[ ٣ / ٨٥٥ ]
(٢٥) بَابُ الْمَوْقِفِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
١١٠٦ - «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: بِتُّ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِيَدِي مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ فَعَدَلَنِي كَذَلِكَ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ إِلَى الشِّقِّ الْأَيْمَنِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________________
(١) بَابُ الْمَوْقِفِ أَيْ مَوْقِفِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
(٢) (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بِتُّ) أَيْ: رَقَدْتُ أَوْ كُنْتُ لَيْلًا (فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ): مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، (فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي) أَيْ: مِنَ اللَّيْلِ، وَظَاهِرُهُ التَّهَجُّدُ (فَقُمْتُ) أَيْ:، وَقَفْتُ (عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِيَدِي مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ) أَيْ: وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى مَا مَشَى عَلَيْهِ الشُّرَّاحُ، وَدَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ قَوْلِهِ قَامَ يُصَلِّي (فَعَدَلَنِي): بِالتَّخْفِيفِ، وَقِيلَ بِالتَّشْدِيدِ، أَيْ: أَمَالَنِي، وَصَرَفَنِي (كَذَلِكَ) أَيْ: آخِذًا بِيَدِي (مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ): بَيَانٌ لِذَلِكَ: (إِلَى الشِّقِّ الْأَيْمَنِ): مُتَعَلِّقٌ بِعَدَلَنِي، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْكَافُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: عَدَلَنِي عَدْلًا مِثْلَ ذَلِكَ، وَالْمُشَارُ إِلَيْهِ هِيَ الْحَالَةُ الْمُشَبَّهَةُ بِهَا الَّتِي صَوَّرَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ بِيَدِهِ عِنْدَ التَّحَدُّثِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي رِوَايَةٍ: فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ فَأَخَذَ بِرَأْسِي فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ. قَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِي الْحَدِيثِ فَوَائِدُ مِنْهَا: جَوَازُ الصَّلَاةِ نَافِلَةً بِالْجَمَاعَةِ، وَمِنْهَا: أَنَّ الْمَأْمُومَ الْوَاحِدَ يَقِفُ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ. وَمِنْهَا: جَوَازُ الْعَمَلِ الْيَسِيرِ فِي الصَّلَاةِ، وَمِنْهَا: عَدَمُ جَوَازِ تَقَدُّمِ الْمَأْمُومِ عَلَى الْإِمَامِ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَدَارَهُ مِنْ خَلْفِهِ، وَكَانَتْ إِدَارَتُهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ أَيْسَرَ. وَمِنْهَا: جَوَازُ الصَّلَاةِ خَلْفَ مَنْ لَمْ يَنْوِ الْإِمَامَةَ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَرَعَ فِي صَلَاتِهِ مُنْفَرِدَا، ثُمَّ ائْتَمَّ بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَفِي الْهِدَايَةِ: وَإِنْ صَلَّى خَلْفَهُ أَوْ يَسَارَهُ جَازَ وَهُوَ مُسِيءٌ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ عَدَمِ الْإِسَاءَةِ إِذَا كَانَ خَلْفَهُ مُسْتَدِلًّا بِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ فَعَلَهُ وَسَأَلَهُ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: مَا لِأَحَدٍ أَنْ يُسَاوِيَكَ فِي الْمَوْقِفِ، فَدَعَا لَهُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ غَلَطٍ ; لِأَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِفِعْلِهِ وَأَمْرِهِ ﵇ وَكَانَ ذَلِكَ بِمُحَاذَاةِ الْيَمِينِ، وَدُعَاؤُهُ لَهُ لِحُسْنِ تَأْدِيبِهِ، لَا لِأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ، ثُمَّ هَذِهِ الرِّوَايَةُ إِنْ صَحَّتْ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ الْإِقَامَةَ عَنْ يَمِينِهِ ﵇ كَانَتْ بِمُحَاذَاةِ الْيَمِينِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ قَالَ: أُورِدَ كَيْفَ جَازَ النَّفْلُ بِجَمَاعَةٍ وَهُوَ بِدْعَةٌ؟ أُجِيبُ: بِأَنَّ أَدَاءَهُ بِلَا آذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ بِوَاحِدٍ أَوِ اثْنَيْنِ، يَجُوزُ عَلَى أَنْ نَقُولُ: كَانَ التَّهَجُّدُ عَلَيْهِ ﵇ فَرْضًا فَهُوَ اقْتِدَاءُ الْمُتَنَفِّلِ بِالْمُفْتَرِضِ وَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَرُوِيَ مُطَوَّلًا، وَقَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. قُلْتُ: وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ مُطَوَّلًا.
[ ٣ / ٨٥٦ ]
١١٠٧ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: «قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ، فَجِئْتُ حَتَّى قُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَدَارَنِي حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ جَاءَ جَابِرُ بْنُ صَخْرٍ، فَقَامَ عَنْ يَسَارِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأَخَذَ بِيَدَيْنَا جَمِيعًا، فَدَفَعَنَا حَتَّى أَقَامَنَا خَلْفَهُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ): ظَاهِرُهُ أَنَّهُ قَبْلَ الشُّرُوعِ (فَجِئْتُ حَتَّى قُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ لَهُ، فَأَخَذَ بِيَدِي): تَعْلِيمًا لِلْأَدَبِ (ثُمَّ جَاءَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ، فَقَامَ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَخَذَ بِيَدَيْنَا جَمِيعًا فَدَفَعْنَا) تَعْلِيمًا لِلْأَدَبِ (ثُمَّ جَاءَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ، فَقَامَ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَخَذَ بِيَدَيْنَا جَمِيعًا، فَدَفَعَنَا) أَيْ: أَخَّرَنَا (حَتَّى أَقَامَنَا خَلْفَهُ): قَالَ الطِّيبِيُّ: لَعَلَّهُ ﵇ أَخَذَ بِيَمِينِهِ شِمَالَ أَحَدِهِمَا وَبِشَمَالِهِ يَمِينَ الْآخَرِ فَدَفَعَهُمَا: قَالَ الْقَاضِي: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَقِفَ وَاحِدٌ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ، وَيَصْطَفَّ اثْنَانِ فَصَاعِدًا خَلْفَهُ، وَأَنَّ الْحَرَكَةَ الْوَاحِدَةَ وَالْحَرَكَتَيْنِ الْمُتَّصِلَتَيْنِ لَا تُبْطِلُ، وَكَذَا مَا زَادَ إِذَا تَفَاصَلَتْ.
[ ٣ / ٨٥٦ ]
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ أَنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: أُصَلِّي مِنْ خَلْفِكُمَا؟ قَالَا: نَعَمْ، فَقَامَ بَيْنَهُمَا فَجَعَلَ أَحَدَهُمَا عَنْ يَمِينِهِ وَالْآخَرَ عَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ رَكَعْنَا، فَوَضَعْنَا أَيْدِيَنَا عَلَى رُكَبِنَا، ثُمَّ طَبَّقَ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ جَعَلَهُمَا بَيْنَ فَخْذَيْهِ، فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: هَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا يَصِحُّ رَفْعُهُ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَهُمُ الْوَقْفُ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ: الثَّابِتُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ فَعَلَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَقُلْ: (هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُ) . قِيلَ: كَأَنَّهُمَا ذُهِلَا، فَإِنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَهُ مِنْ ثَلَاثِ طُرُقٍ لَمْ يَرْفَعْهُ فِي الْأَوَّلَيْنِ، وَرَفَعَهُ فِي الثَّالِثَةِ، وَقَالَ: هَكَذَا فَعَلَ إِلَخْ. وَإِذَا صَحَّ الرَّفْعُ، فَالْجَوَابُ إِمَّا بِأَنَّهُ فَعَلَهُ لِضِيقِ الْمَكَانِ، أَوْ مَا قَالَ الْحَازِمِيُّ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا تَعَلَّمَ هَذِهِ الصَّلَاةَ بِمَكَّةَ إِذْ فِيهَا التَّطْبِيقُ وَأَحْكَامٌ أُخْرَى هِيَ الْآنَ مَتْرُوكَةٌ، وَهَذِهِ مِنْ جُمْلَتِهَا، وَلَمَّا قَدِمَ ﵇ الْمَدِينَةَ تَرَكَهُ بِدَلِيلِ حَدِيثِ جَابِرٍ، فَإِنَّهُ شَهِدَ الْمَشَاهِدَ الَّتِي بَعْدَ بَدْرٍ اهـ.
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَغَايَةُ مَا فِيهِ خَفَاءُ النَّاسِخِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ ; إِذْ لَمْ يَكُنْ دَأْبُهُ ﵇ إِلَّا إِمَامَةَ الْجَمْعِ الْكَثِيرِ دُونَ الِاثْنَيْنِ إِلَّا فِي النُّدْرَةِ كَهَذِهِ الْقِصَّةِ وَحَدِيثِ الْيَتِيمِ وَهُوَ دَاخِلٌ فِي بَيْتِ امْرَأَةٍ فَلَمْ يَطَّلِعْ عَبْدُ اللَّهِ عَلَى خِلَافِ مَا عَلِمَهُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ): قَالَ مِيرَكُ: مِنْ جُمْلَةِ حَدِيثٍ طَوِيلٍ.
[ ٣ / ٨٥٧ ]
١١٠٨ - «وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: صَلَّيْتُ أَنَا وَيَتِيمٌ فِي بَيْتِنَا خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ، وَأُمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا.» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: صَلَّيْتُ أَنَا وَيَتِيمٌ فِي بَيْتِنَا): مُتَعَلِّقٌ بِصَلَّيْتُ، قِيلَ قَوْلُهُ: يَتِيمٌ اسْمُ عَلَمٍ لِأَخِي أَنَسٍ، وَقَالَ مِيرَكُ نَقْلًا عَنِ الشَّيْخِ اسْمُ الْيَتِيمِ ضُمَيْرَةُ، وَهُوَ جَدُّ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ضُمَيْرَةَ، وَقَالَ ابْنُ الْحَذَّاءِ: كَذَا سَمَّاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ وَلَمْ يَذْكُرْهُ غَيْرُهُ، وَأَظُنُّهُ سَمِعَهَا مِنْ حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، قَالَ: وَضُمَيْرَةُ هُوَ ضَمْرَةُ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اهـ، وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: الْيَتِيمُ هُوَ ضُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ الْحِمْيَرِيُّ قَالَهَا النَّوَوِيُّ. (خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ، وَأُمُّ سُلَيْمٍ) أَيْ: أُمُّ أَنَسٍ (خَلْفَنَا): فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى تَقْدِيمِ الرِّجَالِ عَلَى النِّسَاءِ، وَأَنَّ الصَّبِيَّ يَقِفُ مَعَ الرِّجَالِ، قُلْتُ: هَذَا إِنْ ثَبَتَ أَنَّ أَنَسًا حِينَئِذٍ كَانَ بَلَغَ مَبْلَغَ الرِّجَالِ ; لِأَنَّهُ جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَهُوَ ابْنُ عَشْرٍ، وَخَدَمُهُ عَشْرَ سِنِينَ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ): قَالَ مِيرَكُ: أَقُولُ: أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ فِي بَابِ الْمَرْأَةِ وَحْدَهَا تَكُونُ صَفًّا، مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، «عَنْ أَنَسٍ قَالَ: صَلَّيْتُ أَنَا وَيَتِيمٌ فِي بَيْتِنَا خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ، وَأُمِّي أُمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا»، فَالْعَجَبُ مِنَ الْمُصَنِّفِ فِي عَزْوِهِ الْحَدِيثَ إِلَى مُسْلِمٍ فَقَطْ، وَأَعْجَبُ مِنْهُ أَنَّ الشَّيْخَ الْجَزَرِيَّ أَيْضًا عَزَاهُ إِلَى مُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيِّ، وَاللَّهُ الْهَادِي. قُلْتُ: سُبْحَانَ مَنْ لَا يَغْفَلُ وَلَا يَنْسَى.
[ ٣ / ٨٥٧ ]
١١٠٩ - (وَعَنْهُ) «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِ وَبِأُمِّهِ أَوْ خَالَتِهِ، قَالَ: فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، وَأَقَامَ الْمَرْأَةَ خَلْفَنَا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
_________________
(١) (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَنَسٍ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِ) أَيْ: بِأَنَسٍ (وَبِأُمِّهِ أَوْ خَالَتِهِ): شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (قَالَ) أَيْ: أَنَسٌ (فَأَقَامَنِي) أَيْ: أَمَرَنِي بِالْقِيَامِ (عَنْ يَمِينِهِ، وَأَقَامَ الْمَرْأَةَ خَلْفَنَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ): قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
[ ٣ / ٨٥٧ ]
١١١٠ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ: «أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ رَاكِعٌ، فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ، ثُمَّ مَشَى إِلَى الصَّفِّ. فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: " زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا، وَلَا تَعُدْ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ: أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ) أَيِ: النَّبِيُّ (رَاكِعٌ، فَرَكَعَ، أَيْ: نَوَى وَكَبَّرَ قَائِمًا. وَرَكَعَ (قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ): لِيُدْرِكَهُ ﵇ فَإِنَّ مَنْ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ، فَقَدْ أَدْرَكَ تِلْكَ الرَّكْعَةَ (ثُمَّ مَشَى إِلَى الصَّفِّ) أَيْ: بِخُطْوَتَيْنِ أَوْ بِأَكْثَرَ غَيْرِ مُتَوَالِيَةٍ (فَذُكِرَ): عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، وَقِيلَ مَعْلُومٌ (ذَلِكَ) أَيْ: مَا فَعَلَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: " زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا): عَلَى الطَّاعَةِ وَالْمُبَادَرَةِ إِلَى الْعِبَادَةِ (وَلَا تَعُدْ): بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّ الْعَيْنِ مِنَ الْعَوْدِ، أَيْ: لَا تَفْعَلْهُ مِثْلَ مَا فَعَلْتَهُ ثَانِيًا. وَرُوِيَ وَلَا تَعْدُ بِسُكُونِ الْعَيْنِ وَضَمِّ الدَّالِ مِنَ الْعَدْوِ، أَيْ: لَا تُسْرِعْ فِي الْمَشْيِ إِلَى الصَّلَاةِ، وَاصْبِرْ حَتَّى تَصِلَ إِلَى الصَّفِّ، ثُمَّ اشْرَعْ فِي الصَّلَاةِ، وَقِيلَ: بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ مِنَ الْإِعَادَةِ، أَيْ: لَا تُعِدِ الصَّلَاةَ الَّتِي صَلَّيْتَهَا. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: فِيهِ أَقْوَالٌ، أَحَدُهَا: لَا تَعْدُ مِنَ الْعَدْوِ، كَقَوْلِهِ: " «لَا تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ» "، وَالثَّانِي: لَا تَعُدْ إِلَى التَّأَخُّرِ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى تَفُوتَكَ الرَّكْعَةُ مَعَ الْإِمَامِ، وَالثَّالِثُ: لَا تَعُدْ إِلَى الْإِحْرَامِ خَلْفَ الصَّفِّ نَقَلَهُ مِيرَكُ، وَلَا خَفَاءَ أَنَّ الْمَعْنَى الثَّالِثَ أَنْسَبُ بِالْمَقَامِ، وَالْأَجْمَعُ مَا قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ ضَبَطْنَاهُ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الْعَيْنِ مِنَ الْعَوْدِ، أَيْ: لَا تَعُدْ إِلَى مَا صَنَعْتَ مِنَ السَّعْيِ الشَّدِيدِ، ثُمَّ مِنَ الرُّكُوعِ دُونَ الصَّفِّ، ثُمَّ مِنَ الْمَشْيِ إِلَى الصَّفِّ.
[ ٣ / ٨٥٧ ]
وَقَالَ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ: " لَا تَعُدْ " بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّ الْعَيْنِ وَإِسْكَانِ الدَّالِ مِنَ الْعَوْدِ، أَيْ: لَا تَعُدْ ثَانِيًا إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ الْفِعْلِ، وَهُوَ الْمَشْيُ إِلَى الصَّفِّ فِي الصَّلَاةِ، وَإِنْ كَانَتِ الْخُطْوَةُ وَالْخُطْوَتَانِ لَا تُفْسِدُ الصَّلَاةَ، فَالْأَوْلَى التَّحَرُّزُ عَنْ ذَلِكَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نَهَاهُ عَنِ اقْتِدَائِهِ مُنْفَرِدًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَنْ رُكُوعِهِ قَبْلَ الْوُصُولِ إِلَى الصَّفِّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ نَهَى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَقَدْ أَبْعَدَ مَنْ قَالَ: وَلَا تُعِدْ بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ مِنَ الْإِعَادَةِ، أَيْ: لَا تُعِدْ، وَأَبْعَدُ مِنْهُ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ بِإِسْكَانِ الْعَيْنِ، وَضَمِّ الدَّالِ مِنَ الْعَدْوِ، أَيْ: لَا تُسْرِعْ، وَكِلَاهُمَا لَمْ يَأْتِ بِهِ رِوَايَةٌ، وَإِنَّمَا يَحْمِلُهُمْ عَلَى ذَلِكَ فِي أَمْثَالِهِ مِنْ تَحْرِيفِهِمْ أَلْفَاظَ النُّبُوَّةِ وَتَغْيِيرِهَا كَوْنُهُمْ لَمْ يَحْفَظُوهَا أَوْ مَا وَصَلَتْ إِلَيْهِمْ بِالرِّوَايَةِ، فَيَذْكُرُونَ مَا يَحْتَمِلُهُ الْخَطُّ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ بِاللَّفْظِ الْمَرْوِيِّ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ، نَقَلَهُ مِيرَكُ.
قَالَ الْقَاضِي: ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الِانْفِرَادَ خَلْفَ الصَّفِّ مَكْرُوهٌ غَيْرُ مُبْطِلٍ، وَقَالَ النَّخَعِيُّ، وَحَمَّادٌ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَوَكِيعٌ، وَأَحْمَدُ: مُبْطِلٌ، وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّهُ ﵇ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِعَادَةِ وَلَوْ كَانَ الِانْفِرَادُ مُفْسِدًا لَمْ تَكُنْ صَلَاتُهُ مُنْعَقِدَةً لِاقْتِرَانِ الْمُفْسِدِ بِتَحْرِيمِهَا، وَمَعْنَى لَا تَعُدْ لَا تَفْعَلْ ثَانِيًا مِثْلَ مَا فَعَلْتَ إِنْ جُعِلَ نَهْيًا عَنِ اقْتِدَائِهِ مُنْفَرِدًا، أَوْ رُكُوعُهُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ لَا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الصَّلَاةِ ; إِذْ لَيْسَ كُلُّ مُحَرَّمٍ يُفْسِدُ الصَّلَاةَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَائِدًا إِلَى الْمَشْيِ إِلَى الصَّفِّ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّ الْخُطْوَةَ وَالْخُطْوَتَيْنِ وَإِنْ لَمْ تُفْسِدِ الصَّلَاةَ لَكِنَّ الْأَوْلَى التَّحَرُّزُ عَنْهَا. قِيلَ: فَعَلَى هَذَا النَّهْيِ عَنِ الْعَوْدِ أُمِرَ بَأَنْ يَقِفَ حَيْثُ أَحْرَمَ وَيُتِمَّ الصَّلَاةَ مُنْفَرِدًا، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ وَمُحْيِي السُّنَّةِ: فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الِانْفِرَادَ خَلْفَ الصَّفِّ لَا يُبْطِلُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِعَادَةِ، وَأَرْشَدَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بِمَا هُوَ أَفْضَلُ بِقَوْلِهِ: وَلَا تَعُدْ، فَإِنَّهُ نَهْيُ تَنْزِيهٍ لَا تَحْرِيمٍ ; إِذْ لَوْ كَانَ لِلتَّحْرِيمِ لِأَمَرَهُ بِالْإِعَادَةِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، أَيْ: أَمَرَهُ بِالْإِعَادَةِ وُجُوبًا لِأَدَاءِ صَلَاتِهِ عَلَى وَجْهِ الْحُرْمَةِ لَا لِأَجْلِ فَسَادِهَا، فَإِنَّ التَّحْرِيمَ لَا يُوجِبُ الْفَسَادَ لِمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْقَاضِي. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ): قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
[ ٣ / ٨٥٨ ]
الْفَصْلُ الثَّانِي
١١١١ - عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁، قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا كُنَّا ثَلَاثَةً أَنْ يَتَقَدَّمَنَا أَحَدُنَا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّانِي
(٢) (عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ): بِضَمِّ الدَّالِ وَتُفْتَحُ (قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا كُنَّا ثَلَاثَةً): وَهُوَ أَقَلُّ كَمَالِ الْجَمَاعَةِ (أَنْ يَتَقَدَّمَنَا أَحَدُنَا): مَعْمُولُ أَمَرَنَا عَلَى حَذْفِ الْبَاءِ، أَيْ: بِأَنْ يَتَقَدَّمَنَا أَحَدُنَا، وَ(إِذَا كُنَّا) ظَرْفٌ (يَتَقَدَّمُنَا) وَجَازَ تَقْدِيمُهُ عَلَى أَنِ الْمَصْدَرِيَّةِ لِلِاتِّسَاعِ فِي الظُّرُوفِ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ يَكُونُ أَحَدُنَا إِمَامًا، وَكَذَا اثْنَيْنِ فَيَؤُمُّ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، قُلْتُ: لَكِنْ إِذَا كَانَ ثَلَاثَةٌ يَكُونُ التَّقَدُّمُ حِسًّا وَمَعْنًى، وَإِذَا كَانَ اثْنَانِ فَالتَّقَدُّمُ مَعْنَوِيٌّ ; لِأَنَّ الْمَأْمُومَ الْمُنْفَرِدَ يَقِفُ بِحِذَاءِ الْإِمَامِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ): مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ النَّاسِ فِي إِسْمَاعِيلَ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ اهـ. وَقَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِي سَمَاعِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ، نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ.
[ ٣ / ٨٥٨ ]
١١١٢ - وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ أَنَّهُ أَمَّ النَّاسَ بِالْمَدَائِنِ، وَقَامَ عَلَى دُكَّانٍ يُصَلِّي وَالنَّاسُ أَسْفَلَ مِنْهُ، فَتَقَدَّمَ حُذَيْفَةُ فَأَخَذَ عَلَى يَدَيْهِ، فَاتَّبَعَهُ عَمَّارٌ حَتَّى أَنْزَلَهُ حُذَيْفَةُ، فَلَمَّا فَرَغَ عَمَّارٌ مِنْ صَلَاتِهِ، قَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: أَلَمْ تَسْمَعْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «إِذَا أَمَّ الرَّجُلُ الْقَوْمَ فَلَا يَقُمْ فِي مَقَامٍ أَرْفَعَ مِنْ مَقَامِهِمْ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ» "؟ فَقَالَ عَمَّارٌ: لِذَلِكَ اتَّبَعْتُكَ حِينَ أَخَذْتَ عَلَى يَدِي. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) وَعَنْ عَمَّارٍ: أَنَّهُ أَمَّ النَّاسَ بِالْمَدَائِنِ): بِالْهَمْزِ بَلَدُ كِسْرَى قُرَيْبَ الْكُوفَةِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: مَدِينَةٌ قَدِيمَةٌ عَلَى دِجْلَةَ قَرِيبَةٌ مِنْ بَغْدَادَ (وَقَامَ عَلَى دُكَّانٍ) أَيْ: وَحْدَهُ فَإِنَّهُ لَوْ قَامَ الْإِمَامُ مَعَ بَعْضِ الْقَوْمِ فِي الْمَكَانِ الْأَعْلَى لَا يُكْرَهُ، وَفِي الِانْفِرَادِ بِالْمَكَانِ أَسْفَلَ اخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا، قَالَ الطَّحَاوِيُّ: لَا يُكْرَهُ لِعَدَمِ التَّشَبُّهِ بِأَهْلِ الْكِتَابِ، فَإِنَّهُمْ إِنَّمَا يَخُصُّونَ إِمَامَهُمْ بِالْمَكَانِ الْمُرْتَفِعِ، وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ الْكَرَاهَةُ ; لِأَنَّ فِيهِ ازْدِرَاءً بِالْإِمَامِ، وَمِقْدَارُ الِارْتِفَاعِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ
[ ٣ / ٨٥٨ ]
كَرَاهَةُ الِانْفِرَادِ، قِيلَ: مِقْدَارُ قَامَةٍ، وَقِيلَ: مَا يَقَعُ بِهِ الِامْتِيَازُ، وَقِيلَ: مِقْدَارُ ذِرَاعٍ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ، كَذَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ، وَفِي قَوْلِ الطَّحَاوِيِّ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ لَيْسَتْ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ هَذِهِ الْأُمَّةِ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (يُصَلِّي): حَقِيقَةً أَوْ يُرِيدُ الصَّلَاةَ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، (وَالنَّاسُ أَسْفَلَ مِنْهُ) أَيْ: قَائِمُونَ فِي مَكَانٍ أَسْفَلَ مِنْ مَكَانِهِ (فَتَقَدَّمَ حُذَيْفَةُ) أَيْ: مِنَ الصَّفِّ (فَأَخَذَ عَلَى يَدَيْهِ) أَيْ: أَمْسَكَهُمَا وَجَرَّ عَمَّارًا مِنْ خَلْفِهِ لِيَنْزِلَ إِلَى أَسْفَلَ وَيَسْتَوِيَ مَعَ الْمَأْمُومِينَ (فَاتَّبَعَهُ): بِالتَّشْدِيدِ (عَمَّارٌ) أَيْ: طَاوَعَهُ (حَتَّى أَنْزَلَهُ) أَيْ: مِنَ الدُّكَّانِ (حُذَيْفَةُ، فَلَمَّا فَرَغَ عَمَّارٌ مِنْ صَلَاتِهِ، قَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: أَلَمْ تَسْمَعْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ): وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى شُهْرَةِ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَهُمْ (يَقُولُ: " إِذَا أَمَّ الرَّجُلُ الْقَوْمَ فَلَا يَقُمْ فِي مَقَامٍ أَرْفَعَ) أَيْ: أَعْلَى (مِنْ مَقَامِهِمْ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ): عَطْفٌ عَلَى مَفْعُولِ يَقُولُ (فَقَالَ) أَيْ: لَهُ كَمَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ (عَمَّارٌ: لِذَلِكَ) أَيْ: لِأَجْلِ سَمَاعِي هَذَا النَّهْيَ مِنْهُ أَوَّلًا وَتَذَكُّرِي بِفِعْلِكَ ثَانِيًا (اتَّبَعْتُكَ) أَيْ: فِي النُّزُولِ (حِينَ أَخَذْتَ عَلَى يَدِي): وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِالتَّثْنِيَةِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَرَاهَةِ كَوْنِ مَوْضِعِ الْإِمَامِ أَعْلَى مِنْ مَوْضِعِ الْمَأْمُومِينَ، لَكِنْ إِنَّمَا تَكُونُ هَذِهِ الْكَرَاهَةُ لَوْ كَانَ مَوْضِعُهُ أَعْلَى مِنْ أَهْلِ الصَّفِّ الَّذِي خَلْفَهُ، لَا مِنْ مَوْضِعِ جَمِيعِ الصُّفُوفِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ): مِنْ طَرِيقِ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ: أَنَّهُ كَانَ مَعَ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ بِالْمَدَائِنِ. فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَتَقَدَّمَ عَمَّارٌ فَقَامَ عَلَى دُكَّانٍ يُصَلِّي وَذَكَرَهُ، وَفِي إِسْنَادِهِ كَمَا تَرَى رَجُلٌ مَجْهُولٌ، لَكِنْ رَوَى هَمَّامٌ قَالَ: أَمَّ حُذَيْفَةُ النَّاسَ بِالْمَدَائِنِ عَلَى دُكَّانٍ، فَأَخَذَ ابْنُ مَسْعُودٍ بِقَمِيصِهِ فَجَذَبَهُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَنْهَوْنَ عَنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: ذَكَرْتُ حِينَ مَدَدْتَنِي، وَفِي رِوَايَةٍ: جَذَبْتَنِي، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ، أَيْضًا، وَقَالَ الْحَاكِمُ: إِنَّهُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ: إِنَّ حُذَيْفَةَ هُوَ الْإِمَامُ وَابْنُ مَسْعُودٍ هُوَ الَّذِي أَخَذَ بِقَمِيصِهِ فَجَذَبَهُ، الْحَدِيثَ. وَلَا تَخَالُفَ لِأَنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ، وَلَا بَعُدَ أَنْ حُذَيْفَةَ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ قَبْلَ وَاقِعَتِهِ مَعَ عَمَّارٍ أَوْ بَعْدَهَا؛ لِأَنَّ النِّسْيَانَ غَالِبٌ عَلَى الْإِنْسَانِ، وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ، قَالَ النَّوَوِيُّ: رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، قَالَ وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ لَهُ: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ أَنْ يَقُومَ الْإِمَامُ وَيَبْقَى النَّاسُ خَلْفَهُ؟ اهـ. نَقَلُهُ مَيْرَكٌ عَنِ التَّصْحِيحِ.
[ ٣ / ٨٥٩ ]
١١١٣ - «وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، أَنَّهُ سُئِلَ: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ الْمِنْبَرُ؟ فَقَالَ: هُوَ مِنْ أَثْلِ الْغَابَةِ، عَمِلَهُ فُلَانٌ مَوْلَى فُلَانَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ عُمِلَ وَوُضِعَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَكَبَّرَ، وَقَامَ النَّاسُ خَلْفَهُ، فَقَرَأَ وَرَكَعَ، وَرَكَعَ النَّاسُ خَلْفَهُ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى، فَسَجَدَ عَلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ قَرَأَ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى، حَتَّى سَجَدَ بِالْأَرْضِ» . هَذَا لَفَظُ الْبُخَارِيِّ، وَفِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ نَحْوُهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: «فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: " أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بِي وَلِتَعْلَمُوا صَلَاتِي» .
_________________
(١) (وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ): كَانَ اسْمُهُ حَزْنًا، فَسَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ سَهْلًا. (أَنَّهُ سُئِلَ: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ الْمِنْبَرُ؟): اللَّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ ; إِذِ السُّؤَالُ عَنْ مِنْبَرِهِ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. (فَقَالَ: هُوَ مِنْ أَثْلِ الْغَابَةِ): بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الثَّاءِ الطَّرْفَاءِ، وَالْغَابَةُ غَيْضَةٌ ذَاتُ شَجَرٍ كَثِيرٍ، وَهِيَ عَلَى تِسْعَةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: الْأَثْلُ هُوَ الطَّرْفَاءُ، وَقِيلَ: هُوَ شَجَرَةٌ شَبِيهٌ بِالطَّرْفَاءِ إِلَّا أَنَّهُ أَعْظَمُ مِنْهُ (عَمِلَهُ فُلَانٌ) قِيلَ: اسْمُهُ بَاقُومُ الرُّومِيُّ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: ذُكِرَ أَنَّهُ صَنَعَهُ ثَلَاثَ دَرَجَاتٍ. (مَوْلَى فُلَانَةَ): قِيلَ: اسْمُهَا عَائِشَةُ أَنْصَارِيَّةٌ، وَقِيلَ امْرَأَةٌ بِالْمَدِينَةِ لَمْ يَعْرِفْ نَسَبَهَا أَصْحَابُ الْحَدِيثِ. (لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ): مُتَعَلِّقٌ بِعَمَلِهِ (وَقَامَ عَلَيْهِ) أَيْ: لِلتَّعْلِيمِ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ عَمِلَ) أَيْ: صَنَعَ (وَوُضِعَ) أَيْ: فِي مَكَانِهِ الْمَعْرُوفِ بِالْمَسْجِدِ (فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَكَبَّرَ) أَيْ: لِلتَّحْرِيمَةِ، وَلَعَلَّهُ كَانَ فِي الدَّرَجَةِ الْأَخِيرَةِ فَلَمْ تَكْثُرْ أَفْعَالُهُ فِي الصُّعُودِ وَالنُّزُولِ (وَقَامَ النَّاسُ ". خَلْفَهُ): اقْتِدَاءً بِهِ (فَقَرَأَ وَرَكَعَ، وَرَكَعَ النَّاسُ خَلْفَهُ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَجَعَ، أَيْ: بِخُطْوَتَيْنِ (الْقَهْقَرَى) أَيِ: الرُّجُوعَ الْقَهْقَرَى مَصْدَرٌ، وَهُوَ الرُّجُوعُ إِلَى خَلْفٍ، أَيْ
[ ٣ / ٨٥٩ ]
الرُّجُوعُ الْمَعْرُوفُ بِهَذَا الِاسْمِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ مَشَى إِلَى خَلْفِ ظَهْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعُودَ إِلَى جِهَةِ مَشْيِهِ، (فَسَجَدَ عَلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْمِنْبَرِ): قَالَ الْمُظْهِرُ: هَذَا الْمِنْبَرُ كَانَ ثَلَاثَ دَرَجَاتٍ مُتَقَارِبَةٍ، فَالنُّزُولُ يَتَيَسَّرُ بِخُطْوَةٍ أَوْ خُطْوَتَيْنِ، وَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ إِذَا أَرَادَ تَعْلِيمَ الْقَوْمِ، أَيِ: الْقَرِيبَ وَالْبَعِيدَ الصَّلَاةَ جَازَ أَنْ يَكُونَ مَوْضِعُهُ أَعْلَى، قِيلَ: قَوْلُهُ: عَمِلَ إِلَخْ. زِيَادَةٌ فِي الْجَوَابِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: الْمُهِمُّ أَنْ يَعْرِفَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ الْغَرِيبَةَ، إِنَّمَا ذَكَرَ حِكَايَةَ صُنْعِ الصَّانِعِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ عَارِفٌ بِتِلْكَ الْمَسْأَلَةِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا مِنَ الْأَحْوَالِ وَالْفَوَائِدِ، (ثُمَّ قَرَأَ، ثُمَّ رَكَعَ): وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: وَرَكَعَ (ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى، حَتَّى سَجَدَ بِالْأَرْضِ. هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ): أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنَ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَهُ هُنَا تَأَسِّيًا بِالْمَصَابِيحِ، حَيْثُ ذَكَرَهُ فِي الْحِسَانِ لِيُبَيِّنَ بِهِ أَنَّهُ مُقَيِّدٌ لِمَا قَبْلَهُ.
(وَفِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ نَحْوُهُ): قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ (وَفِي آخِرِهِ): وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: وَقَالَ، أَيِ الرَّاوِي فِي آخِرِهِ، أَيْ آخِرِ الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، (فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: " أَيُّهَا النَّاسُ): وَفِي نُسْخَةٍ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ (إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا) أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَكَانِ الْمُرْتَفِعِ (لِتَأْتَمُّوا بِي) أَيْ: لِتَقْتَدُوا بِي فِي الصَّلَاةِ أَوَّلًا (وَلِتَعْلَمُوا صَلَاتِي) أَيْ: كَيْفِيَّتَهَا ثَانِيًا، قَالَ مِيرَكُ: كَذَا فِي جَمِيعِ النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ مِنَ الْمِشْكَاةِ بِسُكُونِ الْعَيْنِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ، وَوَقَعَ فِي أَصْلِ سَمَاعِنَا مِنَ الْبُخَارِيِّ: وَلِتَعَلَّمُوا بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ، وَصَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِهِ، وَكَذَلِكَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، قُلْتُ: وَكَذَا هُوَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ، فَيَكُونُ عَلَى حَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ.
[ ٣ / ٨٦٠ ]
١١١٤ - «وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حُجْرَتِهِ وَالنَّاسُ يَأْتَمُّونَ بِهِ مِنْ وَرَاءِ الْحُجْرَةِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: صَلَّى) أَيِ: التَّرَاوِيحَ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حُجْرَتِهِ): وَهِيَ مَوْضِعٌ صَنَعَهُ مِنَ الْحَصِيرِ فِي الْمَسْجِدِ لِلِاعْتِكَافِ، (وَالنَّاسُ يَأْتَمُّونَ بِهِ) أَيْ: يَقْتَدُونَ بِهِ (مِنْ وَرَاءِ الْحُجْرَةِ) أَيْ: خَلْفَهَا، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَإِذَا كَانَ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا بَأْسَ بِاخْتِلَافِ مَوَاضِعِهِمْ، قُلْتُ: سِيَّمَا فِي النَّفْلِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: قَالُوا: الْحُجْرَةُ هِيَ الْمَكَانُ الَّذِي اتَّخَذَهُ حُجْرَةً فِي الْمَسْجِدِ مِنْ حَصِيرٍ صَلَّى فِيهَا لَيَالِيَ، وَقِيلَ: هِيَ حُجْرَةُ عَائِشَةَ وَلَيْسَ بِذَاكَ، وَإِلَّا قَالَتْ حُجْرَتِي، وَأَيْضًا صَلَاتُهُ لَا تَصِحُّ فِي حُجْرَتِهَا مَعَ اقْتِدَاءِ النَّاسِ بِهِ فِي الْمَسْجِدِ إِلَّا بِشَرَائِطَ وَهِيَ مَفْقُودَةٌ، وَلِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ بَابَهَا كَانَ حِذَاءَ الْقِبْلَةِ، فَإِذًا لَا يُتَصَوَّرُ اقْتِدَاءُ مَنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ بِهِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَتَكَلَّفْ ﷺ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ بِأَنْ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ وَرِجْلَاهُ تَخُطَّانِ فِي الْأَرْضِ. قُلْتُ: فِي هَذِهِ الْعِلَّةِ وَالَّتِي تَلِيهَا نَظَرُ تَأَمُّلٍ: وَعِبَارَتُهُ: وَأَيْضًا صَلَاتُهُ لَا تَصِحُّ إِلَخْ. لَا يَصِحُّ، بَلِ الصَّحِيحُ أَنْ يُقَالَ: وَاقْتِدَاءُ النَّاسِ بِهِ وَهُوَ فِي حُجْرَتِهَا لَا يَصِحُّ إِلَخْ. ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَجَرٍ قَالَ: لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ لِمَا قَالَهُ عَطَاءٌ وَغَيْرُهُ أَنَّ الشَّرْطَ فِي صِحَّةِ الْقُدْوَةِ بِشَخْصٍ عِلْمُهُ بِانْتِقَالَاتِهِ لَا غَيْرُ، أَمَّا أَوَّلًا فَإِنَّهُ لَوِ اكْتَفَى بِذَلِكَ لَبَطَلَ السَّعْيُ الْمَأْمُورُ بِهِ وَالدُّعَاءُ إِلَى الْجَمَاعَةِ، وَكَانَ كُلُّ أَحَدٍ يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ وَسُوقِهِ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ فِي الْمَسْجِدِ، وَهُوَ خِلَافُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَاشْتِرَاطُ اتِّحَادِ مَوْقِفِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ عَلَى مَا فُصِّلَ فِي الْفُرُوعِ لِأَنَّهُ مِنْ مَقَاصِدِ الِاقْتِدَاءِ اجْتِمَاعُ جَمْعٍ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ عُرْفًا، كَمَا عُهِدَ عَلَيْهِ الْجَمَاعَاتُ فِي الْعُصُورِ الْخَالِيَةِ، وَمَبْنَى الْعِبَادَاتِ عَلَى رِعَايَةِ الِاتِّبَاعِ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحُجْرَةِ كَمَا قَالُوهُ الْمَحَلُّ الَّذِي اتَّخَذَهُ ﵇ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ حَصِيرٍ، حِينَ أَرَادَ الِاعْتِكَافَ، وَيُؤَيِّدُهُ الْخَبَرُ الصَّحِيحُ «أَنَّهُ ﵇ اتَّخَذَ حُجْرَةً مِنْ حَصِيرٍ صَلَّى فِيهَا لَيَالِيَ»، قِيلَ: وَيُؤَيِّدُهُ، أَيْضًا مَا ثَبَتَ أَنَّ بَابَهَا كَانَ حِذَاءَ الْقِبْلَةِ، وَحِينَئِذٍ لَا يُتَصَوَّرُ اقْتِدَاءُ مَنْ بِالْمَسْجِدِ بِهِ ﵇ وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَتَكَلَّفْ إِلَخْ. وَفِي الْأَوَّلِ نَظَرٌ، بَلْ يُتَصَوَّرُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَكَذَا فِي الثَّانِي لِاحْتِمَالِ أَنَّ خُرُوجَهُ كَانَ لِحِكْمَةٍ أُخْرَى، لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْهَا إِلَّا إِدْخَالُ السُّرُورِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِخُرُوجِهِ إِلَيْهِمْ لَكَفَى. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ): قَالَ مِيرَكُ: وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِنَحْوِهِ أَيْضًا
[ ٣ / ٨٦٠ ]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
١١١٥ - «عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ، قَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَقَامَ الصَّلَاةَ، وَصَفَّ الرِّجَالَ، وَصَفَّ خَلْفَهُمُ الْغِلْمَانَ، ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ، فَذَكَرَ صَلَاتَهُ ثُمَّ قَالَ " هَكَذَا صَلَاةُ " قَالَ عَبْدُ الْأَعْلَى: لَا أَحْسَبُهُ إِلَّا قَالَ: " أُمَّتِي» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
_________________
(١) الْفَصْلُ الثَّالِثُ
(٢) (عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟): يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ أَلَا لِلتَّنْبِيهِ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهَامِ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: قَالُوا: نَعَمْ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مِنَ الْمَعْلُومِ مَحَبَّتُهُمْ لِلْعِلْمِ بِصَلَاتِهِ ﵇ فَقِيلَ قَوْلُهُمْ قَالُوا: نَعَمْ. (قَالَ) أَيْ: أَبُو مَالِكٍ (أَقَامَ الصَّلَاةَ) أَيْ: أَمَرَ بِإِقَامَتِهَا، أَوْ أَقَامَهَا بِنَفْسِهِ (وَصَفَّ ثُمَّ قَالَ: الرِّجَالَ): بِالنَّصْبِ، أَيْ: صَفَّهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَالُ: صَفَفْتُ الْقَوْمَ فَاصْطَفُّوا نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ. (وَصَفَّ خَلْفَهُمُ الْغِلْمَانَ) أَيِ: الصِّبْيَانَ (ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ، فَذَكَرَ صَلَاتَهُ) أَيْ: وَصَفَ الرَّاوِي، أَيْ أَبُو مَالِكٍ صَلَاةَ الرَّسُولِ ﷺ، أَيْ كَيْفِيَّتَهَا، وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " كَيْتَ وَكَيْتَ "، فَحَذَفَ الْمَعْطُوفَ عَلَيْهِ ثِقَةً بِفَهْمِ السَّامِعِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. (ثُمَّ قَالَ) أَيْ: رَسُولُ اللَّهِ (هَكَذَا صَلَاةُ " قَالَ عَبْدُ الْأَعْلَى) أَيِ: الرَّاوِي عَنْ أَبِي مَالِكٍ (لَا أَحْسَبُهُ) أَيْ: لَا أَظُنُّ أَبَا مَالِكٍ (إِلَّا قَالَ) أَيْ: نَاقِلًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (أُمَّتِي) أَيْ: هَكَذَا صَلَاةُ أُمَّتِي، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا هَكَذَا، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ نَبِيهٌ عَلَى أَنَّ مَنْ لَا يُصَلِّي هَكَذَا لَيْسَ مِنْ أُمَّتِهِ التَّابِعِينَ لَهُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
[ ٣ / ٨٦١ ]
١١١٦ - «وَعَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا فِي الْمَسْجِدِ، فِي الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ، فَجَبَذَنِي رَجُلٌ مِنْ خَلْفِي جَبْذَةً، فَنَحَّانِي، وَقَامَ مَقَامِي، فَوَاللَّهِ مَا عَقَلْتُ صَلَاتِي، فَلَمَّا انْصَرَفَ، إِذَا هُوَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَقَالَ: يَا فَتَى لَا يَسُوءُكَ اللَّهُ، إِنَّ هَذَا عُهِدَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَيْنَا أَنْ نَلِيَهُ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَقَالَ: هَلَكَ أَهْلُ الْعُقَدِ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ مَا عَلَيْهِمْ آسَى وَلَكِنْ آسَى عَلَى مَنْ أَضَلُّوا. قُلْتُ: يَا أَبَا يَعْقُوبَ مَا تَعْنِي بِأَهْلِ الْعَقْدِ؟ قَالَ: الْأُمَرَاءُ» . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
_________________
(١) (وَعَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ): بِضَمِّ الْعَيْنِ وَتَخْفِيفِ الْبَاءِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِي التَّقْرِيبِ: بَصْرِيٌّ ثِقَةٌ مِنَ الثَّانِيَةِ مُخَضْرَمٌ مَاتَ بَعْدَ الثَّمَانِينَ، وَوَهَمَ مَنْ عَدَّهُ فِي الصَّحَابَةِ. (قَالَ: بَيْنَا أَنَا فِي الْمَسْجِدِ فِي الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ فَجَبَذَنِي): قَالَ الطِّيبِيُّ: مَقْلُوبُ جَذَبَنِي (رَجُلٌ مِنْ خَلَفِي جَبْذَةً) أَيْ: وَاحِدَةً أَوْ شَدِيدَةً (فَنَحَّانِي): بِالتَّشْدِيدِ، أَيْ: بَعَّدَنِي وَأَخَّرَنِي (وَقَامَ مَقَامِي، فَوَاللَّهِ مَا عَقَلْتُ صَلَاتِي) أَيْ: مَا دَرَيْتُ كَيْفَ أُصَلِّي وَكَمْ صَلَّيْتُ لِمَا فَعَلَ بِي مَا فَعَلَ، وَلِمَا حَصَلَ عِنْدِي بِسَبَبِ تَأَخُّرِي عَنِ الْمَكَانِ الْفَاضِلِ مَعَ سَبْقِي إِلَيْهِ وَاسْتِحْقَاقِي لَهُ، فَانْتِفَاءُ الْعَقْلِ مُسَبَّبٌ عَمَّا قَبْلَهُ وَالْقَسَمُ مُعْتَرِضٌ، (فَلَمَّا انْصَرَفَ) أَيْ: ذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي جَبَذَنِي (إِذَا هُوَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ): مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ (فَقَالَ) أَيْ: لِي إِذْ فَهِمَ مِنِّي التَّغَيُّرَ بِسَبَبِ مَا فَعَلَهُ مَعِي تَطْيِيبًا لِخَاطِرِي (يَا فَتَى لَا يَسُوءُكَ اللَّهُ): قَالَ الطِّيبِيُّ: كَانَ الظَّاهِرُ لَا يَسُوءُكَ مَا فَعَلَ بِكَ، وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَأَمْرِ رَسُولِهِ أَسْنَدَهُ إِلَى اللَّهِ مَزِيدًا لِلتَّسْلِيَةِ اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَاهُ لَا يُحْزِنْكَ اللَّهُ بِي وَبِسَبَبِ فِعْلِي، ثُمَّ ذَكَرَ جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً مُبَيِّنَةً لِعِلَّةِ مَا فَعَلَ اعْتِذَارًا إِلَيْهِ (إِنَّ هَذَا) أَيْ: مَا فَعَلْتُ (عَهْدٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ) أَيْ: وَصِيَّةٌ أَوْ أَمْرٌ مِنْهُ يُرِيدُ قَوْلَهُ: " «لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى» " وَفِيهِ: أَنَّ قَيْسًا لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ وَلِذَلِكَ نَحَّاهُ. (إِلَيْنَا أَنْ نَلِيَهُ) أَيْ: وَمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ (ثُمَّ اسْتَقْبَلَ) أَيْ: أَبِي (الْقِبْلَةَ، فَقَالَ: هَلَكَ أَهْلُ الْعُقَدِ): قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ أَهْلُ الْوِلَايَاتِ عَلَى الْأَمْصَارِ مِنْ عَقْدِ الْأَلْوِيَةِ لِلْأُمَرَاءِ، وَمِنْهُ هَلَكَ أَهْلُ الْعُقْدَةِ، أَيِ: الْبَيْعَةِ الْمَعْقُودَةِ لِلْوُلَاةِ (وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، ثَلَاثًا) أَيْ: قَالَ مَقُولَهُ أَوْ أَقْسَمَ ثَلَاثًا (ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ مَا عَلَيْهِمْ) أَيْ: عَلَى أَهْلِ الْعُقَدِ (آسَى) أَيْ: أَحْزَنُ وَهُوَ بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ عَلَى وَزْنِ أَفْعَلُ صِيغَةُ مُتَكَلِّمٍ أُبْدِلَتْ هَمْزَتُهُ الثَّانِيَةُ أَلِفًا مِنَ الْأَسَى، وَهُوَ الْحُزْنُ. وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ مِنَ الْإِسَاءَةِ مَقْصُورًا مَفْتُوحًا غَيْرُ صَحِيحٍ وَمُوهِمٌ صَرِيحٌ، وَتَحْقِيقُهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً: فَكَيْفَ آسَى؟ (وَلَكِنْ آسَى عَلَى مَنْ أَضَلُّوا): قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ لَا أَحْزَنُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْجَوَرَةِ، بَلْ أَحْزَنُ عَلَى أَتْبَاعِهِمُ الَّذِينَ أَضَلُّوهُمْ، لَعَلَّهُ قَالَ ذَلِكَ تَعْرِيضًا بِأُمَرَاءِ عَهْدِهِ. (قُلْتُ: يَا أَبَا يَعْقُوبَ): وَفِي نُسْخَةٍ الْهَمْزَةُ مَكْتُوبَةٌ (مَا تَعْنِي) أَيْ: تُرِيدُ (بِأَهْلِ الْعُقَدِ؟ قَالَ: الْأُمَرَاءَ): بِالنَّصْبِ عَلَى تَقْدِيرِ أَعْنِي: وَبِالرَّفْعِ بِتَقْدِيرِهِمْ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيِ الْأُمَرَاءُ عَلَى النَّاسِ، لَا سِيَّمَا أَهْلِ الْأَمْصَارِ سُمُّوا بِذَلِكَ لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِعَقْدِ الْأَلْوِيَةِ لَهُمْ عِنْدَ التَّوْلِيَةِ. (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) .
[ ٣ / ٨٦١ ]