تَشْتَرِكُ بَيْنَهُمَا، وَعَلَى أَنْ لَا كَرَاهَةَ فِي تَأْخِيرِ الظُّهْرِ إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ، وَعِنْدَ مَالِكٍ إِذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ مِنْ مَوْضِعِ زِيَادَةِ الظِّلِّ بِقَدْرِ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ; لِأَنَّ جِبْرِيلَ ﵊ صَلَّى الْعَصْرَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، وَالظُّهْرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. وَأَوَّلَ الشَّافِعِيُّ
[ ٢ / ٥١٦ ]
ذَلِكَ بِانْطِبَاقِ آخِرِ الظُّهْرِ، وَأَوَّلُ الْعَصْرِ عَلَى الْحِينِ الَّذِي صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ لِهَذَا الْحَدِيثِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَتَمَادَى قَدْرَ مَا يَسَعُ أَرْبَعَ رَكْعَاتٍ، فَلَابُدَّ مِنْ تَأْوِيلٍ، وَتَأْوِيلُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَوْلَى قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَسَيَأْتِي زِيَادَةُ تَحْقِيقٍ لِهَذَا الْمَبْحَثِ.
(وَوَقْتُ الْعَصْرِ): أَيْ: يَدْخُلُ بِمَا ذُكِرَ مِنْ ظِلِّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ، وَيَسْتَمِرُّ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ (مَا لَمْ تَصْفَرَّ): بِفَتْحِ الرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ وَتُكْسَرُ (الشَّمْسُ): فَالْمُرَادُ بِهِ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ لِقَوْلِهِ ﵊ فِي الصَّحِيحَيْنِ: " «وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ» " أَيْ: مُؤَدَّاةً، وَلِحَدِيثِ غَيْرِهِمَا بِسَنَدٍ رِجَالُهُ فِي مُسْلِمٍ: " وَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَغْرُبُ الشَّمْسُ " وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: " مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ وَسَقَطَ قَرْنُهَا الْأَوَّلُ " قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى كَرَاهَةِ التَّأْخِيرِ إِلَى وَقْتِ الِاصْفِرَارِ، فَوَقْتُ جَوَازِهِ إِذَا غَرَبَتْ.
(وَوَقْتُ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ): ذَكَرَ الصَّلَاةَ فِي مَوَاضِعٍ، وَحَذَفَهَا فِي آخَرَ دَلَالَةً عَلَى جَوَازِ الْإِطْلَاقَيْنِ (مَا لَمْ يَغِبِ): وَفِي الْمَصَابِيحِ: مَا لَمْ يَسْقُطْ (الشَّفَقُ): وَهُوَ الْحُمْرَةُ الَّتِي تَلِي الشَّمْسَ بَعْدَ الْغُرُوبِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ يُفْتَى، وَالْبَيَاضُ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَ الْحُمْرَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى امْتِدَادِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ إِلَى سُقُوطِ الشَّفَقِ، فَلَوْ سَقَطَ بَعْضُهُ لَا يَدْخُلْ وَقْتُ الْعِشَاءِ، كَمَا لَا يَدْخُلْ وَقْتُ الْمَغْرِبِ بِغُرُوبِ بَعْضِ الْقُرْصِ، وَتَأْخِيرُ الْمَغْرِبِ إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ أَقَلُّ كَرَاهَةً بِالنِّسْبَةِ إِلَى تَأْخِيرِ الْعَصْرِ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: مَا لَمْ يَسْقُطِ الشَّفَقُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ وَقْتَ الْمَغْرِبِ يَمْتَدُّ إِلَى غُرُوبِ الشَّفَقِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ قَدِيمًا وَالثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ أَيِ: الثَّاقِبِ، وَذَهَبَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيُّ جَدِيدًا إِلَى أَنَّ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ لَهَا وَقْتٌ وَاحِدٌ مُضَيَّقٌ ; لِأَنَّ جِبْرِيلَ ﵊ صَلَّاهَا فِي الْيَوْمَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ قَدْرُ وُضُوءٍ وَأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، وَخَمْسِ رَكْعَاتٍ مُتَوَسِّطَاتٍ اهـ.
وَيَدْخُلُ وَقْتُهَا بِالْغُرُوبِ إِجْمَاعًا، وَكَأَنَّهُ اكْتَفَى بِذِكْرِ الْمَغْرِبِ وَلَا يُعْتَدَّ بِخِلَافِ الشِّيعَةِ، وَخَبَرُ: إِنَّهُ ﷺ صَلَّى الْمَغْرِبَ عِنْدَ اشْتِبَاكِ النُّجُومِ بَاطِلٌ، بَلْ صَحَّ: " «لَا تَزَالُ أُمَّتِي عَلَى الْفِطْرَةِ مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا الْمَغْرِبَ حَتَّى تَشْتَبِكَ النُّجُومُ» "، وَتَأْخِيرُهُ ﵊ لَهَا كَمَا فِي أَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ عَنِ الْعُلَمَاءِ كَرَاهِيَةَ تَأْخِيرِهَا عَنْ أَوَّلِهِ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِ فِي اخْتِيَارِهِ الْقَوْلَ الْجَدِيدِ لِلشَّافِعِيِّ وَتَصْحِيحِهِ لَهُ. (وَوَقْتُ صَلَاةِ الْعِشَاءِ): أَيْ: مِنْ عَقِيبِ الشَّفَقِ إِجْمَاعًا (إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ الْأَوْسَطِ): وَالْمُرَادُ بِهِ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ أَيْضًا، فَإِنَّ الْأَكْثَرِينَ قَالُوا: إِنَّ وَقْتَهُ يَمْتَدُّ إِلَى طُلُوعِ الصُّبْحِ الصَّادِقِ لِمَا رَوَى أَبُو قَتَادَةَ أَنَّهُ قَالَ ﵊: " «لَيْسَ التَّفْرِيطُ فِي النَّوْمِ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ أَنْ يُؤَخِّرَ صَلَاةً حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ صَلَاةٍ أُخْرَى» " خَصَّ الْحَدِيثَ فِي الصُّبْحِ، فَيَبْقَى عَلَى عُمُومِهِ فِي الْبَاقِي قَالَهُ الطِّيبِيُّ. وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ: احْتَجَّ بِهِ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ عَلَى أَنَّ وَقْتَ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، وَعِنْدَ غَيْرِهِ مَحْمُولٌ عَلَى وَقْتِ الِاخْتِيَارِ، وَأَمَّا وَقْتُ الْجَوَازِ فَيَمْتَدُّ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ قَالَ: وَالْأَوْسَطُ صِفَةُ اللَّيْلِ أَيِ: اللَّيْلِ الْمُعْتَدِلِ، لَا طَوِيلٌ وَلَا قَصِيرٌ، فَنِصْفُ اللَّيْلِ الْأَوْسَطِ يَكُونُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى لَيْلٍ قَصِيرٍ كَثِيرٌ مِنْ نِصْفِهِ، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى لَيْلٍ طَوِيلٍ أَقَلُّ مِنْ نِصْفِهِ، وَقِيلَ: الْأَوْسَطُ صِفَةُ النِّصْفِ أَيْ: نِصْفٌ عَدْلٌ مِنَ اللَّيْلِ عُمُومًا يَعْنِي مِنْ كُلِّ نِصْفِهِ، وَبِهِ قَطَعَ الْفُقَهَاءُ قَاطِبَةً، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ يَقْتَضِي التَّأْخِيرَ إِلَى سِتِّ سَاعَاتٍ فِي أَقْصَرِ اللَّيَالِي، وَهِيَ ثُلُثَا اللَّيْلِ، وَإِلَى سِتِّ سَاعَاتٍ فِي أَطْوَلِ اللَّيَالِي، وَهِيَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، وَالْعَكْسُ أَحْرَى وَأَلْيَقُ اهـ. يَعْنِي: احْتِرَازًا عَنِ الْمَشَقَّةِ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُؤَخِّرُوا الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفِهِ» " وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ اهـ. قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: الْمُرَادُ ثُلُثُ اللَّيْلِ فِي الصَّيْفِ، وَنِصْفُهُ فِي الشِّتَاءِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[ ٢ / ٥١٧ ]
(وَوَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ): أَيِ: الصُّبْحِ الصَّادِقِ (مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ): أَيْ: شَيْءٌ مِنْهَا (فَإِذَا طَلَعَتْ): أَيْ: أَرَادَتِ الطُّلُوعَ (فَأَمْسِكْ عَنِ الصَّلَاةِ) أَيْ: اتْرُكْهَا (فَإِنَّهَا): أَيِ: الشَّمْسُ (تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ): أَيْ: جَانِبَيْ رَأْسِهِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ يَرْصُدُ وَقْتَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَيَنْتَصِبُ قَائِمًا فِي وَجْهِ الشَّمْسِ مُسْتَقْبِلًا لِمَنْ سَجَدَ لِلشَّمْسِ، لِيَنْقَلِبَ سُجُودُ الْكُفَّارِ لِلشَّمْسِ عِبَادَةً لَهُ، فَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ أُمَّتَهُ عَنِ الصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ; لِتَكُونَ صَلَاةُ مَنْ عَبَدَ اللَّهَ فِي غَيْرِ وَقْتِ عِبَادَةِ مَنْ عَبَدَ الشَّيْطَانَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ التَّمْثِيلِ شَبَّهَ تَسْوِيلَ الشَّيْطَانِ لِعَبَدَةِ الشَّمْسِ عِبَادَتَهَا، وَحَثَّهُ إِيَّاهُمْ عَلَى سُجُودِهَا بِحَمْلِهِ إِيَّاهَا بِرَأْسِهِ إِلَيْهِمْ وَاطِّلَاعِهِ عَلَيْهِمْ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِقَرْنَيْهِ حِزْبَاهُ السَّابِقُونَ وَاللَّاحِقُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَقِيلَ: جُنْدَاهُ اللَّذَانِ يَبْعَثُهُمَا حِينَئِذٍ لِإِغْرَاءِ النَّاسِ، وَقِيلَ: هُوَ مِنْ بَابِ التَّخْيِيلِ تَشْبِيهًا لَهُ بِذَوَاتِ الْقُرُونِ الَّتِي تُنَاطِحُ الْأَشْيَاءَ ; لِأَنَّ اللَّعِينَ مُنَاطِحٌ لِلْحَقِّ وَمُدَافِعٌ لَهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالْمُخْتَارُ هُوَ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ): قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَلَمْ يَقُولَا: فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ. . . إِلَخْ.
[ ٢ / ٥١٨ ]
٥٨٢ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁، قَالَ: «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ لَهُ: صَلِّ مَعَنَا هَذَيْنِ يَعْنِي الْيَوْمَيْنِ - فَلَمَّا زَالَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الظُّهْرَ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ. فَلَمَّا أَنْ كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي أَمَرَهُ: " فَأَبْرَدَ بِالظُّهْرِ " فَأَبْرَدَ بِهَا - فَأَنْعَمَ أَنْ يُبْرِدَ بِهَا - وَصَلَّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ - أَخَّرَهَا فَوْقَ الَّذِي كَانَ، وَصَلَّى الْمَغْرِبَ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ، وَصَلَّى الْعِشَاءَ بَعْدَمَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، وَصَلَّى الْفَجْرَ فَأَسْفَرَ بِهَا. ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ؟ ". فَقَالَ الرَّجُلُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: " وَقْتُ صَلَاتِكُمْ بَيْنَ مَا رَأَيْتُمْ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ
_________________
(١) (وَعَنْ بُرَيْدَةَ): أَيْ: ابْنِ الْحَصِيبِ، وَهُوَ مِنْ بَنِي أَسْلَمَ لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا، وَكَانَ فِي بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، خَرَجَ إِلَى خُرَاسَانَ غَازِيًا، وَمَاتَ بِمَرْوٍ، وَكَانَ لَهُ هُنَاكَ عَقِبٌ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ (قَالَ: إِنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ): أُرِيدَ بِهِ الْجِنْسُ أَيِ: الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ أَوِ الْعَهْدُ (فَقَالَ لَهُ: صَلِّ مَعَنَا هَذَيْنِ " - يَعْنِي الْيَوْمَيْنِ -): أَيِ: الْمَعْلُومِينَ لِتَعْلَمَ أَوْقَاتَ الصَّلَوَاتِ كُلَّهَا أَوَائِلَهَا وَأَوَاخِرَهَا، وَوَقْتَ الْفَضِيلَةِ وَالِاخْتِيَارِ وَغَيْرَهُمَا بِالْمُشَاهَدَةِ الَّتِي هِيَ أَقْوَى مِنَ السَّمَاعِ (فَلَمَّا زَالَتِ الشَّمْسُ): أَيْ: عَنْ حَدِّ الِاسْتِوَاءِ (أَمَرَ بِلَالًا): أَيْ: بِالْأَذَانِ (فَأَذَّنَ، ثُمَّ أَمَرَهُ): أَيْ: بِالْإِقَامَةِ وَعَطَفَ بِثُمَّ ; لِأَنَّ فِيهِ قَلِيلَ مُهْلَةٍ بِانْتِظَارِ اجْتِمَاعِ النَّاسِ وَفِعْلِهِمُ السُّنَنَ (فَأَقَامَ الظُّهْرَ): بِنَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ: لِلظُّهْرِ (ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعَصْرَ): أَيْ: تَلَفَّظَ بِكَلِمَاتِ الْإِقَامَةِ لِصَلَاةِ الْعَصْرِ، وَتَرَكَ ذِكْرَ الْوَقْتِ لِظُهُورِهِ، وَكَذَا الْأَذَانِ فِيهِ، وَفِيمَا بَعْدَهُ لِلْوُضُوحِ (وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ): الْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ أَيْ: صَلَّى فِي أَوَّلِ وَقْتِهِ (بَيْضَاءُ): بِالرَّفْعِ صِفَةٌ أَوْ خَبَرٌ آخَرٌ أَيْ: لَمْ تَخْتَلِطْ بِهَا صُفْرَةٌ (نَقِيَّةٌ): أَيْ: طَاهِرَةٌ مِنَ الِاصْفِرَارِ وَصَافِيَةٌ مِنْهُ (ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ): أَيْ: لِصَلَاتِهِ (حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ): أَيْ: تَحَقُّقِ غَيْبُوبَتِهَا (ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْفَجْرَ): أَيْ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ): أَيِ: الصُّبْحُ الصَّادِقُ (فَلَمَّا أَنْ): أَنْ زَائِدَةٌ (كَانَ): تَامَّةٌ أَيْ: وُجِدَ (الْيَوْمُ الثَّانِي): أَيْ: أَكْثَرُهُ (أَمَرَهُ): جَوَابُ لَمَّا أَيْ: أَمَرَهُ بِالْإِبْرَادِ (فَأَبْرِدْ بِالظُّهْرِ): عَلَى صِيغَةِ الْأَمْرِ أَيْ: فَقَالَ لَهُ: أَبْرِدْ بِالظُّهْرِ، وَفِي نُسْخَةٍ فَأَبْرَدَ عَلَى صِيغَةِ الْمَاضِي أَيْ: فَأَمَرَهُ بِالْإِبْرَادِ ; فَيَكُونُ تَفْسِيرًا لِأَمْرِهِ وَتَأْكِيدًا (فَأَبْرَدَ): أَيْ: بِلَالٌ (بِهَا): أَيْ بِصَلَاةِ الظُّهْرِ (فَأَنْعَمَ): أَيْ: بَالَغَ (أَنْ يُبْرِدَ بِهَا): يُقَالُ: أَحْسَنَ إِلَى فُلَانٍ وَأَنْعَمَ، أَيْ: زَادَ فِي الْإِحْسَانِ وَبَالَغَ؟ وَالْمَعْنَى: زَادَ الْإِبْرَادَ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ، وَبَالَغَ فِي الْإِبْرَادِ عَلَى أَوَّلِ وَقْتِ الْإِبْرَادِ، حَتَّى تَمَّ انْكِسَارُ وَهَجِ الْحَرِّ أَيْ: شِدَّةُ حَرِّ الظُّهْرِ. فِي الْفَائِقِ: حَقِيقَةُ الْإِبْرَادِ الدُّخُولُ فِي الْبَرْدِ كَقَوْلِكَ: أَظْهَرْنَا، وَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ أَيْ: أَدْخَلَ الصَّلَاةَ فِي الْبَرْدِ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْإِبْرَادُ أَنْ يَتَفَيَّأَ الْأَفْيَاءَ، وَيَنْكَسِرَ وَهَجُ الْحَرِّ، فَهُوَ بَرْدٌ بِالْإِضَافَةِ إِلَى حَرِّ الظَّهِيرَةِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ (وَصَلَّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ - أَخَّرَهَا): بِالتَّشْدِيدِ أَيْ: صَلَاةَ الْعَصْرِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي (فَوْقَ الَّذِي): أَيِ التَّأْخِيرِ الَّذِي (كَانَ): أَيْ: وُجِدَ (فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ): بِأَنْ أَوْقَعَهَا حِينَ صَارَ ظِلُّ الشَّيْءِ مِثْلَهُ، كَمَا بَيَّنَتْهُ الرِّوَايَاتُ الْأُخَرُ، أَوِ التَّقْدِيرُ: كَانَ أَخَّرَهَا بِالْأَمْسِ يُرِيدُ: أَنَّ صَلَاةَ
[ ٢ / ٥١٨ ]
الْعَصْرِ بِالْأَمْسِ كَانَتْ مُؤَخَّرَةً عَنِ الظُّهْرِ، لَا أَنَّهَا كَانَتْ مُؤَخَّرَةً عَنْ وَقْتِهَا، (وَصَلَّى الْمَغْرِبَ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ): يَعْنِي: صَلَّاهَا فِي آخِرِ الْوَقْتِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ فِي تَضْيِيقِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ (وَصَلَّى الْعِشَاءَ بَعْدَمَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ): وَلَعَلَّهُ لَمْ يُؤَخِّرْهَا إِلَى آخِرِهِ، وَهُوَ وَقْتُ الْجَوَازِ ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ الْكَرَاهَةُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، وَلِحُصُولِ الْحَرَجِ بِسَهَرِ اللَّيْلِ كُلِّهِ، وَكَرَاهَةُ النَّوْمِ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ، (وَصَلَّى الْفَجْرَ فَأَسْفَرَ بِهَا): أَيْ: أَوْقَعَهَا فِي وَقْتِ الْإِسْفَارِ، وَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ مِنْ: أَسْفَرَ الصُّبْحُ إِذَا أَضَاءَ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ أَخَّرَهَا إِلَى أَنْ طَلَعَ الْفَجْرُ الثَّانِي، ذَكَرَهُ مِيرَكُ. وَكَتَبَ تَحْتَهُ: وَفِيهِ يَعْنِي: وَفِيهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ جَوَازُ صَلَاةِ الصُّبْحِ فِي الْفَجْرِ الْأَوَّلِ. (ثُمَّ قَالَ: " أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ؟ " فَقَالَ الرَّجُلُ: أَنَا): أَيِ: السَّائِلُ أَنَا، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، أَوْ أَنَا السَّائِلُ، أَوْ أَنَا هَاهُنَا، إِذِ الْمُرَادُ فِي الْأَوَّلِ أَيْنَ السَّائِلُ، وَمَنْ هُوَ فَيُطَابِقُ الْجَوَابُ السُّؤَالَ وَهُوَ أَظْهَرُ، (يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: " وَقْتُ صَلَاتِكُمْ "): وَلَعَلَّهُ جَمَعَ الضَّمِيرَ إِشْعَارًا بِأَنَّ الْحُكْمَ عَامٌّ (بَيْنَ مَا رَأَيْتُمْ): أَيْ: هَذَا الْوَقْتُ الْمُقْتَصِدُ الَّذِي لَا إِفْرَاطَ فِيهِ تَعْجِيلًا، وَلَا تَفْرِيطَ فِيهِ تَأْخِيرًا، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، أَوْ بَيَّنْتُ مِمَّا فَعَلْتُ أَوَّلَ الْوَقْتِ وَآخِرِهِ، وَالصَّلَاةُ جَائِزَةٌ فِي جَمِيعِ أَوَّلِهِ وَأَوْسَطِهِ وَآخِرِهِ، وَالْمُرَادُ بِآخِرِهِ هُنَا آخِرُ الْوَقْتِ فِي الِاخْتِيَارِ لَا الْجَوَازِ ; إِذْ يَجُوزُ صَلَاةُ الظُّهْرِ بَعْدَ الْإِبْرَادِ التَّامِّ مَا لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُ الْعَصْرِ، وَيَجُوزُ الْعَصْرُ بَعْدَ ذَلِكَ التَّأْخِيرِ الَّذِي هُوَ فَوْقَ مَا لَمْ تَغْرُبِ الشَّمْسُ، وَصَلَاةُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبِ الشَّفَقُ فِي قَوْلٍ، وَيَجُوزُ صَلَاةُ الْعِشَاءِ مَا لَمْ يَطْلُعِ الْفَجْرُ، وَصَلَاةُ الْفَجْرِ بَعْدَ الْإِسْفَارِ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِي الْمَغْرِبِ نَظَرٌ إِذْ صَلَّاهَا فِي آخِرِ وَقْتِ الْجَوَازِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ): وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ فِي عِلَلِهِ عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ.
[ ٢ / ٥١٩ ]
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٨٣ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «أَمَّنِي جِبْرِيلُ عِنْدَ الْبَيْتِ مَرَّتَيْنِ، فَصَلَّى بِيَ الظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ، وَكَانَتْ قَدْرَ الشِّرَاكِ، وَصَلَّى بِيَ الْعَصْرَ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، وَصَلَّى بِيَ الْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ، وَصَلَّى بِيَ الْعَشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، وَصَلَّى بِيَ الْفَجْرَ حِينَ حَرُمَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ عَلَى الصَّائِمِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ ; صَلَّى بِيَ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَهُ، وَصَلَّى بِيَ الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَيْهِ، وَصَلَّى بِيَ الْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ، وَصَلَّى بِيَ الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ وَصَلَّى بِيَ الْفَجْرَ فَأَسَفَرَ " ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، هَذَا وَقْتُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ، وَالْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّانِي
(٢) (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " أَمَّنِي "): بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ (جِبْرِيلُ): بِكَسْرِ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا مَعَ الْيَاءِ، وَجِبْرِئِيلُ بِالْهَمْزَةِ وَزِيَادَةِ الْبَاءِ أَيْ: صَارَ إِمَامًا لِي (عِنْدَ الْبَيْتِ): أَيِ: الْكَعْبَةِ. وَفِي رِوَايَةٍ فِي الْأُمِّ لِلشَّافِعِيِّ: عِنْدَ بَابِ الْكَعْبَةِ، وَفِي أُخْرَى فِي مُشْكِلِ الْآثَارِ لِلطَّحَاوِيِّ عِنْدَ بَابِ الْبَيْتِ (مَرَّتَيْنِ): أَيْ: فِي يَوْمَيْنِ لِيُعَرِّفَنِي كَيْفِيَّةَ الصَّلَاةِ وَأَوْقَاتِهَا. (فَصَلَّى بِيَ): الْبَاءُ لِلْمُصَاحَبَةِ وَالْمَعِيَّةِ أَيْ: صَلَّى مَعِي (الظُّهْرَ): قِيلَ ابْتَدَأَ بِهَا مَعَ أَنَّ فَرْضَ الصَّلَاةِ كَانَ لَيْلًا، وَقِيَاسُهُ أَنَّ أَوَّلَ صَلَاةٍ وَجَبَتِ الصُّبْحُ ; لِأَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الصُّبْحِ فِيهِ خَفَاءٌ، فَلَوْ وَقَعَ فِيهِ الْبَيَانُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِنَ الظُّهُورِ مَا فِي وُقُوعِهِ وَقْتَ الظُّهْرِ، مَعَ الْإِيمَاءِ إِلَى أَنَّ دِينَهُ سَيَظْهَرُ عَلَى الْأَدْيَانِ كُلِّهَا، كَمَا أَنَّ الظُّهْرَ ظَاهِرَةٌ عَلَى جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ، لَكِنَّ أَدَاءَ الْوُجُوبِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى عِلْمِ الْكَيْفِيَّةِ، وَهُوَ لَمْ يَقَعْ إِلَّا فِي الظُّهْرِ فَهِيَ الَّتِي أَوَّلُ صَلَاةٍ وَجَبَتْ (حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ وَكَانَتْ): الضَّمِيرُ لِلشَّمْسِ، وَالْمُرَادُ مِنْهَا الْفَيْءُ ; لِأَنَّهُ بِسَبَبِهَا، فَفِيهِ تَجَوُّزٌ بَيَّنَتْهُ رِوَايَةُ، وَكَانَ الْفَيْءُ قَدْرَ الشِّرَاكِ، وَالْفَيْءُ هُوَ الظِّلُّ، وَلَا يُقَالُ: إِلَّا لِلرَّاجِعِ مِنْهُ، وَذَلِكَ بَعْدَ الزَّوَالِ. قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الظِّلُّ مَا تَنْسَخُهُ الشَّمْسُ، وَالْفَيْءُ مَا يَنْسَخُ الشَّمْسَ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ نَقْلًا عَنِ ابْنِ قُتَيْبَةَ، وَقَالَ: إِنَّهُ كَلَامٌ نَفِيسٌ، الظِّلُّ غَيْرُ الْفَيْءِ إِذِ الظِّلُّ يَشْمَلُ مَا فِي الْغُدْوَةِ وَالْعَشِيِّ، وَأَصْلُهُ السَّتْرُ، وَمِنْهُ: فُلَانٌ فِي ظِلِّكَ وَالْفَيْءُ يَخْتَصُّ بِمَا بَعْدَ الزَّوَالِ ; لِأَنَّهُ مِنْ فَاءَ مِنْ جَانِبٍ إِلَى جَانِبٍ أَيْ: رَجَعَ، وَالْفَيْءُ: الرُّجُوعُ، وَعُلِمَ مِنْ أَنَّ الظِّلَّ السَّتْرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَدَمِيٍّ، بَلْ هُوَ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ لَهُ نَفْعٌ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْأَبْدَانِ وَغَيْرِهَا، فَمَا أَلِفَهُ النَّاسُ مِنْ أَنَّهُ شَيْءٌ تَنْسَخُهُ الشَّمْسُ، وَرُبَّمَا وَقَعَ فِي أَذْهَانِهِمْ أَنَّهُ عَدَمٌ غَيْرُ صَحِيحٍ، أَلَا تَرَى أَنَّ فِي الْجَنَّةِ ظِلًّا كَمَا فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، مَعَ أَنَّهُ لَا شَمْسَ فِيهَا أَيْ كَانَ فَيْؤُهَا (قَدْرَ الشِّرَاكِ): وَفِي الْمَصَابِيحِ وَكَانَ الْفَيْءُ أَيِ: الظِّلُّ الرَّاجِعُ مِنَ النُّقْصَانِ إِلَى
[ ٢ / ٥١٩ ]
الزِّيَادَةِ، وَهُوَ بَعْدَ الزَّوَالِ مِثْلُ الشِّرَاكِ أَيْ: مِثْلُ شِرَاكِ النَّعْلِ، وَهُوَ أَحَدُ سُيُورِ النَّعْلِ الَّذِي عَلَى وَجْهِهَا، وَهَذَا عَلَى وَجْهِ التَّقْرِيرِ ; لِأَنَّ زَوَالَ الشَّمْسِ لَا يُتَبَيَّنُ إِلَّا بِأَقَلِّ مِمَّا يُرَى مِنَ الظِّلِّ فِي جَانِبِ الْمَشْرِقِ، وَكَانَ حِينَئِذٍ بِمَكَّةَ هَذَا الْقَدْرُ، وَالظِّلُّ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ، فَكُلُّ بَلَدٍ هُوَ أَقْرَبُ إِلَى خَطِّ الِاسْتِوَاءِ وَمُعَدَّلِ النَّهَارِ كَانَ الظِّلُّ فِيهِ أَقْصَرَ، وَكُلُّ بَلَدٍ كَانَ أَبْعَدَ عَنْهُمَا إِلَى جَانِبِ الشَّمَالِ كَانَ فِيهِ أَطْوَلَ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: إِنَّمَا يَتَبَيَّنُ ذَلِكَ فِي مِثْلِ مَكَّةَ مِنَ الْبِلَادِ الَّتِي يَقِلُّ فِيهَا الظِّلُّ، فَإِذَا كَانَ أَطْوَلُ النَّهَارِ وَاسْتَوَتِ الشَّمْسُ فَوْقَ الْكَعْبَةِ لَمْ يُرَ لِشَيْءٍ مِنْ جَوَانِبِهَا الظِّلُّ. اهـ.
وَالْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّ وَقْتَ الظُّهْرِ حِينَ يَأْخُذُ الظِّلُّ فِي الزِّيَادَةِ بَعْدَ الزَّوَالِ (وَصَلَّى بِيَ الْعَصْرَ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ): أَيْ: بَعْدَ ظِلِّ الزَّوَالِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: مَعْنَاهُ زَادَ ظَلُّ كُلِّ شَيْءٍ عَنْ مَثَلِهِ أَدْنَى زِيَادَةً وَفِيهِ بَحْثٌ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالظِّلِّ الْحَادِثُ (وَصَلَّى الْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ): أَيْ: دَخَلَ وَقْتُ إِفْطَارِهِ بِأَنْ غَابَتِ الشَّمْسُ وَدَخَلَ اللَّيْلُ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وَفِي رِوَايَةٍ: " حِينَ وَجَبَتِ الشَّمْسُ وَأَفْطَرَ الصَّائِمُ " وَهُوَ عَطْفُ تَفْسِيرٍ، إِذْ بِوُجُوبِهَا يَعْنِي سُقُوطَهَا وَغَيْبُوبَتَهَا يَدْخُلُ وَقْتُ إِفْطَارِ الصَّائِمِ مَعَ الْإِيمَاءِ بِأَنَّ (إِفْطَارَ الصَّائِمِ يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ (وَصَلَّى بِيَ الْعَشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ): أَيِ: الْأَحْمَرُ عَلَى الْأَشْهَرِ (وَصَلَّى بِيَ الْفَجْرَ حِينَ حَرُمَ الطَّعَامُّ وَالشَّرَابُ عَلَى الصَّائِمِ): يَعْنِي: أَوَّلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] (فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ): أَيْ: فِي الْيَوْمِ الثَّانِي (صَلَّى بِيَ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ): أَيْ: ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ (مِثْلَهُ): أَيْ: قَرِيبًا مِنْهُ أَيْ: مِنْ غَيْرِ الْفَيْءِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: لَيْسَ الْمُرَادُ بَعْدَ ظِلِّ الزَّوَالِ، فَلَا يَلْزَمُ كَوْنُ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَوَافَقَ هَذَا قَوْلَ الْمُظْهِرِ عَلَى سَبِيلِ تَوَارُدِ الْخَاطِرِ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ أَوْلَى مِمَّا ذَكَرَهُ الْقَاضِي مِنْ تَأْوِيلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ مِنَ الْبَابِ. اهـ.
وَفِي رِوَايَةٍ: حِينَ كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، كَوَقْتِ الْعَصْرِ بِالْأَمْسِ. أَيْ: فَرَغَ مِنَ الظُّهْرِ حِينَئِذٍ كَمَا شَرَعَ فِي الْعَصْرِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، حِينَئِذٍ قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَبِهِ يَنْدَفِعُ اشْتِرَاكُهُمَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ عَلَى مَا زَعَمَهُ جَمَاعَةٌ، وَيَدُلُّ لَهُ خَبَرُ مُسْلِمٍ السَّابِقُ: وَقْتُ الظُّهْرِ مَا لَمْ يَحْضُرِ الْعَصْرُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ فُرِضَ عَدَمُ إِمْكَانِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَجَبَ تَقْدِيمُ خَبَرِ مُسْلِمٍ ; لِأَنَّهُ أَصَحُّ مَعَ كَوْنِهِ مُتَأَخِّرًا (وَصَلَّى بِيَ الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ): أَيْ ظِلُّ الشَّيْءِ (مِثْلَيْهِ): أَيْ: غَيْرُ ظِلِّ الِاسْتِوَاءِ (وَصَلَّى بِيَ الْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ، وَصَلَّى بِيَ الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ): أَيْ: مَائِلًا أَوْ مُنْتَهِيًا إِلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ إِلَى بِمَعْنَى " مَعَ " وَيُؤَيِّدُهُ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ الْأَخِيرَةَ حِينَ ذَهَبَ ثُلْثُ اللَّيْلِ اهـ. أَوْ إِلَى بِمَعْنَى " فِي " نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [النساء: ٨٧] (وَصَلَّى بِيَ الْفَجْرَ فَأَسْفَرَ): أَيْ: أَضَاءَ بِهِ، أَوْ دَخَلَ فِي وَقْتِ الْإِسْفَارِ (ثُمَّ الْتَفَتَ): أَيْ: نَظَرَ جِبْرِيلُ ﵊ (إِلَيَّ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، هَذَا) أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنَ الْأَوْقَاتِ الْخَمْسَةِ، أَوِ الْإِشَارَةُ إِلَى الْإِسْفَارِ فَقَطْ (وَقْتُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ): إِذِ الْمُحَافَظَةُ عَلَيْهِ شَاقَّةٌ عَلَى النَّفْسِ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا إِلَّا الْمُرَاعُونَ لِلظِّلَالِ، الْمُنْتَظِرُونَ لِلصَّلَوَاتِ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هَذَا وَقْتُ الْأَنْبِيَاءِ بِاعْتِبَارِ التَّوْزِيعِ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ الْعِشَاءِ، إِذْ مَجْمُوعُ هَذِهِ الْخَمْسِ مِنْ خُصُوصِيَّاتِنَا، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ فَكَانَ مَا عَدَا الْعِشَاءُ مُفَرَّقًا فِيهِمْ.
[ ٢ / ٥٢٠ ]
أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: «أَخَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْعَتَمَةِ لَيْلَةً، حَتَّى ظَنَّ الظَّانُّ أَنَّهُ قَدْ صَلَّى، ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ: " اعْتِمُوا بِهَذِهِ الصَّلَاةِ فَإِنَّكُمْ فُضِّلْتُمْ بِهَا عَلَى سَائِرِ الْأُمَمِ وَلَمْ تُصَلِّهَا أُمَّةٌ قَبْلَكُمْ» ".
وَأَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ آدَمَ لَمَّا تِيبَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْفَجْرِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَصَارَتِ الصُّبْحَ، وَفُدِيَ إِسْحَاقُ عِنْدَ الظُّهْرِ، فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فَصَارَتِ الظُّهْرَ، وَبُعِثَ عُزَيْرٌ فَقِيلَ لَهُ: كَمْ لَبِثْتَ؟ قَالَ: يَوْمًا فَرَأَى الشَّمْسَ فَقَالَ: أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ، فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فَصَارَتِ الْعَصْرَ، وَغُفِرَ لِدَاوُدَ عِنْدَ الْمَغْرِبِ فَقَامَ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فَجُهِدَ فِي الثَّالِثَةِ أَيْ: تَعِبَ فِيهَا عَنِ الْإِتْيَانِ بِالرَّابِعَةِ لِشِدَّةٍ مَا حَصَلَ لَهُ مِنَ الْبُكَاءِ عَلَى مَا اقْتَرَفَهُ، مِمَّا هُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى بِهِ، فَصَارَتِ الْمَغْرِبُ ثَلَاثًا، وَأَوَّلُ مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ الْآخَرَ نَبِيُّنَا ﷺ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَبِهَذَا وَمَا قَرَّرْتُهُ فِي (هَذَا وَقْتُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ)، يَنْدَفِعُ قَوْلُ الْبَيْضَاوِيِّ تَوْفِيقًا بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ خَبَرِ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ الْمَذْكُورِ فِي الْعِشَاءِ: أَنَّ الْعِشَاءَ كَانَتِ الرُّسُلُ تُصَلِّيهَا نَافِلَةً لَهُمْ، وَلَمْ تُكْتَبْ عَلَى أُمَمِهِمْ كَالتَّهَجُّدِ، فَإِنَّهُ وَجَبَ عَلَى نَبِيِّنَا وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْنَا، أَوْ يُجْعَلْ هَذَا إِشَارَةً إِلَى وَقْتِ الْإِسْفَارِ، فَإِنَّهُ قَدِ اشْتَرَكَ فِيهِ جَمِيعُ الْأَنْبِيَاءِ الْمَاضِيَةِ وَالْأُمَمِ الدَّارِجَةِ اهـ.
وَالْحَقُّ أَنَّ الْحَقَّ مَعَ الْقَاضِي، فَإِنَّ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ لَا دَلَالَةَ عَلَى نَفْيِهِ لِلْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ نَفْيُهُ عَنِ الْأُمَمِ، وَالْحَدِيثُ الثَّانِي دَالٌّ عَلَى أَنَّ نَبِيَّنَا ﷺ أَوَّلُ مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ مَعَ أُمَّتِهِ، فَلَا يُنَافِيهِ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ صَلَّوْهَا، وَغَايَتُهُ أَنَّهُ مَا ذُكِرَ فِيهِ أَوَّلُ مَنْ شَرَّعَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ شَرَّعَ صَلَاةً تَبِعَهُ غَيْرُهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى التَّوْزِيعِ الَّذِي تَوَهَّمَهُ مَعَ أَنَّ رِوَايَةَ الطَّحَاوِيِّ لَا تُقَاوِمُ رِوَايَةَ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ الْمُصَرِّحِ فِي الْمَقْصُودِ (وَالْوَقْتُ): أَيِ: السَّمْحُ الَّذِي لَا حَرَجَ فِيهِ (مَا بَيْنَ): وَفِي رِوَايَةٍ: فِيمَا بَيْنَ (هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ): فَيَجُوزُ الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِهِ وَوَسَطِهِ وَآخِرِهِ، وَقَالَ مِيرَكُ: مَعْنَى زَوَالِ الشَّمْسِ هُوَ أَنْ يَكُونَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ إِلَى الْمَغْرِبِ أَيْ: جِهَتِهِ كَثِيرًا، ثُمَّ يَأْخُذُ فِي النُّقْصَانِ قَلِيلًا قَلِيلًا إِلَى أَنْ وَقَفَ لَمْحَةً، فَإِذَا زَالَ الظِّلُّ بَعْدَهُ إِلَى الْمَشْرِقِ فَهُوَ أَوَّلُ وَقْتِ الظُّهْرِ، فَإِذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ بَعْدَ ظِلِّ الزَّوَالِ يَدْخُلُ وَقْتُ الْعَصْرِ، فَقَوْلُهُ: أَوَّلًا صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ يُرَادُ مِنْهُ بَعْدَ ظِلِّ الزَّوَالِ، وَقَوْلُهُ ثَانِيًا صَلَّى بِيَ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ بَعْدَ ظِلِّ الزَّوَالِ، فَلَا يَكُونَانِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَالتَّعْرِيفُ فِي قَوْلِهِ: الْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ لِلْعَهْدِ أَيْ: أَوَّلُ وَقْتٍ صَلَّيْتَ وَآخَرُ وَقْتٍ، وَمَا بَيْنَهُمَا هُوَ الْوَقْتُ كَمَا مَرَّ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ اهـ.
وَقَوْلُهُ: وَقَفَ لَمْحَةً لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِمَا سَيَأْتِي أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا وَقْفَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ): وَقَالَ: حَسَنٌ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ، وَصَحَّحَهُ غَيْرُهُ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا وَزَادَ: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ خَلْفَ جِبْرِيلَ وَالنَّاسُ أَيِ: الْمُسْلِمُونَ حِينَئِذٍ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ»، يَعْنِي: أَنَّهُ ﷺ كَانَ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِمْ لِيُبَلِّغَهُمْ أَفْعَالَ جِبْرِيلَ، فَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ مُقْتَدُونَ بِجِبْرِيلَ لَا بِالنَّبِيِّ ﷺ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ: فَصَلَّى بِهِ جِبْرِيلُ، وَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ بِأَصْحَابِهِ، وَظَاهِرُهُ صِحَّةُ الِاقْتِدَاءِ بِالْمُقْتَدِي ; لِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يُشَاهِدُوا جِبْرِيلَ وَإِلَّا لَنُقِلَ ذَلِكَ، وَالْأَظْهَرُ دَفْعُهُ بِأَنَّ إِمَامَةَ جِبْرِيلَ لَمْ تَكُنْ عَلَى حَقِيقَتِهِ، بَلْ عَلَى النِّسْبَةِ الْمَجَازِيَّةِ مِنْ دَلَالَتِهِ بِالْإِيمَاءِ وَالْإِشَارَةِ إِلَى كَيْفِيَّةِ أَدَاءِ الْأَرْكَانِ وَكِمِّيَّتِهَا كَمَا يَقَعُ لِبَعْضِ الْمُعَلِّمِينَ، حَيْثُ لَمْ يَكُونُوا فِي الصَّلَاةِ وَيُعَلِّمُونَ غَيْرَهُمْ بِالْإِشَارَةِ الْقَوْلِيَّةِ.
[ ٢ / ٥٢١ ]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٨٤ - عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَّرَ الْعَصْرَ شَيْئًا، فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ: «أَمَا إِنَّ جِبْرِيلَ قَدْ نَزَلَ فَصَلَّى أَمَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: اعْلَمْ مَا تَقُولُ يَا عُرْوَةُ. فَقَالَ: سَمِعْتُ بَشِيرَ بْنَ أَبِي مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُودٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: نَزَلَ جِبْرِيلُ فَأَمَّنِي، فَصَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ " يَحْسُبُ بِأَصَابِعِهِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّالِثُ
(٢) (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ): أَيِ: الزُّهْرِيُّ (أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ): خَامِسَ الْخُلَفَاءِ، وَلَمْ يَحْسُبِ الْحَسَنَ ﵁ مَعَ أَنَّهُ مِنْهُمْ بِلَا شَكٍّ ; لِأَنَّ مُدَّتَهُ لَمْ تَطُلْ وَمِلْكَهُ لَمْ يَتِمَّ (أَخَّرَ الْعَصْرَ شَيْئًا): أَيْ: تَأْخِيرًا يَسِيرًا، أَوْ شَيْئًا قَلِيلًا مِنَ الزَّمَانِ، وَلَعَلَّهُ أَخَّرَهُ عَنْ وَقْتِهِ الْمُخْتَارِ لِيَكُونَ مَحَلُّ الْإِنْكَارِ بِرِفْقٍ عَلَى طَرِيقِ الْإِخْبَارِ (فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ): أَيِ: ابْنُ الزُّبَيْرِ (أَمَا): بِالتَّخْفِيفِ. قَالَ الْمَالِكِيُّ: أَمَا حَرْفُ اسْتِفْتَاحٍ. بِمَنْزِلَةِ " أَلَا " وَيَكُونُ أَيْضًا بِمَعْنَى " حَقًّا " وَلَا يُشَارِكُهَا أَلَا فِي ذَلِكَ (إِنَّ جِبْرِيلَ قَدْ نَزَلَ فَصَلَّى أَمَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ): بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَقِيلَ: بِفَتْحِهَا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ ضُبِطَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَفِي جَامِعِ الْأُصُولِ مُقَيَّدٌ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ، فَبِالْفَتْحِ ظَرْفٌ، وَبِالْكَسْرِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أَيْ: أَعْنِي إِمَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَوْ خَبَرُ كَانَ الْمَحْذُوفُ يَعْنِي كَمَا سَبَقَ فِي قَوْلِهِ: " أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ " بِرَفْعِ أَوَّلُ وَنَصْبِ الْقَلَمَ، كَمَا قَالَهُ الْأَبْهَرِيُّ. قَالَ الْمَالِكِيُّ: هُوَ مِنَ الْمَعَارِفِ الْوَاقِعَةِ حَالًا كَأَرْسَلَهَا الْعِرَاكُ. قَالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ: سَيُوَضِّحُ مَعْنَى الْكَسْرِ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: " فَأَمَّنِي " (فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: اعْلَمْ: بِصِيغَةِ الْأَمْرِ مِنَ الْعِلْمِ، وَقِيلَ: مِنَ الْإِعْلَامِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَعْلَمُ بِصِيغَةِ التَّكَلُّمِ، إِلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الصَّحِيحُ (مَا تَقُولُ يَا عُرْوَةَ): قِيلَ: هَذَا الْقَوْلُ تَنْبِيهٌ مِنْهُ عَلَى إِنْكَارِهِ إِيَّاهُ، ثُمَّ تَصَدُّرُهُ بَمَا الَّتِي هِيَ مِنْ طَلَائِعِ الْقَسَمِ، أَيْ: تَأَمَّلْ مَا تَقُولُ، وَعَلَامَ تَحْلِفُ، وَتُنْكِرُ. كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَكَأَنَّهَا اسْتِبْعَادٌ لِقَوْلِ عُرْوَةَ: (صَلَّى أَمَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ)، مَعَ أَنَّ الْأَحَقَّ بِالْإِمَامَةِ هُوَ النَّبِيُّ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ اسْتِبْعَادٌ لِإِخْبَارِ عُرْوَةَ بِنُزُولِ جِبْرِيلَ بِدُونِ الْإِسْنَادِ، فَكَأَنَّهُ غَلَّظَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ مَعَ عَظِيمِ جَلَالَتِهِ إِشَارَةً إِلَى مَزِيدِ الِاحْتِيَاطِ فِي الرِّوَايَةِ، لِئَلَّا يَقَعَ فِي مَحْذُورِ الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَمَّدْهُ، وَلِذَلِكَ جَاءَ عَنْ أَبِيهِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قِلَّةِ رِوَايَتِهِ لِلْحَدِيثِ مَعَ كَوْنِهِ مُلَازِمًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَفَرًا وَحَضَرًا فِي مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ ; فَأَجَابَ: بِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكِ التَّحْدِيثَ مَعَ امْتِلَائِهِ حِفْظًا إِلَّا خَشْيَةَ أَنْ يَدْخُلَ فِي وَعِيدِ الْكَذِبِ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ بَعْضَ الرِّوَايَاتِ لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا قَيْدُ التَّعَمُّدِ، فَكَأَنَّهَا الَّتِي بَلَغَتْهُ أَوْ رَاعَاهَا احْتِيَاطًا، فَكَذَلِكَ عُمَرُ احْتَاطَ بِقَوْلِهِ لِعُرْوَةَ ذَلِكَ ; لِأَنَّ عُمَرَ كَانَ سَيِّدَ أَهْلِ زَمَانِهِ، وَأَفْضَلَهُمْ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثٍ عَنْهُ ﵊ (فَقَالَ): أَيْ: عُرْوَةُ (سَمِعْتُ بَشِيرَ بْنَ أَبِي مَسْعُودٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «نَزَلَ جِبْرِيلُ فَأَمَّنِي، فَصَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ»): قَالَ الطِّيبِيُّ: مَعْنَى إِيرَادُ عُرْوَةَ الْحَدِيثَ: إِنِّي كَيْفَ لَا أَدْرِي مَا أَقُولُ، وَأَنَا صَحِبْتُهُ، وَسَمِعْتُ مِمَّنْ صَحِبَ، وَسَمِعَ مِمَّنْ صَاحَبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَسَمِعَ مِنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ فَعَرِفْتُ كَيْفِيَّةَ الصَّلَاةِ وَأَوْقَاتَهَا وَأَرْكَانَهَا، يُقَالُ: لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ بَيَانُ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ. يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَ الْمُخَاطَبِ، فَأَبْهَمَهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَبَيَّنَهُ فِي رِوَايَةِ جَابِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ. اهـ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ عُمَرَ لَمْ يُنْكِرْ بَيَانَ الْأَوْقَاتِ، وَإِنَّمَا اسْتَعْظَمَ إِمَامَةَ جِبْرِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ اهـ. وَهُوَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ مَعْرِفَةَ الْأَوْقَاتِ تَتَعَيَّنُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، فَكَيْفَ تَخْفَى عَلَى مِثْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ. (يَحْسُبُ): بِضَمِّ السِّينِ مَعَ الْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ، وَقِيلَ: بِالنُّونِ (بِأَصَابِعِهِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ): قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ بِالنُّونِ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ يَقُولُ، أَيْ: يَقُولُ هُوَ مِنْ ذَلِكَ الْقَوْلِ، وَنَحْنُ نَحْسُبُ بِعَقْدِ أَصَابِعِهِ، وَهَذَا مِمَّا يَشْهَدُ بِإِتْقَانِهِ وَضَبْطِهِ أَحْوَالُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: قَالَ مِيرَكُ: لَكِنْ صَحَّ فِي أَصْلِ سَمَاعِنَا مِنَ الْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ، وَالْمِشْكَاةِ: يَحْسُبُ بِالتَّحْتَانِيَّةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ فَاعِلَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَيْ: يَقُولُ ذَلِكَ حَالَ كَوْنِهِ يَحْسُبُ تِلْكَ الْمَرَّاتِ بِعَقْدِ أَصَابِعِهِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهَذَا أَظْهَرُ لَوْ سَاعَدَتْهُ الرِّوَايَةُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[ ٢ / ٥٢٢ ]
٥٨٥ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، ﵁، أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ: إِنَّ أَهَمَّ أُمُورِكُمْ عِنْدِي الصَّلَاةُ ; مَنْ حَفِظَهَا وَحَافَظَ عَلَيْهَا حَفِظَ دِينَهُ، وَمَنْ ضَيَّعَهَا فَهُوَ لِمَا سِوَاهَا أَضْيَعُ. ثُمَّ كَتَبَ: أَنْ صَلُّوا الظُّهْرَ إِنْ كَانَ الْفَيْءُ ذِرَاعًا، إِلَى أَنْ يَكُونَ ظِلُّ أَحَدِكُمْ مِثْلَهُ، وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ قَدْرَ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ فَرْسَخَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ، وَالْمَغْرِبَ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ، وَالْعِشَاءَ إِذَا غَابَ الشَّفَقُ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، فَمَنْ نَامَ فَلَا نَامَتْ عَيْنُهُ، فَمَنْ نَامَ فَلَا نَامَتْ عَيْنُهُ، فَمَنْ نَامَ فَلَا نَامَتْ عَيْنُهُ، وَالصُّبْحَ وَالنُّجُومُ بَادِيَةٌ مُشْتَبِكَةٌ. رَوَاهُ مَالِكٌ
_________________
(١) (وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ): ﵁ (أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ): جَمْعِ عَامِلٍ أَيْ: أُمَرَائِهِ (إِنَّ): بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا (أَهَمَّ أُمُورِكُمْ عِنْدِي): أَيْ: فِي اعْتِقَادِي الْمُطَابِقِ بِالصَّوَابِ (الصَّلَاةُ): بِدَلِيلِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَيِ: الْأَمْرُ بِهَا وَالسَّعْيُ فِي إِظْهَارِهَا، وَدُعَاءُ النَّاسِ إِلَيْهَا (مَنْ حَفِظَهَا): بِأَنْ أَدَّى شَرَائِطَهَا وَأَرْكَانَهَا (وَحَافَظَ عَلَيْهَا): أَيْ: دَاوَمَ عَلَيْهَا، وَلَمْ يُبْطِلْهَا بِالسُّمْعَةِ وَالرِّيَاءِ وَالْغُرُورِ وَالْعَجَبِ (حَفِظَ دِينَهُ): أَيْ: بَقِيَّةَ أُمُورِ دِينِهِ ; لِأَنَّهَا عِمَادُ الدِّينِ؛ وَلِأَنَّهَا تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ؛ وَلِأَنَّهَا فَرْقٌ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ، وَالْمُطِيعِ وَالْعَاصِي، وَلِأَنَّهَا نَجْوَى بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ، وَهِيَ مِعْرَاجُ الْمُؤْمِنِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُحَافَظَةُ عَلَى الصَّلَاةِ أَنْ لَا يَسْهُوَ عَنْهَا، وَيُؤَدِّيهَا فِي أَوْقَاتِهَا، وَيُتِمُّ أَرْكَانَهَا وَرُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا، وَيُؤَكِّدُ نَفْسَهُ بِالِاهْتِمَامِ بِهَا وَالتَّكْرِيرِ. بِمَعْنَى الِاسْتِقَامَةِ وَالدَّوَامِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] (وَمَنْ ضَيَّعَهَا): أَيِ: الصَّلَاةَ بِتَرْكِهَا رَأْسًا أَوْ بِتَرْكِ بَعْضِ مَا يَجِبُ فِيهَا (فَهُوَ لِمَا سِوَاهَا: أَيْ سِوَى الصَّلَاةِ مِنَ الْوَاجِبَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ (أَضْيَعُ): أَيْ: أَكْثَرُ تَضْيِيعًا ; لِأَنَّهَا أُمُّ الْعِبَادَاتِ وَرَأْسُ الطَّاعَاتِ وَمَاحِيَةُ السَّيِّئَاتِ (ثُمَّ كَتَبَ): أَيْ عُمَرُ (أَنْ): أَيْ: بِأَنْ (صَلُّوا الظُّهْرَ إِنْ كَانَ الْفَيْءُ ذِرَاعًا): أَنْ مَصْدَرِيَّةٌ، وَالْوَقْتُ مُقَدَّرٌ أَيْ: وَقْتُ كَوْنِ الْفَيْءِ قَدْرَ ذِرَاعٍ، وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِمَحَلٍّ يَكُونُ كَذَلِكَ، فَإِنَّ مِقْدَارَ الْفَيْءِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَمْكِنَةِ وَالْأَزْمِنَةِ (إِلَى أَنْ يَكُونَ): أَيْ: يَسْتَمِرُّ وَقْتُهَا إِلَى أَنْ يَصِيرَ (ظِلُّ أَحَدِكُمْ مِثْلَهُ): أَيْ: سِوَى فَيْءِ الزَّوَالِ (وَالْعَصْرَ): بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلَى الظُّهْرِ (وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ): الْجُمْلَةُ حَالٌ (قَدْرُ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ): ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: مُرْتَفِعَةٌ أَيْ: ارْتِفَاعُهَا مِقْدَارُ أَنْ يَسِيرَ الرَّاكِبُ (فَرْسَخَيْنِ): إِلَى الْمَغْرِبِ (أَوْ ثَلَاثَةً): أَيْ: ثَلَاثَةَ فَرَاسِخَ. وَالْفَرْسَخُ: اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ خُطْوَةً، وَثُلُثُهُ مِيلٌ (قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ، وَالْمَغْرِبَ): بِالنَّصْبِ (إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ، وَالْعِشَاءَ): بِالنَّصْبِ (إِذَا غَابَ الشَّفَقُ): أَيِ: الْأَحْمَرُ وَيَسْتَمِرُّ (إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، فَمَنْ نَامَ): أَيْ: قَبْلَ الْعِشَاءِ كَذَا فِي مُسْنَدِ الْبَزَّارِ، ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَمَنْ نَامَ عَنِ الصَّلَاةِ مُطْلَقًا سِيَّمَا الْعِشَاءَ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا بِأَنْ سَهَا عَنْهَا حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا (فَلَا نَامَتْ عَيْنُهُ): دَعَا بِنَفْيِ الِاسْتِرَاحَةِ عَلَى مَنْ يَسْهُو عَنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ، وَيَنَامُ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَهَا، قَالَهُ الطِّيبِيُّ (فَمَنْ نَامَ): يَعْنِى: تَكَاسُلًا أَوْ تَهَاوُنًا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ (فَلَا نَامَتْ عَيْنُهُ، فَمَنْ نَامَ فَلَا نَامَتْ عَيْنُهُ): التَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ أَوْ لِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّائِمِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي هَذَا تَحْرِيمُ النَّوْمِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عِنْدَنَا عَلَى التَّفْصِيلِ هُوَ أَنَّهُ تَارَةً يَنَامُ قَبْلَ الْوَقْتِ، وَتَارَةً بَعْدَ دُخُولِهِ، فَفِي الثَّانِي إِنْ عَلِمَ أَوْ ظَنَّ أَنَّ نَوْمَهُ يَسْتَغْرِقُ الْوَقْتَ لَمْ يَجُزْ لَهُ النَّوْمُ إِلَّا إِنْ وَثِقَ مِنْ غَيْرِهِ أَنَّهُ يُوقِظُهُ بِحَيْثُ يُدْرِكُ الصَّلَاةَ كَامِلَةً فِي الْوَقْتِ، وَكَذَا فِي الْأَوَّلِ عِنْدَ جَمَاعَاتٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَقَالَ آخَرُونَ: لَا حُرْمَةَ فِيهِ مُطْلَقًا ; لِأَنَّهُ قَبْلَ الْوَقْتِ لَمْ يُكَلَّفْ بِهَا بَعْدُ اهـ. وَهُوَ مَذْهَبُنَا، وَالتَّفْصِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الثَّانِي وَهُوَ الْمُقْتَضِي لِقَوَاعِدِنَا. (وَالصُّبْحَ): بِالنُّصْبِ (وَالنُّجُومُ): بِالرَّفْعِ (بَادِيَةٌ): بِالْيَاءِ أَيْ: ظَاهِرَةٌ (مُشْتَبِكَةٌ): أَيْ: مُخْتَلِطَةٌ (رَوَاهُ مَالِكٌ) .
[ ٢ / ٥٢٣ ]
٥٨٦ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: «كَانَ قَدْرُ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ فِي الصَّيْفِ ثَلَاثَةَ أَقْدَامٍ إِلَى خَمْسَةِ أَقْدَامٍ، وَفِي الشِّتَاءِ خَمْسَةَ أَقْدَامٍ إِلَى سَبْعَةِ أَقْدَامٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ قَدْرُ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ): بِالْجَرِّ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ مِنَ الصَّلَاةِ، أَوْ بِالنَّصْبِ بِتَقْدِيرِ: أَعْنِي (فِي الصَّيْفِ ثَلَاثَةَ أَقْدَامٍ): أَيْ: مِنَ الْفَيْءِ (إِلَى خَمْسَةِ أَقْدَامٍ، وَفِي الشِّتَاءِ خَمْسَةَ أَقْدَامٍ إِلَى سَبْعَةِ أَقْدَامٍ): قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا أَمْرٌ مُخْتَلِفٌ فِي الْأَقَالِيمِ وَالْبُلْدَانِ ; لِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي طُولِ الظِّلِّ وَقِصَرِهِ هُوَ زِيَادَةُ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ فِي السَّمَاءِ وَانْحِطَاطِهَا، فَكُلَّمَا كَانَتْ أَعْلَى وَإِلَى مُحَاذَاةِ الرُّءُوسِ أَقْرَبَ كَانَ الظِّلُّ أَقْصَرَ، وَبِالْعَكْسِ. وَلِذَلِكَ ظِلَالُ الشِّتَاءِ أَبَدًا أَطْوَلُ مِنْ ظِلَالِ الصَّيْفِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَكَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَهُمَا مِنَ الْإِقْلِيمِ الثَّانِي، فَيَذْكُرُونَ أَنَّ الظِّلَّ فِي أَوَّلِ الصَّيْفِ فِي شَهْرِ آذَارَ ثَلَاثَةُ أَقْدَامٍ وَشَيْءٌ، وَيُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ صَلَاتُهُ إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ مُتَأَخِّرَةً عَنِ الْوَقْتِ الْمَعْهُودِ، فَيَكُونُ عِنْدَ ذَلِكَ خَمْسَةَ أَقْدَامٍ، وَأَمَّا الظِّلُّ فِي الشِّتَاءِ فَيَقُولُونَ: إِنَّهُ فِي تِشْرِينَ الْأَوَّلِ خَمْسَةُ أَقْدَامٍ أَوْ خَمْسَةٌ وَشَيْءٌ، وَفِي الْكَانُونِ سَبْعَةُ أَقْدَامٍ أَوْ سَبْعَةٌ وَشَيْءٌ، فَقَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ مُنَزَّلٌ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فِي ذَلِكَ الْإِقْلِيمِ دُونَ سَائِرِ الْأَقَالِيمِ، وَالْبُلْدَانِ الْخَارِجَةِ عَنِ الْإِقْلِيمِ الثَّانِي. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) وَسَنَدُهُ حَسَنٌ. وَقَالَ السُّبْكِيُّ: اضْطَرَبُوا فِي مَعْنَى حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ: وَكَانَ يُؤَخِّرُ فِي الصَّيْفِ إِلَى أَنْ يَبْقَى قَدْرُ الظِّلِّ ثَلَاثَةَ أَقْدَامٍ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ، وَلِلنَّسَائِيِّ: فِي الصَّيْفِ ثَلَاثَةَ أَقْدَامٍ، وَفِي الشِّتَاءِ خَمْسَةَ أَقْدَامٍ، وَالَّذِي عِنْدِي فِي مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّيهَا فِي الصَّيْفِ بَعْدَ نِصْفِ الْوَقْتِ، وَفِي الشِّتَاءِ أَوَّلَهُ، وَمِنْهُ يُؤْخَذُ حَدُّ الْإِبْرَادِ اهـ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا حَدَّ لِلْإِبْرَادِ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْبِلَادِ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنْ لَا يَتَعَدَّى فِي الْإِبْرَادِ عَنْ نِصْفِ الْوَقْتِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[ ٢ / ٥٢٤ ]